المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخلافة و موقف المسلم منها :للشيخ سعد بن فتحي الزعتري حفظه الله



ابو صخر بن هدوبه
02-01-2009, 09:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الخلافة
و موقف المسلم منها


الحمد لله حمد الشاكرين , نحمده على السرُاء والضرُاء , وعلى الأمن والرخاء , ونعوذ بالله من الانجرار وراء الدنيا و ملذاتها و مناصبها فهي دار الغرور. و نسأله أن يجعلنا ممن يؤثرون الآخرة على الدنيا و ذلك بتحقيق شرطيها : عدم طلب المناصب , و عدم الإفساد في الأرض , قال تعالى " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض و لا فساداً و العاقبة للمتقين " .وأشهد أن لا إله إلا الله القائل " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً " فعدم اتباع منهج المؤمنين ـ الصحابة ومن اتبعهم ـ في العقيدة وسائر أمور الحياة , يؤدي إلى الهلاك في الدنيا والآخرة . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعلمين , وسراجاً يضيء طريق الحق للمؤمنين , صلى الله عليه وعلى آله ومن تبعه وانتهج نهجه القويم إلى يوم الدين , وسلم تسليما كثيراً,
أما بعد ,
فان المسلمين اليوم يعيشون أياماً عصيبة , و أحداثاً جسيمة , و تكالبا على الإسلام و أهله , نتيجة ضعف المسلمين و انحطاطهم بين الأمم , فهم غثاء كغثاء السيل , لا يحسب لهم حساب , و لا وزن لهم بين العالم المتحضر و المتقدم . فبعض الناس ظن أن السبب الرئيسي في ذلك هو عدم وجود القوة لدى المسلمين لردع الأعداء فنادوا بإنشاء المصانع المنتجة للأسلحة , و بعضهم رأى أن قتال الكفار هو السبيل الوحيد لإرجاع مكانة المسلمين , و البعض الآخر يرى أن عدم وجود خليفة أو خلافة للأمة هو السبب الرئيسي في انحطاط المسلمين و ذلهم بين الأمم , و جعلوا ذلك من مهمات الأمور بل جعلوه تاج الفروض , و الذي لا يسعى لإقامة الخلافة فهو من الآثمين , وممن يموت ميتة جاهلية لعدم إيجاد الخليفة الذي يجب مبايعته.
وسأتكلم عن الشبهة الأخيرة لأنها قد انتشرت بين الناس , وبات الكثير منهم في حيرة منها,وهذه الشبهة لا ينبغي أن تسبب لنا حيرة , لأننا يجب أن نردها إلى الكتاب و السنة - بفهم سلف الأمة - و أقوال العلماء , حتى نرى هل هذه الدعوى صائبة و أهلها محقون ,أم هي دعوى محدثة لا دليل عليها .و هذا واجب كل منصف متبع للحق لا يتعصب إلا للدليل .

فنسأل الله أن يرينا الحق حقا و يرزقنا اتباعه , و أن يرينا الباطل باطلا و يرزقنا اجتنابه , إنه ولي ذلك و القادر عليه , و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه أجمعين .



تعريف الخلافة في اللغة :
هي مصدر خلف , يخلف . يقال :خلفه خليفة , أي كان خليفته و بقي بعده , و الجمع خلفاء و خلائف, (انظر لسان العرب) .
و الخليفة هو السلطان و الرئيس و الإمام و الأمير و الحاكم, و سمي خليفة لأنه يخلف النبي صلى الله عليه و سلم في أمته , ففي سنن أبي داود و الترمذي و أحمد أن النبي صلى الله عليه و سلم قال "عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي…" الحديث بسند صحيح , و عند أحمد وغيره قال " الأئمة من قريش " و عند مسلم " من أطاع أميري فقد أطاعني ", فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يروون هذا الحديث , و تلقّاه عنهم التابعين بعد ذلك دون أن يفرقوا بين لفظ خليفة و أمير و إمام .
و قد سمي الصديق بخليفة رسول الله , و لمّا وُلِّي الفاروق أرادوا أن يطلقوا عليه خليفة خليفة رسول الله , و كذا من يأتي بعده , فنظروا فإذا باللفظ يطول , فاتفقوا على تسميته بأمير المؤمنين , و كذا سمي عثمان و علي رضي الله عنهم أجمعين .


تعريف الخلافة في الإصطلاح :

فقد عرفها أهل الأصول بتعاريف مختلفة من حيث اللفظ إلا أنها تتحد من حيث المعنى , و من هذه التعريفات :
قال الماوردي :الإمامة موضوعة لخلافة النبوة , في حراسة الدين و سياسة و الدنيا . {انظر الأحكام السلطانية}
و عرفها الجويني بقوله : الإمامة رئاسة تامة و رعاية تتعلق بالخاصة و العامة في مهمات الدنيا و الدين . {التاريخ الإسلامي, صالح الغامدي}
و عرفها إبن خلدون بأنها : خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين و سياسة الدنيا . { المصدر السابق }.

حكم الخلافة :
قال الماوردي : و عقدها – أي الإمامة – لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع , و شذ عنهم الأصم – أي أنها ليست بواجبة - .{الأحكام السلطانية}
و قال القاضي أبو يعلى – رحمه الله – : نصبة الإمام واجبة . {المصدر السابق}
و قال إمام الحرمين : مسألة الإمامة من الفروع .{مغيث الخلق}
و قال البغوي : اتفقت الأمة من أهل السنة و الجماعة على أن الاستخلاف سنة , و طاعة الخليفة واجبة , إلا الخوارج الذين شقوا عصا الطاعة .{شرح السنة}
و قال النووي : و أجمعوا على أنه يجب على المسلمين نصب خليفة , و وجوبه بالشرع لا بالعقل . {نيل الأوطار}

و الخلاصة من هذا الكلام : أن حكم الخلافة واجب , مع وجود من يرى أنها ليست بواجبة , و الحق أنها من مسائل الفروع ليست من مسائل الأصول , وقد وقع الخلاف في وجوبها و سنيتها .


و السعي لإقامة الخلافة هل يلزم جميع الناس أم لا؟
قال الماوردي , في الأحكام السلطانية : فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية كالجهاد و طلب العلم , فإذا قام بها من هو أهلها سقط فرضها على الكفاية , و إن لم يقم بها أحد خرج من الناس فريقان : أحدهما أهل الاختيار حتى يختاروا إماما للأمة . و الثاني : أهل الإمامة حتى ينتصب أحدهم للإمامة , و ليس على من عدا هذين الفريقين من الأمة في تأخير الإمامة حرج و لا مأثم .
فتبين من هذا الكلام أن إقامة الخلافة غير واجبة على جميع الأمة كما يدعي بعض الناس , إنما تجب على نوعين من الناس : على أهل الاختيار وهم أهل الحل و العقد, و على من تنطبق عليه شروط الإمامة . فكيف يقوم البعض بإيجابها على جميع الناس , ويؤثمون الأمة لأنها لا تسعى لإقامة الخلافة، ويدخل في ذلك المرأة و الطفل و الشيخ الكبير الذين لا حول لهم و لا قوة , و لا يستثنون أحدا, و ذلك كله لأنهم جعلوا هذه المسألة من أهم المسائل , بل هي تاج الفروض , و الصلاة فرض فهي أهم من الصلاة بل جعلوها أهم من التوحيد .
فان قيل : هم يقصدون أن الأمة الآن مسلمة و مطبقة للفروض , لكن في هذا العصر أصبح من أهم الفروض السعي لإقامة الخلافة لحل مشاكل الأمة !
نقول : هل الأمة اليوم فعلا قد طبقت الأركان و الفروض حتى نقول ما بقي على الأمة إلا إقامة الخلافة , إن كثيرا من الناس لا يعرف شروط لا اله الا الله و لا يعرف معنى التوحيد, و لا يهتم – كحال مدعي الخلافة – بالعقيدة الصحيحة و الدعوة إليها , كما اهتم بها الأنبياء , وكانت هي أول دعوتهم , قال تعالى " و لقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله و اجتنبوا الطاغوت " . إن أي دعوة لا تبدأ بالتوحيد فهي دعوة فاشلة لا تقوم لها قائمة . وليس هذا معناه تكفير المسلمين – و العياذ بالله – بل نقول إن الدَّخن قد دخل في عقيدة المسلمين , فنجد بعضهم يدعو غير الله من الأولياء و الصالحين , و يذبح لهم و يطوف حول قبورهم , كما هو مشاهد عند قبر الحسين و البدوي و السيدة زينب و غيرهم كثير . وأيضاً تهافُت الكثير إلى السحرة و المشعوذين و العرَّافين و تصديقهم , و اعتقاد أنهم يعلمون الغيب، و أنهم يشفون المرضى , و في الحديث الصحيح في صحيح الجامع (5939)" من أتى عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد" .و كذلك ما يقع فيه كثير من الناس من الحلف بغير الله , و في الحديث الصحيح عند أبي داود و غيره " من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ". و لا يفهم من هذه النصوص تكفير الناس إذا وقعوا في هذه الأمور , بل لابد من تعليمهم , و إقامة الحجة عليهم , فمذهب أهل السنة و الجماعة من أبعد الناس عن التكفير, و لكن العجيب هو عدم الاهتمام بهذه الأشياء الخطيرة , و القفز عنها إلى أمر لا نستطيع أن نحققه إلا إذا أزلنا عنا هذه المعوقات التي ذكرناها آنفا .
فبالله عليك أيها المسلم كيف يوفِّق الله إنسانا عنده خلل في العقيدة و يدعو الرسول من دون الله , أو حتى إنسانا لا يهتم بالصلاة و لا يقيمها حق القيام , و لا يصليها مع الجماعة في المساجد , ولا يشهد صلاة الفجر و العشاء في المسجد , و قد كان الصحابة يتهمون المتخلف عن الصلاة – في هذين الفرضين خاصة – بالنفاق .فإذا كان أكثر الناس لا يهتمون بالصلاة في المساجد , وقد همّ النبي عليه الصلاة و السلام بإحراق بيوت الذين لا يشهدون صلاة الجماعة في المسجد , فكيف ينتظرون النصر و الخلافة و التمكين .
و انظر إلى أحداث معركة أحد , فمن أجل أنهم خالفوا الرسول صلى الله عليه و سلم في أمر واحد حصل لهم ما حصل , و في غزوة حنين بسبب ذنب واحد و هو الإعجاب بالكثرة حصل الفرار من المعركة , فكيف بنا اليوم و قد خالفنا كثيرا من أوامر النبي صلى الله عليه و سلم , فترى من أين لنا النصر ؟! .
و قد يقال : هل تريد منا أن نصلح جميع الناس ثم ندعو إلى الخلافة ؟ فهذا أمر صعب المنال , و لا يقدر عليه إلا الخليفة , لذلك نحن نسعى لإيجاده .!
فنقول : إن الله عز و جل وعد الأمة بالنصر إذا هي حققت هذا الشرط و هو نصر دين الله , فإذا لم ننصر دين الله لا ينصرنا الله , و نصر دين الله هو تطبيق أحكام الله عز وجل , وأحكام رسوله صلى الله عليه و سلم , و لا يمكن أن نقول أن المسلمين اليوم قد طبقوا أحكام الله و رسوله , لأنه يترتب عليه أن نقول أن الله أخلف وعده – حاشا و كلا – بل نحن خالفنا الشرط الذي شرطه الله علينا , و إذا نحن طبقنا هذا الشرط و رجعنا إلى ديننا , بمعنى أننا حاربنا الشرك و البدع و الخرافات , و طبقنا سنة رسول الله الفعلية و القولية كما طبقها الصحابة , فان الله سينصرنا بمنه و توفيقه .
قال تعالى "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " .(النور 55 ) فالله عز و جل وعد بإقامة الخلافة لمن آمن حق الإيمان , وطبقه على نفسه و أهله و دعا غيره إليه .قال إبن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسير هذه الآية : فالصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لما كانوا أقوم الناس بعد النبي صلى الله عليه و سلم بأوامر الله عز و جل و أطوعهم لله كان نصرهم بحسبهم . و قال الطبري ـ رحمه الله ـ :… فأظهره الله على جزيرة العرب فآمنوا , ثم تجبروا فغير الله ما بهم , و كفروا بهذه النعمة فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم .

و الناظر في دعوة الأنبياء , أن الله لم يبعثهم خلفاء و حكاما , إنما بعثهم دعاة إلى التوحيد , لإخراج الناس من الظلمات إلى النور , ولم يكن هدفهم إقامة الدولة , لأن إقامة الدولة أو الخلافة هي من عند الله عز و جل و من توفيقه , و هو الذي يأذن بأسبابها , و ليس المعنى أن ننتظر حتى تنزل الخلافة من السماء , بل يوفق الله الناس لقبول الحق عندما يكون الدعاة إلى الحق مخلصين , ليس لهم همّ إلا دعوة الناس إلى التوحيد و الإيمان والعمل .
فقد هيَّأ الله للرسول عليه الصلاة و السلام أهل المدينة النبوية , فآمنوا برسالته و نصروه على أعداءه , فقامت للمسلمين دولة بإذن الله , و لم يهيئ لموسى عليه السلام دولة , ولا لإبراهيم عليه السلام , و لا لنوح عليه السلام دولة , فهي من توفيق الله عز و جل . " فالخلافة تأتي تبعاً ولا تكون قصداً فنشابه الشيعة والروافض ".
مسألة :
فان قيل : كيف نطبق شرع الله بدون سلطان , و كيف نقيم الحدود و نرد الظلم , ونلزم النساء بالحجاب و نمنع الخمور و سائر المعاصي ؟! .
نقول : إيجاد الخلافة يسبقه وجود جيش مسلم تقوم عليه الخلافة , و هذا الجيش لا بد أن يكون جنوده على درجة عالية من التقوى , و الإيمان و الورع و الخشية و إيثار الآخرة على الدنيا , وأن يكونوا على قدر كبير من تطبيق أحكام الله من إقامة الصلاة على وقتها و الصوم و الزكاة , و عدم غش الناس , و عدم إيذاء المسلمين , و عدم أكل حقوق العباد و خاصة حقوق النساء في الميراث إلى غير ذلك من الصفات التي كانت متوفرة في الصحابة الذين قاموا بذلك بدون سلطة أجبرتهم على ذلك , إنما هو الإيمان الراسخ في النفوس و الجوارح , فساقهم إلى تطبيق أوامر الله و رسوله بدون ترداد و لا شك . وليس المقصود العصمة من الذنوب , بل ربما تقع الذنوب لكن سرعان ما يتوبون منها .
و هذا الجيش حتى تتوفر فيه الصفات التي ذكرناها آنفا , لا بد أن يكون الشعب و المجتمع مسانداً له , و مقدماً له كل الاحتياجات المادية و المعنوية .و بمعنى آخر , لا بد أن يكون أكثر المجتمع على تقوى و دين و خلق , لأن المجتمع يتكون من مجموع الأسر و الأفراد . و الأسرة إذا كانت تَقِيَّة متبعة للسنة خرّجت لنا هذا الجندي الذي سيحمي الخلافة من السقوط .
فبالله عليكم أين أكثر هذه الأسر التي تعلم أبناءها كتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلم ؟ أين رب الأسرة الذي يعلم أبناءه منذ الصغر على العقيدة الصحيحة , و على الصلاة في المساجد , و على الصدق في المعاملة , و على الأخلاق الحميدة , و يعود بناته على الحجاب و هم صغار حتى لا ينفرن منه و هم كبار ؟ و أين المرأة المسلمة التي تربي بناتها على الحشمة و عدم الغيبة و النميمة , و الوقوع في أعراض المسلمين و على عدم حضور الأعراس التي يحصل فيها المنكرات و كشف للعورات ؟ و أين الأب الذي يحمل و لده على دراسة سنة رسول الله و سيرته , و يحضه على التشبه به حتى لا يقع في التشبه بالكفار ؟ و أين الأسرة التي تمنع أولادها من مشاهدة التلفاز و ما يعرض فيه من المنكرات و الفواحش و الإجرام , فيخرج الطفل و كأنه قد تربى في أحضان الكفار , فتجده يتشبه بهم في مظهره و يقلدهم في حركاته و كأنهم هم القدوة في الإتباع و التقليد . و تجد الفتاة المراهقة قد تأثرت – بسبب التلفاز – بعادات الكافرات في اللباس و غيره مما يؤدي الى إنسلاخها عن دينها.؟!
يقول الإمام مالك – رحمه الله - :لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها . فعلينا أن نصلح أنفسنا و أزواجنا و أبناءنا و مجتمعنا لكي يصلح الله حالنا , يقول تبارك و تعالى " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .
فيا أدعياء الخلافة إذا لم تغيروا ما بأنفسكم و ما بمجتمعكم لا يغير الله حالكم و لا يوفقكم إلى ما تنشدونه . اهتموا بالتوحيد لأنه هو الأساس , و لا تقولوا " يكفي أن الناس يعرفون الله " , لأن إبليس يعرف الله , و فرعون عرف الله , و الكفار الآن يعرفون الله , ولا تقولوا الكل يقول" لا إله إلا الله" لأن هذه الكلمة لها شروط لا بد من تطبيقها ولا يكفي مجرد التلفظ بها،وإذا سألت أحدهم أين الله ؟ قال: في كل مكان ـ والعياذ بالله من هذه العقيدة الكفرية ـ بل الله في السماء مستو على عرشه. فلا بد من صرف الناس إلى إخلاص العبادة لله، و ترك كل ما يعوق هذه العبادة من دعاء غيره , و عدم التوكل عليه , و الخوف منه و الإنابة إليه , و من تعليق التمائم و الذهاب إلى السحرة و المشعوذين …الخ . اهتموا بالسنة و إحيائها : من إعفاء اللحية و عدم التشبه بالكفار و عدم الإسبال , اهتموا بالقرآن حفظاً و عملاً , و تخلقوا بأخلاقه , اعتقدوا بما اعتقده الصحابة لأن هذا فرض عليكم قال تعالى " فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ".و من عقيدة الصحابة الإيمان بعذاب القبر و نزول عيسى و خروج المهدي و الحوض والأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد …الخ .
و خلاصة ذلك : أنك أنت أيها الأب خليفة في بيتك , فأقم الخلافة في هذا البيت – و غيرك يفعل مثلك – تقم لك على أرضك , و يكون الله ناصرك و معينك " و لينصرن الله من ينصره ".



مسألة :

إن الإسلام لم يترك لنا مسألة إلا و أخبرنا عنها , كما جاء في صحيح مسلم عن سلمان الفارسي رضي الله عنه " قيل له علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة …" الحديث .و هنا سؤال : هل قضية هدم الخلافة ثم قيام دويلات , من الأمور التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه و سلم, وبين العلاج النافع عند ذلك ؟ . نعم , قد أخبر النبي صلى الله عليه و سلم أن الخلافة العامة ستزول , و أن الخلفاء أو الحكام سيكثرون , و أنه سيحكمنا من ليس أهلا لذلك-إلا من رحم الله- , فقد قال عليه الصلاة و السلام " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء , كلما هلك نبي خلفه نبي , و إنه لا نبي بعدي و سيكون خلفاء فيكثرون , قال فما تأمرنا ؟ قال : فوا ببيعة الأول فالأول , أعطوهم حقهم فان الله سائلهم عما استرعاهم" أخرجه مسلم . قال النووي – رحمه الله - في شرحه : قوله فيكثرون : أي يكون أكثر من حاكم واحد للمسلمين في زمن واحد .
فلماذا هنا لم يأمرهم – بعد أن أخبرهم بتعدد الحكام – بالسعي لإقامة الخلافة , حيث أنها – كما يزعمون – هي تاج الفروض ؟ بل أمرهم بإعطائهم حقهم من الطاعة , و سؤال الله حقهم منهم .
و في الحديث " ستكون أثرة و أمور تنكرونها , قالوا يا رسول الله : فما تأمرنا ؟ قال : تؤدون الحق الذي عليكم و تسألون الله الذي لكم"رواه مسلم. قال النووي – رحمه الله - : قوله أثرة :أي استبدادا و اختصاصا بالأموال التي من حقها أن تكون مشتركة للجميع , وقوله تسألون الله الذي لكم : أي تطلبون من الله تعالى أن يرفع عنكم شر ولاة الجور و أن يصلحهم و يعوضكم خيرا مما فاتكم باستئثارهم عليكم …قال: و فيه الحث على السمع و الطاعة و إن كان المتولي ظالما عسوفاً . انتهى كلام النووي .

فان قيل :لقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحديث " إذا بويع لخليفتين فاضربوا عنق الآخر " رواه مسلم . أي بقتل الخليفة الثاني إن وجد, ففيه أنه يجب على الأمة نصب خليفة واحد, و هذا الذي نسعى إليه اليوم من إزالة جميع الحكام , و نصب خليفة واحدا على الأمة كما أُمرنا .
نقول : إن إزالة الحاكم أو وضعه ليس لكل أحد, إنما هو لأهل الحل و العقد, و من بيده القوة على ذلك ( أما تهييج العوام على الحكام في مظاهرات و غيرها فهذا ليس من هدي السلف , و مما لا يجوز فعله ), فإذا وجد خليفة آخر و استطعنا أن نزيله بدون أن يترتب على ذلك مفسدة كبرى , من قتل الأرواح و تشريد الناس و انعدام الأمن - كما هو الحاصل اليوم ممن يخرجون على الحكام , فلا يرجعون على الأمة إلا بالوبال , لعدم فقه الواقع فضلا عن السياسة الشرعية – فلا يجوز القيام بذلك , و يحرم علينا فعله .
فما بالك و نحن الآن لا نملك الاستطاعة , فكيف نطالَب بإزالة الحكام ؟! بل نحن مطالبون بإزالة المعاصي التي علقت بنا قبل إزالة المنكر من غيرنا , و مما يؤيد هذا الأمر ما جاء عند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو- رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه و سلم قال "…فان جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر " , فجاءه رجل و قال له : إن معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بالباطل و نقتل أنفسنا- يقصد الفتنة التي بين معاوية وعلي رضي الله عنهما – فقال له الصحابي الجليل : أطعه في طاعة الله , و اعصه في معصية الله .
فلم يأمره بقتل معاوية , بل بأن يطيعه في طاعة الله و أن يعصيه في معصية الله , لما يترتب على ذلك من المفاسد .
فالحاصل : أن إرجاع الأمة اليوم تحت خليفة واحد , هو من الأمور المستحيلة ـ إلا إذا رجعوا إلى دينهم ـ لأنه يترتب على ذلك مفاسد كبرى . وهنا ننبه على القاعدة الأصولية القرآنية " درء المفاسد أولى من جلب المصالح " أي إنكار المنكر بمنكر أعظم منه محرم.
ومما يوضح ذلك :أن الخلافة العامة لم تهدم في عام 1924م , كما يدعيه بعضهم , بل الخلافة العامة التي كان يحكمها خليفة واحد هدمت منذ أن هدمت الدولة الأموية , فان العباسيين قد خرجوا على الدولة الأموية , و ارتكبوا المجازر من أجل ذلك , لكنهم لم يستطيعوا القضاء على جميع الدولة الأموية , فقد بقي منها بقية في الأندلس ,( و لها حاكم و جيش ). فأصبح خليفتان للمسلمين خليفة عباسي و خليفة أموي , و قد حاول الخليفة العباسي إخضاع هذه الدولة لسلطانه فلم يستطع , فاضطر إلى التسليم لذلك , ثم خرجت دولة الأدارسة في المغرب و دولة العبيديين في الجنوب و دولة الفاطميين , فأصبحت الدولة الإسلامية منقسمة إلى دويلات , و هذا الأمر وقع في الأمة بسبب بعدها عن دينها .
و في هذه الحقبة الزمنية كان جمع من العلماء منهم الإمام أبو حنيفة و الإمام الشافعي و مالك و أحمد و الثوري و الحسن البصري و غيرهم كثير , فلم يقل أحد منهم أنه يجب إعادة الخلافة و لا سعوا إلى ذلك , و لا أقاموا الأحزاب السياسية السرية لإقامة الخلافة , بل سلّموا لهذا الأمر لأن الرسول صلى الله عليه و سلم أخبر عن ذلك , فقال " ستكون خلافة نبوة ...ثم يرفعها الله... ثم يكون ملكا عاضا …ثم ملكا جبريا ثم يرفعها الله ما شاء الله أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت ".( صحيح)
و هذه الخلافة الأخيرة , تكون في آخر الزمان لأن الرسول صلى الله عليه و سلم سكت في آخر الحديث , فتكون – إن شاء الله – ( و الله أعلم ) على يد المهدي الذي سيكون هو الخليفة و لا خليفة معه , قال عليه الصلاة و السلام " لتملأن الأرض جورا و ظلما , فإذا ملئت جورا و ظلما , يبعث الله رجلا مني اسمه اسمي و اسم أبيه اسم أبي فيملؤها عدلا و قسطا كما ملئت جورا و ظلما …" صحيح الجامع (5073).
فالعلماء قديما و حديثا عرفوا هذه الأحاديث فسلّموا لها , و أن ما وقع بالأمة هو من قضاء الله , إلا أن يشاء الله و يكرم هذه الأمة بالخلافة عندما تعود إلى دينها كما جاء في الحديث "…سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " صحيح أبي داود.

إذن : العلماء أقروا بتعدد البيعات و تعدد الحكام اضطراراً لا اختياراً , خوفاً من الفتن و الوقوع في المهالك , , و لا يجوز الخروج عليهم , و تطبق عليهم أحكام الإمامة في وجوب الصبر على ظلمهم و تحريم منازعتهم ملكهم و إعطاء الطاعة لهم من غير معصية الله .
و من العلماء الذين أجازوا تعدد البيعات : القرطبي و ابن تيمية و الشوكاني و الصنعاني و صديق حسن خان و الشنقيطي و غيرهم كثير .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : و السنة أن يكون للمسلمين إمام واحد , و الباقون نوابه , فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها , و عجز من الباقين , أو غير ذلك , فكان لها عدة أئمة , لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود , و يستوفي الحقوق . ( مجموع الفتاوى 34/175 ).
و قال صديق حسن خان :فلا بأس بتعدد الأئمة و السلاطين , و تجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره و نواهيه , و كذلك صاحب القطر الآخر . ( الروضة الندية 2/774) .
وننبه على أن التاريخ الصحيح نقل لنا أنه من سنة 597ه الى سنة 600ه لم يكن للأمة الإسلامية خليفة يحكمها , و ذلك بسبب غزو التتار على الخلافة العباسية , مما أدى إلى قتل الخليفة و تمزيق الأمة , فأين المنادون بإقامة الخلافة في ذلك الوقت ؟! فان قلتم لم يستطيعوا ذلك , قلنا لكم نحن اليوم لا نستطيع أيضا , و إن قلتم غير ذلك لزمكم .

فإن قيل : مما يؤكد أهمية الخلافة والسعي لإيجادها ما حصل عند موت النبي صلى الله عليه وسلم حيث أخر الصحابة دفنه إلى حين تنصيب الخليفة ثلاثة أيام، أو قالوا : انشغلوا عن دفنه بالأهم وهو إيجاد الخلفية ثم دفنوه !
قلت : هذا الكلام غير صحيح؛ لأنه لا علاقة بين تأخير الدفن وبيعة الصديق، فبيعة الصديق تمت في السقيفة ولم تأخذ الوقت الكثير من الصحابة. ثم إنهم لم يتركوا النبي صلى الله عليه وسلم بل شرعوا في القيام بتغسيله من قبل بعض الصحابة منهم علي ابن أبي طالب والفضل بن العباس وأسامة بن زيد، في الوقت نفسه كان الصحابة يبايعون أبا بكر خليفة، علماً أن هؤلاء الثلاثة من الصحابة لم يبايعوا الخليفة لانشغالهم بالرسول صلى الله عليه وسلم، ثم بايعوه بعد ذلك. وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء، وسبب التأخير هو الاختلاف في كيفية تغسيله وتكفينه وموضع دفنه، وكثرة الصحابة والوفود الذين جاؤوا من خارج المدينة للصلاة عليه.
ونحن لا إشكال عندنا في وجوب بيعة خليفة آخر عند موت الخليفة السابق، لكن إذا وُجد خليفة أو أكثر في الأرض وكانوا مقصرين في أداء واجباتهم ونحن ننصحهم ولا يستجيبون، وفي تغييرهم سفك للدماء وفساد عظيم، فهنا أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر على جورهم والرجوع إلى ديننا؛ لأنه ما حصل ذلك إلا ابتلاء لنا، وكثرةً لمعاصينا، حتى يغير الله عز وجل الحال، ولم يأمرنا بالخروج عليهم ولا السعي لإقامة الخلافة الراشدة، ومن زعم غير ذلك فعليه بالدليل، وإلا فلا يتعن.

مسألة :

فان قيل نحن نسلِّم لهذا الواقع , و أن الأمة سيكون عليها أكثر من إمام , و الدولة تمزقت إلى دويلات , و أن إرجاع الخلافة سيكون في آخر الزمان , لكن الأحاديث التي تتكلم عن الأمراء , أنهم سيكثرون , و أنه يجب علينا طاعتهم (كل في بلده )و لا يجوز الخروج عليهم , إنما تنطبق على الخلفاء السابقين الذين كانوا يحكمون بما أنزل الله , أما حكام اليوم فلا تنطبق عليهم هذه الأحاديث لأنهم جاؤا غصبا و حكموا البلاد قهرا بدون بيعة , و لأنهم لا يحكمون بما أنزل الله , و يوالون الكفار و عملاء…الخ.

نقول : إن من خصائص الشريعة أنها صالحة لكل زمان و مكان , فعندما يتكلم الرسول صلى الله عليه و سلم عن الحكام فانه
يعني جميع الحكام السابقين و اللاحقين , و إلا سنتهم الرسول عليه الصلاة و السلام أنه مقصر عن بيان أحوال الحكام اللاحقين , و هذا مردود . فالرسول صلى الله عليه و سلم أمرنا بطاعة الحاكم (سواء العامي أو القطري ) في كل زمان و مكان فقال " اسمع و أطع و لو ضرب ظهرك و أخذ مالك " رواه مسلم .و حرم الخروج عليه إلا أن نرى كفرا بواحا عندنا من الله فيه برهان .
و أما التكفير فلا يجوز إلا بعد إقامة الحجة عليه , فليس كل مرتكب للكفر يكون كافرا , و للتكفير شروط و انتفاؤ موانع , و ليس هو أمرا سهلا يطلقه من يشاء على ما شاء – كما هو مشاهد اليوم - .
و من هذه الشروط : أن يكون من ارتكب الكفر عالما بذلك , و أن يكون قاصدا لهذا الكفر .
و من الموانع التي تمنعنا من تكفير المعين : أن يكون جاهلا بالحكم , أو جاءته شبهة أن هذا الأمر لا حرج فيه , كما في مسألة الحكم بالديمقراطية , فهناك شبهة عند الناس أن الديمقراطية من الدين و أنها تحكم بالشورى , و أن فيها العدل و الإنصاف …الخ , فهذه شبهة تمنعنا من تكفير من يقول أننا يجب أن نحكم بالديمقراطية , بل واجبنا تعليمه بأن الديمقراطية نظام كفر , و هو حكم الشعب للشعب مع إقصاء حكم الله في الأرض , فان رجع فهو المقصود , و إن أصر فينظر : فان قال أنا مقر بهذا الكلام لكن لا أستطيع ترك ذلك فهو مرتكب للكبيرة , و إن قال : إن الديمقراطية أفضل من حكم الله و يجب أن يكون حكم الشعب للشعب فهو كافر و لا كرامة .
و من الموانع : الإكراه , كأن يكره الشخص على قول الكفر , فهذا لا يكفر , كما فُعل مع عمار بن ياسرـ رضي الله عنه.
و من الموانع : العجز , فربما يعجز الإنسان عن تحكيم شرع الله , كما حصل للنجاشي عندما أسلم و كان حاكما على بلده، و لم يستطع أن يحكم فيهم بشرع الله , و لم يكفره النبي صلى الله عليه و سلم لهذا المانع .
و من الموانع : الخطأ , كالذي قال : أنت عبدي و أنا ربك , أخطأ من شدة الفرح .
فهل الذين يكفرون الحكام وضعوا هذه الشروط نصب أعينهم قبل التكفير ؟! فالحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله في جميع الجوانب لا يكفر حتى تقام الحجة و تنتفي الموانع , فما بالك بالذي يحكم ببعضه – كما هو الحال في بعض حكام اليوم – فمن باب أولى .
فقضية التكفير من أخطر القضايا , فإذا لم يكن الشخص أهلا للكفر رجع الكفر على قائله.
و الخلاصة :ما دمت يا عبد الله ترى أن هؤلاء الحكام في دائرة الإسلام فيلزمك أن تطبق عليهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم , و لا يجوز لك الخروج عليهم إلا بدليل .
أما كونهم جاؤا إلى الحكم بدون بيعة , ففيه تفصيل : فان كان حكمهم عن طريق التعيين ممن كان قبله , فهذا جائز , فقد فعله الصديق مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما, و فعله خلفاء بني أمية و العباس .و إن كان عن طريق مبايعة أهل الحل و العقد من دون سائر الناس فجائز لأن الناس تبعا لهم , و إن كان عن طريق الانقلابات و المظاهرات و القوة و القهر فهذا لا يجوز , أو عن طريق الانتخابات المحرمة، و مع ذلك يجب طاعتهم في طاعة الله و لا يجوز الخروج عليهم درءا للفتنة , و هذا هو مفهوم حديث النبي صلى الله عليه و سلم " اسمعوا و أطيعوا و لو أمر عليكم عبد حبشي "رواه البخاري و أصحاب السنن .
و أما موالاتهم للكفار , فان كان المقصود هو المعاملة في البيع و الشراء و تبادل المصالح التجارية مما يرجع على الأمة بالفائدة , فهذا لا بأس به , بشرط اجتناب المعاملات المحرمة . و إن كان المقصود هو مشاركة الكافر في أحزانه و أفراحه , و مجالسته و الأُنس إليه و اتخاذه خليلا , بدون إظهار الكره له على كفره بالله , فهذا لا يجوز , و هو محرم, و هو ما يسمى بالموالاة , و لا يكون كافرا بذلك . أما إذا أحبه ظاهرا و باطناً , و أحب الكفر الذي يحمله و فضّله على الإسلام , و أحب نصرة الكفر على الإسلام , فهذا هو التولي الذي في الآية " و من يتولهم منكم فانه منهم" و بهذا يكون كافرا خارجا من الملة ,و ذلك بعد تطبيق شروط التكفير عليه، فيجب التفريق بين الموالاة والتولي.
و في الختام أقول :
إن هذه الفكرة – و هي تعظيم أمر الخلافة , و توقيف جميع الأحكام عليها , و لا استئناف للحياة الإسلامية إلا بها – لهي توأمة فكرة الرافضة الإمامية الشيعية الإثني عشرية , فهم جعلوا الإمامة من أعظم الفروض و السعي إليها من آكد الأمور , فلا أدري أهي مجرد صدفة أم اتحاد المشرب !! .
قال شيخ الإسلام في منهاج السنة (1/75) في الرد على أحد الشيعة : فقوله إن مسألة الإمامة ( الخلافة ) " أهم المطالب " كذب بالإجماع ؛ إذ الإيمان أهم , فمن المعلوم بالضرورة أن الكفار على عهد النبي صلى الله عليه و سلم كانوا إذا أسلموا أجري عليهم أحكام الإسلام , و لم تذكر لهم الإمامة بحال , فكيف تكون أهمّ المطالب …
ثم قال : و قوله " أن الإمامة أحد أركان الدين " جهل و بهتان , فان النبي صلى الله عليه و سلم فسّر الإيمان و شعبه , و لم يذكر الإمامة في أركانه , و لا جاء ذلك في القرآن " .
فهذا رد من شيخ الإسلام ابن تيمية على من جعل الخلافة أو الإمامة من أركان الإسلام , فكيف يكون رده على من جعل الخلافة أهم الأركان و الفروض ؟!.
يا طلاب الحق اسمعوا لوصية النبي صلى الله عليه و سلم لأحد أصحابه حيث قال ":يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فانك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها , و إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها".رواه مسلم . فلا تهتموا بالدنيا و مناصبها , و اهتموا بطلب العلم و التفقه في الدين , و انهجوا نهج السلف الصالح تسعدوا في دنياكم و آخرتكم , و أحيوا سنة نبيكم تكونوا من الغرباء .
و ما أجمل ما قاله شيخ الإسلام في تقسيم الناس بالنسبة إلى طلب السلطة , فقال : الناس على أربعة أقسام :

القسم الأول : يريدون العلو على الناس والفساد في الأرض ,و هو معصية الله , وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون كفرعون وحزبه وهؤلاء هم شر الخلق قال الله تعالى : { إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين } وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من في قلبه ذرة من إيمان فقال رجل يا رسول الله : إني أحب أن يكون ثوبي حسنا ونعلي حسنا أفمن الكبر ذاك ؟ قال : لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس ] فبطر الحق ودفعه وجحده وغمط الناس واحتقارهم وازدراؤهم وهذا حال من يريد العلو والفساد .

والقسم الثاني : الذين يريدون الفساد بلا علو كالسراق المجرمين من سفلة الناس .

والقسم الثالث : يريد العلو بلا فساد كالذين عندهم دين يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس .

والقسم الرابع : فهم أهل الجنة الذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا مع أنهم قد يكونوا أعلى من غيرهم كما قال الله تعالى : { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } وقال تعالى : { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم } وقال : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}
فكم ممن يريد العلو ولا يزيده ذلك إلا سفولا وكم ممن جُعل من الأعلين وهو لا يريد العلو ولا الفساد وذلك لأن إرادة العلو على الخلق ظلم لأن الناس من جنس واحد فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم ومع أنه ظلم فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه لأن العادل منهم لا يحب أن يكون مقهورا لنظيره وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر... ا.ه.

هذا و نسأل الله عز و جل أن يوفقنا لما يحب و يرضى , و أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ,
و صلى الله على نبينا محمد و على آله و صحبه و سلم .

و كتبه:
الشيخ سعد بن فتحي الزعتري

عطية محمد عطية
02-02-2009, 11:37 AM
حفظ الله الشيخ سعد الزعتري، وبارك الله فيك اخي ابو صخر.

عماد احمد الزغارنة
02-02-2009, 02:24 PM
أسئل الله ان يحفظ امامنا وشيخنا سعد

راكز بن يوسف مصاروة
02-02-2009, 10:40 PM
جزاك الله خيراً شيخنا أبى عبد الرحمن على الشرح السلفي لمعنى الخلافة وقمع الشبة الحزبية وبارك الله فيك أخي أبو صخر وأسأل الله تبارك وتعالى أن يهدي بها ضال المسلمين إلى معرفة الحق والسبيل .

محمد جميل حمامي
02-03-2009, 07:26 AM
أولاً : جزى الله الشيخ الزعتري خير الجزاء على هذا المقال النافع و هذا التفصيل الماتع .

ثانياً : الأخ الفاضل أبو صخر .. بارك الله فيك و جزاك الله خير الجزاء فكم يحدونا الشوق للقاء ، وسلامنا للإخوة الكرام لديكم