(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)
لما ختم الله تعالى الآية السابقة بقوله: (وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) أعلمَ أنه ليس ثمَّ ملجأٌ عند من خالف أمر الله؛ وألحد في القرآن ومعانيه، لذا قال يرغِّبه في أتباعه مزهداً فيمن عداهم كائناً من كان (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) فوجهه إلى الصَّبر، ووجهه للعناية بالنفس. والمعنى: احبس نفسك على طاعة الله، واحبس نفسك على تحمَّل المشاق في سبيل الله تعالى، واحبس نفسك عن معصية الله.
قال ابن القيم – رحمه الله -: "فالصبر: حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وهو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على امتحان الله. فالأولان: صبر على ما يتعلق بالكسب، والثالث: صبر على ما لا كسب للعبد فيه.
وقال - رحمه الله -: "وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها: أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه، فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر، وأما صبره عن المعصية: فصبر اختيار ورضى ومحاربة للنفس؛ ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة، فإنه كان شابًا وداعية الشباب إليها قوية، وعزبًا؛ ليس له ما يعوضه ويرد شهوته، وغريبًا والغريب لا يستحي في بلد غربته، مما يستحي منه من بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوكًا والمملوك أيضًا ليس وازعه كوازع الحر، والمرأة جميلة وذات منصب وهي سيدته، وقد غاب الرقيب وهي الداعية له إلى نفسها والحريصة على ذلك أشد الحرص ومع ذلك توعدته إن لم يفعل: بالسجن والصغار، ومع هذه الدواعي كلها: صبر اختيارًا وإيثارًا لما عند الله، وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه؟ وكان يقول: الصبر على أداء الطاعات: أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات وأفضل، فإن مصلحة فعل الطاعة: أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية ومفسدة عدم الطاعة: أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية".[1]
ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم هو المقصود بقوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ) وإن كان الخطاب موجهاً له، لأنه - عليه السلام - كان متحلياً به.
قوله تعالى: (مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ) أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يحبس نفسه مع المؤمنين الذين يعبدون ربهم مخلصين له الدين، قال ابن كثير – رحمه الله -: "أي: اجلس مع الذين يذكرون الله ويهللونه، ويحمدونه ويسبحونه ويكبرونه". ويسألونه سواء كانوا فقراء أو أغنياء أو أقوياء أو ضعفاء، وفي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بملازمة أتباعه من المؤمنين وعدم الانصراف عنهم إلى أهل الدنيا ما يُقوِّي هؤلاء النفر من أهل الإيمان الذين جعلوا دَيْدنهم وشغلهم الشاغل عبادة الله والتقرُّب إليه.
وقوله تعالى: (بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) أي: أول النهار وآخره، عبارة عن عبادة الله دائمًا، كما تقول: الحمد لله بكرة وأصيلًا، فإنما تريد الحمد لله في كل وقت. وهم لا يريدون بدعائهم إلا رضاه جل وعلا. ولا شك أن هؤلاء هم أنصار دعوة الحق، قال الشيخ السعدي - رحمه الله -: "ففيها الأمر بصحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم، ومخالطتهم وإن كانوا فقراء فإن في صحبتهم من الفوائد، ما لا يحصى".
ولمّا كان الذين أعرضوا عن ذكر الله في غالب أحوالهم هم من الرؤساء والأثرياء وقد قصروا سعيهم على الدنيا وجعلوها مبلغ علمهم وهمِّهم، فإن المستضعفين في غالب أحوالهم وهم الفقراء والضعفاء ـ في المقابل ـ قد جعلهم الله تعالى في سنَّته أتباعاً للرسل وأنصاراً لهم، فلهم الأولوية في التذكير، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبغوني الضعفاء؛ فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم". ليس النصر والرزق بذواتهم، بل بدعائهم وإخلاصهم لله، كما قال صلى الله عليه وسلم: "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها: بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم". قال ابن بطال ـ رحمه الله ـ: "وتأويل ذلك أن عبادة الضعفاء ودعاءهم أشدُّ إخلاصًا وأكثر خشوعًا؛ لخلاء قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا وزينتها وصفاء ضمائرهم مما يقطعهم عن الله، فجعلوا همَّهم واحدًا؛ فزكت أعمالهم، وأجيب دعاؤهم". ورأى سعدٌ بن أبي وقاص - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّ لهُ فضلًا على من دونِهِ، فقال النبيُّ ï·؛ :"هل تُنصرونَ وتُرزقون إلَّا بضعفائكم[بِدعْوتِهمْ وإِخْلاصِهمْ]". وقد أجرى الله تعالى الحكمة بأن أكثر أتباع الرسل ضعفاء الناس. وبالتالي فإن الكبراء في كل قرية تجدهم عند التذكير لا يأبهون بالذكرى، بل يصمّون آذانهم عن سماعها خشية أن يمتدَّ الحق إليهم فيُطالَبوا بما هم فارّون منه. قال علماؤنا: "إنما كان ذلك لاستيلاء الرياسة على الأشراف، وصعوبة الانفكاك عنها، والأنفة من الانقياد للغير؛ والفقير خلي عن تلك الموانع، فهو سريع إلى الإجابة والانقياد. وهذا غالب أحوال أهل الدنيا". وهذا كقول هرقل لأبي سفيان: "سَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَزَعَمْتَ ضُعَفَاءَهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ".
عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه -: "مرَّ الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وعنده صهيب، وبلال ، وعمار ، وخباب ، ونحوهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد! اطردهم، أرضيت هؤلاء من قومك، أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟! أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا؟! فَلَعَلَّكَ إن طردتهم أن نأتيك! قال: فنزلت: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) [الأنعام].
وبين الله تعالى في آيات أخر أن طرد ضعفاء المسلمين الذي طلبه كفار العرب من نبينا صلى الله عليه وسلم فنهاه الله عنه، طلبه أيضاً قوم نوح من نوح، فأبى كما في قوله تعالى: عنه: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا) [هود/29]، وقوله: (وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) [هود/30]، وقوله: (وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) [الشعراء/114]، وهذا من تشابه قلوب الكفار المذكور في قوله تعالى: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ).
وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)، فإذا عرفت ذلك فاعلم أنه تعالى أشار إلى أن من حكمة ذلك فتنة بعض الناس ببعض، فإن أهل المكانة والشرف والجاه يقولون: لو كان في هذا الدين خير لما سبقنا إليه هؤلاء، لأنا أحق منهم بكل خير إنكاراً منهم أن يمن الله على هؤلاء الضعفاء دونهم، زعماً منهم أنهم أحق بالخير منهم، وقد ردَّ الله قولهم هنا بقوله: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ). وقد أوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ) [الأحقاف/11]، وقوله: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً) [مريم/73]، والمعنى: أنهم لما رأوا أنفسهم أحسن منازلًا، ومتاعاً من ضعفاء المسلمين اعتقدوا أنهم أولى منهم بكل خير، وأن أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم لو كان خيراً ما سبقوهم إليه، ورد الله افتراءهم هذا بقوله: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً) [مريم/74] وقوله: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56) [المؤمنون]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى: (يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) أي: يبتغون وجه الله فهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات، وفي الآية إثبات الوجه لله تعالى.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "ما اجتمَعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللَّهِ يتلونَ كتابَ اللَّهِ، ويتدارسونَهُ فيما بينَهم إلَّا نزلَت عليهِم السَّكينةُ، وغشِيَتهُمُ الرَّحمةُ، وحفَّتهُمُ الملائكَةُ، وذكرَهُمُ اللَّهُ فيمَن عندَهُ".
وقوله تعالى: (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) فأمر الله تعالى نبيَّه – عليه السلام – أن يجلس مع أتباعه من المؤمنين ويخالطهم، ولا يصرف نظره عنهم إلى غيرهم من الكفار لإرادة التمتع بزينة الحياة الدنيا. قال الشيخ السعدي – رحمه الله -: "فإن هذا ضار غير نافع، وقاطع عن المصالح الدينية، فإن ذلك يوجب تعلق القلب بالدنيا، فتصير الأفكار والهواجس فيها، وتزول من القلب الرغبة في الآخرة، فإن زينة الدنيا تروق للناظر، وتسحر العقل، فيغفل القلب عن ذكر الله، ويقبل على اللذات والشهوات، فيضيع وقته، وينفرط أمره، فيخسر الخسارة الأبدية، والندامة السرمدية".
ولهذا قال: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) فمن أراد زينة الحياة الدنيا غفل عن الله فعاقبه بأن أغفل قلبه عن ذكره، لذا جاء الأمر بقوله تعالى (وَلَا تُطِعْ) أي: ولا تُطِعْ من جعلنا قلبه غافلًا عن ذكرنا، وآثَرَ هواه على طاعة مولاه، وصار أمره في جميع أعماله ضياعًا وهلاكًا.
وقوله تعالى: (وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) أي: صار تبعًا لهواه، حيث ما اشتهت نفسه فعله، وسعى في إدراكه، ولو كان فيه هلاكه وخسرانه، فهو قد اتخذ إلهه هواه، كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) [الجاثية/23]
وقوله تعالى: (وَكَانَ أَمْرُهُ) أي: مصالح دينه ودنياه (فُرُطًا) أي: ضائعة معطلة. قال الشيخ السعدي – رحمه الله -: "فهذا قد نهى الله عن طاعته، لأن طاعته تدعو إلى الاقتداء به، ولأنه لا يدعو إلَّا لما هو متصف به، ودلت الآية، على أن الذي ينبغي أن يطاع، ويكون إمامًا للناس، من امتلأ قلبه بمحبة الله، وفاض ذلك على لسانه، فلهج بذكر الله، واتبع مراضي ربه، فقدمها على هواه، فحفظ بذلك ما حفظ من وقته، وصلحت أحواله، واستقامت أفعاله، ودعا الناس إلى ما منَّ الله به عليه، فحقيق بذلك، أن يتبع ويجعل إمامًا".



[1] "مدارج السالكين" (2/ 156-157).