المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أسطورة الحفظ


محمّد أسعد التميميّ
08-15-2008, 08:58 PM
أسطورة الحفظ: البلاذر:
في كتاب "حفظ الله السنّة وصور من حفظ العلماء لها وتنافسهم فيها" (235- 238) لأحمد بن فارس السلوم:
وأمّا أسطورة الحفظ: فالبلاذر، وهو عندهم من أقوى منشّطات الحفظ ومولّداته.
والبلاذر: نوع من الأشجار، ثمره شبيه بنوى التمر، ولبّه مثل لبّ الجوز، وقشره متخلخل متثقّب، في تخلخله عسل لزج ذو رائحة، يؤخذ ويدقّ، ويعمل منه مشروب، يرون أنّه يقوّي الحفظ، وبعضهم يقضمه مع الجوز .
ويذكر الأطبّاء: أنّه جيّد لفساد الذهن، وجميع الأعراض الحادثة في الدماغ من البرودة والرطوبة، نافع من برد العصب، والاسترخاء والنسيان، وذهاب الحفظ .
من نسب إلى البلاذر:
وقد نُسِبَ إليه جماعة من العلماء لأنّهم استعملوه، فقيل فيهم: البلاذريّ، وشربه جماعة لأجل الحفظ، فاختبلوا، أو أصيبوا بآفة، منهم:
*المؤرّخ الكبير أبو الحسن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذريّ، نسب إلى البلاذر لكثرة شربه إيّاه، وهو صاحب "فتوح البلدان"، و"أنساب الأشراف"، وغيرها. شرب البلاذر فوسوس في آخر أيّامه، حتّى أدخل في البيمارستان، وشدّ فيه إلى أن مات، فنسأل الله السلامة.
قال ابن النديم: كان سبب وسوسته أنّه شرب ثمر البلاذر من غير معرفة، فلحقه ما لحقه .
وكانت وفاته أواخر أيّام الخليفة المعتمد على الله .
*وشربه سيّد الحفّاظ أبو سعيد عبد الرحمن بن مهديّ البصريّ (المتوفّى سنة 198) فبرص منه، وشربه رفيقه في البصرة أبو داود سليمان بن داود الطيالسيّ الحافظ (المتوفّى سنة 204) فجذم منه.
قال أحمد بن صالح العجليّ: كان أبو داود الطيالسيّ كثير الحفظ، شرب البلاذر هو وعبد الرحمن بن مهديّ، فجذم أبو داود، وبرص عبد الرحمن، فحفظ أبو داود أربعين ألف حديث، وحفظ عبد الرحمن عشرة آلاف حديث .
*وشربه أبو الفرج ابن الجوزيّ (508- 597) مع أنه لم يذكره في "كتاب الحفظ"، فسقطت لحيته، فكانت قصيرة جدًّا .
تحمّض مع الفقهاء الّذين شربوا البلاذر:
وممّا يستملح من أخبار شاربي البلاذر ما ذكر ابن خلّكان، في ترجمة شيخه ابن شدّاد ، قال ابن خلّكان:
قال لي بعض أصحابنا: سمعته –يعني ابن شدّاد- يومًا وهو يحكي للجماعة الحاضرين عنده، قال: لمّا كنّا في المدرسة النظاميّة ببغداد؛ اتّفق أربعة، خمسة من الفقهاء المشتغلين على استعمال حبّ البلاذر لأجل سرعة الحفظ والفهم، فاجتمعوا ببعض الأطبّاء وسألوه عن مقدار ما يستعمل الإنسان منه، وكيف يستعمله، ثمّ اشتروا القدر الّذي قال لهم الطبيب، وشربوه في موضع خارج عن المدرسة، فحصل لهم الجنون، وتفرّقوا وتشتّتوا، ولم يعلم ما جرى لهم.
وبعد أيّام؛ جاء إلى المدرسة واحد منهم، وكان طويلًا، وهو عريان ليس عليه شيء يستر عورته، وعلى رأسه بقيار كبير له عذبة طويلة، خارجة عن العادة وقد ألقاها وراءه فوصلت إلى كعبه وهو ساكت عليه السكينة والوقار، لا يتكلّم ولا يعبث، فقام إليه من كان حاضرًا من الفقهاء، سألوه عن حاله، فقال لهم: كنّا قد اجتمعنا وشربنا حبّ البلاذر، فأمّا أصحابي؛ فإنّهم جُنُّوا، وما سلم منهم إلّا أنا وحدي، وصار يظهر العقل العظيم والسكون، وهم يضحكون منه، وهو لا يشعر بهم، ويعتقد أنّه سالم ممّا أصاب أصحابه، وهو على تلك الحالة، لا يفكّر فيهم ولا يلتفت إليهم.
لا دواء للحفظ غير النهمة:
سُئل أبو عليّ صالح بن محمّد البغداديّ عن علاج الحفظ فقال: لا شيء إلّا الطبع والحرص ومداومة النظر وكثرة الدرس ومرجع هذا كلّه إلى الطبع قد يكون الرجل سريع الحفظ سريع النسيان وذلك من الصفراء، وقد يكون بطيء الحفظ بطيء النسيان، وذلك من السوداء. وإنّ من الأطعمة ما إذا أكلت زادت في البلغم والبغم يورث النسيان، ومنها ما يقطع البلغم ويصفّي الذهن من ذلك: الخردل، فهو جيّد للبلغم.
قال أبو عليّ: لو كان الحفظ بالعلاج والأدوية لَغَلَبَنَا عليه الملوك، ولكنّه خِلقة وطبع فأمّا من طبع على الحفظ فلا يضرّ حفظه ما أكل ومن طبع على غيره فلا تنفعه المعالجة ولا الدواء.
وقد يأكل كثير من الناس البلاذر للحفظ وهو لا شيء عندي ومخاطرة لأنّه يخاف عليه من القتل، هو السمّ .
وقال منصور: البلاذر الأكبر: الأنفة من الجهل .