بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله عليه وعلى آله وصحبه أفضل صلاة وأتم تسليم .
مرض القلب ثالث صفة من صفات المنافقين ، صاحبه حائر ، إلى غير سبيل المؤمنين ناظر ، اتخذ من الكذب تجارة ، ومن الخداع فنا ً بمهارة ، فأورثه الله مرضا ً في القلب ، وسوء الفهم والقصد ، فحط بين المؤمنين مكانه ، وجزاه ذلا ً ومهانة ، وبين للمؤمنين أين في النار مكانه ، في الدرك الأسفل من النار .
قال تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :
( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) البقرة (10)
عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ( في قلوبهم مرض )
قال شك فزادهم الله مرضاً قال شكاً. تفسير ابن كثير .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قلوبهم مرض قال: ( هذا مرض في الدين وليس مرضاً في الأجساد ) . تفسير ابن كثير .
قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى : والمراد بالمرض هنا : مرض الشك والشبهات والنفاق لأن القلب يعرض له مرضان يخرجانه عن صحته واعتداله : مرض الشبهات الباطلة ومرض الشهوات المردية
( فالكفر والنفاق والشكوك والبدع كلها من مرض الشبهات )
( والزنا ومحبة الفواحش والمعاصي وفعلها من مرض الشهوات ) .
وجاء في مجموع الفتاوى لابن تيمية رحمه الله تعالى : ( وكذلك مرض القلب، هو نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره ، وإرادته ، فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق ، أو يراه على خلاف ما هو عليه ، وإرادته بحيث يبغض الحق النافع، ويحب الباطل الضار ، فلهذا يفسر المرض تارة بالشك والريب ).
كما فسر مجاهد وقتادة قوله : ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ) ( البقرة: 10 )
أي : شك ،
وتارة يفسر بشهوة الزنا كما فسر به قوله : ( فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ )( الأحزاب: 32 ) مجموع الفتاوى
فلا شك أخي الحبيب أن صاحب هذا القلب ، فاسد الرأي ، مفسد لغيره ، من خلال ما يقوم ببثه من الشكوك والشبهات ، محاولا ً إفساد الآخرين .
وعن الحسن قال : ( لا تجالس صاحب هوى فيقذف في قلبك ما تتبعه عليه فتهلك أو تخالفه فيمرض قلبك ) .
الاعتصام للشاطبي
فعليك يا رعاك الله ، أن تبتعد عن مجالسة من يشكو من علة في قلبه ، لكي لا يقوم بإفساد عقلك ودينك ، من خلال ما يلقي من شكوك وشبهات .
قال ابن أبي العز شارح العقيدة الطحاوية
اعلم أن القلب له حياة وموت ومرض وشفاء وذلك أعظم مما للبدن .
قال تعالى : ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بخارج منها )
( الأنعام 122 ) . شرح العقيدة الطحاوية ( ص 246 ).
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى ناصحا ً لمن وجد عنده ذلك الداء _ مرض القلب _ :
( ولهذا كان الواجب أن يعتني الإنسان بتصحيح مرض قلبه قبل كل شيء ولكن من أين نأخذ الدواء لهذا المرض ، من ينبوعين أساسين ،هما الكتاب والسنة، والكتاب والحمد لله وصفه الله تعالى بأنه تبيان لكل شيء، ما من شيء يحتاجه الناس في معاشهم ومعادهم إلا وجد في القرآن، إما وجد في القرآن بعينه وإما بالإشارة إليه والتحويل على جهة أخرى .) . مقال للشيخ ابن عثيمين رحمه الله للأطباء ومقدمي الخدمات الصحية .
إذا ً فمرض القلب ملازم لكل منافق ، بل هو صفة لا تكاد تخلوا منه ، أو تبتعد عنه ، إلا إذا سلك سبيل المؤمنين _ سبيل الصحابة والتابعين _ ، متخليا ً عن كل خلق ذميم ، رافعا ً شعار السنة ، مقتفي آثارها .
حدثنا عمرو بن رافع . حدثنا عبد الله بن المبارك عن زكريا بن أبي زائدة ، عن الشعبي ؛ قال : سمعت النعمان بن بشير يقول، على المنبر . وأهوى بإصبعيه إلى أذنيه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
( الحلال بين ، والحرام بين ، وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات، واستبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات ، وقع في الحرم كالراعي حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه . ألا ، وإن لكل ملك حمى . ألا ، وإن حمى الله محارمه . ألا ، وإن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله . وإذا فسدت فسد الجسد كله . ألا ، وهي القلب ) . ابن ماجة (3984)
أخي الحبيب ، اتقى الشبهات وفر إلى الله ، فو الله الذي لا اله إلا هو ، لا يكاد يخلوا بيت إلا وفيه مريض بشبهة أو بشهوة ، والأدهى من ذلك ، أن تجد من يدعي العلم ، وأنه على سنة نبينا وعلى منهج سلفنا الصالح ، يعاني من هذا المرض ، يماري ويجادل لا لشيء ولكن حب الظهور ، وشتان بين من يدعي العلم والراسخ فيه .
فأنصح نفسي وإياكم ، بدرء كل شبهة ، وكل شهوة ، بالعلم النافع ، النابع من مشكاة النبوة .
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر) . ابن أبي العز ( شرح العقيدة الطحاوية )
وأخيرا ً إليك يا صاحب القلب السليم ، أوصيك بتقوى الله ، ولا تكن من هؤلاء .
وصلي اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين
أبو عبيدة منجد بن فضل الحداد
الاثنين الموافق 24/2/1431 للهجرة