هشام بن فهمي بن موسى العارف
08-15-2008, 10:05 PM
لزوم الحق وذم التعصب
إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد،
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
نقول أننا على منهاج النبوة والسلف، لأنه منهاج ربَّاني، موفق أتباعه للسعادة، ومنهاج النبوة والسلف منهاج الحجة والبيان، منهاج الفطرة السويَّة وفيه كل أسباب الأمان، فمن كان على منهاج النبوة والسلف كان على الحق، وكان على الجادة في عبادة ربه، ومن ترك منهاج النبوة والسلف بعد العلم والبينة كان على باطل في اعتقاده، وضلال في عبادة ربه. لذا فإن معرفة الحق تحتاج إلى إخلاص لله وعلم على بصيرة وصبر وثبات.
قال الإمام الأوزاعي ـ رحمه الله ـ:
(1) "اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم".
والحق نقيض الباطل، وأصل الحق: المطابقة والموافقة، والله ـ تعالى ـ حث على التمسك بالحق والتواصي به في سورة العصر فقال:
(2) (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ..(3).
وكان الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ يوصي بعضهم بعضًا بالصبر على الحق وطاعة الله. لذلك
(3) "كان الرجلان من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر (وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)، ثم يسلم أحدهما على الآخر". ["الصحيحة"(2648)]
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
(4): "ولا يمكن للعبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن به، ويتنعم به، ويغتذي به، وهو اليقين".[مجموع الفتاوى" (28/121)]
ويحتاج الثبات على الحق للصبر، فإذا صبر الآمر بالحق صار إلى كمال الربح، لذا كان التواصي بالصبر عقب التواصي بالحق في سورة العصر. وليعلم السامع أن بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبداً، صرّح بذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أكثر من حديث صحيح.
إن التمسك بالحق في الناس أمر عزيز، كذلك الصبر من أجل الثبات على الحق أيضاً عزيز. وإن التكذيب بالحق خسران في الدنيا والآخرة، ويورث في الدنيا الفوضى، والاضطراب، واختلاط الأمور، لأنه منافٍ للفطرة، فالناس فطروا على محبة الحق وإرادته، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
(5) "والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه". ["مجموع الفتاوى" (10/88)]
والوقوع بجريمة تكذيب الحق الذي مصدره التعصب المقيت تحريف للفطرة السليمة، وبالتالي الدخول بالعبثية المرفوضة، لأن الكذب على الحق، أو التكذيب بالحق من الآفات المحطمة للمجتمع، وتهييج للضلال، وتثوير للباطل، قال ـ تعالى ـ في سورة (ق):
(6) (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ(5).
يعني: لمّا تركوا الحق وعدلوا عنه؛ تعصباً لاعتقاداتهم الضالة، مرج عليهم أمرهم والتبس، وهذا عقاب من تفلَّت من اتباع الحق، أو صدَّ عنه، فأصحاب هذا المسلك المشين لا يدرون ما يقولون وما يفعلون، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
(7) "بل لا يقولون شيئاً إلا كان باطلاً، ولا يفعلون شيئاً إلا كان ضائعاً غير نافع لهم، وهـذا شأن كل من خرج عن الطريق الموصـل إلى المقصود".["التبيان في أقسام القرآن"(1/75)]
والتعصب للعقائد، أو التعصب للمذاهب، أو التعصب للأحزاب، أو التعصب للأشخاص نقيض الحق، لأن سبيل الذي على الحق خلاف سبيل المتعصب، ذلك لأن الذي على الحق متبع على بصيرة، وسبيل المتعصب اتباع الهوى، فالمتعصب مقلد أعمى لا يحسب للنتائج حساباً ولا يرصد لأفعاله ما سيقع فيه من الويلات والنقم، وشتان بين الذي في النور والذي في الظلام.
والمتعصب حين يواجه الدعوة الصحيحة ويصر على ضلاله في التعصب يتحمل إثم فعله في الدنيا، وسيلقى جرّاء فعله عذاباً في الدنيا وعذاباً في الآخرة؛ لتعصبه واستكباره عن الحق. وأول هذا العقاب هو رؤيته الحق باطلاً، والباطل حقاً قال ـ تعالى ـ في سورة الأعراف:
(8) (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)
إن موضوع التعصب الذي أفرد له فضيلة الشيخ أبي عبد الأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري أعلى الله ـ تعالى ـ مراتبه في الدنيا والآخرة، والذي خصّ بحثه في التعصب للشيوخ فكان موضوعاً ذا أهمية؛ في وقت صار تقليد حدثاء الأسنان للأصاغر سنَّة في زمن الفتن، فإلى الله المشتكى مما عمَّت به البلوى في بلادنا، فقد طار إلى هذا التعصب المقيت الشباب ـ إلا من رحم ربي ـ بسبب ضعفهم العلمي أو بسبب ضعف صدق اتباعهم للحق، وقد يكون من الأسباب المهمة في تعصب المغفلين لشيوخهم هو خطة المشيخة السيئة في تعليق من أراد الانتساب إلى شرع الله بشخوصهم دون تعليقهم بالحق، وهذه آفة خطيرة وهي فعل أهل البدع والضلالات وديدن الصوفية الطرقية الضالة، التي حوّلت تلاميذها إلى مريدين ضائعين لاهثين وراء مشايخهم بالتقليد الأعمى والتعصب المقيت، وقد حذر العلماء من العصبيات على شتى ألوانها وأشكالها في كل وقت وزمن، وحذروا من شناعة التعصب للشيوخ لأنه خلاف الحق ونقيضه، ولم تكن تربية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأصحابه ـ رضوان الله عنهم ـ إلا تربية سوّية تلائم الفطرة، وتحبب في الحق، وتعتني بالنفس أن تبقى زكية نظيفة من أدران التعلق بالأشخاص، أو التعصب لأي كان.
لكن يبدو لي ـ في الوقت الحاضر ـ أن صناعة التعليق بالأشخاص لدى الشيوخ والدعاة لم تقف عند الصوفية الطرقية بكافة أشكالها وأطيافها بل امتد إلى جهات أخرى فتلمذت تلاميذها أن يصير الواحد منهم مريداً طائعاً أعمى، ومقلداً مفلساً من البصيرة، ترفع رايات الدين ـ بشعارات برّاقة ـ وتسعى إلى تعليق الشباب بشخصها من أجل السير بهم إلى دروب مظلمة من الأوهام والأباطيل والأماني الفارغة لإشباع أهوائهم، وقد استغلوا هؤلاء الأحداث لاندفاعهم وحماستهم فأوردوهم الردى وقتلوهم بآفة التعصب. وبالتالي فإن هؤلاء ضحايا التعصب يتحولون في المجتمع إلى آفات خطيرة تعصف به وتضرب في ثناياه ضرباً يحملهم إلى شن هجوم عنيف على الحق وأهله، إذا خولف شيخهم أو انتقد، لأنهم يرون في النهاية أن الحق يمزق وثن تعصبهم وضلالهم ويحول بينهم وبين آمالهم للحصول على ما يخططون له من خلال نظرتهم إلى من حولهم بمنظار التعصب الذميم الذي ربّاهم عليه شيخهم.
فأجاد فضيلة الشيخ أبي عبد الأعلى ـ حفظه الله ـ في عرض موضوع التعصب للشيوخ ونبَّه على خطيرة يقع فيها الشباب المعاصر، ونقل من أقوال العلماء، وبوّب للبحث ما يسهل للباحث أن يتعقب تحذيره من هذا اللون من التعصب حتى يكون الشباب على بصيرة من هذا الداء العضال الذي يكاد يفتك بالأمة بسبب حماقة المنتسبين إلى المشيخة، أو المنتسبين إلى الاشتهار للعمل في حقل الدعوة ـ تزييفاً ـ الذين مكنوا الشباب من شخوصهم بدل أن يمكنوهم من معرفة الحق ومحبته والتمسك به وأن يكونوا على بصيرة من دينهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
(9) "وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقى بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونون مثل الأخوة المتعاونين على البر والتقوى كما قال ـ تعالى ـ:
(10) (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة/2]
وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهداً بموافقته على كل ما يريده، وموالاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه، بل من فعل هذا كان من جنس جنكيزخان وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقاً ولياً، ومن خالفهم عدواً بغيضاً، بل عليهم وعلى أتباعهم عهد الله ورسوله، بأن يطيعوا الله ورسوله، ويفعلوا ما أمر الله به ورسوله، ويحرموا ما حرم الله ورسوله، ويرعوا حقوق المعلمين كما أمر الله ورسوله، فان كان أستاذ أحد مظلوماً نصره، وإن كان ظالماً لم يعاونه على الظلم بل يمنعه منه كما ثبت فى الصحيح عن النبى ـ صلى الله عليه و سلم ـ أنه قال:
(11) "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" ["صحيح الجامع" (1502)]
وقال:
(12) "وإذا وقع بين معلم ومعلم، أو تلميذ وتلميذ أو معلم وتلميذ خصومة ومشاجرة، لم يجز لأحد أن يعين أحدهما حتى يعلم الحق، فلا يعاونه بجهل ولا بهوى، بل ينظر في الأمر فإذا تبين له الحق أعان المحق منهما على المبطل سواء كان المحق من أصحابه أو أصحاب غيره، وسواء كان المبطل من أصحابه أو أصحاب غيره، فيكون المقصود عبادة الله وحده،وطاعة رسوله،واتباع الحق والقيام بالقسط".قال ـ تعالى ـ:
(13) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [النساء/135]
يقال لوى يلوي لسانه فيخبر بالكذب والإعراض أن يكتم الحق، فان الساكت عن الحق شيطان أخرس. ومن مال صاحبه سواء كان الحق له أو عليه فقد حكم بحكم الجاهلية وخرج عن حكم الله ورسوله، والواجب على جميعهم أن يكونوا يداً واحدة مع المحق على المبطل فيكون المعظم عندهم من عظمه الله ورسوله، والمقدم عندهم من قدمه الله ورسوله، والمحبوب عندهم من أحبه الله ورسوله، والمهان عندهم من أهانه الله ورسوله، بحسب ما يرضي الله ورسوله لا بحسب الأهواء فانه من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فانه لا يضر إلا نفسه، فهذا هو الأصل الذي عليه الاعتماد وحينئذ فلا حاجة إلى تفرقهم وتشيعهم، قال ـ تعالى ـ:
(14) (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) [الأنعام/159]
وقال ـ تعالى ـ:
(15) (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران/105] انتهى كلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ["مجموع الفتاوى" (28/15-17)]
ولا شك أن المتعصب يوم القيامة سيلقى الندم بسبب جرم التعصب قال ـ تعالى ـ في سورة الفرقان:
(16) (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولا (29)
ولا شك أن التفرق الذي تقع فيه الأمة وحذّر منه المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ظلم سببه التعصب، وافترق التعصب بعيداً عن الحق إلى فرق شتى، فوقع البغض في الأمة ووقعت الفرقة فاستحقت مقت الله، فالعصبيات الدينية المخالفة للكتاب والسنة ممقوتة، والعصبيات القومية والبلدية على شتى أشكالها وألوانها ممقوتة، والعصبيات المذهبية ممقوتة، والعصبيات القبلية ممقوتة، والعصبيات العشائرية ممقوتة، لأنها كلها دعوات جاهلية منتنة أنكرها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولن تكتب النجاة إلا لمن لزم الحق وابتعد عن هوى التعصب.
ولا بد أن يكون لنا من الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ العبرة في التبرء من العصبية فقد روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر لما بلغه خبر الذين نفوا القدر قال:
(17) "فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر".
والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بقتل الخوارج لتعصبهم لضلالهم، وانتقاصهم الصحابة، ويحملهم شدة تعصبهم إلى تأويل النصوص تأويلات فاسدة بعيدة كل البعد عن الهدى، بل يستبيحون بتأويلاتهم الضالة تكفير المسلمين ويستحلون دماءهم بالقتل والتفجير. وحمل العلماء على أهل البدع والخرافات وحملوا على علم الكلام وحملوا على من تعصب للفلاسفة، ولا شك أن المبتدعة على شتى أطيافهم لشدة تعصبهم لا يفلحون بالتوبة ـ إلا من رحم ربي ـ مصداقاً لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
(18) "إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة". ["الصحيحة" (1620)]
وفي رواية ـ صحيحة ـ:
(19) "إن الله حجب التوبة عن صاحب كل بدعة". ["صحيح الترغيب والترهيب"(54)]
فصاحب البدعة منازع لله في الحكم، فحري به أن لا يوفق للتوبة، لأنه متعصب لما هو خلاف السنة والحق، فليس من السهل عليه أن يتوب من بدعته، لأن المبتدع الذي يتخذ ديناً لم يشرعه الله ولا رسوله، يكون متعصباً قد زين له سوء عمله فرآه حسناً، كما قال الله ـ تعالى ـ في سورة فاطر:
(20) (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا..(8)
قال شيخنا العلامة ربيع المدخلي ـ حفظه الله ـ:
(21) "فالذي يلزمنا معشر الإخوة أن نفتش أنفسنا، فمن وجد في نفسه شيئاً من هذا المرض؛ فعليه أن يتدارك نفسه، ويقبل على العلاج الناجع، ويبحث دائماً على الحق؛ لينجو بنفسه من وهدة التعصب الأعمى الذي قد يؤدي إلى الشرك بالله ـ تبارك وتعالى ـ أو يؤدي إلى الضلال الخطير". ["التعصب الذميم وآثاره" (ص:46)]
من المفاسد التي أنتجها بلاء التعصب وترك لزوم الحق ما أشار إليه العلامة شيخنا ربيع المدخلي ـ حفظه الله ـ في "التعصب الذميم" (أذكر لك عناوينها):
1- مخالفة النصوص الثابتة من الكتاب والسنة.
2- كثرة الأحاديث الضعيفة والموضوعة والاحتجاج بها.
3- تقديم أقوال العلماء المتأخرين على أقوال الأئمة المتقدمين.
4- الانحباس في مذهب واحد.
5- خلو كثير من الكتب المذهبية من الأدلة الشرعية.
6- شيوع التقليد والجمود.
7- التشدد في بعض المسائل. [التعصب الذميم وآثاره]
وأضيف إليها:
1- التعلق بالكتب الفكرية القومية والسياسية.
2- الانتصار للأصاغر وترك الأكابر.
3- الحماسة والاندفاع والمسارعة للفتوى قبل التضلع بالعلم الشرعي.
4- الكذب والمخادعة والابتداع.
5- الخصومات من غير حجة علمية.
هذا وإن أسوأ ما خلّفه بلاء التعصب بشكل عام محاربة شرع الله ـ تعالى ـ، وهناك فرقاً في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتعصبهم لأقوال أئمتهم المخالفة لشرع الله هددوا أهل السنة ومحبيها بسبب اتباعهم الحق بالقتل، أو تتبعوهم حتى أخرجوهم من ديارهم، وما سبب ذلك إلا لتولد الدخن الذي افتعله داء التعصب.
وفي ختام تقريظي لكتاب فضيلة الشيخ أبي عبد الأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري ـ حفظه الله وثبتنا وإياه على الحق ـ والذي سمّاه "التعصب للشيوخ" فإني أشكره على هذا التأليف الماتع وأسأل الله ـ تعالى ـ أن يمكّنه دائماً وأبداً النصح للشباب المسلم أن يكونوا أتباعاً للحق الذي يعرف من الكتاب العزيز والسنة الصحيحة وفق فهم السلف الصالح.
وكتب
هشام بن فهمي بن موسى العارف
القدس ـ فلسطين
11/8/1429 الموافق 13/8/2008
إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد،
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
نقول أننا على منهاج النبوة والسلف، لأنه منهاج ربَّاني، موفق أتباعه للسعادة، ومنهاج النبوة والسلف منهاج الحجة والبيان، منهاج الفطرة السويَّة وفيه كل أسباب الأمان، فمن كان على منهاج النبوة والسلف كان على الحق، وكان على الجادة في عبادة ربه، ومن ترك منهاج النبوة والسلف بعد العلم والبينة كان على باطل في اعتقاده، وضلال في عبادة ربه. لذا فإن معرفة الحق تحتاج إلى إخلاص لله وعلم على بصيرة وصبر وثبات.
قال الإمام الأوزاعي ـ رحمه الله ـ:
(1) "اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم".
والحق نقيض الباطل، وأصل الحق: المطابقة والموافقة، والله ـ تعالى ـ حث على التمسك بالحق والتواصي به في سورة العصر فقال:
(2) (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ..(3).
وكان الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ يوصي بعضهم بعضًا بالصبر على الحق وطاعة الله. لذلك
(3) "كان الرجلان من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا التقيا لم يفترقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر (وَالْعَصْرِ(1) إِنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)، ثم يسلم أحدهما على الآخر". ["الصحيحة"(2648)]
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
(4): "ولا يمكن للعبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن به، ويتنعم به، ويغتذي به، وهو اليقين".[مجموع الفتاوى" (28/121)]
ويحتاج الثبات على الحق للصبر، فإذا صبر الآمر بالحق صار إلى كمال الربح، لذا كان التواصي بالصبر عقب التواصي بالحق في سورة العصر. وليعلم السامع أن بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبداً، صرّح بذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أكثر من حديث صحيح.
إن التمسك بالحق في الناس أمر عزيز، كذلك الصبر من أجل الثبات على الحق أيضاً عزيز. وإن التكذيب بالحق خسران في الدنيا والآخرة، ويورث في الدنيا الفوضى، والاضطراب، واختلاط الأمور، لأنه منافٍ للفطرة، فالناس فطروا على محبة الحق وإرادته، قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
(5) "والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه". ["مجموع الفتاوى" (10/88)]
والوقوع بجريمة تكذيب الحق الذي مصدره التعصب المقيت تحريف للفطرة السليمة، وبالتالي الدخول بالعبثية المرفوضة، لأن الكذب على الحق، أو التكذيب بالحق من الآفات المحطمة للمجتمع، وتهييج للضلال، وتثوير للباطل، قال ـ تعالى ـ في سورة (ق):
(6) (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ(5).
يعني: لمّا تركوا الحق وعدلوا عنه؛ تعصباً لاعتقاداتهم الضالة، مرج عليهم أمرهم والتبس، وهذا عقاب من تفلَّت من اتباع الحق، أو صدَّ عنه، فأصحاب هذا المسلك المشين لا يدرون ما يقولون وما يفعلون، قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
(7) "بل لا يقولون شيئاً إلا كان باطلاً، ولا يفعلون شيئاً إلا كان ضائعاً غير نافع لهم، وهـذا شأن كل من خرج عن الطريق الموصـل إلى المقصود".["التبيان في أقسام القرآن"(1/75)]
والتعصب للعقائد، أو التعصب للمذاهب، أو التعصب للأحزاب، أو التعصب للأشخاص نقيض الحق، لأن سبيل الذي على الحق خلاف سبيل المتعصب، ذلك لأن الذي على الحق متبع على بصيرة، وسبيل المتعصب اتباع الهوى، فالمتعصب مقلد أعمى لا يحسب للنتائج حساباً ولا يرصد لأفعاله ما سيقع فيه من الويلات والنقم، وشتان بين الذي في النور والذي في الظلام.
والمتعصب حين يواجه الدعوة الصحيحة ويصر على ضلاله في التعصب يتحمل إثم فعله في الدنيا، وسيلقى جرّاء فعله عذاباً في الدنيا وعذاباً في الآخرة؛ لتعصبه واستكباره عن الحق. وأول هذا العقاب هو رؤيته الحق باطلاً، والباطل حقاً قال ـ تعالى ـ في سورة الأعراف:
(8) (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)
إن موضوع التعصب الذي أفرد له فضيلة الشيخ أبي عبد الأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري أعلى الله ـ تعالى ـ مراتبه في الدنيا والآخرة، والذي خصّ بحثه في التعصب للشيوخ فكان موضوعاً ذا أهمية؛ في وقت صار تقليد حدثاء الأسنان للأصاغر سنَّة في زمن الفتن، فإلى الله المشتكى مما عمَّت به البلوى في بلادنا، فقد طار إلى هذا التعصب المقيت الشباب ـ إلا من رحم ربي ـ بسبب ضعفهم العلمي أو بسبب ضعف صدق اتباعهم للحق، وقد يكون من الأسباب المهمة في تعصب المغفلين لشيوخهم هو خطة المشيخة السيئة في تعليق من أراد الانتساب إلى شرع الله بشخوصهم دون تعليقهم بالحق، وهذه آفة خطيرة وهي فعل أهل البدع والضلالات وديدن الصوفية الطرقية الضالة، التي حوّلت تلاميذها إلى مريدين ضائعين لاهثين وراء مشايخهم بالتقليد الأعمى والتعصب المقيت، وقد حذر العلماء من العصبيات على شتى ألوانها وأشكالها في كل وقت وزمن، وحذروا من شناعة التعصب للشيوخ لأنه خلاف الحق ونقيضه، ولم تكن تربية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأصحابه ـ رضوان الله عنهم ـ إلا تربية سوّية تلائم الفطرة، وتحبب في الحق، وتعتني بالنفس أن تبقى زكية نظيفة من أدران التعلق بالأشخاص، أو التعصب لأي كان.
لكن يبدو لي ـ في الوقت الحاضر ـ أن صناعة التعليق بالأشخاص لدى الشيوخ والدعاة لم تقف عند الصوفية الطرقية بكافة أشكالها وأطيافها بل امتد إلى جهات أخرى فتلمذت تلاميذها أن يصير الواحد منهم مريداً طائعاً أعمى، ومقلداً مفلساً من البصيرة، ترفع رايات الدين ـ بشعارات برّاقة ـ وتسعى إلى تعليق الشباب بشخصها من أجل السير بهم إلى دروب مظلمة من الأوهام والأباطيل والأماني الفارغة لإشباع أهوائهم، وقد استغلوا هؤلاء الأحداث لاندفاعهم وحماستهم فأوردوهم الردى وقتلوهم بآفة التعصب. وبالتالي فإن هؤلاء ضحايا التعصب يتحولون في المجتمع إلى آفات خطيرة تعصف به وتضرب في ثناياه ضرباً يحملهم إلى شن هجوم عنيف على الحق وأهله، إذا خولف شيخهم أو انتقد، لأنهم يرون في النهاية أن الحق يمزق وثن تعصبهم وضلالهم ويحول بينهم وبين آمالهم للحصول على ما يخططون له من خلال نظرتهم إلى من حولهم بمنظار التعصب الذميم الذي ربّاهم عليه شيخهم.
فأجاد فضيلة الشيخ أبي عبد الأعلى ـ حفظه الله ـ في عرض موضوع التعصب للشيوخ ونبَّه على خطيرة يقع فيها الشباب المعاصر، ونقل من أقوال العلماء، وبوّب للبحث ما يسهل للباحث أن يتعقب تحذيره من هذا اللون من التعصب حتى يكون الشباب على بصيرة من هذا الداء العضال الذي يكاد يفتك بالأمة بسبب حماقة المنتسبين إلى المشيخة، أو المنتسبين إلى الاشتهار للعمل في حقل الدعوة ـ تزييفاً ـ الذين مكنوا الشباب من شخوصهم بدل أن يمكنوهم من معرفة الحق ومحبته والتمسك به وأن يكونوا على بصيرة من دينهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
(9) "وليس للمعلمين أن يحزبوا الناس ويفعلوا ما يلقى بينهم العداوة والبغضاء، بل يكونون مثل الأخوة المتعاونين على البر والتقوى كما قال ـ تعالى ـ:
(10) (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة/2]
وليس لأحد منهم أن يأخذ على أحد عهداً بموافقته على كل ما يريده، وموالاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه، بل من فعل هذا كان من جنس جنكيزخان وأمثاله الذين يجعلون من وافقهم صديقاً ولياً، ومن خالفهم عدواً بغيضاً، بل عليهم وعلى أتباعهم عهد الله ورسوله، بأن يطيعوا الله ورسوله، ويفعلوا ما أمر الله به ورسوله، ويحرموا ما حرم الله ورسوله، ويرعوا حقوق المعلمين كما أمر الله ورسوله، فان كان أستاذ أحد مظلوماً نصره، وإن كان ظالماً لم يعاونه على الظلم بل يمنعه منه كما ثبت فى الصحيح عن النبى ـ صلى الله عليه و سلم ـ أنه قال:
(11) "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" ["صحيح الجامع" (1502)]
وقال:
(12) "وإذا وقع بين معلم ومعلم، أو تلميذ وتلميذ أو معلم وتلميذ خصومة ومشاجرة، لم يجز لأحد أن يعين أحدهما حتى يعلم الحق، فلا يعاونه بجهل ولا بهوى، بل ينظر في الأمر فإذا تبين له الحق أعان المحق منهما على المبطل سواء كان المحق من أصحابه أو أصحاب غيره، وسواء كان المبطل من أصحابه أو أصحاب غيره، فيكون المقصود عبادة الله وحده،وطاعة رسوله،واتباع الحق والقيام بالقسط".قال ـ تعالى ـ:
(13) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [النساء/135]
يقال لوى يلوي لسانه فيخبر بالكذب والإعراض أن يكتم الحق، فان الساكت عن الحق شيطان أخرس. ومن مال صاحبه سواء كان الحق له أو عليه فقد حكم بحكم الجاهلية وخرج عن حكم الله ورسوله، والواجب على جميعهم أن يكونوا يداً واحدة مع المحق على المبطل فيكون المعظم عندهم من عظمه الله ورسوله، والمقدم عندهم من قدمه الله ورسوله، والمحبوب عندهم من أحبه الله ورسوله، والمهان عندهم من أهانه الله ورسوله، بحسب ما يرضي الله ورسوله لا بحسب الأهواء فانه من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فانه لا يضر إلا نفسه، فهذا هو الأصل الذي عليه الاعتماد وحينئذ فلا حاجة إلى تفرقهم وتشيعهم، قال ـ تعالى ـ:
(14) (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) [الأنعام/159]
وقال ـ تعالى ـ:
(15) (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران/105] انتهى كلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ["مجموع الفتاوى" (28/15-17)]
ولا شك أن المتعصب يوم القيامة سيلقى الندم بسبب جرم التعصب قال ـ تعالى ـ في سورة الفرقان:
(16) (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولا (29)
ولا شك أن التفرق الذي تقع فيه الأمة وحذّر منه المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ظلم سببه التعصب، وافترق التعصب بعيداً عن الحق إلى فرق شتى، فوقع البغض في الأمة ووقعت الفرقة فاستحقت مقت الله، فالعصبيات الدينية المخالفة للكتاب والسنة ممقوتة، والعصبيات القومية والبلدية على شتى أشكالها وألوانها ممقوتة، والعصبيات المذهبية ممقوتة، والعصبيات القبلية ممقوتة، والعصبيات العشائرية ممقوتة، لأنها كلها دعوات جاهلية منتنة أنكرها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولن تكتب النجاة إلا لمن لزم الحق وابتعد عن هوى التعصب.
ولا بد أن يكون لنا من الصحابة ـ رضوان الله عنهم ـ العبرة في التبرء من العصبية فقد روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر لما بلغه خبر الذين نفوا القدر قال:
(17) "فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر".
والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بقتل الخوارج لتعصبهم لضلالهم، وانتقاصهم الصحابة، ويحملهم شدة تعصبهم إلى تأويل النصوص تأويلات فاسدة بعيدة كل البعد عن الهدى، بل يستبيحون بتأويلاتهم الضالة تكفير المسلمين ويستحلون دماءهم بالقتل والتفجير. وحمل العلماء على أهل البدع والخرافات وحملوا على علم الكلام وحملوا على من تعصب للفلاسفة، ولا شك أن المبتدعة على شتى أطيافهم لشدة تعصبهم لا يفلحون بالتوبة ـ إلا من رحم ربي ـ مصداقاً لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
(18) "إن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة". ["الصحيحة" (1620)]
وفي رواية ـ صحيحة ـ:
(19) "إن الله حجب التوبة عن صاحب كل بدعة". ["صحيح الترغيب والترهيب"(54)]
فصاحب البدعة منازع لله في الحكم، فحري به أن لا يوفق للتوبة، لأنه متعصب لما هو خلاف السنة والحق، فليس من السهل عليه أن يتوب من بدعته، لأن المبتدع الذي يتخذ ديناً لم يشرعه الله ولا رسوله، يكون متعصباً قد زين له سوء عمله فرآه حسناً، كما قال الله ـ تعالى ـ في سورة فاطر:
(20) (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا..(8)
قال شيخنا العلامة ربيع المدخلي ـ حفظه الله ـ:
(21) "فالذي يلزمنا معشر الإخوة أن نفتش أنفسنا، فمن وجد في نفسه شيئاً من هذا المرض؛ فعليه أن يتدارك نفسه، ويقبل على العلاج الناجع، ويبحث دائماً على الحق؛ لينجو بنفسه من وهدة التعصب الأعمى الذي قد يؤدي إلى الشرك بالله ـ تبارك وتعالى ـ أو يؤدي إلى الضلال الخطير". ["التعصب الذميم وآثاره" (ص:46)]
من المفاسد التي أنتجها بلاء التعصب وترك لزوم الحق ما أشار إليه العلامة شيخنا ربيع المدخلي ـ حفظه الله ـ في "التعصب الذميم" (أذكر لك عناوينها):
1- مخالفة النصوص الثابتة من الكتاب والسنة.
2- كثرة الأحاديث الضعيفة والموضوعة والاحتجاج بها.
3- تقديم أقوال العلماء المتأخرين على أقوال الأئمة المتقدمين.
4- الانحباس في مذهب واحد.
5- خلو كثير من الكتب المذهبية من الأدلة الشرعية.
6- شيوع التقليد والجمود.
7- التشدد في بعض المسائل. [التعصب الذميم وآثاره]
وأضيف إليها:
1- التعلق بالكتب الفكرية القومية والسياسية.
2- الانتصار للأصاغر وترك الأكابر.
3- الحماسة والاندفاع والمسارعة للفتوى قبل التضلع بالعلم الشرعي.
4- الكذب والمخادعة والابتداع.
5- الخصومات من غير حجة علمية.
هذا وإن أسوأ ما خلّفه بلاء التعصب بشكل عام محاربة شرع الله ـ تعالى ـ، وهناك فرقاً في أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتعصبهم لأقوال أئمتهم المخالفة لشرع الله هددوا أهل السنة ومحبيها بسبب اتباعهم الحق بالقتل، أو تتبعوهم حتى أخرجوهم من ديارهم، وما سبب ذلك إلا لتولد الدخن الذي افتعله داء التعصب.
وفي ختام تقريظي لكتاب فضيلة الشيخ أبي عبد الأعلى خالد بن محمد بن عثمان المصري ـ حفظه الله وثبتنا وإياه على الحق ـ والذي سمّاه "التعصب للشيوخ" فإني أشكره على هذا التأليف الماتع وأسأل الله ـ تعالى ـ أن يمكّنه دائماً وأبداً النصح للشباب المسلم أن يكونوا أتباعاً للحق الذي يعرف من الكتاب العزيز والسنة الصحيحة وفق فهم السلف الصالح.
وكتب
هشام بن فهمي بن موسى العارف
القدس ـ فلسطين
11/8/1429 الموافق 13/8/2008