المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مختارات من كتاب مقامة الأمثال السائرة


محمّد أسعد التميميّ
08-15-2008, 11:32 PM
(1) في كتاب "مقامة الأمثال السائرة"(62- 63) لعبد الله بن حسين العبّاسيّ البغداديّ الشهير بالسويديّ [ت1174هـ]:
".. قالت: ماذا تريد وتختار أن تنشدك ربّة العود من رقائق الأشعار؟
فقلت: أشتهي قصيدةً ذات تلوين، تساعد منشدها على جميع الكيفيّات وتعين.
فقالت: أنشديه "الحرباويّة"، وعرّفيه المذاهب الغراميّة.
فامتثلت المقال، وأنشدت في الحال:
ما الحُبُّ في أهل الهوى بمشفقٍ وراحـمَا (حمُ)، (حمِ).
وليـسَ فيــهِ فـَوَدٌ على مليح جاسـمَا (سمُ)، (سمِ).
مِنْ غيرِ جرمٍ جـائزٌ قَتْلُ محبٍّ هائـمَـا (ئمُ)، (ئمِ).
يا ويح صَبٍّ ذي جَـوَى لا نصح فيه لازمَا (زمُ)، (زمِ).
لا يَــرْعَوِي للـعاذلِ الصعبِ الملحِّ اللائمَا (ئمُ)، (ئمِ).
حَيْـرَانَ قــد سالـمه زفير وَجْـدٍ دائـمَا (ئمُ)، (ئمِ).

(2) "فلمّا فرغت من الإنشاد؛ قالت: ماذا تشتهي يا بغية الفؤاد؟
قلت: أشتهي قافيةً إذا قرئت بالراء والغين؛ يكون لها معنى على كلا الوجهين، بحيث لو قرأها الألثغ لا يعاب عليه، ولا ينسب النقص إذ ذاك إليه.
فقالت: أنشديه "القانية العادلة" الّتي لو رآها واصل بن عطاء لقال: هذه القافية الفاضلة وبيّني له ما قالت بعض الحسان وما مذهبها في هذا الشان فمالت دلالًا وأنشدت ارتجالًا:
جاءت لتمتحن الكلوم من الجوى بذوائب نفسي فدى ذي السابغه (بره)
قالت فمت تحيا بنا متهنّيًا فالموت إحدى حالتيك السائغه (ئره)
حتّىم أصبغ بالنحول محاسنًا وإلام أبقى في وجوبك صابغه (بره)
صاغت بقلبك للتلاف محبّةٌ فتلاف ويحك من خطوبٍ صايغه (يره)

(3) ثم قالت: وماذا تقترح يا قرّة العيون من الشعر الرائق الموزون؟ قلت: قافية تصح بالثاء والسين، ويكون لكلٍّ معنى صحيح مبين، بحيث لا يلحق الهجاء؛ من يأتي بدل السين بثاء. فقالت: أنشديه ما طلب، وعرّفيه ما وجب. فأفصحت المقال وأنشدت في الحال:
عَبَثَ الحبيب قِلًى وقطّب وجهه فعلام تلهج بالحبيب العابث (بس)
فتدرّع البلوى بِلُبْثِكَ في الجوى فَلَظَى الصبابةِ للكئيب اللابث (بس)
فَطَنَ الرقيبُ وعهده بك حادثٌ فعليك حِذْرَكَ من رقيبٍ حادثِ (دس)
وأراه يرقب للعداوة نارها ويثيرها تبًّا له من حارث (رس)
(4) ثمّ قالت: وما تبتغي من النشيد، وتشتهيه من القصيد؟
قلت: قافيةً لو أنشدت بالراء واللام لما كان يلحق المنشدَ عذلٌ ولا ملام.
فقالت: أجيبيه لما سأل، واشقيه النهل والعلل.
ثمّ قالت:
ويح المحبّ كم سبى فؤاده حبّ الغواني بقول وأسلْ (سر)
وكم له في كلّ عضو مقتلٌ وكم نهى عن طمعٍ بل وأملْ (مر)
وكم له في كلّ قلب منبت وكم تعاطى بعذاب وبذلْ (ذر)
تناقضت في أهله أفعاله كم هدّ حصنًا وإكامًا وجبلْ (بر)
إن أوقد الأشجان من لواعجٍ أحيا قلوبًا بالصلاح وعملْ (مر)
يا أيّها المُضنَى تعلَّمْ أنّهُ أفنى الكماةَ بتوانٍ وكسلْ (سر)

(5) ثمّ قالت: فماذا تروم من الدرّ المنظوم؟
قلت: قافيةً لو قُطع رويُّها خَلَفَهُ الثاني؛ وكان لكلٍّ معنى صحيحٌ من المعاني.
فقالت: أنشديه القافية المستعذبة المشتملة على الاكتفاء مع التورية المنتخبة.
فرفضت المِطال، وأجابت في الحال:
هدر الهوى دم من غدا متولّها رغب المولّه أن يسالم أو أبى
فتراه يسنح بالخلاص تعلّه أبدًا وإنّ جوى صبابته دبا
ومتى يؤمّل للخلاص ذريعة وجبينه أسر الحشاشة واستبا
فهناك يرغب في الشمال إذا سرت سحرًا ليدفع ما اعتراه وفي الصبا
فقلت: قطني قطني من هذه المقطّعات الرائعة وحسبي حسبي من هذه الأشعار الرائقة الناصعة فإنّها وعمرك كعمر النسيم على عذبات أغصان أو كلؤلؤات طلّ على طرر ريحان ولمثلها تخفّ رواجح الأوزان وعلى مثلها يتسهّر راقد الأجفان وعن مثلها تتأخّر السوابق عند الرهان.

(6) وأشتهي يا مصباح المغنى؛ رسالةً مفردة المبنى، مجموعة المعنى، لا يتّصل حرف بتلوه، ولا يجتمع صنوٌ مع صنوِه.
فقالت: اعرضي عليه الدرر المنثورة، والغرر المشرقة المشهورة.
فأجابت لما هنالك، وقالت في ذلك:
زَأْزَأَكَ إِذْ ذَأْذَأَ دَاؤُكَ ، وَدَرَأَكَ إِذْ أَزِحَ دَوَاؤُكَ، وَإِنْ زَاجَ رِدْؤُكَ آنَ دَزْؤُكَ ، وَإِنْ زَأَدَكَ وَزْرُكَ وَأَزْرُكَ ؛ زَوَاكَ وَرَدَّكَ وِزْرُكَ ، وَإِنْ أَوْرَفَ ذَوْدُكَ وَأَرَكَ رَوْدُكَ ، وَإِنْ أَوْدَحَ زَوْرُكَ ؛ دَرَسَ دُوْنَ دُوْنٍ دَزْرُكَ ، دَعْ رَدْعَ وِرَاطٍ ، وَإِنْ أَزِفَ أَزَلٌ وَزَأَطَ وَزَاَطَ ، وَقِ وَرْدَ وُرُودِكَ، وَلِ رَأيَ وَدُودِكَ، وَارْدَعْ ذَا دَرَنٍ ، وَدُمْ ذَا دَرَنٍ، وَارْأَبْ وَرْبَ رُوَاءٍ ، أو ادَّرِعْ زَرَدَ رَوَاءٍ ، إِذَا دَبَّ وَدْبُ وَزَوْءُهُ دَرَهَ، وَرَأْرَأَ أَزْلٌ وَرِدْؤُهُ وَرِهَ.


(7) "...ثمّ قالت: اقترِحْ ما أردتَ، وتحكّمْ بما قصدْتَ.
فقلت: أبتغي رسالة مهملة الحروف، مجرّدة عارية عن النقط المألوف.
فقالت: زُفِّي عليه العقيلة الغانية الّتي استغنت بحُسنها عن الحلل الفانية.
فقالت: الحمد لله الودود العلّام، الملك الأحد السلام، أكملَ حمدٍ وأولاه سرمدًا، وأعمّه وأعلاه أمدًا، ما وردك السهاد مُهطِعًا هَلوعًا، وما سال دمعك وهمع هموعًا، وما طرد هواك، سَرْحَ كراك، وأسلمكَ عدمُك، وأهدر للمِلاح دَمَك، وأعلّك الملامُ الدامسُ المدلهمُّ، وأعلّك الأوام كأس الحمام الملمّ، وأودع روعُك الصدودَ أوارًا، وأسال روعك الدموعَ الهواطلَ مدرارًا، وألاحك السهاد وسطحك وأعادك طِرحًا وطوّحك وعادك وصال رداح ودهاك مطال ملاح وصلصلك الهمّ الحالك وأوصلك صرّ اكدرار حالك وأحلّك رائد الوراط محالّ درك الوهاط وكلمك كلام وردعك ملام وعاداك سلم وسلام.


في مقدّمة تحقيق عبد العزيز الدخيل لـ "بغية النسّاك في أحكام السواك" للسفّارينيّ (ص 24):
"... وقد أورد الغزّيّ في "النعت الأكمل" (ص 60- وما بعدها) بعضًا من تلك الأبيات، كقول بعضهم:
"أراك" تروم إدراك المعاني *** وتزعم أنّ عندك منه فهمًا
فما شيء له طعمٌ وريحٌ؟ *** وذاك الشيء في شِعْرِي مسمّى
فأجيب من بعض الفضلاء:
سألتَ –هُديتَ- عمّا فيه طعم *** تظنّ "سواك" ليس يجيب نظمًا
فخذ منّي جوابًا ليس يخفى *** على ذي اللبّ في نظمي مسمّى!

هذا البيت لو قرئ سريعا يحسب أنّه مخالف نحويًّا:
لقد طاف عبدَ (ا) الله بِـ (ـي) البيتَ سبعةً *** وحجَّ مِنَـ (ـى) الناسُ الكرامُ الأفاضلُ
تقرأ هكذا:
لقد طاف عبدَ اللهِ بالبيتَ سبعةً *** وحجّ مِنَ الناسُ الكرامُ الأفاضلُ