المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بيان لماذا لا نقرأ عليهم السلام ولا نرده


طه بن يسري التميمي
08-15-2008, 11:07 PM
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبيّ الأمين؛ محمد وآله وصحبه أجمعين
بعد أن حصل عندنا ما حصل في فلسطين من الأصاغر والأغمار ، من خروج على شيخنا ووالدنا هشام بن فهمي بن موسى العارف ـ حفظه الله ـ ونحسبه من الأخيار، دون بينة ولا دليل من كتاب الله القهّار، ولا سنة النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ المختار، وبمخالفة لمنهج السلف الأبرار، والخروج وعدم الإطاعة لولاة الأمر وهم العلماء الكبار ـ وولاة الأمر هم العلماء والأمراء ـ ، والله العزيز الجبّار يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا }، والنبيّ ـ صلىّ الله عليه وسلم ـ يقول : " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما : كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض " رواه مالك بلاغا والحاكم موصلا بإسناد حسن [منزلة السنة في الإسلام – الألباني]، ويقول ـ صلى الله عليه وسلم: موصياً أمّته:" أوصيكم بتقوى الله ـ عزّ و جلّ ـ والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي؛ عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح [جامع العلوم والحكم - ابن رجب الحنبلي]، وكما ظهر في الحديث أن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلم ـ يوصينا بالخلفاء الراشدين ، فهم أهل العلم والحديث، وهم الذين نقلوا لنا الدين، فقد وصل إلينا الدين من طريق أهل العلم الأكابر، عبر سلسلة من العلماء الكبار، ممتد ة باقية إلى يوم الدين حلقة تلو الأخرى، وهذا ما أخبر به النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلم ـ في قوله: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله و هم كذلك " [ متفق عليه ]، ولقد ثبت عن أهل العلم؛ أن المراد بهذه الطائفة هم أهل الحديث، منهم: عبد الله بن المبارك؛ قال: هم عندي أصحاب الحديث، وعلي بن المديني؛ قال: هم أصحاب الحديث، وأحمد بن حنبل؛ قال: إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا ادري من هم، وأحمد بن سنان الثقة الحافظ؛ روى الخطيب عن أبي حاتم قال: سمعت احمد بن سنان وذكر الحديث فقال: هم أهل العلم وأصحاب الأثر، والبخاري؛ روى الخطيب عن إسحاق بن احمد قال:حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري وذكر الحديث فقال: البخاري يعني أصحاب الحديث .[ المستخرج على المستدرك – المكتبة الشاملة ]
ولا يعنى بأهل الحديث هم الذين يعتنون به اصطلاحاً ، فيخرج غيرهم بذلك، فقد قال الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى في رسائله: يخشى من التعبير بأن الطائفة المنصورة هم أهل الحديث أن يظن أنهم أهل الحديث الذين يعتنون به اصطلاحا ، فيخرج غيرهم .فإذا قيل: أهل الحديث بالمعنى الأعم الذين يأخذون بالحديث ، سواء انتسبوا إليه اصطلاحا واعتنوا به أو لم يعتنوا، لكنهم أخذوا به ؛ فحينئذ يكون صحيحا.[مجموع فتاوى العثيمين – المكتبة الشاملة ]
وقد أفلح من قال:
أهل الحديث هم أهل النبي وإن *** لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
ولله در من قال:
دين النبي محمد أخبار *** نعم المطية للفتى آثار
لا ترغبن عن الحديث و أهله *** فالرأي ليل والحديث نهار.
فأبى هؤلاء المتعصبون المقلدون الثبات على الحق والصبر عليه، فقد قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: اعلم رحمك الله انه واجب علينا تعلم أربع مسائل؛ الأولى: العلم وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة، والثانية: العمل به، والثالثة الدعوة إليه، والرابعة: الصبر على الأذى فيه، والدليل قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، فالإيمان والعمل الصالح سهل ادعاؤه، والتواصي بالحق والصبر عليه لا يكون فيه ادعاء،؛ لأن الدعوة السلفية هي دعوة الله جلّ وعلا فضّاحة تبيّن حال المنتسبين إليها من هذا الباب.
فقام هؤلاء بعد أن سمعوا كلام شيخنا في بيان حال محمد حسان الفتان ـ بيّن حاله أهل العلم أيضا ـ،حيث اضطر لبيان حال مَن آواه ودعاه لتناول الطعام عنده، ألا وهو علي بن حسن الحلبي، لا وبل دعا شركائه في المركز العمّاني لمشاركته في دعوته، ويلبيها أكثر من دُعوا ويرفض بعضهم ـ هذا ليس محل بسط حاله ففي الجعبة المزيد ـ، برمي فضيلة شيخنا وهي أول كلمة صدرت ألا وهي: حدادي، وفعلوا فعل الخوارج، ونزعوا يد الطاعة لشيخنا واتصلوا بعلي الحلبي، فدعاهم إلى عمان فلبوا دعوته، بعد جمع شتاتهم وتنظيم أنفسهم، وخرجوا دون إذن شيخنا بحجة معرفة الحق؛ دفاعاً عن علي الحلبي وأمثاله وهم يعلمون ضلاله في هذا الباب.
وبعد عودتهم من عمان، جلبوا معهم تسجيلات لأصحاب المركز العمّاني وفيها بهت وافتراء وطعونات صريحة بفضيلة شيخنا ـ فما عهدنا هذا من العلماء الكبار، الله اكبر هذا الحلبي يستخدم قاعدة المعذرة والتعاون مع القطبيين ويجرح جرح شديد في السلفيين، وهذا واضح في قصيدتين صريحتين نشرهما على موقع البيضاء وفي كلامه المسجل الذي وصلنا من أتباعه، وهذا ليس بمستغرب كما يظهر لنا، فما هو إلا انتصار للنفس ـ، أخذوا الطعن بفضيلة شيخنا حفظه الله، والسب والشتم، ورموه بالكذاااااااااب تبعاً لوصف شيخهم له، واتهموه بأنه مريض نفسي فهو يتعالج ويأخذ حبوب، وليس هذا فحسب بل تطاولوا إلى درجة طعنهم في شيخنا العلامة ربيع المدخلي حفظه الله، والقول على لسانه زوراً وبهتاناً ، بأن الشيخ قال أن هشاما العارف لا يصلح أن يكون رأساً للدعوة في فلسطين وغيرها، ولا يمتلكون تسجيلا ولا دليلا، مع أنهم أخبرونا قبل العودة من العمرة أن لديهم تسجيلات، ولقد بين كذبهم وافتراءهم شيخنا العلامة ربيع في مكالمة له على الهاتف مع شيخنا ووالدنا هشام بن فهمي العارف، وأخبره أنه نصحهم بالرجوع إلى شيخنا هشام لكنهم متشددون، وهم لا يريدون الرجوع إليه .... وها هم لا يزالون إلى الآن يطعنون بشيخنا، وبنا ـ وهذا على سبيل المثال لا الحصر، وفي الجعبة المزيد ـ ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.
وأقول: هؤلاء تحققت فيهم كثير من صفات المنافقين، فهي تنطبق عليهم، فهم إذا حدثوا كذبوا ، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا عاهدوا غدروا ، وإذا خاصموا فجروا.
وقد أخبرنا النبي ـ صّلى الله عليه وسلّم ـ عن هذه الصفات في قوله:" وفيه: عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: تمت أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ، حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" [البخاري].
وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر ، ولا هو منافق يخلد في النار ؛ فإن إخوة يوسف صلى الله عليه وسلم جمعوا هذه الخصال . وكذا وجد لبعض السلف والعلماء بعض هذا أو كله . وهذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال ، ولكن اختلف العلماء في معناه . فالذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار : أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق ، وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه الخصال ، ومتخلق بأخلاقهم . فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه ، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال ، ويكون نفاقه في حق من حدثه ، ووعده ، وائتمنه ، وخاصمه ، وعاهده من الناس ، لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر . ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار . [ شرح النووي على مسلم – المكتبة الشاملة].
ولقد قرأت كلاماً للشاطبي وكأنه يتحدث عنهم في حالات، ورأيت أن أنقل لكم ما قرأته حتى تعم الفائدة، وينتفع القارئ إن شاء الله تعالى.
روى ابن وهب عن القاسم قال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب محمد رسول الله ـ صلىّ الله عليه وسلّم ـ لا يختلفون، لأنه لو كان قولاً واحداً لكان الناس في ضيق، وإنهم أئمة يُقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان سنة.
ومعنى هذا أنهم فتحوا للناس باب الاجتهاد وجواز الاختلاف فيه، لأنهم لو لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق، لأن مجال الاجتهاد ومجالات الظنون لا تتفق عادة فيضير أهل الاجتهاد مع تكليفهم باتباع ما غلب على ظنونهم مكلفين باتباع خلافهم، وهو نوع من تكليف ما لا يطاق، وذلك من أعظم الضيق. فوسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفرعي فيهم، فكان فتح باب الأمة، للدخول في هذه الرحمة، فكيف لا يدخلون في قسم من رحم ربك ؟! فاختلافهم في الفروع كاتفاقهم فيها، والحمد لله .
وبين هذين الطريقين واسطة أدنى من الرتبة الأولى وأعلى من الرتبة الثانية، وهي أن يقع الاتفاق في أصل الدين، ويقع الاختلاف في بعض قواعده الكلية، وهو المؤدي إلى التفرق شيعاً.
فيمكن أن تكون الآية تنتظم هذا القسم من الاختلاف، ولذلك صح عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"أن أمته تفترق على بضع و سبعين فرقة "، وأخبر:"أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها شبراً بشبر وذراعاً بذراع"، وشمل ذلك الاختلاف الواقع في الأمم قبلنا، ويرشحه وصف أهل البدع بالضلالة وإيعادهم بالنار، وذلك بعيد من تمام الرحمة.
ولقد كان عليه الصلاة والسلام حريصاً على ألفتنا وهدايتنا، حتى ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:لما حضر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ـ فقال:"هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده"، فقال عمر: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غلبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله، واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول كما قال عمر، فلما كثر اللغط والاختلاف عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :"قوموا عني" فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم".
فكان ذلك ـ والله أعلم ـ وحياً أوحى الله إليه أنه إن كتب لهم ذلك الكتاب لم يضلوا بعده البتة، فتخرج الأمة عن مقتضى قوله:"ولا يزالون مختلفين" بدخولها تحت قوله:"إلا من رحم ربك" فأبى الله إلا ما سبق به علمه من اختلافهم كما اختلف غيرهم. رضينا بقضاء الله وقدره، ونسأله أن يثبتنا على الكتاب والسنة، ويميتنا على ذلك بفضله.
وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن المراد بالمختلفين في الآية أهل البدع، وأن من رحم ربك أهل السنة، ولكن لهذا الكتاب أصل يرجع إلى سابق القدر لا مطلقاً، بل مع إنزال القرآن محتمل العبارة للتأويل، وهذا لا بد من بسطه.
فاعلموا أن الاختلاف في بعض القواعد الكلية لا يقع في العاديّات الجارية بين المتبحرين في علم الشريعة الخائضين في لجتها العظمى، العالمين بمواردها ومصادرها.والدليل على ذلك اتفاق العصر الأول وعامة العصر الثاني على ذلك، وإنما وقع اختلافهم في القسم المفروغ منه آنفاً، بل كل على الوصف المذكور وقع بعد ذلك فله أسباب ثلاثة قد تجتمع وقد تفترق:
أحدها : أن يعتقد الإنسان في نفسه أو يعتقد فيه أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين ـ ولم يبلغ تلك الدرجة ـ فيعمل على ذلك، ويعد رأيه رأياً وخلافه خلافاً، ولكن تارة يكون ذلك في جزئي وفرع من الفروع، وتارة يكون في كل أصل من أصول الدين ـ كان من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية ـ فتارة آخذاً ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياتها، حتى يصير منها ما ظهر له بادىء رأيه من غير إحاطة بمعانيها ولا رسوخ في فهم مقاصدها، وهذا هو المبتدع، وعليه نبه الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال:
"لا يقبض الله العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".
قال بعض أهل العلم: تقدير هذا الحديث يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم . فيؤتى الناس من قبله، وقد صرف هذا المعنى تصريفاً، فقيل: ما خان أمين قط ولكنه ائتمن غير أمين فخان. قال: ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استفتى من ليس بعالم.
قال مالك بن أنس: بكى ربيعة يوماً بكاءً شديداً، فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ فقال لا! ولكن استفتى من لا علم عنده.
وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قبل الساعة سنون خداعات، يصدق فيهن الكاذب، ويكذب فيهن الصادق، ويخون فيهن الأمين، ويؤتمن الخائن، وينطق فيهن الرويبضة" قالوا: هو الرجل التافه الحقير ينطق في أمور العامة، كأنه ليس بأهل أن يتكلم في أمور العامة فيتكلم.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قد علمت متى يهلك الناس! إذا جاء الفقه من قبل الصغير؛ استعصى عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من قبل الكبير تابعه الصغير فاهتديا.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم من أكابرهم، فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم هلكوا.
واختلف العلماء فيما أراد عمر بالصِّغار، فقال ابن المبارك: هم أهل البدع، وهو موافق، لأن أهل البدع أصاغر في العلم، ولأجل ذلك صاروا أهل بدع.
وقال الباجي: يحتمل أن يكون الأصاغر من لا علم عنده . قال: وقد كان عمر يستشير الصغار، وكان القراء أهل مشاورته كهولاً وشباناً. قال: ويحتمل أن يريد بالأصاغر من لا قدر له ولا حال، ولا يكون ذلك إلا بنبذ الدين والمروءة. فأما من التزمهما فلا بد أن يسمو أمره، ويعظم قدره.
ومما يوضح هذا التأويل ما خرّجه ابن وهب بسند مقطوع عن الحسن قال: العامل على غير علم كالسائر على غير طريق، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح ، فاطلبوا العلم طلباً لا يضر بترك العبادة، واطلبوا العبادة طلباً لا يضر بترك العلم، فإن قوماً طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد ـ صلىّ الله عليه وسلم ـ، ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا ـ يعني الخوارج ـ والله أعلم، لأنهم قرؤوا القرآن ولم يتفقهوا فيه حسبما أشار إليه الحديث."يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم" .
وروي عن مكحول أنه قال: تفقه الرعاع فساد الدين والدنيا، وتفقه السفلة فساد الدين.
وقال الفريابي: كان سفيان الثوري إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون العلم تغير وجهه، فقلت: يا أبا عبد الله! أراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك.قال: كان العلم في العرب وفي سادات الناس، وإذا خرج عنهم وصار إلى هؤلاء النبط والسفلة غُيِّر الدين.
وهذه الآثار أيضاً إذا حملت على تأويل المتقدم استدَّت واستقامت، لأن ظواهرها مشكلة ، ولعلك إذا استقرئت أهل البدع من المتكلمين، أو أكثرهم وجدتهم من أبناء سبايا الأمم، ومن ليس له أصالة في اللسان العربي، فعما قريب يفهم كتاب الله على غير وجهه، كما أن من لم يتفقه في مقاصد الشريعة فهمها على غير وجهها.
والثاني من أسباب الخلاف إتباع الهوى:
ولذلك سمي أهل البدع أهل الأهواء لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهوءاهم ، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظوراً فيها من وراء ذلك، وأكثر هؤلاء هم أهل التحسين والتقبيح، ومن مال إلى الفلاسفة وغيرهم، ويدخل في غمارهم من كان منهم يخشى السلاطين لنيل ما عندهم، أو طلباً للرياسة، فلا بد أن يميل مع الناس بهواهم، ويتأول عليهم فيما أرادوا، حسبما ذكره العلماء ونقله من مصاحبي السلاطين .
فالأولون ردوا كثيراً من الأحاديث الصحيحة بعقلوهم، وأساءوا الظن بما صح عن النبيّ ـ صلىّ الله عليه وسلم ـ، وحسنوا ظنهم بآرائهم الفاسدة، حتى ردوا كثيراً من أمور الآخرة وأحوالها من الصراط والميزان، وحشر الأجساد، والنعيم والعذاب الجسميّ، وأنكروا رؤية الباري، وأشباه ذلك، بل صيروا العقل شارعاً جاء الشرع أو لا، بل إن جاء فهو كاشف لمقتضى ما حكم به العقل، إلى غير ذلك من الشناعات.
والآخرون خرجوا عن الجادة إلى البينات، وإن كانت مخالفة لطلب الشريعة، حرصاً على أن يغلب عدوه، أو يفيد وليه، أو يجر إلى نفسه نفعاً. [454-458 الاعتصام- للشاطبي]
والثالث من أسباب الخلاف: التصميم على إتباع العوائد وإن فسدت أو كانت مخالفة للحق:
وهو اتباع ما كان عليه الآباء والأشياخ، وأشباه ذلك، وهو التقليد المذموم، فإن الله ذم بذلك في كتابه بقوله: {إنا وجدنا آباءنا على أمة} الآية. ثم قال:{ قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون} وقوله: {هل يسمعونكم إذ تدعون* أو ينفعونكم أو يضرون} فنبههم على وجه الدليل الواضح فاستمسكوا بمجرد تقليد الآباء، فقالوا:"بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون"وهو مقتضى الحديث المتقدم أيضاً في قوله:"اتخذ الناس رؤساء جهالاً" إلى آخره، فإنه يشير إلى الاستنان بالرجال كيف كان.
وفيما يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إياكم والاستنان بالرجال، فإن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل النار فيموت وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فينقلب لعلم الله فيه فيعمل بعمل أهل الجنة فيموت وهو من أهل الجنة، فإن كنتم لا بد فاعلين، فبالأموات لا بالأحياء. فهو إشارة إلى الأخذ بالاحتياط في الدين، وأن الإنسان لا ينبغي له أن يعتمد على عمل أحد البتة، حتى يتثبت فيه ويسأل عن حكمه، إذ لعل المعتمد على عمله يعمل على خلاف السنة. ولذلك قيل: لا تنظر إلى عمل العالم. ولكن سله يصدُقك وقالوا: ضعف الروية أن يكون رأى فلاناً يعمل مثله. ولعله فعله ساهياً. وليس من هذا القبيل عمل أهل المدينة. وما أشبه ذلك. لأنه دليل ثابت عند جماعة من العلماء على وجه ليس مما نحن فيه.
وقول علي رضي الله عنه: فإن كنتم لا بد فاعلين فبالأموات نكتة في الموضع. يعني الصحابة، ومن جرى مجراهم ممن يؤخذ بقوله ويعتمد على فتواه. وأما غيرهم ممن لم يحل ذلك المحل فلا. كأن يرى الإنسان رجلاً يحسن اعتقاده فيه فيفعل فعلاً محتملاً أن يكون مشروعاً أو غير مشروع فيُقتدى به على الإطلاق ويعتمد عليه في التعبد. ويجعله حجة في دين الله، فهذا هو الضلال بعينه. وما لم يتثبت بالسؤال والبحث عن حكم الفعل ممن هو أهل الفتوى .
وهذا الوجه هو الذي مال بأكثر المتأخرين من عوام المبتدعة، إذا اتفق أن ينضاف إلى شيخ جاهل أو لم يبلغ مبلغ العلماء، فيراه يعمل عملاً فيظنه عبادة فيقتدي به. كائناً ما كان ذلك العمل. موافقاً للشرع أو مخالفاً. ويحتج به على من يرشده ويقول: كان الشيخ فلان من الأولياء وكان يفعله وهو أولى أن يقتدى به علماء الظاهر. فهو في الحقيقة راجع إلى تقليد من حسن ظنه فيه أخطأ أو أصاب. كالذين قلدوا آباءهم سواء. وإنما قصارى هؤلاء أن يقولوا: إن آباءنا أو شيوخنا لم يكونوا ينتحلون مثل هذه الأمور سدى. وما هي إلا مقصودة بالدلائل والبراهين مع أنهم يرون أن لا دليل عليها. ولا برهان يقود إلى القول بها. [262-263 الاعتصام – للشاطبي].
والذي دعاني إلى بيان ما كتبته هو أنهم يرموننا بالإثم والعدوان لأننا لا نبدأهم ولا نرد عليهم السلام، فحري بنا فعل ذلك ، وهناك أدلة من السنة النبوية ومن أقوال السلف بهجر المبتدع والفاسق وأصحاب الأهواء وهم أحق الناس بأن يُرموا بهذا ،بل يكون هجرانهم وعدم التسليم عليهم نهياً عن المنكر بالجوارح وهذا درب من دروب النهي عن المنكر.

يقول الدكتور إبراهيم الرحيلي: وأما أهل البدع فيجوز ترك السلام عليهم، ابتداءً ورداً، على ما دلت على ذلك السنّة وأقوال سلف الأمة وأفعالهم،، وأقوال أهل العلم والتحقيق من أهل السنّة.
أما من السنّة فقد دلّ على ذلك فعل النبيّ ـ صلّى الله علي وسلم ـ على بعض المخالفين والعصاة حتى يتوبوا على ما هو مشهور في كتب السنّة. ومن ذلك ما هو ثابت في الصحيحين من تركه عليه السلام رد السلام على كعب بن مالك ـ رضي الله عنه ـ حين تخلف عن غزوة تبوك.
فعن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يحدّث حين تخلف عن تبوك: ونهى رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم عن كلامنا،وآتي رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم فأسلم عليه، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه برد السلام أم لا؟ حتى كملت خمسون ليلة وأذن النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلّى الفجر
ومن ذلك أيضاً ما رواه أبو داوود والترمذي وغيرهما عن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال: مرّ على النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلم ـ رجل عليه ثوبان أحمران فسلم على النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلم فلم يرد النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلم ـ عليه.
وكذا ترك النبيّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ ردّ السلام وإعراضه عن رجل قدم عليه من البحرين في يده خاتم من ذهب. [ رواه البخاري في الأدب المفرد].
وفي ترك النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلم السلام على هؤلاء العصاة، دليل على جواز ترك السلام على أهل البدع، فأهل البدع يشاركون أهل المعاصي في المخالفة للشرع، ويزيد جرمه بنسبتهم تلك المخالفة للشرع، ولذا ترجم أبو داود رحمه الله لحديث ترك النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلم رد السلام على عمار بقوله: باب ترك السلام على أهل الأهواء.
ويقول حمود التويجري : الجميع مشتركون في اسم المعصية إلا أنّ معصية هؤلاء المذكورين في هذه الأحاديث خفيّة بالنسبة على معصية أهل الأهواء.
وأما أقوال سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم فقد جاءت مصرّحة بما دلت عليه السنة من جواز ترك السلام على أهل البدع، كما أن أفعالهم جاءت مؤكدة لذلك حيث كانوا يتركون السلام على أهل البدع، فلا يلقون السلام عليهم ولا يردّون عليهم إذا سلموا.
ومن ذلك قول الإمام مالك : لا ينكح أهل البدع ولا ينكح إليهم ولا يسلم عليهم! وقوله : بئس القوم أهل الأهواء لا نسلم عليهم!
وقال ابن هانئ: شهدت أبا عبد الله في طريق مسجد الجامع وسلم عليه رجل من الشاكّة، فلم يرد عليه السلام فأعاد عليه، فدفعه أبو عبد الله ولم يسلم عليه.
وقال إيراهيم بن الحارث العُبادي وأبو عبد الله يسمع : إذا كان صاحب بدعة فلا تسلم عليه ولا تصل خلفه ولا تصل عليه، قال أبو عبد الله، كافأك الله يا أبا إسحاق وجزاك الله خيراً [ موقف أهل السنّة والجماعة من أهل الأهواء والبدع (511- 517).
ومن أراد المزيد فليرجع إلى الكتاب فقد أفاد الشيخ وأجاد .

غالب عارف نصيرات
08-16-2008, 12:37 AM
الحقيقة هذه المسألة تغيظ من سقط في الفتنة، ومن يكيد لدعوتنا من حزبيين وحركيين ، لانها تضعهم في حجمهم الحقيقي، وتُعبِّر عن المنزلة والدرجة التي يستحقها هؤلاء،ولا عجب ولا غرابة طالما لنا سلف في ذلك، ولانها تعبِّر عن الولاء والبراء المنهجي الذي ضاع عند بعض الأدعياء الضائعين المساكين، باستقبالهم حسان وربعه، فنِعْمَ المعاملة تلك تأديباً وهجراً وليموتوا بغيظهم
جزاك الله خيرا اخي طه
وحفظ الله الاخوة المقدسيين من الأدعياء الساقطين

غالب عارف نصيرات
08-16-2008, 01:04 AM
فـ"ياطالب العلم ابن الدعوة السلفية : كن سلفياً على الجادة ،واحذر المفتونين أن يفتنوك ؛فإنهم يوظِفون للإقتناص والمخاتلة سبلاً، بالكلام المعسول ،وتقبيل الأكتاف ،وما وراء ذلك إلا وحم البدعة ووهج الفتنة ،يغرسونها في فؤادك ،ويعتملونك في شراكهم ،فوالله لا يصلح الأعمى لقيادة العميان وإرشادهم ،أما الأخذ عن علماء السنة فالعق العسل ولا تسل

سعد بن فتحي الزعتري
08-17-2008, 11:51 AM
بارك الله فيك يا أخ طه