في التوحيد (1)
وقوله: إيّاك نعبد وإيّاك نستعين دلّ على توحيدين:
التوحيد الأوّل: توحيد الألوهيّة.
التوحيد الثاني: توحيد المتابعة.
ومعنى توحيد الألوهيّة: توحيد العبوديّة لله عزّ وجلّ بجميع أنواعها، بحيث لا تصرف أيّ نوع منها لغير الله من صلاة وزكاة وصيام وحجّ ونذر وذبح واتعانة واستغاثة وخشية وتوكّل وغير ذلك من أنواعها الكثيرة.
بل تصرفها كلّها لله عزّ وجلّ وبهذا تخرج من الشرك بجميع أنواعه.
ومعنى توحيد المتابعة: إفراد النبيّ الكريم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم بالمتابعة دون غيره من المخلوقات، وقد تقدّم قريبًا ذكر الأدلّة عليه.
وكثير من المؤلّفين والمصنّفين وكثير من طلبة العلم يقتصرون على أنواع التوحيد الثلاثة (توحيد الربوبيّة وتوحيد الألوهيّة وتوحيد الأسماء والصفات) وليس معنى ذلك أنّه لم يكن هناك توحيد رابع كما ظنّ بعض الناس بل التوحيد أربعة أقسام، سواء ذكرنا الرابع أو لم نذكره فهو موجود ضمنًا.
فالرابع: توحيد المتابعة أي توحيد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالمتابعة دون غيره من المخلوقات لأنّه لم يرسل إلينا نبيّ غيره.
والدليل على هذا التوحيد آيات كثيرة تقدّم ذكر بعضها ويكفي دليلًا عليه شهادة الإخلاص وشهادة الإخلاص ذات شقّين:
الشقّ الأوّل: لا إله إلّا الله.
والشقّ الثاني: محمّد رسول الله.
فالشقّ الأوّل: توحيد الألوهيّة أي العبادة.
والشقّ الثاني: توحيد المتابعة أي إفراد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دون غيره من المخلوقات بالمتابعة كما قال الله عزّ وجلّ: قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله [آل عمران: 31].
كما أنّ الشقّ الأوّل من كلمة الإخلاص هو توحيد الله بالعبادة أي إفراد الله بالعبادة دون غيره من المخلوقات سواء كان الغير نبيًّا أو ملكًا أو مرسلًا أيّ أحدٍ كان فالعبادة لله وحده بجميع أنواعها الكثيرة المبيّنة في كتاب الله عزّ وجلّ وفي سنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم.
وسبب ذلك أنّ هذين التوحيدين اللذين تضمّنتهما كلمة الإخلاص وهي لا إله إلّا الله محمّد رسول الله هذان التوحيدان متلازمان مرتبطان دائمًا وأبدًا، ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر.
الّذي قال: لا إله إلّا الله، ولم يقل: محمّد رسول الله لم يدخل في الإسلام أبدًا، وكذلك إذا قال: محمّد رسول الله ولم يقل: لا إله إلّا الله لم يدخل في الإسلام.
إذن من هنا أدرك المحقّقون أنّ هاتين الكلمتين إذا انفردت إحداهما دخلت فيها الأخرى في كتاب الله وسنّة رسوله.
فقوله عزّ وجلّ: فاعلم أنّه لا إله إلّا الله [محمّد: 19] هذه الكلمة ليس معناها أنّك إذا قلت: لا إله إلّا الله كفى.
لا، بل معناها كما شرحه نبيّنا صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم في الحديث الصحيح: "أمرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله" [متّفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أخرجه البخاريّ 25، ومسلم 22].
فإذا ذكرت إحدى الكلمتين في القرآن وحدها، دخلت فيها الأخرى وإن لم تذكر.
ولذلك نظائر في القرآن مثل:
كلمة المسكين والفقير.
والبرّ والتقوى.
والإثم والعدوان.
والاستغفار والتوبة.
والكفر والنفاق.
فهذه الكلمات وأمثالها إذا انفردت إحداهما دخلت فيها الأخرى.
وإذا ذكرتا معًا افترقتا، ولكلٍّ منهما معنًى غير معنى الأخرى.
وكذلك الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا انفرد أحدهما دخل فيه الآخر بدليل حديث جبريل عليه السلام [أخرجه البخاريّ 50 ومسلم 9] وفيه ذكر الإسلام والإيمان فصار لكلّ كلمةٍ معنًى غير معنى الأخرى فصار للإسلام الأعمال الظاهرة وللإيمان الأعمال الباطنة وصار للإحسان مقامتان.
ولمّا ذكر الإيمان وحده في حديث وفد عبد القيس دخل فيه الإسلام لما قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لوفد عبد القيس: "أتدرون ما الإيمان؟ قالوا له: الله ورسوله أعلم قال: الإيمان أن تشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتؤدّوا الخمس من المغنم" [البخاريّ 53 ومسلم 17].
فالحديث اشتمل على الإيمان وعلى الإسلام معًا لإنّ إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من الإسلام وكذا أداء الخمس منه كما قدّمناه من حديث جبريل عليه السلام وهو أنّ الإسلام هو الأعمال الظاهرة والإيمان هو الأعمال الباطنة.
وبهذا يعلم أنّ الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا انفرد أحدهما دخل فيه الآخر.
وهكذا كلمة الإخلاص إذا ذكر الشقّ الأوّل وهو توحيد الألوهيّة دخل فيه توحيد المتابعة وإذا انفرد توحيد المتابعة الّذي هو محمّد رسول الله دخل فيه توحيد الألوهيّة.
[تفسير سورة الفاتحة وبيان ما تضمّنته من أنواع التوحيد" (ص 43- 46 ضمن سلسلة الرسائل الأنصاريّة رسائل في العقيدة) لحمّاد الأنصاريّ ت 1428هـ].
__________________
قل لي متى سلم الرسول وصحبه ** والتابعون لهم على الإحسان
من جاهل ومعاند ومنافق ** ومحارب بالبغي والطغيان
وتظنّ أنّك وارث لهم وما ** نلت الأذى في نصرة الرحمن
كلّا ولا جاهدت حقّ جهاده ** في الله لا بيد ولا بلسان
التعديل الأخير تم بواسطة محمّد أسعد التميميّ ; 02-03-2010 الساعة 05:59 PM
|