نقائص الأطفال وطريقة إصلاحها
تأليف / محمود مهدي الاستانبولي
ط . الثانية ( 1402 هـ)


الاهداء
المقدمة
الولد العاصي
الولد الجبان
الولد الكذاب
الولد السارق
الولد الكسلان
الولد العنيد المتمرد
الطفل قليل الشهية
الطفل الحسود
الطفل البوّال
الطفل الناقص
الولد تارك الصلاة
الولد الطائش
الولد الذي ينام متأخراً
مص الأصابع
الولد الغضوب
الولد الأناني
الطفل المخرب
الطفل المتشرد
الطفل الوحيد
الولد الشبق
الولد الجانح
الولد الضعيف
الولد المغتاب النمام
طريقة تكوين العاطفة الدينية


مقدمة
نقائص الأطفال وعيوبهم تقلق الآباء والأمهات كثيراً وتشغل بالهم حرصاً على مستقبلهم وخشية على مصيرهم ، فإن العيوب والنقائص أخطار مخيفة يمكن أن تهدد مصير الأسرة وتعرِّض سلامة الوطن للخطر .

ومعالجة هذه النقائص والمفاسد عمل فنّي يحتاج إلى خبرة واسعة في علم النفس والتربية ، فكثيراً ما يسيء الآباء هذه المعالجة ، ويفسدون من حيث يريدون الإصلاح . مثلهم مثل من يمارس صنعة من الصنعات الدقيقة ، وهو لا يعرف أسرارها .

ولا بد قبل الكلام على نقائص الأطفال وأخطائهم من التحدث قليلاً وبصورة موجزة عن الغرائز .

ما هي الغريزة ؟

الغريزة قوة كامنة في الحيوان والإنسان تدفعه للقيام بأعمال دون سابق تفكير وتمرين .

والغرائز تظهر واضحة في الحيوانات . فالطير مثلاً يبني عشه ، ويغذِّي أطفاله ويدرِّبهم على الطيران دون سابق معرفة أو تعليم .

لدى الإنسان كثير من الغرائز كحب البقاء ، وحب الاستطلاع ، وتحليل الأشياء وتركيبها ، وغريزة حب الذات ، وحب الظهور ، والادخار . . .

وهذه الغرائز نعمة من نعم الله تعالى أوجدها في الطفل لتدفعه إلى الحركة التي تقوي جسمه ، وإلى حب الاستطلاع وتحليل الأشياء وتركيبها لدراسة ومعرفة كنه الأشياء ؟

وبعض الغرائز تظهر أنها ضارة كحب المقاتلة . . ، ومثلها لا يقاوم ، كيلا تحدث انفجاراً وكبتاً لدى الأطفال ، والكبت هو كتمان الألم الناجم من مقاومة هذه الغرائز ومنع تنفيذها وإشباعها بالقوة والقهر ، فيبقى هذا الكبت في العقل الباطن أو ما يسمى باللاشعور ويحدث الأمراض العصبية ، وقد يؤدي بالكثيرين إلى الجنون .

لنأخذ مثالاً على ذلك ، سيلاً من الماء يسير في مجرى من المجاري ، فهو إذا أضر بالناس وحاولوا منعه بالسدود لا يلبث أن يتراجع إلى الوراء ويضر بالجدران والأراضي التي حوله ، أو أن تزيد مقاومته فيهدم ما يعترضه من سدود وموانع .

وكم كان من الأجدر تحويل مجرى هذا السيل إلى جهة أخرى تُفيد ، عوضاً عن مقاومة جريانه .

لذا كان من واجب الآباء والمربين السعي لتحويل الغرائز التي يظهر ضررها ، أو السمو بها والتصعيد إلى نواح أخرى ، فذلك خير وأبقى .

نذكر كمثال على ذلك طفل يحب المقاتلة ، فلو انتسب إلى أحد النوادي الرياضية لتحولت غريزة حب القتال عنده وأُشبعت في أعمال نافعة ، وكذلك طفل يتلف أزهار حديقة الجيران ، فينبغي أن تشبع غريزته بتحليل وتجزئة الأزهار ليعرف كنهها وتركيبها ، ثم نعهد له العناية بحديقة داره وحمايتها .

وأهم ما نود أن نقوله بهذه المناسبة ، أن كثيراً من الأعمال التي يقوم بها الأطفال وتظهر للآباء والأمهات أنها ضارة ، هي في الحقيقة نافعة كثيراً ، إنما جهل هؤلاء الآباء والأمهات بنفسيات أطفالهم ، وأنانيتهم وطلبهم للهدوء والسكينة ، كل ذلك هو الذي أوحى إليهم الحكم بضرر لعب الأطفال وميلهم للحركة وحب البناء والتخريب ولو في أكوام الرمل .

والنصيحة المثلى في هذا الشأن هو السماح للأطفال بعمل ما يشاؤون وقول ما يريدون ما داموا لا يضرون أنفسهم ولا غيرهم ضرراً مباشراً . وهذه القاعدة هي نصف التربية ، ذلك أن الأطفال مدفوعون بحكم غرائزهم التي وضعها الله سبحانه فيهم للقيام – غالباً – بالأعمال النافعة لتقوية أجسامهم وإنماء عقولهم ، وإن تدخل الآباء والأمهات الذين لا يتحلون بثقافة تربوية في سلوك الأطفال ونفسياتهم ، فيه ضرر كبير .

وقد جاء في كتاب ( لماذا ينحرف الأطفال ) : " إن من بين الأساليب التي يتبعها المدرسون والآباء ، والتي تقلل من احتمال أن يسلك الطفل سلوكاً طيباً ما يأتي :
1) قلة الصبر مع الأطفال .
2) حرمان الأطفال من جو مشبع بالحب والتشجيع .
3) توقع مستوى مرتفع في سلوك الأطفال .
4) الحرص الشديد على تنفيذ النظام .
5) عدم اعتبار كل طفل كفرد عامل في المجتمع .
6) جعل المشكلات الشخصية غير المحلولة تؤثر في نوع معاملة الأطفال . "

وقبل أن نذكر نقائص الأطفال وطرق معالجتها بعد هذه المقدمة الضرورية نذكر الوصايا والنصائح التالية :
1) عامل طفلك بالعطف والمحبة وراعي شعوره وعواطفه ، فهو إنسان مثلك .
2) افهم سر تصرفاته ، وخذ في نظرك وجهة نظره ، فإن له غرائز نافعة مدفوع بقوة من قبلها .
3) تذرع بالصبر والثبات ، ولا تتعجل بالإصلاح .
4) اسع لكسب ثقته ، فإن ذلك يساعدك على تسهيل مهمتك في تربيته .
5) كن لطيفاً مع طفلك وساعده على إطاعتك وعلى تلافي قصوره في وإصلاح عيوبه . ولا تكن فظاً غليظ القلب . وقد ورد في بعض الآثار : " رحم الله والداً أعان ولده على برِّه " .
6) أعطه الحرية اللازمة ليُعَبِّر عن غرائزه وآرائه ولينشأ نشأة استقلالية .

ولا بد لنا قبل معالجة موضوع عيوب الأطفال وطرق إصلاحها بأسلوب موجز بسيط ، من الإشارة إلى لزوم الإسراع بإصلاح عيوب الطفل قبل استفحاله ، وقبل أن يصير عادة مستأصلة من الصعب التخلص منها ، كل ذلك بحكمة ورحابة صدر ، ودون طيش وغضب ، فإن الرغبة في سرعة الوصول إلى الإصلاح ، واستخدام العنف والشدة ، كل ذلك لا يأتي بخير مطلقاً ، إنما يعكر صفو الأطفال والأسرة معاً ، ليس بصورة آنية ، بل إلى الأبد . فقد ثبت أن أغلب شذوذ الناس ومآسيهم تمتُّ بصلة متينة إلى المآسي وفساد أصول التربية والتعليم التي طبقها الآباء والمربون بجهل وعناد .
وأهم ما نريد أن نقوله بهذه المناسبة أن كثيراً من الأعمال التي يقوم بها الطفل كخطف لعبة رفيقه أو تشاجره معه ، هي أعمال طبيعية لا تحتاج إلى اهتمام المربين ما لم تتكرر وتكون عن إصرار وعناد ، فقد كانت طفولة كثير من عظماء الرجال مغمورة بالمغامرات والاعتداءات . فواجب المربين في هذه الأحوال تحويل الغرائز وتوجيهها .

هذا – وإنه من الضروري تربية الطفل تربية دينية راقية منذ الصغر حتى يحب الله تعالى ويطيع أوامره ويحسن إلى الناس ولا يسيء إلى أحد منهم . فليس كالإيمان الصحيح معيناً على تحسين السلوك وإصلاح العيوب .

وقبل ختام هذه المقدمة ، أدعو الآباء والأمهات إلى دراسة مبسطات عن مبادئ التربية وعلم النفس ليستطيعوا ممارسة واجباتهم نحو أولادهم على أكمل وجه ، فإن الجهل بهذين العلمين العمليين جريمة لا تغتفر .

وإني لأعجب من أمة لا تسمح تقاليدها بتسلم قطعة الحديد للرجل الجاهل بصناعتها ما لم يتعلم ، كيف يسمحون للرجل والمرأة بإنجاب الأولاد وتنشئتهم دون أن يكون لهم معرفة كافية بعلم النفس والتربية .

والجريمة تقع في الدرجة الأولى على المناهج المدرسية التي تعلم الجيل الجديد كل شئ إلا ما يفيده في حياته العملية كزوج وأب ورجل حياة !

وكم دعوت في الاجتماعات والصحف بلزوم إدخال مبسطات عن هذين العلمين إلى المدارس الإعدادية والثانوية فذهبت صراخاتي كصيحات في واد .

إن جهل الآباء والأمهات بمبادئ التربية وعلم النفس أدى إلى فساد الجيل الجديد من النواحي الخُلُقية والجسمية .

مص الأصابع وقضم الأظافر

هذا العيب زيادة على أنه ينقل الجراثيم إلى الجسم ، فإنه يشوش وضعية الأسنان والفكين ، ومص الأصابع يدل أحياناً على توقف نمو الطفل العقلي ، بعكس قضم الأظافر الذي يدل على زيادة النشاط وفرط التعب وقلة النوم .

1) ويرى المربون أنها ناجمة عن قلة حنان ومحبة الوالدين أو أحدهما للطفل ، فقد دعا أحد علماء النفس إحدى الأمهات بالاهتمام بطفلها المصاب بعادة مص الأصابع وزيادة حبه والعطف عليه ، فزال عنه هذا العيب تدريجياً .
2) كما ينشأ عن رغبة الطفل في إثارة أبويه وإزعاجهما ، لعلمه أنهما يتألمان من عمله .
3) ويقضم الطفل أظافره عقب حوادث الغيرة والحسد ، فيجب معالجة أسباب ذلك كما أوضحنا في غير هذا الموضع من هذا الكتاب .

وقد أشار بعض المربين للتخلص من هذه العادات إذا لم يكن لها أسباب نفسية ، بل هي نتيجة عادات قديمة ، أن يربط سوار عادي أو رباط خاص يحول دون وصول يديه إلى فمه مع تمكنه من حركتها ريثما ينسى هذه العادة .

ومهما كان من أمر هذه العادات الضارة فينبغي التفاهم مع الطفل في ضررها من الناحية الصحية والاجتماعية حتى يتعاون مع أبويه للتخلص منها برفق ، وإن الشدة والعقوبة لا ينفعان في هذه الأحوال غالباً .

الطفل البوال

نقصد بالبوال الذي يبول في فراشه ليلاً دون أن يشعر . ولهذه الآفة أسباب :

1) أسباب مرضية وشدة في الحساسية للجهاز البولي ، وهناك أمراض تلعب دورها في حدوث هذا المرض كديدان الأمعاء وحمض البول وسوء التغذية وفقر الدم واضطراب الجهاز العصبي ، لذا يجب مراجعة طبيب أخصائي في بادئ الأمر .
والإمساك سبب هام من أسباب التبول لما يؤدي من إخراج السوائل المتراكمة في الجهاز الهضمي عن طريق جهاز البول .
2) الإكثار من الماء ومن الأطعمة السائلة في وجبة العشاء المتأخر . فينبغي تركها والإقلال منها ، وإيقاظ الطفل مرة أو مرتين في الليل للتبول .
3) سبب لا شعوري نتيجة عناية أمه بأخيه ، فهو يود بصورة لا شعورية جلب انتباه أمه نحوه .
4) إلقاء الحكايات المخيفة على الطفل قبل النوم .

هذا – ولا بد من الإشارة إلى أن أموراً خطيرة تقع بسبب تبول الطفل في فراشه منها توبيخه وضربه وإهانته مما يسبب له العقد النفسية وفقدان شخصيته والثقة بنفسه .
ومنها افتخار الأم بأنها علمت أبنها مبكراً على النظافة وعدم التبول في لباسه ، فإذا كان عملها باللطف واللين فحسن ، وإذا كان بالشدة والخوف فضرره كبير وعواقبه وخيمة .

الولد تارك الصلاة

الطفل أمانة عند والديه وهما مسؤولان عنه أمام الله فعليهما أن يحسنا تربيته ليكون لهما ذُخراً في الدنيا والآخرة . قال ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ) .

وهؤلاء الآباء كثيراً ما يشكون من أولادهم لعدم قيامهم بصلاتهم ، مدعين أنهم طالما نصحوهم وأنبوهم لتركهم الصلاة .

1) إن هؤلاء الآباء يُشكرون على عاطفتهم الدينية ، إنما ينبغي أن نصارحهم أنهم تأخروا في حض أولادهم على الصلاة ، قال عليه الصلاة والسلام : ( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر – ضرباً غير مبرح – وفرقوا بينهم في المضاجع ) .
ولو فعل الآباء والأمهات هذه الوصية النبوية لحققوا غايتهم من مثابرة ولدهم على الصلاة حيث يكون قد اعتاد عليها منذ الصغر حينما يكون لين العود كثير الطاعة .
2) وهناك سبب آخر في ترك الأولاد للصلاة على الرغم من ممارستهم لها منذ الصغر ، هو معاشرتهم لرفقاء السوء الذين لم يعمل الآباء على اختيارهم ، أو وضعهم في مدارس لا دينية وعند مدرسين فاسدين وغير صالحين .

فكم يجدر بالآباء والأمهات مضاعفة العناية بأولادهم في الصغر والكبر ، فإن مسئوليتهم عظيمة قال : ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته ) الحديث..
3) ومن أهم أسباب ترك الأولاد للصلاة ضعف عقيدتهم الدينية ، فإنه لا بد حتى يصلي الإنسان أن يكون حاملاً لعقيدة دينية صحيحة ، وهذه العقيدة بحاجة إلى ثقافة إسلامية ، فيجب على الآباء تأمينها لأولادهم في المدرسة وفي البيت .

جاءني مرة نائب ، ودار الحديث بيننا حول ضرورة عناية الأبوين بتربية أبنائهما التربية الدينية ، وقد رجاني زيارته في البيت في أيام معينة لتوجيه أولاده الطلاب ، فحبذا لو يكون جميع الآباء على منوال هذا النائب الكريم .

وغرس العقيدة في الأطفال يحتاج إلى مهارة دقيقة ، فلا يجوز تخويفهم على الدوام بالإله والنار ، بل لا بد من تحببهم بخالقهم ولفت نظرهم إلى عجائب الكون وما فيه من نعم سخرها الله تعالى كلها للإنسان زيادة على ما أعده لهم من كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين يوم القيامة إذا كانوا من الصالحين .

وتدريب الأولاد على الصلاة يحتاج إلى حكمة وصبر ، والقدوة الحسنة المبكرة هي خير ما يفيد في هذا الموضوع ، فإن الأبوين المثابرين على صلاتهما لا بد أن يقتدي بهما أولادهما ويكونوا قرة عين لهما . . .

الولد المغتاب والنمام

لعل الكثيرين لا يعتبرون الغيبة والنميمة نقصاً ينبغي الإسراع لمعالجته على الرغم من أخطار هاتين الصفتين القبيحتين من النواحي الاجتماعية والأخلاقية ، فكم فرقت الغيبة والنميمة بين الإخوان وكم سببت من الفتن والمنازعات ، وقد جاءت الآثار في النهي عنهما قال تعالى : ( ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم ) .

قال عليه الصلاة والسلام : ( لما عرج بي مررت بقوم لهم أظافر من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم ) .

نعم على الرغم من نتائج الغيبة والنميمة الاجتماعية وعلى الرغم من تهديدات القرآن والحديث للابتعاد عنهما نرى الكثيرين يستسهلون أمرهما وخطرهما كل ذلك ويا للأسف نتيجة فساد مجتمعنا الذي بعد عن الإسلام بعد السماء عن الأرض حيث فقدت فيه الروح الإسلامية غالباً كما فقدت بفقدها روح الكرامة والمروءة .

لذا كله ذكرت هذا البحث لأصل به إلى الآباء والأمهات قبل أطفالهم وأدعوهم لترك الغيبة والنميمة حتى ينشأ أولادهم نشأة إسلامية سامية يأنفون من الاتصاف بهاتين الرذيلتين بل الجريمتين .
والغريب أن الغيبة والنميمة لا تكون في بعض الأحيان عن سوء قصد ، إنما هي المسايرة للمتكلم فلا تكاد المرأة تذكر إحدى جاراتها بسوء في اجتماع من الاجتماعات حتى ينهال عليها التأييد من الحاضرات بقصد المسايرة . . !
إن الصديق الصادق هو من يدافع عن أخيه في غيابه ويمنع الناس من ذمه واغتيابه .

قال عليه الصلاة والسلام : (من ذب عن لحم أخيه في الغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النار ) ، والدفاع عن المسلم بحق في غيابه لفاعله أجر عظيم .

وجاء رجل من قيس إلى النبي وقال له : العن حُميراً فأعرض عنه ، فأعاد عليه ، فقال عليه السلام : ( رحم الله حميراً ، أفواههم سلام ، وأيديهم طعام ، وهم أهل أمن وإيمان ) .

إن الغيبة والنميمة زيادة على أنهما من اللؤم فهما من علامات الجبن والضعف ، فإذا اتصف بهما الطفل منذ صغره أصبح شخصية حقيرة مبغوضة لا يؤمل له النجاح ، وكان الوزر في ذلك على أبويه اللذين علماه هاتين الرذيلتين بصورة لا شعورية وعفوية ، فإن ابن النمام نمام ، وابن المغتاب مغتاب إلا من رحم ربك ! فعلى الآباء والأمهات أن يتركوا الغيبة والنميمة لينجوا من عقوبتهما ويسلموا من عاقبتهما ، ويحفظوا أولادهم من ويلاتهما حتى ينشؤوا رجالاً نبلاء صالحين وليعلم الجميع أن الغيبة والنميمة لا يغفر الله تعالى ذنبهما إلا بطلب العفو ممن اغتيب ونمّ عليه ! !

ونرى ختاماً للبحث أن نذكر القصة التالية في أضرار النميمة فهي لا تخلو من طرافة وعظة :
يروى أن رجلاً باع عبداً وقال للمشتري ليس فيه عيب إلا النميمة . قال : رضيت ، فاشتراه ، فمكث الغلام أياماً ، ثم قال لزوجة مولاه : إن سيدي لا يحبك ، وهو يريد أن يتسرى عليك ، فخذي الموسى واحلقي من شعر قفاه عند نومه شعرات حتى أسحره عليها ، فيحبك . ثم قال للزوج : إن امرأتك اتخذت خليلاً وتريد أن تقتلك ، فتناوم لها حتى يعرف ذلك ، فجاءت المرأة بالموسى فظن أنها تريد قتله فقام إليها فقتلها ، فجاء أهل المرأة فقتلوا الزوج ووقع القتال بين القبيلتين ! !

الطفل المخرب

يشكو كثير من الآباء والأمهات من تخريب أولادهم كل ما تصل إليه أيديهم من الأشياء والأدوات ، فيكثرون عليهم من اللوم والتأنيب ويعاقبونهم بأنواع الجزاء المختلفة دون أن يجدوا لذلك فائدة مما يزيد غضبهم وقلقهم .

ما هي أسباب التخريب ؟
للتخريب أسباب منها :
1) قلنا مراراً إن لدى الطفل غرائز تدفعه للعمل والحركة والبحث عن أسرار الأشياء ، من هذه الغرائز غريزة حب الاستطلاع وغريزة التخريب والبناء ، وهذه الغرائز من نعم الله تعالى ، وضعها في الأطفال ، فيجهل كثير من الآباء فهم سرها ومغزاها .

إن الولد الذي يعثر على ساعة أبيه ويسمع دقاتها ، تشتاق نفسه إلى معرفة أسرارها الداخلية مدفوعاً بغريزة حب الاستطلاع فيأخذ في فكها وتركيبها ليتعلم .

يثور الأب على ساعته ، وحق له أن يثور على هذه الساعة ، فيأخذ في عقاب الطفل ، فيتألم لما ناله من جزاء يرى أنه لا يستحقه ، لأنه إنما كان يقصد بعمله من تفكيك الساعة الوقوف على أسرارها .

فما هو الحل العملي الطبيعي في هذه الحال ؟

الحل أن يقدم الآباء والأمهات لأبنائهم وبناتهم على الدوام أدوات رخيصة يمكن فكها وتركيبها ليشبعوا غريزتهم دون أذى ، كما يحسن أن يخصصوا لأطفالهم غرفة خاصة أو مكاناً خاصاً ليقوموا في عمل ما يشاءون دون أن يفسدوا أغراض المنزل .

إن الآباء والأمهات لو فعلوا ذلك لاستفادوا فوائد كثرة منها : يحفظون أدوات الدار سليمة ، ويشجعون أولادهم على البحث والملاحظة والاختراع .

أما إذا هم اقتصروا على عقاب الطفل ومنعه من اللعب بالأشياء ، فإنهم يقلبون البيت إلى جحيم ، ويقتلون في الطفل الغرائز المفيدة التي تجعل منه مخترعاً ومفكراً ، وقد يحدثون فيه الكبت ( الحصر ) وهو يؤدي إلى كثير من الأمراض العصبية المختلفة كما ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع .
هذا ولابد من الإشارة قبل الانتهاء من هذا البحث ، إلى أن أحسن الألعاب ليس أغلاها ثمناً ، وهي ذات ( الزنبرك ) بل الذي يمكن تفكيكه وتركيبه بسهولة ، لذا كانت ألعاب ( الميكانو ) وعدة قطع خشبية متلفة الأحجام والأشكال وملونة يبني بها الطفل ما يريد ، خيراً بكثير من الألعاب الثمينة التي لا تتطلب من الطفل إلا النظر أو العمل القليل فقط .

2) قد يصادف أن كثيراً من الأطفال يخربون الأشياء دون فائدة ولا غاية ، وهذا صحيح ، وعملهم هذا ليس ناشئاً من غرائز حب الاستطلاع والفك والبناء ، إنما هو يعود إلى أسباب نفسية ناجمة عن الغيرة والغضب والحسد ، وقد بحثنا عن أسباب هذه الأمور في مواضعها .

3) وهناك حالات قليلة نجدها عند بعض الأطفال الذين يخربون ويهدمون كثيراً مما يصل إلى أيديهم من أدوات المنزل دون أن يكون ذلك لحب الاستطلاع ، أو نتيجة الغيرة أو الحسد .

وهذه الحال تعود إلى أسباب لا شعورية بحاجة إلى طبيب نفساني لمعالجتها تعود إلى أمور مكبوتة منذ الصغر .

الولد الكسلان

كثيراً ما يسيء الآباء والمعلمون معاملة الولد الكسلان ويعاقبونه ويحتقرونه ، مما يولد عنده الشعور بالنقص فيفقد الثقة بنفسه وتضمحل شخصيته مع أن الكسلان كثيراً ما يكون بحاجة إلى الشفقة والعطف والمعالجة !

للكسل أسباب كثيرة :
1) سبب مرضي انتاني ، فيجب مراجعة الطبيب الأخصائي في الأطفال عند ظهور خمولهم وكسلهم .
2) سوء طريقة المعلمين في تربية الطفل وتعليمه ، فإن الشدة والخوف يخبلان العقل ، وسوء نظام طرق التدريس يُفسد الذهن .
3) حرمان الطفل من عناية أمه ومربيته وحبهما ، مما يطفئ جذوة نشاطه ، فإن الطفل بحاجة إلى المحبة كما هو بحاجة إلى الغذاء !
4) عدم ميله إلى المعلومات التي يتلقاها ، أو أنها فوق سويته العقلية .
5) من عدم مؤازرة الأبوين لطفلهما في خطواته الأولى التعليمية ، فإن لكل جديد دهشة ، فلا بد للأبوين أن يساعداه في المراحل الأولى ، وإذا لم يقدرا على ذلك استعانا بغيرهما وسعيا لتشجيعه على الدوام والتعاون مع معلميه .
6) سوء نظام البيت واستيلاء الفوضى فيه مما يعكر صفو الطفل ويشوش ذهنه ولا يجعل فيه رغبة فيه المدرسة .

الولد الكذاب
الكذب صفة قبيحة وهو مفتاح الجرائم ، لذلك يجب حماية الأطفال منه منذ الصغر ، واستئصاله منهم إذا وُجد .
والكذب يرجع إلى الأسباب الآتية :
1) شدة الآباء والمربين وقساوتهم ، فإن الولد إذا خاف منهم اضطر إلى الكذب خشية العقوبة .
2) اتصاف الأبوين بالكذب ، وكذبهم على الناس وعلى أولادهم ، ومثل هذين الأبوين ينشئان أولاداً كاذبين من الطراز الأول مهما حاولوا وعظهم للتمسك بالصدق . فإن هذه الصفة لا تكتسب إلا بالقدوة والتدريب شأن اكثر الصفات الأخلاقية .
جلس رجل يوماً إلى ولده وأخذ ينصحه بعدم الكذب مدة طويلة ، وبينما هو في وعظه إذ قُرع باب البيت، فقال الأب لابنه: اذهب وافتح الباب وإذا حضر فلان فقل له: إن والدي غير موجود في الدار !
3) إن شعور الطفل بالنقص ، كثيراً ما يدفعه إلى الكذب فيتحدث عن مغامراته وبطولاته الموهومة ليعوض عن نقصه ، فعلاج ذلك يكون بدراسة الطفل الناقص من هذا الكتاب .
4) قد يكذب الطفل حباً بالمدح المدفوع بغريزة حب الذات ، فيمكن إشباع غريزته هذه بتكليفه بأعمال تتناسب ومقدرته وشكره ومدحه حين تنفيذها .
5) هناك كثير من الكذب يتعلمه الأولاد من الحكايات الكاذبة التي يقصها عليهم آباؤهم ومربيهم . ففي قصص القرآن الكريم وقصص البطولة والمروءة العربية والإسلامية غنى عنها .
6) يكذب بعض الأطفال أحياناً ويذكرون أنهم شاهدوا حيوانات معينة أو فعلوا أموراً ولم يفعلوها ، وهذا النوع من الكذب ناشئ غالباً من شدة خيال الأطفال كأنهم يعيشون في حلم ، فهم لا يفرقون بين الواقع والخيال .
وهذا النوع من الأطفال ينبغي تدريبهم للتفريق بين الحقيقة والخيال بالنصح والتمرين .

الولد الغضوب
الغضب ميل غريزي لا يمكن استئصاله والتخلص منه ، ولكن بالاستطاعة ضبطه والسيطرة عليه .
وأقصد بالسيطرة ، السيطرة الداخلية التي يقوم بها الولد بنفسه ، لا السيطرة الخارجية كسيطرة الأب الذي يمنع ابنه من إظهار الغضب بالقوة .
إن كتمان الغضب على هذه الطريقة يؤدي إلى اضطراب وغليان وثورة تختفي في نفس الولد وتسبب له الأمراض العصبية .
لذلك كانت معالجة الغضب بحاجة إلى انتباه ودقة ، وخير وسيلة للنجاة من الغضب هي تقوية إرادة الطفل حتى يستطيع ضبط نفسه . فالإرادة في الإنسان ( كالفرامل ) في السيارة .

لماذا يغضب الطفل ؟
قلنا أن الغضب ميل غريزي يثور ويشتد إذا قام أحد بمنع الطفل من تنفيذ غريزة من غرائزه . نأخذ مثالاً على ذلك: طفل يريد أن يلعب، واللعب ميل فطري ، فإذا منع من ذلك ظهرت عليه علامات الغضب .

لذا كان من واجب الآباء والمربين ملاحظة هذه النقطة الحساسة ، فيسعون على الدوام لعدم منع الطفل من تنفيذ غرائزه إذا لم يكن له من تنفيذها محذور . أما التي يظهر محذورها فيمكن تحويلها كما تحدثنا عن ذلك في مقدمة هذا الكتاب .
ما هي أسباب الغضب ؟
للغضب أسباب كثيرة نذكر منها :
1) الغيرة ، وهي ناجمة عن عدم عدل الأبوين في معاملة أولادهما ، فإذا وجد طفل أباه يحسن معاملة أخيه ويعطيه أكثر منه ، اشتعلت نيران الغضب في نفسه ، وكان السبب في ذلك هذا الأب . فالمساواة والعدل حتى في الحب واجب ديني وتربوي .
2) الكيد ، يغضب الطفل إذا كاد له أحد رفقائه أو إخوته ، فلكي ننقذ هذا الطفل من غضبه يجب أن نبعده عمن يكيدون له .
3) القدوة السيئة ، إن الولد الذي يجد أباه وأمه يغضبان لأقل سبب ويثوران على الدوام ، لا بد أن ينشأ على مثالهما ، فعل الآباء أن يكونوا على بينة من الأمر ويضبطوا أنفسهم على الدوام وخاصة أمام أولادهم .
4) تكليف الولد ما لا يطاق ككثير من الأوامر والطلبات ، وقديماً قيل : إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع .
والغضب زيادة على أضراره النفسية ، فإن له أضراراً جسيمة شديدة ، فإن الغضب يفسد الدم ويقلل مقاومته وربما سبب مرض السرطان ! .
وقد يكون الغضب مقروناً بنوبات عصبية كالوقوع على الأرض وتمزيق الثياب ، وتوتر في أعضاء الجسم ، فينبغي الإسراع بتجنب أسباب الغضب ومراجعة الأطباء إذا اقتضى الأمر ، وهذا خير من سماع وصفات الدجالين وحجبهم التي نهى الشارع الإسلامي عنها .
وقد تكون هذه النوبات قصدية يفعلها الولد ليتوصل إلى مراده من أبويه ، فيجب في هذه الحال عدم الانتباه إليها ، فإذا علم أن هذه المظاهر لا تلفت اهتمام أبويه تركها من نفسه .

هذا وإن الغضب ميل غريزي كما قلنا ، وهو ضروري في هذه الحياة ، وإذا زال من الولد كان أشبه منه على الحياة ، فينبغي أن ندرب الطفل على الغضب لدينه وشرفه ووطنه ، وهذا خير من أن يغضب لأمور تافهة .
وقد ورد عن النبي لزوم الجلوس والاضطجاع والوضوء بالماء البارد في حالات الغضب . فما أجدرنا نحن وأولادنا باللجوء إلى ذلك إذ لا يخفى تأثير الجسد على النفس .

الولد العنيد المتمرد
نذكر من أسباب التمرد :
1. صعوبة وكثرة أوامر الآباء والمعلمين التي لا تطاق ، فتدفع الطفل لرفضها وعدم تنفيذها . بل والثورة عليها ، ومن المفيد في هذا الشأن أن نذكر للطفل الفائدة من العمل المطلوب منه تنفيذه .
2. سوء تصرف الأبوين وخلافهم على طريقة تربية الطفل أمامه .
3. قال أحد المربين : " ويمكن اعتبار العصيان والتمرد شكلاً من أشكال الاعتداد بالنفس ، قد وضع في غير موضعه ، وهو يتأتى من المرض حين يحس الطفل بالتعب والانحلال القوي " .
4. ضعف شخصية القائمين على تربية الطفل وتبدل أوامرهم من حين إلى آخر وخضوعهم للطفل عند طلب حاجاته المرفوضة إذا تكرر طلبه .
فينبغي للآباء والمربين أن يكونوا حازمين ولا يصدروا أوامرهم إلا إذا تحققوا من تنفيذها ، وإذا رفضوا إعطاء الطفل شيئاً بناء على طلبه ، فيجب أن يستمروا على هذا المنع ، ولو ألحَّ وبكى حتى يعرف أن البكاء والتمرد لا يفيدانه .
ومن الخير تدريب الطفل على طلب حاجاته بهدوء ولطف .
5. سرعة طلب تنفيذ الأوامر ، يسبب عناد الطفل وتمرده عليها ، فلا بد من إعطائه شيئاً من المهلة والحرية . وليس معنى هذا : التساهل معه .
6. وينشأ التمرد أحياناً عن الحسد وعدم معاملة الأولاد بصورة عادلة متساوية .
7. قد ينشأ العناد والعصيان عند الطفل من استعمال الآباء والمربون للشدة والقسوة في تربيته ، فيضطر للثورة والانفجار ، وفي الاستعاضة عن ذلك باللين والنصح خير كثير .
8. شدة غيرة الأبوين وخوفهما على الطفل في غير سبب معقول ، يؤدي به إلى التمرد والعصيان كالأم التي تود حجز طفلها في بستان خشية سقوطه في النهر ، وكان الأجدر بها التنزه في بستان أمين وعدم حجز حرية ولدها .
الولد العاصي

كثير من الآباء والأمهات يشكون من عدم إطاعة أولادهم لأوامرهم . والعصيان يعود إلى سبب من الأسباب التالية :1)
1) قد تكون أوامر الآباء مخالفة لغرائز الأطفال ، وفي إطاعتها ضرر لهم ، كالنهي عن ترك اللعب والحركة ، وعن فك الأشياء وتركيبها .
2) قد تكون أوامر الآباء والمربين غير ثابتة ، كأن ينهوا الأطفال عن أعمال مرة ، ثم يعودوا بعد ذلك يتساهلوا مرة أخرى .
3) قد تكون الأوامر فوق طاقتهم ومقدرتهم ، وقديماً قيل : " إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع " . وهذه الأوامر تُسبب للطفل الأزمات العصبية وسوء الخُلق . فينبغي في هذه الحال تجزئة الأوامر وطلب تنفيذها بصورة تدريجية .
4) ليس عند الأطفال التفكير السليم ، ودماغهم لا يستطيع تنفيذ ما يؤمر به إلا بطريقة بطيئة ، لذلك كان من الواجب التريث في طلب تنفيذ هذه الأوامر ، ريثما تنضج في عقله .
5) ومن أسباب العصيان جهل الآباء بأهم مبدأ من مبادئ التربية ، وهو أن لكل إنسان ميوله واستعداده الخاص به ، فليس من الإمكان فرض اقتراحات وأوامر على الطفل لا تتفق وميوله .
فالآباء كثيراً ما يفرضون ما يشتهون من العلوم والمهن على أولادهم ليختصوا فيها دون أن يميلوا إليها ، وإذا رفضوا ما اقتُرح عليهم – وحق لهم الرفض – نسبوا عملهم إلى العصيان .
6) هناك كثير من أوامر الآباء والمربين تحمل معها فكرة عصيانها لأنها بصيغة الأوامر المجردة ، ولا تحمل معها روح التعاون والاستهواء . فهناك فرق عظيم بين قولنا للطفل : أملئ سطلاً من الماء البارد . وبين قولنا : ابني ولد مطيع ، إنه سيذهب الآن بسرعة ليملئ سطل ماءً بارداً .

ذلك أن الطفل محب للظهور وله شخصية ينبغي احترامها ، ولا يجوز بحال من الأحوال تحطيمها بالأوامر المختلفة ، وبالقوة والعقاب ، فينشأ ناقماً على أبويه وضعيفاً مخبولاً لا فائدة منه للمجتمع .
7) كثر من الأوامر تلقى في أوقات غير مناسبة ، كأن يكون الولد يلعب أو يأكل ، فينبغي اختيار الوقت المناسب لهذه الأوامر . وإذا كان الولد يلعب ونود أن يحضر لتناول الطعام ، لا نرى مانعاً من إعلامه برغبتنا قبل مدة كي يستعد لإنهاء لعبه ما دام هذا اللعب بنظره ليس أُلهية لا مغزى لها ، إنما هو عمل مفيد منتج !
8) لا أرى مانعاً من تفهيم الطفل فائدة ما نأمره به إذا أمكن ، وهذا خير من أن يكون آلة صماء تطيع دون معرفة سبب تلك الطاعة . فإذا طلب منا شراء دراجة مثلاً ، ولم نستطع ، بسبب عجز ميزانيتنا ، تلبية طلبه ، أوضحنا له وارداتنا وكيف تنفق ولا يبقى منها شئ ، وإن شراء الدراجة يسبب الحرمان من الخبز واللحم ، وهذا خير من قولنا : لا ، نحن لا نشتري لك دراجة .

ونختتم هذا البحث بوصية لأحد كبار المربين : " إذا أردت غرس عادة الطاعة ، فتفرغ أول كل شئ على دراسة ابنك ، وقف على ما يفكر فيه ، واعرف كيف يستجيب لما يعرض عليه .

فكِّر ملياً في وعودك قبل أن تعده بها ، فإذا وعدت فأوف بوعدك ، أو أوضح لولدك العلة في خلف الوعد حتى تستبقي ثقة الطفل بك " ونرى من حق الولد على أبيه أن يُثني عليه في حال طاعته ، ويشكره ويكافئه من حين إلى آخر بغية تشجيعه واستمراره على الطاعة ، فإن حب الإحسان وتقبُّل الثناء فطري عند الكبار والصغار .

الولد الطائش
يطلق بعض الآباء اسم الطائش على الولد النشيط ، كثير الحركة واللعب ، ويعتبرون هذه الأعمال من النقائص التي يجب إصلاحها ، وذلك أن الولد المثالي بنظرهم هو الساكن الذي يقبع في زاوية الغرفة ولا يتحرك ولا يلعب ولا يسأل .
وهذا الاعتقاد خطأ فاحش ينبغي تغييره .
يحتج هؤلاء الآباء بأن الولد الكثير الحركة واللعب يفسد راحة البيت وسكونه ، ويخرب أدواته . وهم على غير حق غالباً . ذلك أن هذا النشاط وهذه الحركة – التي يسمونها ويظنونها طيشاً – ضرورية لجسمه ، مقوية لعقله ، باعثة الفرح إلى نفسه . والطفل إذا أفسد وأزعج غيره خلال ذلك فليس الذنب ذنبه .
لقد كانت بيوتنا العربية والإسلامية القديمة واسعة ، فيها الباحات الواسعة والبحرات الكبيرة والأشجار الجميلة ، فكان الأطفال يأخذون فيها حريتهم ويتمتعون بنشاط عظيم .
أما اليوم ، فإن البيوت بفضل تقليدنا للأجانب أصبحت كالعلب ، محرومة من الهواء والشمس والسعة ، نرى الأطفال فيها كالمسجونين ولكن لا بد لهم من الحركة مدفوعين إليها بقوة غرائزهم ، فيفسدون – مضطرين – ويقلقون راحة البيت . ويخرجون إلى الأرقة ويتعلمون التشرد .
إن منع الأطفال من اللعب والنشاط قتل لهم وإضعاف لأجسامهم وحيويتهم ، فينبغي في البيوت الحديثة ، تخصيص غرفة لهم مجهزة بالألعاب المفيدة والأدوات اللازمة ليلعبوا ويتحركوا دون أن يفسدوا أدوات البيت ويقلقوا راحة أفراد الأسرة .
على الآباء والأمهات أن يفرحوا لنشاط وحركة أبنائهم ولا يعتبروهما من العيوب ، فإن الولد البليد قليل الحركة ليس أديباً كما يعتقدون ، إنما هو مريض بحاجة إلى طبيب جسماني أو إلى طبيب نفساني .
وقبل أن نختتم هذا البحث لا بد من التنبيه إلى أن قهر الطفل ومنعه من اللعب والحركة يسبب له الكبت والأمراض العصبية ، أو يميت حيويته ويؤدي به إلى الخمول والفتور .

الولد الضعيف

يشكو كثير من الآباء من ضعف أولادهم ودون أن يكون مصاباً بمرض جسماني ، فيقلق راحتهم ويعكر صفاءهم .

والضعف في الطفل هو في الغالب نتيجة التربية الاتكالية الضعيفة ، والخوف عليه من البرد فيكثرون ثيابه ويمنعونه من اللعب ، وإذا خرجوا به إلى النزهة نهوه عن الحركة وتسلق الأشجار ، وفي الليل فلا يسمحون له بمغادرة غرفته ، ويدعونه للجمود في زاوية من زوايا البيت إلى آخر هذه الأساليب البالية والهدامة .

لقد كانت القوة والخشونة من أهداف التربية العربية والإسلامية ، فقد حث الرسول عليه السلام على تعليم الأولاد الرماية والسباحة وركوب الخيل ودعا إلى الخشونة . وكان صلى الله عليه وسلم ينام على الحصير ويأكل الشعير ، وقيل إنه رأى مرة أطفالاً يتسابقون فشجعهم وتسابق معهم ، كما تسابق مرة مع زوجته عائشة !

فعلينا إذاً أن نسمح للأطفال باللعب ونشجعهم على الحركة ونقدم لهم الألعاب الجديدة المختلفة ، ونعودهم لبس الثياب الخشنة والنوم على القاسي من الفراش وتجنب الإسراف والتأنق والبطالة ، وصعود الجبال ، وأكل الخبز دون أدم أحياناً ، وتكليفهم بالقيام ببعض المهمات والأعمال .

أما بعد فإن الأمة العربية والإسلامية تجتاز مرحلة من أخطر مراحلها ، وهي على وشك خوض معركة ، بل معارك لاستعادة مجدها وكرامتها ، وليس مثل التربية القوية والتربية الاستقلالية معيناً على ذلك .

وهناك نوع من الضعف في الأطفال يكون في نفوسهم ، سببه احتقارهم وعدم احترام آرائهم وتوبيخهم على الدوام . فعلى الآباء أن يكونوا على بينة من الأمر فلا يحتقروا ولا يستهينوا بأولادهم ، بل عليهم أن يحترموا شخصيتهم ويعودوهم الثقة في نفوسهم وذلك بتشجيعهم والثناء عليهم . جاء في كتاب الجامع الصغير عن رسول الله : ( وقروا من تتعلمون منه العلم ووقروا من تعلمونه ) وفي ذلك إشارة إلى خطورة الاحترام وضرورته في تقوية نفوس الصغار والكبار ، وإلا نشأوا ضعاف النفوس ضعاف الهمم لا فائدة ترجى منهم .

ومن أهم أسباب ضعف الشخصية الأطفال ، ضعف شخصية أمهاتهم وتحقيرهن على الدوام من قبل الرجال وعلى مشهد من الأولاد . إن العبدة لا تلد إلا عبداً ، وضعيف النفس لا ينشئ إلا ضعيفاً مثله ! وهناك الآباء يستهزئون بأولادهم أمام الناس ويطلبون منهم أن يهرجوا لإضحاك ضيوفهم ، كل ذلك أمور تضعف الأطفال وتذلهم .

الولد الشبق

الولد الشبق هو من يهتم بالأمور والقضايا الجنسية قبل الأوان ، وبصورة غير طبيعية .

وقد يستغرب الكثيرون مني أن أطرق هذا البحث الذي قل من يتكلم عليه ، ولكني أقول بصراحة إن عدم دراسة هذه المسائل بصورة مكشوفة على قدر الإمكان ، كان له أعظم الأثر في تعقيد المشكلة الجنسية والوقوع في الورطات الكثيرة المؤدية إلى الرذيلة والفساد .

والشبق ترجع أسبابه إلى ما يلي :
1) مشاهدة الطفل للأعمال الجنسية ، من جراء نومه في غرفة أبويه ولو كان صغيراً وهذا خطأ فاحش ، فإن الولد شديد الحساسية ينطبع في ذهنه جميع الصور التي يشاهدها وتؤثر في نفسه وسلوكه .
2) ونوم الأولاد بعضهم مع بعض في فراش واحد مما هو محرم شرعاً قال عليه الصلاة والسلام : " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع ! " وقد اعتاد الآباء والأمهات التساهل في هذه القضية مما أدى إلى محاذير كثيرة .
3) مشاهدته للمناظر العارية وقراءته للروايات الداعرة والقصص الخليعة ، فينبغي أن يصرف عنها بقراءة القصص المفيدة الجذابة . وكم تقع التبعة عظيمة على الحكومة التي تسمح بعرض الأفلام الخليعة في صالات السينما ونشر صورها في الشوارع والمجلات مما يسيء إلى الشباب والأطفال ويعرض الأمة للفساد والهلاك .
4) الخدم ، قد يكون وجود الخدم في البيت نقمة وشراً بسبب ما عليه أكثرهم من فساد الأخلاق ، فد شوهد طفل يداعب ابنة جاره مداعبة جنسية ، ولما سئل عن سبب عمله ؟ قال : إنني أفعل كما فعلت الخادمة التي شاهدتها – وهي تصحبن إلى النزهة – تداعب شاباً . . فعلى الأبوين أن يحسنا انتقاء الخدم جيداً والتحقق من عفتهم قبل إدخالهم إلى البيت .
5) ومن أسباب الشبق كتمان الأمر على أسئلة الطفل في الموضوعات الجنسية وحصوله على المعلومات عنها من أولاد الشارع ، ومن رفقاء السوء الذين يضللونه على الدوام .

وكم يجدر بالآباء والأمهات أن يعطوا هذا الموضوع حقه ولا يتهربوا منه ، فيكون مثلهم كمثل النعامة التي تخفي رأسها من الصياد ، ويكون في ذلك موتها وهلاكها وننصح علاوة على ما تقدم بالتقليل له من الأغذية الدسمة والبهارات والمنبهات .

والحياء في هذا الموضوع ضار ويؤدي إلى أسوأ النتائج .

ولا أرى مانعاً من إعطاء الطفل الشبق بعض العقاقير الطبية بواسطة الطبيب تخفف من حدة غريزته الجنسية . كما يحسن بأبوي هذا الولد ومربيه سرعة تعليمه فناً من الفنون أو أُلهية من الألهيات كالرسم والصيد والرماية والمطالعة والسباحة والكشفية لتحويل غريزته الجنسية والتصعيد بها إلى آفاق سامية ، وإننا لننصح الآباء بلزوم مرافقته وعدم السماح له قدر المستطاع بالخلوة في نسفه كيلا يمارس العادة السرية – أو يكثر منها – مما يسبب ضعف أعصابه وجسمه .

الولد السارق
للسرقة أسباب كثيرة :
1) حرمان الأطفال وشدة حاجتهم ، فيجب على الآباء والمواطنين تأمين مطاليبهم ، وإلا كانوا خطراً على المجتمع ، وليعلم الآباء أن بخلهم على أولادهم يؤدي إلى محاذير كثيرة .
2) حب الأطفال للمغامرة وعمل عصابات للغزو والخطف والسرقة مدفوعين بشعورهم بالقوة والسطوة ، وبما شاهدوه وقرؤوه من الروايات " البوليسية " فيحسن توجيه هؤلاء الأطفال وتحويل ميولهم إلى طرق أخرى من النشاط كالكشفية والقيام بالرحلات والانتساب إلى النوادي الرياضية . . .
3) تقليد الطفل لأبويه ولجيرانه ورفقائه إذا كانوا يتصفون بالسرقة ، فيجب إبعاده من محيطه الفاسد إلى محيط أمين .
4) الغيرة والانتقام ، فإن كثيراً من الأطفال يسرقون لمجرد إيذاء خصومهم ، والنصح في هذا الموضع مفيد لتدريب الصغار على محبة الآخرين والتسامح معهم .
5) كثير من أسباب السرقة عند الأطفال ترجع إلى غريزة حب التملك ، وعدم معرفتهم حدود هذه الغريزة ، فهم يأخذون كل ما يشاهدونه ، فيجب على الآباء والمربين تدريب هذا النوع من الأطفال على احترام ملكية غيرهم كما يطلب منهم إعادة ما سلبوه أو دفع ثمنه .
وينصح المربون بوجوب احترام ملكية الأطفال في البيوت حتى يحترموا ملكية غيرهم ، وذلك يكون بعدم التصرف بعبهم وكتبهم أو دراهمهم إلا بإذنهم وموافقتهم .
هذا وإن نوع السرقة يدل على سببها ، فسرقة كعكة غير سرقة طابة ، ومهما كان من أمر السرقة فإنه يجب السعي لمعرفة اسبابها وسرعة معالجتها بحكمة ورويّة وحذر قبل أن يستفحل شرها .
هذا – وإن كثيراً من الآباء يثورون بشدة لظهور أبنائهم متلبسين بالسرقة ، فيسعون لمعاقبتهم بشدة خشية على سمعتهم ، أو يعيّرونهم بسرقتهم على الدوام .وكل ذلك يؤدي إلى أسوأ النتائج .
وأننا ننصح في حالات اشتهار الطفل بالسرقة تغيير بيئته ومدرسته . . .

الولد الذي ينام متأخراً

كثير من الأطفال يكرهون الذهاب إلى فراشهم مبكرين على الرغم من صياح أبويهم وإلحاحهما وذلك ناجم من الأسباب التالية :
1) شوقه لأبيه إذ لا يراه إلا مساءً ، فمن حقه أن يترك له المجال لمشاهدته ، وعلى الآباء أن يعتادوا الرجوع إلى بيويهم مبكرين للإشراف على تربية أولادهم والتمتع برؤيتهم .
وما أشقى الآباء الذين يقضون سهراتهم في المقاهي والنوادي ويتركون أبنائهم يتشردون . .

2) حب الأبوين للسهر الطويل ، وهو أمر ضار ومكروه شرعاً إذا كان لغير طلب العلم ، فإنه يسبب الغفلة والنوم عن صلاة الفجر . والأطباء ينصحون بلزوم النوم باكراً والاستيقاظ باكراً للتمتع بمناظر الطبيعة الهادئة واستنشاق النسيم النقي وكسب فرصة العمل والربح .
فإذا نامت الأسرة كلها مبكرة اضطر الولد للنوم .
وعلى كل حال ينبغي الإقلال من الوظائف الليلية لأنها تتعب الذهن وتشوش النوم ، وإن وضع ألعاب الطفل في سريره يشجعه على الإسراع إليه ، فهو لا يلبث أن يستسلم للنوم العميق بعد قليل من اللعب . . .

الولد الجبان

إن الخوف يهدم شخصية الطفل وأعصابه ، وربما سبب له الجنون ، والوقوع في أمراض عصبية مختلفة ، والطفل إذا نشأ جباناً فقد قيمته ولا يعود له كبير شأن . لأن الحياة معترك بحاجة إلى شجاعة في كل شأن من شؤونه .

والخوف يرجع للأسباب الآتية :
1) إلقاء حكايات مخيفة على الأطفال وخاصة عن الجن والعفاريت ، ويجب الاستعاضة عنها بقصص الأبطال والمغامرات .
2) الخوف من الظلام بسبب تخويف الأمهات للأطفال به ، وخير علاج لنزع الخوف من الظلام يكون بأن نستصحب الأطفال إلى الأماكن المظلمة ونقدم لهم الحلوى ، ونبين لهم أن كل ما يخيفهم في الظلام كذب ووهم لا أصل له . ومن المفيد تدريب الأطفال على النوم في الظلمة منذ الصغر .
3) كثير من الأمهات يتصفن بالخوف ، ويخفن حتى من الفئران والصراصير ، فينشأ الأطفال على مثالهن ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه .

ويجدر بالأم الجبانة أن تتظاهر بالشجاعة أما طفلها كيلا تكون قدوة سيئة له ، كما عليها أن تقوي إيمانها بالله تعالى وتدرب نفسها على الشجاعة بصورة تدريجية ، فإن الأمهات الجبانات خطرات على الأمة والبلاد بسبب آثارهن السيئة على الجيل الجديد .

قال الأديب أحمد أمين في كتابه ( فيض الخاطر ) ما ملخصه : " إن أعظم مسؤولية تترتب على المرأة هي تربية أبنائها ، فالمرأة هي مستودع الذخيرة للأمة ، قلب المرأة هو الجيش الأول الذي لا قيمة لقنابل ولا طيارات ولا غواصات ولا دبابات بدونه ، وإن شئت فقل هو ( الطابور الخامس ) الذي لا يوقع الرعب والفزع في قلوب الأعداء شئ مثله . . . الست ترى معي أن قلب المرأة هو الذي يخلق قلب الرجل ، ويخطئ من يظن أنه يستطيع أن يؤسس جيشاً من الرجال بإعدادهم وتسليحهم من غير أن يدعمه بجيش من قلوب النساء ! " .
4) إن كثيراً من أسباب الخوف ترجع إلى سوء تربية الآباء والمربين وقسوتهم ، فإن العقاب الشديد والتهديد المستمر يولدان عند الطفل ضعف الشخصية والخوف الدائم نتيجة اضطراب الأعصاب .
5) هذا وإن كثيراً من مخاوف الأطفال والكبار ترجع إلى أسباب وحوادث لا شعورية قديمة نتيجة سوء التربية ، فينبغي أن نسعى للتوصل لمعرفتها والتخلص منها عن طريق الممارسة والإيحاء .

الولد الجانح
الولد الجانح هو الذي يتعدى على غيره اعتداء تحت طائلة العقاب القانوني . وقد أطلق العلماء على هذا الولد اسم " الولد الجانح " بعد ما كان يطلق عليه اسم " الولد المجرم " لتزول كل فكرة سطحية عالقة عليه تشفياً وزجراً كما هي الحال في عقوبات الراشدين .

وقد أخذ هذا الرأي بالزوال وراح العلماء يثبتون أن جنوح الأحداث وجرائمهم لا تستحق العقوبة ، كما هي الحال عند الكبار ، بل هم يستحقون العطف والرحمة بعدما ظهر أن الأعمال الإجرامية التي يقومون بها هي نتيجة أسباب منزلية واجتماعية .

نقول ذلك استناداً إلى دراسات إحصائية قام بها مكتب الخدمة الاجتماعية للأحداث بالقاهرة ، فثبت لديه أن 76 % من حالات الإجرام وذنوب هؤلاء الأحداث ترجع إلى البيئة البيتية ، و 14 % نتيجة المحيط الخارجي كصحبة رفقاء السوء ومشاهدة بعض الروايات السينمائية ، وأن 8 % ترجع إلى أسباب شخصية قد تكون مخلوقة مع الطفل بسبب الوراثة .
وقد أنشأت الدول الراقية محاكم وإصلاحيات لهؤلاء الأحداث ، تدعمها عيادات للعلاج النفسي لدراسة الولد الجانح ومداواته مداواة وقائية وعلاجية .

وفي سورية مشروعات من هذا النوع في مراحلها الأولى . ومحاكم الأحداث مؤلفة من قضاة قانونيين فقط دون أن يكون معهم خبراء نفسانيون واجتماعيون ، ولا تعتمد هذه المحاكم على عيادات نفسية كما هي الحال في كثير من الدول ومنها مصر الشقيقة .
إن أكثر الأولاد الجانحين الذين يظهر الشذوذ في سلوكهم تعود التبعة في عملهم غالباً إلى أسرتهم وسوء وضعها الاجتماعي والاقتصادي وجهلها بأبسط مبادئ التربية وعلم النفس ، مما دعا كثيراً من الأمم الواعية إلى تأسيس مدارس ليلية لتعليم الآباء والأمهات الأسس العملية لهذه العلوم المفيدة التي أدى جهلها إلى أغلب حوادث الإجرام لدى الأحداث ، إذ أن كثيراً منهم يسرقون بسبب الجوع وبخل أوليائهم أو بسبب شذوذ غريزة التملك والسيطرة ، وبعضهم يقسو على غيره من الناس نتيجة الكبت والمعاملة القاسية التي يعامله بها أبواه إذ يريد أن ينفس عن ثورته بالاعتداء على غيره .

ومن أسباب هذا الجنوح أيضاً خلاف الأبوين بصورة مستمرة أمام الطفل والمؤامرات التي يدبرها كل منهما للآخر !
` ` `
وما دمنا نتحدث عن الأحداث الجانحين ، فإنه لابد لنا من الكلام على أثر السينما في جرائم الأطفال ، حيث ثبت شدة العلاقة والصلة بينهما . وفيما يلي ننقل بحثاً هاماً ملخصاً من مجلة الإصلاح الاجتماعي المصرية :
" لقد أجرت مؤسسة باين عام 1930 دراسات لتأثير السينما على الأطفال وحدث أنه في 115 فيلماً من النوع الجنائي والبوليسي الذي كان معروفاً ذلك الوقت ارتكبت بالفعل 406 جرائم و43 شروعاً في ارتكاب جريمة لم تتم ، وقد حاول الدكتور ( بلومر ) والدكتور ( هومر ) أن يعرفا إلى أي مدى يمكن أن يصبح طلبة وطالبات المدارس العالية والثانوية ( متسامحين ) في نظرتهم للجريمة والمجرمين عن طرق الأفلام التي تحتوي على ما تقدم من شؤون ، وإلى أي حد يتأثر المنحرفون أو المؤهلون للانحراف بأفلام معينة .

وقد خرج الدكتوران بالنتيجة الآتية :
إن طلبة وطالبات هذه المدارس ( أي العالية والثانوية ) يبدون عطفاً على المجرمين ولا يصبحون أكثر تسامحاً معهم فحسب ، وإنما تصبح الجريمة نفسها أكثر استهواء لهم ولهن .

وقد دل الفحص والاختبار الذي أجري على الصبيان المشكلين أو المنحرفين على أن الأفلام التي تدور وقائعها حول العصابات وتبادل النيران كانت تثير فيهم رغبة ملحة في أن يلجؤوا إلى هذا الطريق في الحصول على المال من أسهل الطرق .

وقد وافق 49 من 110 من نزلاء أحد المعاهد الإصلاحية للكبار على أن الأفلام هي التي ولدت في نفوسهم الرغبة على حمل المسدس ، بينما أن هذه الأفلام هي التي علمتهم طرق السرقة والغش ووسائل خداع البوليس وتضليله وطرق المهاجمات المسلحة والمباغتة .

وقد تكون التأثيرات غير المباشرة أخطر وأعمق من المباشرة ، فبين 252 من البنات المنحرفات كلهن من سن ( 41 – 16 ) سنة صرح 25 % منهن بأنهن اشتركن في عمليات جنسية مع بعض الرجال عقب تفتح نفوسهم وغرائزهن الجنسية بعد مشاهدتهن فيلم حب عنيف ، و 33 % قلن إنهن عندما هربن من منازلهن كن متأثرات بما شاهدنه في بعض الأفلام ، و38 % قلن إنهن عشن عيشة القلق والوحشة والانقباض وانتهزن الفرصة بسبب الأفلام " .

اكتفي بهذا القدر من التحدث عن آثار السينما في فساد الأطفال ليكون الآباء والأمهات على بينة من الأمر سائلاً الله سبحانه أن يلهم حكومتنا مراقبة السينما مراقبة شديدة ومنع عرض الأفلام الجنائية والغرامية على الصغار والكبار معاً . نسأله تعالى أن يلهم جامعة الدول العربية عمل أفلام قوية بقدرتها توجيه الأمة والاستغناء عن الأفلام الأجنبية المسمومة .

هذا – وإن للدول الاستعمارية غايات بعيدة في عرض هذه الأفلام في بلادنا وذلك بغية إفساد واضمحلال الجيل الجديد ! !

الولد الأناني

ونقصد به الطفل الذي لا يحب إلا نفسه ويبغي الخير لها وحدها ، ولا يهتم بغيره ، وهذا النقص خطير جداً يجعل المواطنين كأنهم وحوش في غابة يحاول كل منهم أن يفترس الآخر .

1) والأنانية نتيجة سوء تربية الأبوين وضيق أفقهما وأنانيتهما المستحكمة التي تنتقل منهم إلى أولادهم . وهيهات هيهات أن تجد طفلاً أنانياً في أسرة مخلصة تحب الآخرين وتضحي بمالها وجاهها في سبيل المحتاجين .
2) ومن أسباب الأنانية عدم وجود التضامن والتعاون بين أفراد الأسرة إذ لا يهتم أحد بغيره فيجد الطفل نفسه في جو مضطرب لا حق فيه ولا نظام ، فينشأ على الأنانية . .

وهناك وسائل مفيدة في التخلص من الأنانية نذكر منها ما يلي :
1) تقوية عقيدة الطفل من الناحية الدينية حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير كما جاء في الحديث الصحيح .
2) تدريب الولد على عادات الإيثار والتضحية في المنزل ومع أفراد الجيران .
3) حض الطفل على التعاون مع إخوته وأصدقائه، ومشاطرته لهم في لعبه وكتبه ونقوده بصورة تدريجية.
4) يجب أن يتعود الاعتراف بتفوق المتفوقين ويفرح لنجاحهم .
5) عدم السماح له بالتبجح بصفاته وأعماله .
6) لزوم مكافأة الطفل من حين إلى آخر على إيثاره وإخلاصه . . .
7) إلقاء حكايات عليه في الإيثار والتضحية . قال عليه الصلاة والسلام : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه : . وقال صلى الله عليه وسلم : " ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " .

حدث في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أن أحد المسلمين ذبح خروفاً وأهدى إلى جاره رأسه ، ولما كان هذا الجار شبعان تلك الليلة أرسل الرأس إلى جار آخر ، وهذا بدوره تصدق به على سواه وهكذا حتى رجع ذلك الرأس إلى الذي ذبحه ، وكان كل واحد يؤثر غيره على نفسه به .

وقال حذيفة العدوي : " انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي في الجرحى ، ومعي شيء من الماء ، وأنا أقول : إن كان به رمق سقيته ، فإذا به يحتضر فقلت : أسقيك ؟ فأشار أن نعم ، فإذا برجل يقول : آه ، فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه وأسقه ، فإذا هو هشام بن العاص ، فأتيته فقلت : أسقيك ؟ قال : نعم . فسمع آخر يقول : آه ، فأشار إلي هشام أن انطلق إليه واسقه ، فجئت فإذا هو قد مات ، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات ، فأتيت ابن عمي فإذا هو قد مات ، رحمهم الله جميعاً " .

الطفل قليل الشهية

يوجد كثير من الأطفال لا يقبلون على الطعام بشهية ولا يأكلون إلا قليلاً ، مما يسبب قلق آبائهم خوفاً على صحتهم ،

ولقلة الشهية أسباب :
1) ضعف الطفل الجسماني ، وحاجته إلى فحص طبي لتقوية شهيته، وحفظ جسمه مما فيه من الأمراض.
2) جمود الطفل وعدم السماح له بالحركة والتمتع بالهواء النقي ومناظر الطبيعة ، وإني أنصح الآباء ذوي البيوت الضيقة أن يخرجوا بأولادهم كل مساء إلى البساتين والقرى المجاورة .
3) كره الولد لأنواع خاصة من الأطعمة لأسباب نفسية ، أو مشاهدته لأحد أقاربه يبغض هذا النوع من الطعام ، فلا نرى مانعاً من أخذ رأيه بادئ الأمر عن الطعام الذي يشتهيه ريثما تقوى شهيته .
وينبغي أن تكون المائدة مشتملة – إذا أمكن – على السلطة المقبلة والنشطة .
4) جو المائدة المحزن ، فإن كثيراً من الآباء والأمهات يتذكرون مشكلاتهم وتهديداتهم وعقوباتهم على المائدة مما يؤدي إلى فقدان الشهية .
5) قد يمتنع الطفل عن الطعام نكاية بأحد أبويه ، أو لرغبته بإثارتهما وجلب انتباههما نحوه لتحقيق طلباته ، فينبغي لهما في هذه الحال عدم الاهتمام به لعدم تناول طعامه ، فلا بد أن قبل عليه إذا جاع .
6) وهناك أسباب لفقدان الشهية سببها تناول الطفل الطعام والحلوى بين الوجبات بدون نظام فينبغي تنظيم ذلك ، ولا يخفى أن في إدخال الطعام على الطعام شراً كثيراً .

الطفل الوحيد

تعرفت حديثاً على صديق ، وجدته دائماً في اضطراب وقلق ، يتحدث عن ابنه وعن مرضه ودراسته وعن ضعف بنيته .
فقلت له : أليس هذا ابنك الوحيد لك ؟
قال : نعم ! وما أدراك ؟
قلت : عرفت ذلك من قلقلك عليه وبحثك عنه على الدوام .
قال : إنه لا شك أملي وأمل أمه الوحيد ، والشعاع الذي نرى فيه هذه الدنيا ، نخشى عليه من نسيم الهواء . إذا شكا أقل ألم سرت بنا قشعريرة الرعب ، وتواردت علينا الخواطر والوساوس .
قلت للصديق : وهل تريد أن أحدثك عن سلوكه ؟
قال : نعم .
قلت : إنه الحاكم المسيطر والملك المستبد ، إذا أهملتم أي طلب من طلباته تظاهر بالمرض أو بالنوبة العصبية ، فيثور ويرعد ويزبد . . .
فتأثر صاحبي وقال : وهل من علاج ؟
قلت : انتظر أخبرك عن بقية سلوكه ، فإنه يقلع عن الطعام لأبسط حادث ، مضطرب الأعصاب ، نحيل الجسم . مشوش النوم ، إذا مرض امتنع عن تناول الدواء ، وإذا غضب يصعب إرجاعه إلى حالته الطبيعية ، وربما كان ضعيف المنطق كثير الدلال ، حيث تلبى رغبته بمجرد إشارة تظهر على وجهه دون أن يحتاج إلى كلام .
قال الصديق : كفى كفى فإنك تصفه لي كأنك تعرفه ، فكيف ذلك ؟
قلت : ليس هذا سراً عجيباً ، إنما هو الطفل الوحيد ، وسلوكه معروف وقد تحدث عنه المربون كثيراً .
قال : وهل يذكر هؤلاء المربون وسيلة لتربية هذا الطفل ؟
قلت : إن العلاج هو بيدكم .
قال : وما هو ؟
قلت : الكثير من الإيمان بالله ، والثقة به تعالى والاعتقاد بأن كل ما هو كائن لابد أن يكون ، فلا فائدة من كثير من الحيطة والقلق .
عليكم أن تسلموا أمركم له سبحانه قبل كل شيء ، ثم قوموا بواجبكم نحوه كآباء حازمين تفكرون بمصلحة طفلكم وتفعلون ما يفرضه عليكم الواجب ، قبل أي أمر آخر فتخفون محبتكم له مهما أمكن . ولا تتساهلوا في أمر شذوذه إذا استمر مهما كلف الأمر .

صاح الأب كالثكلى وأخذت الدموع تنفر من عينيه وقال :
وإذا لم نستطع أن نكون بهذه الإرادة الحديدية فماذا نعمل ؟ !
قلت : إذا كنتم لا تستطيعون ما قلته لكم ، فعليكم بإرساله إلى مدرسة داخلية لتربيته وتعليمه ، وإذا تعذر ذلك يجب أن تبعثوا به إلى أسرة قريبة لكم للإشراف على تربيته .
ففي المدرسة الداخلية أو الأسرة البعيدة عنه قليلاً يعيش عيشة بسيطة كفرد من أفرادها العاديين ، فلا يؤبه له ، فيضطر إلى تفقد أحواله والاعتماد على نفسه حتى يعود إلى صوابه وحالته الطبيعية . وبعد ذلك تعيده إليكم .
وإذا لم تفعلوا ما أشرت به عليكم أصبح طفلكم خطراً عليكم وعلى نفسه وأمته .

الطفل الناقص
نقصد بالطفل الناقص الولد الذي يعتقد به أبواه ومربوه أنه لا يصلح لشيء ، فهو فاقد الشخصية ضعيف الثقة بنفسه ، أينما يوجهونه لا يأتي بخير ، نراه على الغالب قلقاً مشوش الفكر ، غير متزن الحركات . وفي لسانه تأتأة وفي نفسه ثورة على الناس .
وينسب الآباء فساد هذا الطفل لأسباب كثيرة كلها خاطئة واهية . فإن السبب الوحيد لفساد هذا الطفل أبواه والمشرفون على تربيته .
إنهم يوبخونه دائماً ، ويوجهون له سيل الانتقادات والملاحظات ، والويل له إذا أخطأ ، فإنهم سرعان ما يشتمونه أو يضربونه كأنهم معصومون من الخطأ ! أو كأن الطفل جاء إلى هذا العالم ، وهو عالم بكل شيء !
وهؤلاء الآباء الذين يوحون إليه بهذا النقص غالباً يقولون له على الدوام : أنت لا تصلح لشيء ، ولا يمكن أن تنجح في هذه الحياة . نهايتك وخيمة ، إخوتك أحسن منك ، إن ابن الجيران يفوقك كثيراً إلى غير هذه الانتقادات الباطلة والتوجيهات السيئة التي تولد عنده فقدان الثقة بنفسه بسبب الاستهواء والتلقين ، وكل ذلك يقتل الطفل وهو في قيد الحياة ، ذلك أنه يتأثر بأقوال أبويه ومعلميه ومن يحيطون به ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر .
إن الأطفال بحاجة إلى التشجيع والثناء من حين إلى آخر ليتقدموا وتتولد الثقة بأنفسهم ، وإذا ما أخطأ الولد فيجب غض النظر عن هفواته ، بل ينبغي تشجيعه وتعليمه أن من لا يخطئ لا يصيب ، وإن نتيجة الخطأ الوصول إلى الحقيقة والصواب .
هذا – وإن الاحتقار والإذلال لا يكون من جانب الأبوين على الدوام ، فقد يذل الأخ الأكبر أخاه الأصغر ، كما أن هناك حالات يذل فيها الصغير أخاه الكبير بسبب انحياز أمه له ودلالها له . فلننتبه إلى كل ذلك فإن له أسوأ النتائج .

الطفل المتشرد
هناك كثير من الأطفال يفرون من البيت والمدرسة ويجوبون في الشوارع والبساتين والجبال ، ويتكرر عملهم على الرغم من العقاب الذي ينزله بهم أولياؤهم والقائمون على تربيتهم ، مما يضطرهم بعد اليأس منهم إلى وضعهم في إحدى إصلاحيات الأحداث مع كثير من الأولاد الذين لهم سوابق إجرامية ، فيزيدون في المشكلة ويضاعفون من الخطر بسبب وضع أولادهم جنباً إلى جنب مع نزلاء هذه الإصلاحيات .

وعادة التشرد إذا لم يعالجها الآباء والمفكرون بحكمة تعقدت ولحق بها كثير من الجرائم والصفات القبيحة كالكذب والاعتداء والسرقة .

وللتشرد أسباب منها :
1) حب الطفل للطبيعة ، وولعه بالتمتع بالمناظر الجميلة ، وبأشعة الشمس المفيدة ، وبالمغامرة في صعود الجبال مما هو مفقود في المدن ، وفي بيوتنا الحديثة .
ومثل هذا الطفل جدير بعناية واهتمام أبويه ولزوم مرافقته إلى الحقول والبساتين والجبال ليشبع ميوله وغرائزه ويستفيد من الطبيعة فوائد علمية وصحية .
وفي كثير من ديار الغرب تؤسس للأولاد نواد وتقام لهم فيها رحلات كشفية تشبع ميولهم وتفتح أذهانهم وتدخل الفرح إلى نفوسهم في ساعات فراغهم التي كثيراً ما تكون سبب شقائهم نتيجة عدم توجيه الأولاد في كيفية التصرف بها .
مفسدة للمرء أي مفسدة إن الشباب والفراغ والجدة
وننصح بلزوم إلقاء بعض قصص الرحلات والمغامرات المفيدة على الأولاد ، ففيها بعض التنفيس عن غرائزهم والإشباع لميولهم ورغباتهم .
2) ومن أسباب التشرد سوء معاملة الطفل من قبل آبائه ومعلميه ، وتوبيخه على الدوام . وذلك لأن أكثر الأطفال شديدوا الانفعال والحساسية ، فإذا جرحت كرامتهم عمدوا إلى التشرد تخلصاً مما يلاقونه من مذلة وهوان .
فعلى الآباء والمربين أن يقبلوا هؤلاء الأطفال بمحاسنهم ومساوئهم ، ويسعوا لإصلاحهم بالحكمة كما يعالج الطبيب مريضه ، وحسب الأسس التي رأينا أكثرها في هذا الكتاب .
3) ومن أسباب التشرد كره الولد للبيت أو المدرسة بسبب ما يلاقي في الأول من خصومة ونزاع وشقاق ، وفي الثانية من صعوبة وعقاب نتيجة قصور مواهبه أو بعد معلومات هذه المدرسة عن ميوله ، مما يدفعه إلى الفرار والتشرد خشية العقوبة والخجل من نتيجة جهله .
فواجب الآباء أن يجعلوا بيوتهم هنيئة ويجتنبوا فيها الخصام ، وواجب المدرسة أن أتجعل تعليمها يتفق مع الحياة ويتناسب مع ميول الأطفال واستعدادهم .
4) وهناك سبب آخر للتشرد وهو حرمان الكفل في البيت الكثير من ضروريات الحياة وطيباتها من طعام وغيره مما يضطره إلى الفرار منه لعله يجد خارجه ما يشبع معدته بمختلف الوسائل . . .
فعلى الآباء أن يلاحظوا ذلك ويقدموا لأطفالهم ما يشتهون قدر الاستطاعة . وعلى الدولة أن تؤازر الأسر الفقيرة ، ما دامت تشكل الخلية الأولى التي تتألف منها الأمة ، فإذا صلحت صلحت بصلاحها ، وإذا فسدت فسدت بفسادها .
ولعلنا نذكر كيف كان الإسلام – حين تطبيقه – يخصص من خزانة الدولة ما يتعهد به أطفال الأمة ويعين لهم المخصصات الكريمة حينما يولدون تشجيعاً لآبائهم على التناسل وتأميناً لحياة أولادهم .
أما خزانة الدولة اليوم ، فليس فيها نصيب للفقراء ولا لأبنائهم مما أدى إلى كثير من المحاذير والمساوئ في كيان الوطن .
فما أعظم وعي وعدالة الإسلام !

الطفل الحسود
الحسد مرض اجتماعي ونفسي خطير يضر بصاحبه وبالمجتمع ، ويحسن تقوية الشعور الديني لدى الطفل ليسعى لسعادة الآخرين وأن يحب لهم ما يحب لنفسه بدلاً من أن يحسدهم .
وللحسد أسباب نذكر منها :
1) حرمان الطفل من مطالب الحياة الضرورية ، بينما غيره يتمتع بطيبات الحياة الدنيا ، فعلى الأبوين أو المواطنين أن يؤمنوا للطفل المحروم المعيشة الضرورية ، وإلا نشأ حسوداً ناقماً على المجتمع . وقد حث الإسلام على العناية بالسائل واليتيم والمحروم في آيات وأحاديث كثيرة .
2) عدم العدل بين الأخوة ، وتفضيل أحدهما على الآخر سواء بالعطايا أو المديح أو المحبة .
3) إعطاء الأخ الأصغر ثياب الأخ الأكبر وشراء الجديد منها لهذا الأخير كما هي العادة في بلادنا !
وكم نتمنى أن توزع على الفقراء بدلاً من تحويلها إلى الصغار من أفراد العائلة .
4) مقارنة الطفل بأحد إخوته أو جيرانه كقولنا إن فلاناً أحسن منك . . . أو أكثر منك اجتهاداً . وقد قال أحد المربين : " الجهل خير من علم لا يُنال إلا بالغيرة والحسد " !
5) اهتمام الأبوين بالمولود الجديد بصورة مكشوفة وإهمال أخيه الأكبر . .
إن هذه العوامل التي ينشأ عنها الحسد من السهل مداواتها بشيء من الحكمة والإنصاف وبُعد النظر قبل أن يستفحل ويصبح صاحبه مبغوضاً وخطراً على الناس .
وأول ما يبدأ الولد الحسود بالغيرة ، وهي كثيراً ما تنقلب إلى حسد يدفع صاحبه إلى بغض إخوانه والكيد لهم . . .
وتقوية العقيدة الدينية مما يفيد في التخلص من الحسد المتأصل في النفوس ، فإذا علم الإنسان أن الله تعالى هو مصدر النعم جد واجتهد وطلب منه الخير واجتنب الحسد المحرم قال : ( ليس مني ذو حسد ولا نميمة ) .

طريقة تكوين العاطفة الدينية

لما كنا في معرض الحديث عن العقيدة الدينية ولزوم تقويتها . وقد أوضحنا في مناسبات شتى من هذا الكتاب فوائد هذه العقيدة في تهذيب الصغار والكبار وإصلاح عيوبهم بسهولة .

لذا كله رأينا أن نتحدث بشيء من التفصيل عن كيفية تكوين وتقوية العقيدة الدينية . ومثلها سائر العواطف من اجتماعية وإنسانية . . .

للدين الصحيح قدرة فائقة في توجيه الإنسان ، لا غنى عنها في هذه الحياة طالما كان العقل عاجزاً ويتأثر بالهوى على الغالب . قال أحد الفلاسفة :" الإنسان بدون عقيدة دينية خطر على نفسه وعلى المجتمع ".

كيف نكون العقيدة الدينية عند الأطفال ؟
طريقة ذلك تكون بالقيام بثلاث مراحل وضعها العلماء من أجل تكوين العقائد والعواطف وهي :
1) التفهيم والإقناع ، أي توليد أفكار وآراء مقنعة عن العقيدة المراد تكوينها وبيان فوائدها للمجتمع ، وما يؤدي إهمالها من محاذير . ودعوة الأطفال للتأمل في الكون والإيمان بوجود وعظمة خالقه .
2) التحبيب والترغيب ، أي توليد ميل وحب نحو العاطفة المراد تكوين عقيدة نحوها ، وما أسهل تحبيب الصغار والكبار بإلههم الذي أنعم علينا نعماً كثيرة لا تحصى . . .
3) التدريب والتعويد والتكرار نحو العاطفة الدينية ، ويكون ذلك بإيجاد تمارين وعادات تدور حول هذه العقيدة .


وإليك مثالاً تطبيقياً على كيفية تكوين عقيدة الإيمان بالله تعالى :
نبتدئ بالتحدث للأولاد عن هذا الكون العجيب وجماله البديع وتنظيمه الرائع ، ودقته المدهشة وترتيبه المنظم ، ونتوصل بعد ذلك إلى وجوده تعالى ، ثم نثير حماسة هؤلاء في كل مناسبة حول عطف هذا الإله العظيم ورحمته ونعمه التي لا تعد ولا تحصى ، وخاصة على الأطفال الذين وضع الحنان في قلوب آبائهم وأمهاتهم لتربيتهم والعناية بهم .
ثم يذكر لهم ما أعده الله تعالى لعباده المؤمنين الصالحين من الخيرات يوم القيامة .
وبعد ذلك ينتقل الأطفال إلى المرحلة العملية مرحلة التمرين والتدريب والعادات النافعة لتقوية هذه العقيدة . وذلك يكون بالعبادات التي أمرنا بها وعلى رأسها الصلاة ، وهي بحركاتها الرائعة وما فيها من تلاوة وأذكار تحدث الخضوع والاحترام والحب لله تعالى وتذكرنا به على الدوام . . .
من أجل ذلك كله حث الإسلام عليها وأمر بتدريب الأطفال عليها منذ الصغر كما رأينا سابقاً .
وأهم ما ينبغي أن نشير إليه في صدد تكوين العقيدة الدينية هو أن نبعد عن الأولاد والشباب في مراحلهم الأولى كل ما يثير الشكوك والمناقشات ريثما يقوى فيهم الإيمان .