المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة كشف المجانة عن الغسل في الإجّانة


محمّد أسعد التميميّ
08-15-2008, 11:23 PM
سلسلة مؤلّفات العلّامة محمود الحمزاويّ –رحمه الله- [ت1305 هـ] (1):



رسالة
كَشْفِ المَجَانَة عن الغسل في الإجّانة


للعلّامة الشيخ محمود أفندي الحمزاويّ
مفتي دمشق الشام
[1243- 1305 هـ]



نسخها واعتنى بها:
محمّد أسعد التميميّ




1429هـ
"إنّ الحمد لله, نحمده, ونستعينه, ونستغفره,
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده
الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له, وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله. (يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله حقّ
تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون) [آل عمران: 102]. (يا أيّها الناس اتّقوا ربكم الّذي خلقكم
من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتّقوا الله الّذي تساءلون به والأرحام
إنّ الله كان عليكم رقيبًا) [النساء: 1]. (يا أيّها الّّذين آمنوا اتّقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر
لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا) [الأحزاب: 71]. أمّا بعد؛ فإنّ أصدق الحديث كلام الله، وخير
الهدي هدي محمّد –صلّى الله عليه وسلّم-، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في
النار". هذه خطبة الحاجة الّتي كان النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- يعلّمها أصحابه؛ كما يعلّمهم التشهّد في الصلاة، وكان –صلّى
الله عليه وسلّم- يفتتح خطبه بها، ويستحبّ المحافظة عليها في استفتاح الخطب، وصدر الكتب، وعند عقد الأنكحة، وينبغي
العمل بها؛ اتّباعًا للسنّة والاستغناء عن تلك المقدّمات الّتي هي من التعبير الخاصّ، وخير الهدي هدي محمّد –صلّى الله
عليه وسلّم-، وللعلّامة المحدّث الشيخ ناصر الدين الألبانيّ –رحمه الله- رسالة قيّمة في خطبة الحاجة، جمع فيها
طرقها وذكر فيها شيئًا من فوائدها اطلبها حثيثًا فإنّها مفيدة.... تنبيه: لقد انتشر–خطأً- عند كثيرٍ
من طلبة العلم وخصوصًا أولئك الّذين يتقدّمون بالوعظ على المنابر –جزاهم الله خيرًا-
وهو إخلالهم بالخطبة من خلال إدخالهم بعض الزيادات الّتي لم ترد عنه،
ومثال ذلك قولهم: (نستهديه، ونتوب إليه، وكلّ بدعة في الدين ضلالة و..)،
وآخرون لا يراعون ترتيب الآيات مع وقوعهم في تقسيم
الخطبة إلى أكثر من واحدة، ممّا يؤدّي إلى
الإخلال بها، والّذي يسمعهم يظنّ
أنّ هذه الخطبة من تعبيرهم
الخاصّ، وكأنّها لم ترد في نصّ
صحيح عن النبيّ –صلّى الله عليه
وسلّم- مرتّبة الكلمات، ومرتّبة الآيات،
وهذا يدخل في التعدّي والتقدّم بين يدي
رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- وقد
نهينا عن ذلك، قال تعالى: (يا أيّها الّذين آمنوا
لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله واتّقوا الله إنّ الله
سميع عليم) [الحجرات: 1]. وقال تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى) [النجم: 3-4]. وقال -جلّ شأنه-: (واتّبع ما يوحى إليك واصبر حتّى يحكم الله وهو خير لحاكمين) [ يونس: 109]. وقال –عليه الصلاة والسلام-: "نضّر الله امرأً سمع منّا شيئًا فبلّغه كما سمع فربّ مبلَّغ أوعى من سامع" وليس البحث هنا في جواز ذكر الحديث بالمعنى لأنّ لذلك ضوابط تحتاج إلى بسط في غير هذا الموضع؛ لذا أنصح لكلّ من وقع في هذه المخالفة بأحد ثلاثة أمور: أوّلها أن يحافظ على ذكر هذه الخطبة في المواضع المتقدّم ذكرها مع المحافظة على نصّها وذكر الآيات كما وردت مرتّبة في الخطبة ومن فعل ذلك صار داعيًا إلى هدى ومتمسّكًا بسنّة من سنن الهدى وهو إن شاء الله مأجور. وثانيها: أن يقتصر على صدر الخطبة، وقد قال أهل العلم بجوازها. وآخرها: أن يدع الخطبة وشأنها إذا أراد أن يزيد عليها.



ترجمة المؤلّف :
هو الشيخ العلّامة المفسّر الفقيه المتفنّن محمود بن محمّد نسيب بن حسن بن يحيى بن حمزة الحمزاويّ الحسينيّ الدمشقيّ الحنفيّ ، ولد في دمشق سنة [1236 هـ]، وعائلته استقرّت فيها نقابة الأشراف لعدّة أجيال، فعرفوا ببيت النقيب، وبني حمزة، وكانوا أيضًا على مذهب الإمام الشافعيّ حتّى القرن التاسع فتحوّلوا عنه إلى مذهب الإمام أبي حنيفة، فنشأ في حجر أبيه فقرأ القرآن وتعلّم الخطّ وكان ماهرًا جدًّا فيه، حتّى قيل إنّه كتب سورة الفاتحة على ثلثي حبّة أرزّ!
وأخذ عن فقهاء وعلماء الشام علوم اللغة والفقه والحديث والكلام، كالشيخ عبد الرحمن الكُزْبريّ الصغير، والشيخ حامد العطّار، والشيخ عمر الآمديّ، والشيخ سعيد الحلبيّ، والشيخ حسن الشطّيّ، حتّى فاق الأقران واشتهر فضله وعلمه، فنال مرتبة إفتاء الشام سنة [1248 هـ].
ملاحظة: وجدت في قصيدته مدحًا لابن عربيّ فأخشى أن يكون متأثّرًا بأفكاره!
مؤلّفاته :
1- الأحاديث المتواترة.
2- أرجوزة في فنّ الفراسة. (موجود في المجموع برقم 11).
3- إيضاح المقال في الدرهم والمثقال. (موجود في المجموع برقم 4).
4- بغية الطالب في شرح رسالة الصدّيق لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما.
5- التحرير في ضمان المأمور والآمر والأجير. (موجود في المجموع برقم 10).
6- تحفة الأسماع لمولد حَسَنِ الأخلاق والطباع.
7- ترجمة تعلّم الحال المختصر [فقه حنفيّ].
8- تصحيح النقول في سماع دعوى المرأة بكلّ المؤجّل بعد الدخول. (موجود في المجموع برقم 8).
9- التفاوض في التناقض. (موجود في المجموع برقم 3).
10- تنبيه الخواصّ على أنّ الإمضاء من القضاة في الحدود لا في القصاص. (موجود في المجموع برقم 12).
11- التنبيه الفائق على خلل الوثائق.
12- ثبت وإجازة للعلّامة خير الدين الآلوسيّ. [موجود عندي بتحقيق عدنان [أبو] زيد].
13- جامع الأسانيد.
14- درر الأسرار (تفسير بحروف المهمل).
15- دليل الكمّل إلى المهمل، في اللغة.
16- رسالة في الجواهر.
17- رسالة في خلل المحاضر والسجلّات (موجود في المجموع برقم 7).
18- رفع الغشاوة عن [جواز] أخذ الأجرة على التلاوة. (موجود في المجموع برقم 2).
19- الطريق الواضحة إلى البيّنة الراجحة.
20- عنوان الأسانيد.
21- الفتاوى الحمزاويّة.
22- فتوى الخواصّ على حلّ ما صيد بالرصاص. (موجود في المجموع برقم 6).
23- قواعد الأوقاف.
24- كشف الستور في [صحّة] المهاياة في الأجور. (موجود في المجموع برقم 9).
25- كشف القناع شرح بديعيّة الوالد.
26- كشف المجانة عن الغسل في الإجّانة. (وهو هذا الكتاب وهو في المجموع برقم 1).
27- اللآلئ البهيّة في القواعد الفقهيّة.
28- مسائل الأوقاف.
29- مصباح الدراية في اصطلاح الهداية . (موجود في المجموع برقم 5).
30- منظوم غريب الفتاوى.
31- نظم "الجامع الصغير" للإمام محمّد صاحب أبي حنيفة رحمهما الله.
32- نظم "مرقاة الأصول" لمنلا خسرو.
33- النور اللامع في أصول الجامع. [الجامع الكبير للإمام محمّد بن الحسن]. (موجود برقم 13).


مصادر الحمزاويّ في رسالته "كشف المجانة":
1) البحر البحر الرائق في شرح كنز الدقائق للعلّامة زين العابدين ابن نجيم المصريّ [ت 970 هـ] "كشف" (2/ 434).
2) التتارخانيّة زاد المسافر في الفتاوى مشهور بتاتارخانية عالم بن علاء الفقيه الحنفي [ت 286 هـ]. كشف" (5/ 357) و(1/ 253). سمّيت بذلك لأنّ الخان الأعظم تاتار خان أشار إلى جمعه ولم يسمّ فسمّي على اسم الخان.
3) الجامع الكبير محمّد بن حسن الشيبانيّ [ت 187 هـ] "كشف" (1/ 448)
4) حاشية إبراهيم الحلبيّ على الدرّ إبراهيم بن محمّد الحلبيّ ت 956 هـ انظر "الكشف" (2/ 655)، (5/ 25) ولعلّها هي نفسها ملتقى الأبحر
5) حاشية ابن عابدين على الدرّ
6) حاشية أبي السعود على مسكين
7) حاشية الخادميّ
8) حاشية الطحطاوي على الدرّ
9) الخلاصة
10) الدرر درر الحكّام في غرر الأحكام
11) شرح ابن عابدين لمنظومته رسم المفتي
12) شرح الكنز للطائيّ كنز الدقائق في فروع الحنفيّة للشيخ الإمام أبي البركات عبد الله بن أحمد المعروف بحافظ الدين النسفيّ [ت 710 هـ] "كشف" (2/ 434).
13) الطحاوي
14) الطحطاوي على مراقي الفلاح
15) غاية البيان
16) قاضيخان
17) منحة الباري للرحمتي


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الّذي أنزل من السماء ماءً طهورًا، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد خاتم النبيّين، وعلى آله الطاهرين، وصحبه أجمعين.
أمّا بعد؛ فيقول محمود بن حمزة مفتي دمشق الشام: "إنّ ما وقع في المتون من قولهم: "والنجس المرئيّ يطهر بزوال عينه إلّا ما شقّ زواله"؛ وقول الشروح: "ولو بمرّة"، هذا مقيّد بما إذا غسل في الماء الجاري، أو فيما هو في حكمه، أو بالصبّ.
بخلاف ما إذا غسل في إناء، أو إجّانة ؛ مرّةً واحدةً؛ وزال العين والأثر، فإنّه لا يطهر؛ إلّا بالغسل في ثلاث إجّانات، أو ثلاث مرّات في إجّانة؛ بعد غسلها كلّ مرّة. والمياه والأواني والثوب نجسات في المرّتين الأوليين بلا خلاف في المذهب. والخلاف في المرّة الثالثة كما يأتي، فليكن على حفظٍ منك.
وأمّا ما وقع في "حاشية المحقّق ابن عابدين" و"الطحطاويّ" على "الدرّ" وهو قوله: "ولو بمرّة سواء كانت الغسلة في ماء جارٍ أو راكدٍ كثير أو بالصبّ أو في إجّانة"، تابعين في ذلك الشيخ إبراهيم الحلبيّ في "حاشيته عليه" فغير معتبرٍ أصلًا لأنّ الحلبيّ أخذه دلالةً من عبارة "الدرر"، وإلى هنا انتهى سندُ هذه المسألة الّتي لا أصل لها في المذهب بعد البحث والتنقير عليها في الكتب المعتبرة .
فأردتُ أن أزيل هذا الوهم والأمر المخترع بسرد النُقول المعتبرة، لأنّ إزالة النجاسة فرضٌ إن كانت القدرَ المانعَ ، والتساهل في الفروض خطأ كبيرٌ، وهي من أهمّ المهمّات. ولهذا ورد أنّ أوّل ما يسأل عنه العبد في قبره: الطهارة؛ كما في "البحر".
وسمّيتها (كشف المَجانة عن الغسل في الإجّانة)، ومنه –سبحانه- أطلب التوفيق والعناية.
فأقول: حيث انحصر نقل هذه المسألة في حواشي "الدرّ المختار" سوى الرحمتيّ فإنّه خالفهم كما يأتي، والحلبيّ يدّعي بزعمه عن "الدرر" ونصّ عبارة الحلبيّ في "حاشيته": "قوله: "ولو بمرّة": يعني: إن زال عين النجاسة بمرّة واحدةّ يطهر، سواء كانت تلك الغسلة الواحدة في ماءٍ جارٍ أو راكدٍ كثيرٍ أو بالصبّ أو في إجّانةٍ.
أمّا في الثلاثة الأُوَلِ فظاهرٌ، وأمّا الإجّانة؛ فقد نصّ عليه في "الدرر"، حيث قال: "غسل المرئيّة عن الثوب في إجّانةٍ حتّى زالت طهر"" انتهى.
فيلزم أوّلًا ردّ مدعاهم، ثمّ الكرّ بإثبات نقيضه من معتبرات المذهب.
أمّا الأوّل؛ فقول الشيخ الطحطاويّ في "حاشية الدرّ" في عبارته المارّةِ: "أو في إجّانة"؛ لا يُعتدّ به أصلًا، لأنّه مناقضٌ هو نفسَهُ فيما كتبه على "مراقي الفلاح"، عند قول المتن: "ويطهر متنجّس بنجاسةٍ مرئيّةٍ بزوال عينها ولو بمرّة"، حيث قال: "قوله: بزوال عينها مقيَّدٌ بما إذا صبّ الماء عليها أو غسلها في الماء الجاري. فلو غسلها في إجّانة يطهر بالثلاث إذا عُصِر في كلّ مرّة، كذا في "الخلاصة"" انتهى.
فقوله هذا؛ هو الموافق للمنقول في كتب المذهب، فلذلك لزم الأخذ به، كما لزم ردُّ ما كتبه في "حاشية الدرّ".
وأمّا الحلبيّ فزعم أنّه في "الدرر" ، وهذا هو نصّ "الدرر": " غسل النجاسة المرئيّة عن الثوب في إجّانة حتّى زالت أو غيرها ثلاثًا وعصر كما مرّ طهر.." الخ. فلم يقيّد الغسل بمرّة في الإجّانة.
فكأنّ الحلبيّ أخذه من طريق الدلالة، ومن المقرّر أنّ العبارة قاضية على الدلالة بالاتّفاق، هذا عند التساوي، فكيف والعبارة لظاهر الرواية، بعدم طهارته من النجاسة المرئيّة بالمرّة الواحدة حال الغسل في الإجّانة.
فهل يؤخذ بدلالة عبارة "الدرر" خلاف ظاهر الرواية؟ هذا ممّا لم يقل به أحد وليس لواحد مخالفتها ولو كان مجتهدًا كما نصّ على ذلك "قاضيخان"، ونصّه: "المُفتِي في زماننا من أصحابنا إذا استفتي في مسألة أو سئل عن واقعة، إن كانت المسألة مرويّةً عن أصحابنا في الروايات الظاهرة بلا خلاف بينهم فإنّه يميل إليهم ويفتي بقولهم ولا يخالفهم برأيه وإن كان مجتهدًا متقنًا" انتهى.
وأمّا الثاني؛ وهو إثبات نقيض ما في "حواشي الدرّ المختار" من كتب المذهب المعتبرة، فالأوّل: ظاهر الرواية، وهو "الجامع الكبير" للإمام محمّد -رحمه الله تعالى-، ونصّه: "الثوب إذا غسل في آبار ثلاث وعصر ثلاث مرّات طهر إلّا أن يُرى أثر النجاسة. أمّا أثرٌ لا يزيله الماء وحده؛ لا يضرّه.
ولو نزل الجنب في ثلاث آبار أفسدهنّ ولا يطهر.
ولو وضع الثوب النجس في كلّ بئر وأخرج وعصر ثلاث دفعات طهر إذا زالت عين النجاسة.
ولو نزلا في بئر رابع فبئر الثوب طهور وبئر البدن ينجس.
ولو وضعا وهما طاهران في بئرين فبئر الثوب طهور وبئر البدن فسدت" انتهى.
فهذا نصّ الإمام في البئر قيّده بالثلاث غسلًا وعصرًا.
إلّا إذا رؤي أثر النجاسة فقد سوّى بين المرئيّة وغيرها إذا كان الغسل بالماء القليل كالبئر.
وزاد على غير المرئيّة ذهاب الأثر الّذي لم يشقّ زواله، حيث هو خارجٌ بنصّ الشارع.
والثاني: ما في "الخلاصة"، ونصّه: "فإن كانت مرئيّةً فطهارتها زوال عينها إلّا أن يبقى لها أثر، فإن كان لا يزول؛ لا يضرّ. فلو زالت النجاسة بمرّة واحدة تثبت صفة الطهارة.
وعن الفقيه أبي جعفر: تغسل بعد زوال العين مرّة أو مرّتين، لكنّ هذا خلاف ظاهر الرواية.
هذا إذا صبّ الماء أ غسله في الماء الجاري.
فلو غسله في إجّانة يطهر بالثلاث إذا عصر في كلّ مرّة والقياس أن لا يطهر في عشر إجّانات ما لم يصبّ عليه الماء. أبو يوسف أخذ بالاستحسان في الثوب وقال: يطهر حين يخرج من الإجّانة الثالثة" انتهى.
فانظر كيف قيّد الطهارة عند زوال العين بمرّة بما إذا صبّ الماء أو غسله في الماء الجاري. وأمّا إذا غسله في إجّانة فلا يطهر إلّا بالثلاث والعصر في كلّ مرّة كالنجاسة الغير المرئيّة.

محمّد أسعد التميميّ
08-16-2008, 09:35 PM
فإن قيل: النصّ هنا بأن يطهر بالثلاث إذا عصر في كلّ مرّة ومن المعلوم أنّ تخصيص الشيء بالذكر لا ينفي الحكم عمّا عداه فيجوز أن يطهر بمرّة.
قلنا: هذا خطأ من وجهين:
الأوّل أنّ تخصيص الشيء في الروايات يدلّ على نفي الحكم عمّا عداه بالاتّفاق عندنا بخلاف النصوص كما ذكره ابن عابدين في "شرح منظومته رسم المفتي" عن "غاية البيان" فارجع إليه.
الثاني: أنّه لو سلم لزم منه أن تطهر النجاسة الغير المرئيّة بالأقلّ من الثلاث أيضًا لأنّهم قالوا: "وتطهر غير المرئيّة بغسلها ثلاثًا والعصر كلّ مرّة"، وهذا فهم سقيم، وذلك لأنّ الحكم هنا مأخوذ من مفهوم القيد كما يعلمه الأصوليّ فتنبّه.
وفي " شرح الكنز" للطائيّ ما نصّه: "والنجس المرئيّ يطهر بزوال عينه وأثره ولو بمرّة هذا إذا صبّ الماء عليه أو غسله في الماء الجاري فلو غسله في إجّانة يطهر بالثلاث إذا عصر في كلّ مرّة إلّا ما يشقّ زواله" انتهى.
وفي "التتارخانيّة" (من الفصل الثامن) ما نصّه: "وفي "الطحاويّ": "الثوب إذا غسل في إجّانة ثمّ في إجّانة ثمّ في إجّانة إلى العشرة أو أكثر فإنّه ينظر إن لم تكن على الثوب عين نجاسة فالماء طاهر لا يصير مستعملًا.
ولو كانت عليه عين نجاسة كان القياس أن تصير المياه كلّها نجسة والباقي طاهر بالإجماع" انتهى.
فهذا نصّ على أنّ الثوب النجس بالمرئيّة إذا غسل في الإجّانة لا يطهر إلّا في الغسلة الثالثة والمياه كلّها نجسة وهذا عين ما في "الجامع الكبير" فكيف يُعدَل عنه إلى دلالة عبارة واحدة من كتب الفتاوى، أي "الدرر".
وفي "البحر" ما نصّه: "اعلم أنّ القياس يقتضي تنجّس الماء بأوّل الملاقاة للنجاسة، لكن سقط للضرورة، سواء كان الثوب في إجّانة؛ وأورد الماء عليه، أو كان الماء فيها؛ وأورد الثوب المتنجّس عليه، فهو طاهر في المحلّ؛ نجس إذا انفصل، سواء تغيّر أو لا، وهذا في المائين بالاتّفاق.
أمّا الماء الثالث؛ فهو طاهر عندهما إذا انفصل أيضًا؛ لأنّه كان طاهرًا وانفصل عن محلّ طاهر. وعند أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-: نجس، لأنّ طهارته في المحلّ ضرورة تطهيره، وقد زالت. وإنّما حكم شرعًا بطهارة المحلّ عند انفصاله ولا ضرورة في اعتبار الماء المنفصل طاهرًا مع مخالطته النجس بخلاف الماء الرابع فإنّه لم يخالط ما هو محكوم شرعًا بنجاسته في المحلّ، فيكون طاهرًا" انتهى.
فانظر إلى قوله: "سواء تغيّر أو لا" إذ لا يكون التغيّر إلّا من النجاسة المرئيّة وقد سوّى بينها وبين غيرها حال غسلها في الماء القليل وقال: "وهذا في المائين بالاتّفاق"، فأفاد أنّه إذا غسل الثوب في إجّانة وكانت نجاسته مرئيّة مرّة واحدة وزال عينها لا يطهر بالتّفاق بين الإمام وأصحابه ولا بالمرّتين إلّا بثلاث وهو ظاهر.
وقال في "منحة الباري" للشيخ مصطفى الأنصاريّ الرحمتيّ ما نصّه: "قوله: (أي جرى) تفسيرٌ بالأخصّ، لأنّ (ورد) صادقٌ؛ عليه كالمسألة الّتي ذكرها الشارح، وصادقٌ على ما إذا صبّ على ثوب نجس في الإجّانة، فإنّه نجس أيضًا؛ وإن لم يظهر أثرها.
فالحاصل أنّ الماء إذا جرى على نجاسة مرئيّة في نهر أو على وجه الأرض أو سطح أو ميزاب، فإن أخذت النجاسة الجرية أو أكثرها؛ تنجس؛ وإن لم يظهر أثره. وإن أقلّها؛ لا؛ ما لم يظهر الأثر.
واختار بعضهم –كالشارح- بقاء الطهارة ما لم يظهر الأثر وإن أخذت النجاسة كلّ الجرية أو أكثرها ولو صبّ الماء على نجس في الإجّانة تنجّس لاختلاط النجاسة فيه به كما لو وردت النجاسة عليه لكان لا يحكم بنجاسته إلّا بعد الانفصال أي بعد رفع الثوب أو جميع الثياب لو تعدّدت ضرورة صحّة التطهير وهو الّذي أشار إليه الشارح بقوله: "لكان.." الخ. ثمّ تغسل الإجّانة من الماء الأوّل ثلاثًا ثمّ لو أعيدت الثياب وصبّ عليها الماء أو أوردت على ماء طاهر في الإجّانة ينجس أيضًا ولا يظهر حكم النجاسة إلّا بعد الانفصال. وتغسل الإجّانة منه مرّتين وفي الثالث تغسل منه الإجّانة مرّة واحدة فتطهر الثياب والإجّانة والله تعالى أعلم" انتهى.
فالمقولة هنا في النجاسة المرئيّة صراحة. انظر إلى قوله: "فالحاصل أنّ الماء إذا جرى على نجاسة مرئيّة" وقوله قبلها: "وإن لم يظهر أثره" وقوله بعدها: "ما لم يظهر الأثر". وقوله: "على ما إذا صبّ على ثوب نجس"، فإنّه نكرة في سياق الشرط فيعمّ. وقوله: "ولو صبّ الماء على نجس في الإجّانة" مثله، وهذا كلّه عين عبارة "الجامع" و"الخلاصة" المارّة قبل ذلك.
وفي "حاشية السيّد أبي السعود على مسكين" عند قول المتن: "والنجس المرئيّ يطهر بزوال عينه" ما نصّه: "قوله: (بمرّة) ظاهره عدم اشتراط العصر، وعن محمّد: إِنْ عَصَرَهُ طَهُرَ وإلّا فلا".
واعلم أنّ الاكتفاء بزوال العين في النجاسة المرئيّة، ولو بالغسل مرّة؛ مقيّد بما إذا صبّ الماء عليه أو غسله في الماء الجاري، فلو غسله في إجّانة يطهر بالثلاث إذا عصر في كلّ مرّة كذا في "الخلاصة" وهو مخالف لما في "الدرر" فعلى ما في "الدرر" لا يختلف الحكم وإن كان الغسل في إجّانة وهو الظاهر من إطلاق كلام المصنّف والشارح" انتهى.
أقول: قد اعترض الخادميّ على عبارة "الدرر" في "حاشيته" ونصّه: "قوله: "في ثلاثة إجّانات أو واحدة بعد غسلها مرّتين إن كان هذا من الشرح كما هو رسم ما عندنا من النسخة يلزم أن يكون شرحًا لقوله: (ثلاثًا)، وقد فسّره بقول: ثلاث مرّات. وإن [كان] من المتن؛ إن كان قيدًا للمرئيّة وغير المرئيّة؛ فيلزم التنافي بين قوله: "حتّى زالت". وإن للغير المرئيّة فقط؛ فيلزم غسل المرئيّة في إجّانة واحدة بلا غسلها، وهو تحكّمٌ -لا بدّ- في بيان الفرق من شاهد". انتهى.
فانظر إلى قوله: "فيلزم غسل المرئيّة في إجّانة واحدة بلا غسلها، وهو تحكّم، فإنّ مراده بذلك استبعاده لأنّكم قلتم لا بدّ في طهارة النجاسة الغير المرئيّة من الغسل ثلاثًا والعصر في كلّ مرّة وبغسل المرئيّة في الإجّانة يتشرّب الثوب الماء الّذي في الإجّانة فصارت غير مرئيّة فلا بدّ من غسله ثلاثًا والعصر فكيف يطهر بمرّة هذا تحكّم لا بدّ له من شاهد ودليل. هذا خلاصة كلامه.
فكأنّ الخادميّ رحمه الله تعالى لم يطّلع على النصّ فاكتفى باستبعاده الحكم والمطالبة بالشاهد.
وهذا آخر ما أردتُ جمعه في هذه الورقات وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد سيّد السادات وعلى آله وأصحابه وسلّم والحمد لله ربّ العالمين.
طبعت بدمشق في مطبعة المعارف في 4 ربيع الأوّل 1303هـ.
نسخها محمّد أسعد التميميّ 3/ 1429هـ,

سعد بن فتحي الزعتري
08-17-2008, 11:17 AM
بارك الله فيك يا أبا يسري على هذه الجهود الطيبة
وننتظر المزيد من موضوعاتك

سمير اسحاق التميمي
08-17-2008, 10:45 PM
جزاك لله خير الجزاء اخي العزيز:
محمد اسعد التميمي
انتظرنا همتك طويلا وجزالك الله كل خير و الى الامام