المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تعجيل الهزيمة لمخالفي الرسل



راكز بن يوسف مصاروة
12-30-2008, 09:33 AM
تعجيل الهزيمة لمخالفي الرسل

كما أنّ أتباع الرسل منصورون، فإنّ مخالفيهم مخذولون قال الله تعالى: {إنّ الَّذينَ يُحَادُّونَ اللهََ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأَذَلِّين}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ... وجُعل الذّل والصغار علىمن خالف أمري )) رواه أحمد وهو حسن.
وتفسيره ماقاله ابن تيمية: " والبدعةُ مقرونةٌ بالفُرْقة،كما أنّ السنّةَ مقرونةٌ بالجماعة فيقال: أهل السنة والجماعة: كما يقال: أهل البدعة والفُرقة "(1).
وقد أجمع العقلاء على أنّ أعظم أسباب الهزيمة هو التنازع، وأشده ـ ولا شك ـ التنازع في الدين، ولما كان التنازع ناشئاً عن التقصير في طاعة الله ورسوله قرن الله بينهما في آية واحدة، فقال: {وأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ولما كان الالتزام بالسنة هو سفينة النجاة في بحر الاختلاف، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزومها عند وقوعه فقال: (( ... وإنّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاكثيرا، فعليكم بسنّتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإيّاكم ومحدثات الأمور )) رواه أبوداود والترمذي وابن ماجه وغيرهم وهوصحيح، وقال الله تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَات}، أي جاءهم من الوحي مايجمعهم، فلما تركوه اختلفوا. وهذا مبيَّن في سيرة اليهود والنصارى مع رسلهم، فالنصارى اتَّبعوا رهبانية ابتدعوها وتركوا بعض ما أُمروا به فأَغْرَى الله بينهم العداوة والبغضاء،كما قال تعالى: {ومِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظاًّ مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ}، قال ابن تيمية: " فهذا نصٌّ في أنهم تركوا بعض ما أُمِروا به فكان تركه سبباً لوقوع العداوة والبغضاء المحرَّمَيْن "(2).
وكذلك اليهود تركوا بعض ما أُمروا به كما قال تعالى: {يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ ونَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}، لكن تركهم له كان ناشئاً عن تقصيرهم المعروف بسبب كراهيتهم لما أنزل الله، كما قال تعالى: {ولَيَزيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُم مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ والبَغْضَاءَ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ}(3).
وقال ابن تيمية: " والخلاف الواقع في غير أهل الملل أكثر منه في أهل الملل، فكل من كان إلى متابعة الأنبياء أقرب كان الخلاف بينهم أقل؛ فالخلاف المنقول عن فلاسفة اليونان والهند وأمثالهم أمر لا يُحصيه إلا الله، وبعده الخلاف عن أعظم الملل ابتداعا كالرافضة فينا، وبعد ذلك الخلاف الذي بين المعتزلة ونحوهم، وبعد ذلك خلاف الفرق المنتسبة إلى الجماعة، كالكلاّبية والكرّامية والأشعرية ونحوهم، وبعد ذلك اختلاف أهل الحديث، وهم أقل الطوائف اختلافا في أصولهم، لأن ميراثهم من النبوة أعظم من ميراث غيرهم، فعصمهم حبل الله الذي اعتصموا به، فقال: {واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً} "(4).
ومن الدرر الغوالي لأبي المظفر السمعاني قوله: " ومما يدلُّ على أن أهل الحديث هم على الحقّ أنك لو طالعتَ جميع كتبهم المصنَّفة من أوّلهم إلى آخرهم، قديمهم وحديثهم مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطراً من الأقطار، وجدتَهم في بيان الاعتقاد على وتيرةٍ واحدةٍ ونمطٍ واحدٍ، يجْرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون فيها، قولُهم في ذلك واحدٌ ونقلُهم واحدٌ، لا ترى بينهم اختلافاً ولا تفرّقاً في شيء ما وإن قلّ، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء من قلب واحد وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبيَن من هذا؟ قال الله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} وقال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا}.
وأما إذا نظرتَ إلى أهل الأهواء والبدع رأيتَهم متفرِّقين مختلفين أو شِيَعاً وأحزاباً؛ لا تكاد تجد اثنين منهم على طريقةٍ واحدةٍ في الاعتقاد، يبَدِّع بعضهم بعضاً، بل يَرْتَقُون إلى التكفير؛ يكفِّر الابنُ أباه، والرجلُ أخاه، والجارُ جارَه، تراهم أبداً في تنازعٍ وتباغضٍ واختلافٍ، تنقضي أعمارُهم ولم تَتَّفق كلماتُهم {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ} "(5).
والغرض من هذا كله بيان لحوق الهزيمة بمن خالف الرسول صلى الله عليه وسلم وتعجيلها لهم، بسبب الاختلاف المضروب عليهم، وقد روى ابن سعد والبيهقي وأحمد وغيرهم بأسانيد عن جمع من الصحابة دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة السهمي، وهو أحد الستة، إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام وكتب معه كتابا، قال عبد الله: فدفعتُ إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذه فمزَّقه، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( اللهم مزِّق ملكه ))(6)، وكتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن أن ابعث من عندك رجلين جلْدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز فلْيَأتياني بخبره، فبعث باذان قهرمان ورجلا آخر، وكتب معهما كتابا، فقدِما المدينة، فدفعا كتاب باذان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهما إلى الإسلام وفرائصهما ترعد، وفي رواية: فلما رأى شَواربهما مفتولة وخدودهما محلوقة، أشاح عنهما وقال: (( وَيْحَكُما مَن أمركما بهذا )) قالا: أمَرنا ربنا ـ يعنيان كسرى ـ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ولكني أمرني ربي عز وجل أن أُعفِيَ لحيتي وأن أُحفي شاربي ))، وقال:
(( ارجعا عني يومكما هذا حتى تأتياني الغد فأخبركما بما أريد ))، فجاءاه
من الغد فقال لهما: (( أَبْلغا صاحبكما أن ربي قد قتل ربه كسرى في هذه الليلة ))، فوجدوه كما قال(7).
وفي هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم علِم هلاك كسرى لَمّا تجرَّأ على رسالته، ولم يُراع له حرمته؛ لأن الله قضى بقطع دابر شانيء رسوله وتعجيل بتره فقال: {إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ}. ومن حسن الموافقة أن قاتل كسرى ابنُه، كما ذكر ذلك الحافظ في » الفتح «(8)، وهو من تمام الإعجاز في إلقاء العداوة بين أفراد الأمة الواحدة، كيف وهي عداوة أهل بيت واحد؟! تحقيقاً لقول الله تعالى: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ}.
وقارن قصة كسرى هذه بقصة قيصر التي رواها البخاري وغيره، وفيها قول قيصر لأبي سفيان في رسول الله صلى الله عليه وسلم: "... فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدميّ هاتين، وقد كنتُ أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخْلُص إليه لتَجَشَّمْتُ لقاءه، ولو كنتُ عنده لغسلتُ عن قَدمه ...".
قال ابن تيمية: " وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر، وكلاهما لم يُسْلم، لكن قيصر أكرمَ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وأكرم رسوله، فثبَت ملكُه، فيقال: إن الملك باقٍ في ذريته إلى اليوم، وكسرى مزَّق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واستهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتله الله بعد قليل ومزَّق ملكه كل ممزق ولم يبق للأكاسرة ملك، وهذا ـ والله أعلم ـ تحقيق لقوله تعالى: {إنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَر}، فكلُّ مَن شنَأه وأبغضه وعاداه فإن الله يقطع دابره ويمحق عينه وأثره، وقد قيل: إنها نزلت في العاص بن وائل أو في عقبة بن أبي معيط أو في كعب بن الأشرف، وقد رأيتَ صنيع الله بهم، ومن الكلام السائر:
( لحوم العلماء مسمومة )، فكيف بلحوم الأنبياء عليهم السلام؟!"(9).
قلت: تأمل قوله: " إن المُلْك باقٍ في ذرِّيَّته إلى اليوم "، مع قول هرقل بعد قراءته كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرواية السابقة: " يا معشر الروم! هل لكم في الفلاح والرشد وأنْ يثبت مُلْكُكُم فتُبايِعوا هذا النبي؟..".
وقال ابن تيمية: " ونظير هذا ما حدّثَناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جرَّبوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصَر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس، إذ تعرَّض أهله لسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقيعة في عرضه فعجلنا فتحه وتيسر، ولم يكد يتأخر إلا يوما أو يومين أو نحو ذلك، ثم يفتح المكان عنوة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا حتى إن كنّا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه، مع امتلاء القلوب غيظا عليهم بما قالوه فيه،كما حدّثني بعض الأصحاب الثقاة أنّ المسلمين من أهل الغرب حالهم مع النصارى كذلك، ومن سنّة الله أن يعذّب أعداءه تارة بعذاب من عنده، وتارة بأيدي عباده المؤمنين "(10).
وقال ابن تيمية: " سورة الكوثر: ما أجلّها من سورة! وأغزر فوائدها على اختصارها! وحقيقة معناها تُعْلم من آخرها، فإنه سبحانه وتعالى بَتَر شانيء رسوله من كل خير، فيَبتر ذكره وأهله وماله فيخسر ذلك في الآخرة، ويبتر حياته فلا ينتفع بها، ولا يتزوّد فيها صالحا لمعاده، ويبتر قلبه فلا يعي الخير، ولا يؤهِّله لمعرفته ومحبته والإيمان برسله، ويبتر أعماله فلا يستعمله في طاعة، ويبتره من الأنصار فلا يجد له ناصرا ولا عونا، ويبتره من جميع القرب والأعمال الصالحة فلا يذوق لها طعما ولا يجد لها حلاوة، وإن باشرها بظاهره فقلبه شارد عنها، وهذا جزاء من شنَأ بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وردَّه لأجل هواه أومتبوعه أو شيخه أو أميره أو كبيره، كمن شنأ آيات الصفات وأحاديث الصفات، وتأوَّلها على غير مراد الله ورسوله منها، أو حملها على ما يوافق مذهبه ومذهب طائفته، أو تمنَّى ألا تكون آيات الصفات أنزلت، ولا أحاديث الصفات قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ومن أقوى علامات شناءته لها وكراهته لها أنه إذا سمعها حين يَستدل بها أهلُ السنة على ما دلت عليه من الحق اشمأز من ذلك، وحاد ونفر من ذلك، لِما في قلبه من البغض لها والنفرة عنها، فأي شانيء للرسول أعظم من هذا ... وكذا مَن آثر كلام الناس وعلومهم على القرآن والسنة، فلولا أنه شانيء لِما جاء به الرسول ما فعل ذلك، حتى إن بعضهم لينسى القرآن بعد أن حفظه، ويشتغل بقول فلان وفلان ...
فالحذرَ الحذرَ! أيها الرجل من أن تكره شيئا مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو تردّه لأجل هواك، أو انتصارا لمذهبك أو لشيخك، أو لأجل اشتغالك بالشهوات أو بالدنيا؛ فإن الله لم يوجب على أحد طاعة أحد إلا طاعة رسوله والأخذ بما جاء به، بحيث لو خالف العبد جميع الخلق واتبع الرسول ما سأله الله عن مخالفة أحد، فإن من يطيع أو يطاع إنما يطاع تبعا للرسول، وإلا لو أمر بخلاف ما أمر به الرسول ما أطيع. فاعلم ذلك واسمع وأطع، واتبع ولا تبتدع، تكن أبتر مردودا عليك عملُك، بل لا خير في عمل أبتر من الاِتّباع، ولا خير في عامله، والله أعلم "(11).


( 1) » الاستقامة « (1/42) وانظر إن شئت » اجتماع الجيوش الإسلامية « لابن القيم ص(6).
(2 ) » مجموع الفتاوى « (20/109).
( 3) انظر » مجموع الفتاوى « أيضا (13/227).
( 4) » منهاج السنة « (6/311).
(5 ) من » الحجة « لقوّام السنة (2/225).
(6 ) إلى هنا رواية البخاري في » صحيحه «، لكن زيادة هذا الدعاء هي عنده مرسلة.
(7 ) انظر » الصحيحة « للألباني (1429)، وتخريجه على » فقه السيرة « للغزالي (388ـ389).
( 8) (7/733ـ734).
(9 ) » الصارم المسلول « ص (164ـ165)، وانظر (( الفتح )) لابن حجر (1/44).
(10 ) المصدر السابق ص (117).
(11 ) » مجموع الفتاوى « (16/526ـ529).
------------------------------------------------------------------------------------------------------
(من كتاب- مدارك النظر في السياسة- ص58)