العودة   منتديات شبكة الدعوة السلفية من المسجد الأقصى المبارك > منتدى العقيدة والمنهج

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: من شرف الفقر ومن فضله على الغِنى!!!! (آخر رد :محمّد أسعد التميميّ)       :: عندما ترفع الأمانة: المؤذنون أمناء المسلمين على فطرهم وسحورهم (آخر رد :محمّد أسعد التميميّ)       :: تحقيق ضعيف لكتاب نزول عيسى بن مريم آخر الزمان!!! (آخر رد :محمّد أسعد التميميّ)       :: هل همّنا كهمّهم؟؟ (آخر رد :محمّد أسعد التميميّ)       :: إنّ منع الله كلّه عطاء!!! (آخر رد :محمّد أسعد التميميّ)       :: ما ظل من العمر قد ما مضى / فلان على حفة قبره (آخر رد :عدنان أبو بكر)       :: البلاء الذي نزل بسبب سكوت الخاصة (آخر رد :طه بن يسري التميمي)       :: لا يدخل بيتك إلا مؤمن ولا يأكل طعامك إلّا تقي وعزايم رمضان؟ (آخر رد :محمّد أسعد التميميّ)       :: فصل( في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة والاجماع على الأمر بمخالفة الكفار ، والنهي عن التشبه بهم) (آخر رد :عدنان أبو بكر)       :: أحكام الصلاة على الجنازة في المسجد لابن قطلوبغا الحنفيّ! (آخر رد :محمّد أسعد التميميّ)      

إضافة رد
 
أدوات الموضوع طريقة عرض الموضوع
  #1  
قديم 02-18-2009, 10:44 PM
حسني فرحات
زائر
 
المشاركات: n/a
افتراضي الحث على اتباع السنة والتحذير من البدع وبيان خطرها

الحث على اتباع السنة والتحذير من البدع وبيان خطرها
الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره،ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له،وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له،وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدِّين كلِّه، فبلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة،وجاهد في الله حقَّ جهاده، اللَّهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهديه وسلك سبيله إلى يوم الدِّين.
أمَّا بعد، فإنَّ نعمَ الله عزَّ وجلَّ على عباده كثيرة لا تُعدُّ ولا تُحصى، وأجلُّ نعمة أنعم الله بها على الإنس والجنِّ في آخر الزمان أن بعث فيهم رسولَه الكريم محمداً عليه أفضل الصلاة وأتمُّ التسليم، فبلَّغهم ما أُرسل به إليهم من ربِّهم على التمام والكمال، وقد قال الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري رحمه الله: "مِن الله عزَّ وجلَّ الرسالة، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاغ،وعلينا التسليم" ،ذكره البخاري عنه في أول باب قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} من كتاب التوحيد من صحيحه (13/503 ـ مع الفتح).
فالذي من الله الرسالة،وقد حصل ذلك،كما قال الله عزَّ وجلَّ {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}، وقال: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} والذي على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو البلاغ قد حصل على أكمل الوجوه وأتمِّها، كما قال الله عزَّ وجلَّ {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}، وقال: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ}
وأمَّا الذي على العباد وهو التسليم والانقياد، فقد انقسم الناس فيه إلى موفَّق متَّبع لسبيل الحقِّ،وغير موفَّق متَّبع للسبل الأخرى، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
من صفات الشريعة البقاء والعموم والكمال
وهذه الشريعة التي بعث الله بها رسوله الكريم محمداً صلى الله عليه وسلم متصفةٌ بثلاث صفات، هي البقاء والعموم والكمال، فهي باقية إلى قيام الساعة،قال الله عزَّ وجلَّ: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ}، وروى البخاري (71) ومسلم (1037) عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: "من يُرد الله به خيراً يفقهه في الدِّين، وإنَّما أنا قاسمٌ والله يُعطي، ولن تزال هذه الأمَّةُ قائمةً على أمر الله، لا يضرُّهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله".
وهي عامَّة للثقلَين الجن والإنس،وهم أمَّتُه صلى الله عليه وسلم أمَّة الدعوة، فإنَّ كلَّ إنسيٍّ وجنيٍّ من حين بعثته إلى قيام الساعة مدعوٌّ إلى الدخول في الدِّين الحنيف الذي بعث الله به رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، ففي هذه الآية الكريمة الإشارة إلى أمَّة الدعوة وأمَّة الإجابة، فأمَّة الدعوة في قوله: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ}، أي: يدعو كلَّ أحد، فحُذف المفعول لإفادة العموم، وأمَّة الإجابة في قوله: {وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، فإنَّ الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم هم الذين استجابوا لدعوته صلى الله عليه وسلم ودخلوا في دينه الحنيف، فكانوا من المسلمين، وحصول الهداية لأمَّة الإجابة إنَّما هو بفضل الله وتوفيقه، وهذه الهداية إلى الصراط المستقيم توفيق من الله لِمَن هداهم، ولا يملك هذه الهداية إلاَّ الله سبحانه، كما قال الله عزَّ وجلَّ {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}، وأمَّا هداية الدلالة والإرشاد، فقد أثبتها الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلم في قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، أي: تدلُّ وتُرشد، ومن أدلَّة شمول دعوته صلى الله عليه وسلم للناس جميعاً قول الله عزَّ وجلَّ: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}، وقوله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمَّة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسِلتُ به إلاَّ كان من أصحاب النار" رواه مسلم في صحيحه (153)، ومصداق ذلك في كتاب الله، كما جاء عن سعيد ابن جُبير ـ رحمه الله ـ في قول الله عزَّ وجلَّ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ}، ذكره عنه ابن كثير في تفسيره هذه الآية من سورة هود.
ومن أدلَّة شمول دعوته للجنِّ قوله الله عزَّ وجلَّ: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، وقال الله عزَّ وجلَّ في سورة الرحمن: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}، وهي خطاب من الله للإنس والجنِّ، وقد ذُكِرت هذه الآية في هذه السورة إحدى وثلاثين مرة.
وفي سنن الترمذي (3291) عن جابر رضي الله عنه قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أوَّلِها إلى آخرها فسكتوا، فقال: لقد قرأتها على الجنِّ ليلة الجنِّ فكانوا أحسنَ مردوداً منكم؛ كنتُ كلَّما أتيتُ على قوله: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}، قالوا: لا بشيء من نعمك ربَّنا نكذِّب، فلك الحمد"، وله شاهد عن ابن عمر عند ابن جرير، انظر تخريجه في السلسلة الصحيحة للألباني (2150)، ومن سور القرآن سورة الجن، وقد حكى الله فيها عنهم جُملاً من أقوالهم.
وأمَّا الصفة الثالثة من صفات هذه الشريعة، وهي صفة الكمال، فقد قال الله عزَّ وجلَّ في كتابه العزيز: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلاَّ هالك" حديث صحيح، رواه ابن أبي عاصم في السنة (48) عن العرباض بن سارية رضي الله عنه، ورواه أيضاً (47) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه ، وفي صحيح مسلم (262) عن سلمان رضي الله عنه قال: قيل له: "قد علَّمكم نبيُّكم صلى الله عليه وسلم كلَّ شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل! لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم"، وهو يدلُّ على كمال الشريعة واستيعابها لكلِّ ما تحتاجه هذه الأمَّة، حتى آداب قضاء الحاجة، وفي صحيح مسلم أيضاً (1844) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّه لم يكن نبيٌّ قبلي إلاَّ كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمَّته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم"، وروى البخاري في صحيحه (5598) عن أبي الجويرية قال: "سألتُ ابنَ عباس عن الباذق، فقال: سبق محمد صلى الله عليه وسلم الباذق، فما أسكر فهو حرام، قال: الشراب الحلال الطيب، قال: ليس بعد الحلال الطيب إلاَّ الحرام الخبيث"، والباذق نوعٌ من الأشربة، والمعنى أنَّ الباذق لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم، ولكن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم مستوعب له ولغيره، وذلك في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أسكر فهو حرام"، فإنَّ عموم هذا الحديث يدلُّ على أنَّ كلَّ مسكر مِمَّا كان في زمنه صلى الله عليه وسلم أو وُجد بعد زمنه، سواء كان سائلاً أو جامداً، فهو حرام، وأنَّ ما لم يكن كذلك فهو حلال، ويُقال في شرب الدخان الذي وُجد في أزمنة متأخرة ما قيل في الباذق، وهو أنَّ الشريعة بعموماتها دالَّةٌ على تحريمه، وذلك في قوله سبحانه وتعالى عن نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}، وهو ليس من الطيبات، بل هو من الخبائث، فيكون محرَّماً، ويُضاف إلى ذلك أيضاً أنَّه يجلب الأمراض التي تؤدِّي إلى الوفاة، وفيه إضاعة المال، وإيذاء الناس برائحته الكريهة، وكلُّها دالَّةٌ على تحريمه، وقال أبو ذررضي الله عنه: "ترَكَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يطير بجناحيه إلاَّ عندنا منه علم" أخرجه أبو حاتم ابن حبان في صحيحه (65)، وقال: "معنى (عندنا منه) يعني بأوامره ونواهيه وأخباره وأفعاله وإباحته صلى الله عليه وسلم"، صححه الشيخ الألباني في صحيح موارد الظمآن في زوائد ابن حبان للهيثمي (1/119)، ومن العلم الذي عندنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطير ما رواه مسلم في صحيحه (1934) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلِّ ذي ناب من السِّباع، وعن كلِّ ذي مخلب من الطير"، وهو يدلُّ على تحريم أكل كلِّ طائر له مخلب يفترس به، وذلك من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وهذا في الأحكام، وأمَّا الأخبار، فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: "لو أنَّكم توكَّلون على الله حقَّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً" رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم، وقال الترمذي "حسن صحيح"، وهو أحد الأحاديث التي زادها ابن رجب على الأربعين النووية.
قال الإمام ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين (4/375 ـ 376) في بيان كمال الشريعة، قال: "وهذا الأصل من أهمِّ الأصول وأنفعها، وهو مبنيٌّ على حرف واحد، وهو عمومُ رسالته صلى الله عليه وسلم بالنسبة إلى كلِّ ما يحتاج إليه العبادُ في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنَّه لَم يُحْوِج أمَّتَه إلى أحد بعده، وإنَّما حاجتهم إلى مَن يبلِّغهم عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرَّق إليهما تخصيصٌ؛ عمومٌ بالنسبة إلى المرسَل إليهم، وعمومٌ بالنسبة إلى كلِّ ما يَحتاج إليه مَن بُعث إليه في أصول الدِّين وفروعه، فرسالتُه كافيةٌ شافيةٌ عامَّة، لا تحوج إلى سواها، ولا يتمُّ الإيمانُ به إلاَّ بإثبات عمومِ رسالته في هذا وهذا، فلا يَخرج أحدٌ من المكلَّفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحقِّ الذي تحتاج إليه الأمَّة في علومها وأعمالها عمَّا جاء به، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائرٌ يقلِّب جناحيه في السَّماء إلاَّ ذكَر للأمَّة منه علماً وعلَّمهم كلَّ شيء حتى آداب التخلِّي وآدابَ الجِماع والنوم، والقيام والقعود، والأكل والشرب، والركوب والنزول، والسَّفر والإقامة، والصَّمت والكلام، والعُزلة والخلطة، والغنى والفقر، والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت، ووَصَفَ لهم العرشَ والكرسيَّ، والملائكة والجنَّ، والنار والجنة، ويوم القيامة وما فيه حتى كأنَّه رأيُ عَين، وعرَّفهم معبودَهم وإلَههم أتمَّ تعريف، حتى كأنَّهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعرَّفهم الأنبياء وأمَمَهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم، حتى كأنَّهم كانوا بينهم، وعرَّفهم مِن طُرق الخير والشرِّ دقيقَها وجليلَها ما لَم يعرِّفه نبيٌّ لأمَّته قبله، وعرَّفهم صلى الله عليه وسلم من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النَّعيم والعذاب للروح والبدن، ما لَم يعرِّف به نبيٌّ غيرَه، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم من أدلَّةَ التوحيد والنبوة والمعاد، والردَّ على جميع فرق أهل الكفر والضلال، ما ليس لِمَن عرفه حاجة مِن بعده، اللهمَّ إلاَّ إلى مَن يبلِّغه إياه ويبيِّنه ويوضح منه ما خفي عليه، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم مِن مَكايد الحروب ولقاء العدوِّ وطرُق النَّصر والظَّفَر ما لو عَلِموه وعقِلُوه ورعَوْه حقَّ رعايَتِه لَم يقم لَهم عدوٌّ أبداً، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم مِن مكايد إبليس وطرُقِه التي يأتيهم منها، وما يتحرَّزون به مِن كيده ومَكرِه، وما يدفعون به شرَّه ما لا مَزيد عليه، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم مِن أحوال نفوسِهم وأوصافِها ودسائسِها وكمائِنها ما لا حاجة لهم مَعه إلى سِواه، وكذلك عرَّفهم صلى الله عليه وسلم مِن أمور مَعايشِهم ما لو عَلِموه وعمِلُوه لاستقامت لهم دنياهم أعظمَ استقامة.
وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برُمَّته، ولَم يُحْوِجْهُم الله إلى أحد سواه، فكيف يُظَنُّ أنَّ شريعتَه الكاملةَ التي ما طرق العالَم شريعةٌ أكملَ منها ناقصةٌ، تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكمِّلها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارجٍ عنها، ومَن ظنَّ ذلك فهو كمَن ظنَّ أنَّ بالناس حاجةً إلى رسول آخَر بعده، وسبَبُ هذا كله خفاءُ ما جاء به على مَن ظنَّ ذلك، وقلَّةُ نصيبه مِن الفَهم الذي وفَّق الله له أصحابَ نبيِّه الذين اكتفوا بما جاء به، واستغنوا به عمَّا سواه، وفتحوا به القلوبَ والبلادَ، وقالوا: هذا عهدُ نبيِّنا إلينا، وهو عهدُنا إليكم".

إطلاقات لفظ السنَّة
وهذه الشريعةُ الكاملةُ هي سنَّته صلى الله عليه وسلم بالمعنى العام؛ فإنَّ السنَّةَ تُطلقُ أربعة إطلاقات:

الأول: أنَّ كلَّ ما جاء في الكتاب والسنَّة هو سنَّته صلى الله عليه وسلم، وهي طريقتُه التي كان عليها صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "فمَن رغب عن سنَّتي فليس منِّي" رواه البخاري (5063) ومسلم (1401).
الثاني: أنَّ السنَّة بمعنى الحديث، وذلك إذا عُطفت على الكتاب، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "يا أيُّها الناس! إنِّي قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلَن تضلُّوا أبداً: كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم"، وقوله: "إنِّي قد تركت فيكم شيئين لن تضلُّوا بعدهما: كتاب الله وسنَّتي" رواهما الحاكم في مستدركه (1/93)، ومنه قول بعض العلماء عند ذكر بعض المسائل: وهذه المسألة دلَّ عليها الكتاب والسنَّة والإجماع.
الثالث: أنَّ السنَّة تُطلق في مقابل البدعة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية: "فإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة" أخرجه أبو داود (4607) ـ وهذا لفظه ـ والترمذي (2676) وابن ماجه (43 ـ 44)، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، ومنه تسمية بعض المتقدِّمين من المحدثين كتبهم في العقيدة باسم (السنة)، مثل السنة لمحمد بن نصر المروزي، والسنة لابن أبي عاصم، والسنة للالكائي، وغيرها، وفي كتاب السنن لأبي داود كتاب السنة يشتمل على أحاديث كثيرة في العقيدة.
الرابع: أنَّ السنَّة تُطلق بمعنى المندوب والمستحب، وهو ما جاء الأمر به على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الإيجاب، وهذا الإطلاق للفقهاء، ومن أمثلته قوله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشقَّ على أمَّتي لأمرتهم بالسواك عند كلِّ صلاة" رواه البخاري (887) ومسلم (252)، فإنَّ الأمر بالسواك استحباباً حاصل، وإنَّما تُرك خشية المشقَّة على سبيل الإيجاب.
آياتٌ وأحاديث وآثار في اتِّباع السنن والتحذير من البدع والمعاصي
وقد ورد في كتاب الله آياتٌ كثيرة تدلُّ على الترغيب في اتِّباع ما جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والحث على ذلك والتحذير من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من الحق والهدى والوقوع في الشرك والبدع والمعاصي، فمِن ذلك قول الله عزَّ وجلَّ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، وقوله: {مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً}، وقوله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، قال ابن كثير في تفسيره: "أي: عن أمْر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزَن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبل، وما خالفه فهو مردودٌ على قائله وفاعله كائناً من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، أي: فليحذر وليخش مَن خالف شريعة الرسول باطناً وظاهراً {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} أي: في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة، {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}أي: في الدنيا بقتل أو حدٍّ أو حبس أو نحو ذلك".
وقال تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}، وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}،قال ابن كثير في تفسيره: "هذه الآية الكريمة حاكمة على كلِّ مَن ادَّعى محبَّةَ الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنَّه كاذبٌ في نفس الأمر حتى يتَّبع الشرعَ المحمدي والدِّينَ النَّبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، ولهذا قال: {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}، أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبَّتكم إيَّاه، وهو محبَّته إيَّاكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنَّما الشأن أن تُحَبَّ، وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قومٌ أنَّهم يُحبُّون اللهَ فابتلاهم الله بهذه الآية فقال. : {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
وقال تعالى: {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، وقال: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}، وقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}، وقال: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}، وقال: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}، وقال: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}، وقال: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ}، وقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}، وقال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}وقال: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}،وقال: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}، وقال: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، وقال عن الجنِّ لَمَّا ولَّوا إلى قومهم منذرِين: {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}
وورد في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديثُ عديدة تدلُّ على الترغيب في اتِّباع السنن والتحذير من البدع، وتبين خطرَها، منها:
1 ـ قوله صلى الله عليه وسلم: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ" رواه البخاري (2697) ومسلم (1718)، وفي لفظ لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، وهذه الرواية عند مسلم أعمُّ من الرواية الأخرى؛ لأنَّها تشمل مَن أحدث البدعة ومَن تابَعَ مَن أحدثها، وهو دليل على أحد شرطي قبول العمل، وهو اتِّباع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ كلَّ عمل يُتقرَّب به إلى الله لا يكون مقبولاً عند الله إلاَّ إذا توفَّر فيه شرطان:
أحدهما: تجريد الإخلاص لله وحده، وهو مقتضى شهادة أن لا إله إلاَّ الله.
والثاني: تجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو مقتضى شهادة أنَّ محمداً رسول الله،
قال الفضيل بن عياض كما في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (18/250) في قوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}: "أخلصُه وأصوَبُه، قال: فإنَّ العملَ إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنَّة"، وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} قال: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً}أي: ما كان موافقاً لشرع الله، {وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً} وهو الذي يُراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان ركنا العمل المتقبَّل، لا بدَّ أن يكون خالصاً لله صواباً على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم".
2 ـ وقال العرباض بن ساريةرضي الله عنه: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، قال قائل: يا رسول الله! كأنَّ هذه موعظة مودِّع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنَّه مَن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديِّين الراشدين، تَمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة" رواه أبو داود (4607) ـ وهذا لفظه ـ والترمذي (2676)، وابن ماجه (43 ـ 44)، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
فقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن حصول الاختلاف قريباً من زمنه صلى الله عليه وسلم، وأنَّه يكون كثيراً، وأنَّ مَن عاش من أصحابه يرى ذلك، ثم أرشد إلى ما فيه العصمة والسلامة، وهو اتِّباع سنَّته وسنَّة الخلفاء الراشدين وترك البدع ومحدثات الأمور، فرغَّب في السنَّة وحثَّ عليها بقوله: "فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين"، ورهَّب من البدع والمحدثات بقوله: "وإيَّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ محدثة بدعة وكلَّ بدعة ضلالة".
3 ـ وروى مسلم في صحيحه (867) عن جابر ابن عبد الله أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب يوم الجمعة قال: "أمَّا بعد، فإنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكلَّ بدعة ضلالة".
4 ـ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فمَن رغب عن سنَّتي فليس منِّي" رواه البخاري (5063) ومسلم (1401).
5 ـ وقال صلى الله عليه وسلم: "يا أيُّها الناس! إنِّي تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلُّوا أبداً، كتاب الله وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم"، وقال: "إنِّي قد تركتُ فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما، كتاب الله وسنَّتي" رواهما الحاكم (1/93)، وفي صحيح مسلم (1218) حديث جابر الطويل في حجة الوداع قوله صلى الله عليه وسلم: "وقد تركتُ فيكم ما لن تضلُّوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنتم تُسألون عنِّي، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنَّك قد بلَّغتَ وأدَّيتَ ونصحتَ، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللَّهمَّ اشهد! اللَّهمَّ اشهد! ثلاث مرات".
6 ـ وروى البخاري في صحيحه (7280) عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كلُّ أمَّتي يدخلون الجنَّة إلاَّ من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومَن يأبى؟ قال: مَن أطاعني دخل الجنَّة، ومَن عصاني فقد أبى".
7 ـ وروى البخاري (7288) ومسلم (1337) ـ وهذا لفظه ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتُكم به فافعلوا منه ما استطعتم؛ فإنَّما أهلك الذين من قبلكم كثرةُ مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم".
8 ـ وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تَبَعاً لِما جئتُ به" صححه النووي في الأربعين من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال الحافظ في الفتح (13/289): "وأخرج البيهقي في المدخل وابن عبد البر في بيان العلم عن جماعة من التابعين، كالحسن وابن سيرين وشريح والشعبي والنخعي بأسانيد جياد ذم القول بالرأي المجرَّد، ويجمع ذلك كلَّه حديثُ أبي هريرة "لا يؤمن أحدُكم حتى يكون هواه تبَعاً لِما جئتُ به"، أخرجه الحسن بن سفيان وغيره، ورجاله ثقات، وقد صححه النووي في آخر الأربعين".
9 ـ وروى البخاري (1597) ومسلم (1270)أنَّ عمر رضي الله عنه جاء إلى الحجر الأسود وقبًَّله، وقال: "إنِّي أعلمُ أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يُقبِّلك ما قبَّلتُك".
10 ـ وروى مسلم (2674) عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام مَن تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً".
وكما وردت نصوصُ الكتاب والسنَّة في الترغيب في اتِّباع السنن والتحذير من البدع، فقد جاءت آثارٌ كثيرة عن سلف هذه الأمَّة المتَّبعين للكتاب والسنَّة من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، فيها الحثُّ على اتِّباع السنَّة والتحذير من البدع وبيان خطرها، ومن ذلك:1 ـ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "اتِّبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كُفيتُم" رواه الدارمي (211).
2 ـ قال عثمان بن حاضر: "دخلتُ على ابن عباس، فقلت: أوصني، فقال: نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتَّبع ولا تبتدع" رواه الدارمي (141).
3 ـ قال عبد الله بن مسعود: "مَن سرَّه أن يلقى اللهَ غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهنَّ؛ فإنَّ الله شرع لنبيِّكم سنن الهدى، وإنَّهنَّ من سُنن الهدى، ولو أنَّكم صلَّيتُم في بيوتكم كما يُصلِّي هذا المتخلِّف في بيته لتركتُم سنَّة نبيِّكم، ولو تركتم سنَّة نبيِّكم لضللتُم ..." رواه مسلم (654).
4 ـ قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "كلُّ بدعة ضلالة وإن رآها الناسُ حسنة" رواه
محمد بن نصر المروزي في السنة.
5 ـ قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "فإيَّاكم وما يُبتدَع؛ فإنَّ ما ابتُدع ضلالة" رواه أبو داود (4611).
6 ـ كتب رجلٌ إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر، فكتب: "أمَّا بعد، أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتِّباع سنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنته، وكُفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنَّة؛ فإنها لك بإذن الله عصمة ..." رواه أبو داود (4612).
7 ـ قال سهل بن عبد الله التستري: "ما أحدث أحدٌ في العلم شيئاً إلاَّ سُئل عنه يوم القيامة، فإن وافق السنَّة سلِم، وإلاَّ فلا" فتح الباري (13/290).
8 ـ قال أبو عثمان النيسابوري: "مَن أمَّر السنَّة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمَّر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة" حلية الأولياء (10/244).
9 ـ قال الإمام مالك رحمه الله: "مَن ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أنَّ محمداً خان الرسالة؛ لأنَّ الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، فما لَم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً" الاعتصام للشاطبي (1/28).
10 ـ قال الإمام أحمد رحمه الله: "أصول السنة عندنا التمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة ضلالة"
شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (317).
اتِّباع السنَّة لازمٌ في الفروع كالأصول
واتِّباع سنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأخذ بما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة كما أنَّه لازمٌ في الأمور العقدية بقوله صلى الله عليه وسلم: "فإنَّه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء المهديين الراشدين" الحديث، فهو لازمٌ في الأمور الفرعية التي يسوغ فيها الاجتهاد عند ظهور الدليل، وقد أوصى العلماء من سلف هذه الأمة ـ ومنهم الأئمَّة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ـ بالأخذ بما دلَّ عليه الدليل، وترك أقوالهم التي قالوها إذا جاء حديثٌ صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلافها، وقد اشتهر عن الإمام مالك قوله: "كلٌّ يؤخذ من قوله ويُردُّ إلاَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وقال الإمام الشافعي رحمه الله: "أجمع الناسُ على أنَّ من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يَدَعها لقول أحد" الروح لابن القيم (ص: 395 ـ 396)، وقال ابن القيم قبل ذكر هذا الأثر بقليل: "فمَن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزَنَها بها وخالف منها ما خالف النصَّ لم يُهدِر أقوالَهم ولَم يهضِم جانبهم، بل اقتدى بهم؛ فإنَّهم كلَّهم أمروا بذلك، فمتَّبعُهم حقًّا مَن امتثل ما أوصوا به لا مَن خالفهم".

البدع ضلال وليس فيها بدعة حسنة
والبدع كلُّها ضلالٌ؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في حديثي جابر والعرباض المتقدمين: "وكلُّ بدعة ضلالة"، وهذا العموم في قوله صلى الله عليه وسلم: "وكلُّ بدعة ضلالة" يدلُّ على بطلان قول مَن قال: إنَّ في الإسلام بدعة حسنة، وقد قال ابن عمر رضي الله عنه في الأثر الذي تقدَّم ذكره قريباً: "كلُّ بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة"، ولا يُقال: إنَّ في الإسلام بدعة حسنة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنَّة سيِّئة كان عليه وزرُها ووِزرُ من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" رواه مسلم (1017)؛ لأنَّ المرادَ به السَّبق إلى فعل الخير والاقتداء بذلك السابق كما هو واضح من سبب الحديث المذكور في صحيح مسلم قبل إيراد هذا الحديث، وحاصله أنَّ جماعة من مُضَر قدِموا المدينة، يظهر عليهم الفقر والفاقة، فحثَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فجاء رجلٌ من الأنصار بصُرَّة كادت يده تعجز عن حملها، فتتابع الناس بعده على الصدقة، فعند ذلك قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "من سنَّ في الإسلام سنَّة حسنة" الحديث، ويدخل في معناه أيضاً من أحيا سنَّةً ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بلد لم تكن ظاهرة فيه، وأمَّا أن يكون معناه الإحداث في الدِّين فلا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ"، وقد تقدَّم، فإنَّ الشريعة كاملةٌ لا تحتاج إلى محدثات، وفي إحداث البدع اتِّهام لها بالنقصان وعدم الكمال، وقد مرَّ قريباً قول ابن عمر رضي الله عنه: "كلُّ بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة"، وقول مالك: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أنَّ محمداً خان الرسالة؛ لأنَّ الله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، ، فما لَم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً".
وأمَّا جمعُ عمر رضي الله عنه الناسَ في صلاة التراويح على إمام يصلِّي بهم، فهو من قبيل إظهار السنَّة وإحيائها؛ لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم صلَّى بالناس بعضَ الليالي في قيام رمضان، وترك الاستمرار فيه خشية أن يُفرض على الأمَّة، روى ذلك البخاري (1129)، ولَمَّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وزال مقتضي الفرض بانقطاع الوحي بقي الاستحباب، فجَمَعَ عمرُ رضي الله عنه الناسَ على صلاة التراويح، وقول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح كما في البخاري (2010): "نِعْمَ البدعة هذه"، المراد به البدعة في اللغة لا في الشرع.
الفرق بين البدعة في اللغة والبدعة في الشرع
المعاني اللغوية غالباً أعمُّ من المعاني في الشرع، والمعنى الشرعي غالباً جزء من جزئيات المعنى اللغوي، ومن أمثلة ذلك التقوى والصيام والحج والعمرة والبدعة، فإنَّ التقوى في اللغة أن يجعل الإنسانُ بينه وبين كلِّ شيء يخافه وقاية تقيه منه، كاتخاذه البيوت والخيام للوقاية من حرارة الشمس والبرد، واتخاذ الأحذية للوقاية من كلِّ شيء يؤذي في الأرض، وأمَّا تقوى الله، فأن يجعل المسلمُ بينه وبين غضب الله وقاية تقيه منه، وذلك بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، والصيامُ في اللغة كلُّ إمساك، وفي الشرع إمساكٌ مخصوص، وهو الإمساكُ عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والحجُّ لغة كلُّ قصد، وفي الشرع قصد مكة لأداء شعائر مخصوصة، والعمرة في اللغة كلُّ زيارة، وفي الشرع زيارة الكعبة للطواف بها والسعي بين الصفا والمروة والحلق أو التقصير، والبدعة في اللغة كلُّ ما أُحدث على غير مثال سابق، وفي الشرع ما أُحدث مِمَّا لَم يكن له أصل في الدِّين، وهي مقابلة للسنَّة.
ليس من البدع المصالح المرسلة
المصلحة المرسلة هي المصلحة التي لَم يأت الشرعُ باعتبارها أو إلغائها، وهي وسيلة إلى تحقيق أمر مشروع، مثل جمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، وتدوين الدواوين، وكتابة أصحاب العَطاء في ديوان؛ فإنَّه لَم يأت في الشرع نصٌّ على إثباتهما أو المنع منهما، فأمَّا جمع القرآن فهو سبيل إلى حفظه وعدم ضياع شيء منه، وفيه تحقيق قول الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، وقد توقَّف أبو بكر رضي الله عنه عندما أشار عليه عمر رضي الله عنه في جمعه، وقال: "كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلَم يزل عمر يُراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيتُ الذي رأى عمر" رواه البخاري (4679)، وجَمْعُ أبي بكر رضي الله عنه القرآنَ كان في صُحف، وأمَّا جَمْعُ عثمان رضي الله عنه فكان في مصحف.
وأمَّا تدوين الدواوين فكان في عهد عمر رضي الله عنه لَمَّا كثرت الفتوحات وكثرت الغنائم والفيء، فاحتيج إلى تدوين أسماء الجنود وغيرهم من أهل العَطاء، ولم يكن ذلك موجوداً قبل زمنه رضي الله عنه ، وذلك سبيل إلى إيصال الحقوق إلى أهلها وعدم سقوط شيء منها، ولا يُقال: إنَّ من البدع ما هو حسن إلحاقاً بالمصالح المرسلة؛ لأنَّ المصالح المرسلة فيها الوصول إلى تحقيق أمر مشروع، بخلاف البدع
التي فيها اتِّهام الشريعة بالنقصان، كما مرَّ بيانُ ذلك في كلام الإمام مالك رحمه الله.
لا بدَّ مع حسن القصد من موافقة السنَّة
وقد يقول من يهوِّن مِن شأن البدع: إنَّ الذي يأتي بالبدعة متقرِّباً بها إلى الله قصدُه حسن، فيكون فعلُه محموداً بهذا الاعتبار، والجواب: أنَّه لا بدَّ مع حسن القصد أن يكون العملُ موافقاً للسنَّة، وهو أحد الشرطين اللَّذين تقدَّم ذكرُهما لقبول العمل الصالح، وهما الإخلاصُ لله، والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وقد مرَّ الحديثُ الدَّال على ردِّ البدع المحدثة على صاحبها، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردٌّ"، وفي لفظ لمسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"، ومِمَّا يدلُّ على أنَّه لا بدَّ مع حسن القصد من موافقة السنَّة قصة الصحابي الذي ذبح أُضحيته قبل صلاة العيد، وقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "شاتُك شاةُ لحم" رواه البخاري (955) ومسلم (1961)، قال الحافظ في شرح الحديث في الفتح (10/17): "قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: وفيه أنَّ العملَ وإن وافق نية حسنة لَم يصح إلاَّ إذا وقع على وفق الشرع".
ويدلُّ لذلك أيضاً ما في سنن الدارمي (210) بإسناد صحيح أنَّ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه جاء إلى أناس متحلِّقين في المسجد، وبأيديهم حصى، وفيهم رجلٌ يقول: كبِّروا مائة، فيُكبِّرون مائة يعدُّون بالحصى، ويقول: هلِّلوا مائة، سبِّحوا مائة كذلك، فوقف عليهم فقال: "ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعدُّ به التكبيرَ والتهليلَ والتسبيحَ، قال: فعُدوا سيِّئاتكم فأنا ضامنٌ أن لا يَضيعَ من حسناتكم شيءٌ،وَيْحَكم يا أمّة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابةُ نبيِّكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابُه لَم تَبْلَ، وآنيتُه لَم تُكسر، والذي نفسي بيده إنَّكم لَعلَى مِلَّةٍ هي أهدى من مِلَّة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلاَّ الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه ..."، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني (2005).
خطر البدع وبيان أنَّها أشدُّ من المعاصي
والبدعُ خطرُها كبير، وخطْبُها جسيم، والمصيبة بها عظيمة، وهي أشدُّ خطراً من الذنوب والمعاصي؛ لأنَّ صاحبَ المعصية يعلم أنَّه وقع في أمر حرام، فيتركه ويتوب منه، وأمَّا صاحب البدعة، فإنَّه يرى أنَّه على حقٍّ فيستمرّ على بدعته حتى يموت عليها، وهو في الحقيقة متَّبع للهوى وناكبٌ عن الصراط المستقيم، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}، وقال: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}، وقال: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ}، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله حجب التوبةَ عن كلِّ صاحب بدعة حتى يدَع بدعتَه"، أورده المنذري في كتاب الترغيب والترهيب (86)، في الترهيب من ترك السنة وارتكاب البدع والأهواء، وقال: "رواه الطبراني، وإسناده حسن"، وانظر: السلسلة الصحيحة للألباني(1620).بتصرف

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
طريقة عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع



 

جميع الحقوق محفوظة لـ شبكة الدعوة السلفية من المسجد الأقصى المبارك