مشاهدة النسخة كاملة : تأمّلات في سورة الفاتحة
محمّد أسعد التميميّ
08-15-2008, 08:47 PM
(1) في كتاب "فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد" (1/ 101 بتحقيق آل فريّان ط 2/ 1417 دار الصميعيّ السعوديّة) لعبد الرحمن بن حسن بن محمّد بن عبد الوهّاب [ت 1285 هـ]: "قال العلّامة ابن القيّم رحمه الله تعالى: ولنذكر في الصراط المستقيم قولًا وجيزًا، فإنّ الناس قد تنوّعت عباراتهم عنه بحسب صفاته ومتعلّقاته. وحقيقته شيء واحد، وهو طريق الله الّذي نصبه لعباده موصلًا لهم إليه، ولا طريق إليه سواه، بل الطرق كلّها مسدودة على الخلق إلّا طريقه، الّذي نصبه على ألسن رسله، وجعله موصلًا لعباده إليه. وهو إفراده بالعبوديّة، وإفراد رسوله بالطاعة، فلا يشرك به أحدًا في عبوديّته، ولا يشرك برسوله صلّى الله عليه وسلّم أحدًا في طاعته. فيجرّد التوحيد، ويجرّد متابعة الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
وهذا كلّه مضمون شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدًا رسول الله. فأيّ شيء فُسّر به الصراط المستقيم فهو داخل في هذين الأصلين. ونكتة ذلك: أن تحبّه بقلبك، وترضيه بجهدك كلّه فلا يكون في قلبك موضع إلّا معمورًا بحبّه، ولا يكون لك إرادة إلّا بمرضاته.
فالأوّل: يحصل بتحقيق شهادة أن لا إله إلّا الله.
والثاني: يحصل بتحقيق شهادة أنّ محمّدًا رسول الله.
وهذا هو الهدى ودين الحقّ، وهو معرفة الحقّ والعمل به، وهو معرفة ما بعث الله به رسوله والقيام به.
فقل ما شئت من العبارات الّتي هذا آخيّتها وقطب رحاها" ["بدائع الفوائد" (2/ 40)].
الأخيّة بالمدّ والتشديد واحدة الأواخي وهي الوتد الّذي تشدّ إليه الدابّة "الصحاح" (6/ 2265).
محمّد أسعد التميميّ
08-15-2008, 11:15 PM
لفت نظري في كتاب "التفسير القيّم للإمام ابن القيّم" (ص 37- 45) جمع محمّد أويس الندويّ، فصل بعنوان "فصل في مراتب الهداية العامّة والخاصّة وهي عشر مراتب" فأحببت أن ألخّصها هنا لأستفيد وأفيد سائلًا الله لي ولكم الهدى والسداد.
1- مرتبة تكليم الله عزّ وجلّ لعبده يقظة بلا واسطة بل منه إليه وهذه أعلى مراتبها كما كلّم موسى بن عمران صلوات الله وسلامه على نبيّنا وعليه.
2- مرتبة الوحي المختصّ بالأنبياء. قال الله تعالى: (إنّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيّين من بعده)، وقال: (وما كان لبشر أن يكلّمه الله إلّا وحيًا أو من وراء حجاب..)، فجعل الوحي في هذه الآية قسمًا من أقسام التكليم وجعله في آية النساء قسيمًا للتكليم وذلك باعتبارين: فإنّه قسيم التكليم الخاصّ الّذي بلا واسطة وقسم من التقسيم العامّ الّذي هو إيصال المعنى بطرق متعدّدة والوحي هو الإعلام السريع الخفيّ وهو أقسام.
3- إرسال الرسول الملكيّ إلى الرسول البشريّ فيوحي إليه عن الله ما أمره أن يوصله إليه [فهذه المراتب الثلاث خاصّة بالأنبياء].
4- مرتبة التحديث وهذه دون مرتبة الوحي الخاصّ وتكون دون مرتبة الصدّيقين. والصدّيق أكمل من المحدَّث لأنّه استغنى بكمال صدّيقيّته ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف فإنّه قد سلّم قلبه كلّه وسرّه وظاهره وباطنه للرسول فاستغنى به عمّا منه. قال: وكان المحدَّث يعرض ما يحَدَّث به على ما جاء به الرسول فإن وافقه قبله وإلّا ردّه فعلم أنّ مرتبة الصدّيقيّة فوق مرتبة التحديث. والمحدَّث هو الّذي يحدَّث في سرّه وقلبه بالشيء فيكون كما يحدَّث به.
5- مرتبة الإفهام. قال تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنّا لحكمهم شاهدين ففهّمناها سليمان وكلًّا آتينا حكمًا وعلمًا)
6- مرتبة البيان العامّ وهذه المرتبة هي حجّة الله على خلقه. وهذا البيان نوعان: بيان الآيات المسموعة المتلوّة، وبيان الآيات المشهودة المرئيّة.
7- البيان الخاصّ بيان تقارنه العناية والتوفيق والاجتباء.
8- مرتبة الإسماع وهذا الإسماع أخصّ من إسماع الحجّة والتبليغ. ذاك إسماع الآذان وهذا إسماع القلوب فإنّ الكلام له لفظ ومعنى فسماع لفظه حظّ الأذن وسماع حقيقة معناه ومقصوده حظّ القلب والمراد هو حظّ القلب والفرق بين هذه المرتبة ومرتبة الإفهام أنّ هذه المرتبة إنّما تحصل بواسطة الأذن ومرتبة الإفهام أعمّ فهي أخصّ من مرتبة الإفهام من هذا الوجه ومرتبة الإفهام أخصّ من وجه آخر وهي أنّها تتعلّق بالمعنى المراد ولوازمه ومتعلّقاته وإشاراته ومرتبة السماع مدارها على إيصال المقصود بالخطاب إلى القلب. ويترتّب على هذا السماع سماع القبول فهو إذن ثلاث مراتب: سماع الأذن وسماع القلب وسماع القبول والإجابة.
9- مرتبة الإلهام وقد جعل صاحب "المنازل" الإلهام هو مقام المحدَّثين قال وهو فوق مقام الفراسة لأنّ الفراسة ربّما وقعت نادرة واستصعبت على صاحبها وقتًا واستعصت عليه والإلهام لا يكون إلّا في مقام عتيد. قلت: التحديث أخصّ من الإلهام فإنّ الإلهام عامّ للمؤمنين بحسب إيمانهم فأمّا التحديث فإلهام خاصّ وهو الوحي إلى غير الأنبياء إمّا من المكلّفين كقوله تعالى: (وأوحينا إلى أمّ موسى أن أرضعيه) وقوله: (وإذ أوحيت للحواريّين أن آمنوا بي وبرسولي)، وإمّا من غير المكلّفين كقوله تعالى: (وأوحى ربّك إلى النحل أن اتّخذي من الجبال بيوتًا ومن الشجر وممّا يعرشون) فهذا كلّه وحي إلهام. وأمّا جعله فوق مقام الفراسة فقد احتجّ عليه بأنّ الفراسة ربّما وقعت نادرة كما تقدّم والنادر لا حكم له وربّما استعصت عليه فلم تطاوعه والإلهام لا يكون إلّا في مقام عتيد يعني في مقام القرب والحضور. والتحقيق في هذا أنّ كلّ واحد من الفراسة والإلهام ينقسم إلى عامّ وخاصّ، [وخاصّ] كلّ واحد منهما فوق عامّ الآخر وعامّ كلّ واحد قد يقع كثيرًا وخاصّه قد يقع نادرًا ولكنّ الفرق الصحيح أنّ الفراسة قد تتعلّق بنوع كسبٍ وتحصيل وأمّا الإلهام فموهبة مجرّدة لا تنال بكسب ألبتّة [ثمّ ذكر فصولًا أربعة تكلّم فيها عن درجات الإلهام الثلاثة ثمّ قال:]
10- الرؤيا الصادقة وهي من أجزاء النبوّة كما ثبت هن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: الرؤيا الصادقة جزء من ستّة وأربعين جزءًا من النبوّة. وقد قيل في سبب هذا التخصيص المذكور إنّ أوّل مبتدأ الوحي كان هو الرؤيا الصادقة وذلك نصف سنة ثمّ انتقل إلى وحي اليقظة مدّة ثلاث وعشرين سنة من حين بعث إلى أن توفّي صلوات الله وسلامه عليه فنسبة مدّة الوحي في المنام من ذلك جزء من ستّة وـربعين جزءًا وهذا حسن لولا ما جاء في الرواية الأخرى الصحيحة أنّها جزء من سبعين جزءًا ثمّ ذكر كلامًا في الرؤيا....".
محمّد أسعد التميميّ
08-16-2008, 07:51 PM
[مستلّ من كتاب "بدائع الفوائد" (2/ 14- 50)]
قوله –تعالى-: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم) [الفاتحة 6- 7] فيها عشرون مسألة وأنا أعمل إن شاء الله على تنزيلها مسالةً مسألةً في حلقات متتالية:
المسألة الأولى: ما فائدة البدل في الدعاء والداعي مخاطب لمن لا يحتاج إلى البيان والبدل القصد به بيان الاسم الأوّل:
[قال محمّد أسعد: معنى السؤال إن شاء الله: ما دام أنّ الدّاعي يدعو الله الّذي يعلم ولا يحتاج إلى من يبيّن له أنّ الصراط المستقيم هو صراط الّذين أنعم الله عليهم فلماذا التفصيل خاصّة وأنّ المقصود من البدل بيان الاسم الأوّل. وقولنا بدل نعني به إعراب جملة (صراط الّذين أنعمت عليهم) فهي بل من جملة (الصراط المستقيم)]
فائدة البدل في الدعاء أنّ الآية وردت في معرض التعليم للعباد والدعاء، وحقّ الداعي أن يستشعر عند دعائها ما يجب عليه اعتقاده ممّا لا يتم الإيمان إلا به إذ "الدعاء مخّ العبادة" . والمخّ لا يكون إلا في عظم والعظم لا يكون إلّا في لحم ودم، فإذا وجب إحضار معتقدات الإيمان عند الدعاء، وجب أن يكون الطلب ممزوجًا بالثناء، فمن ثمّ جاء لفظ الطلب للهداية والرغبة فيها، مشوبًا بالخير، تصريحًا من الداعي بمعتقده، وتوسّلًا منه بذلك الاعتقاد الصحيح إلى ربه، فكأنه متوسّل إليه بإيمانه واعتقاده أنّ صراط الحقّ هو الصراط المستقيم وأنه صراط الذين اختصّهم بنعمته وحباهم بكرامته.
فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، والمخالفون للحقّ يزعمون أنّهم على الصراط المستقيم أيضًا، والداعي يجب عليهم [هكذا ولعلّها: عليه] اعتقاد خلافهم وإظهار الحقّ الّذي في نفسه فلذلك أبدل وبيّن لهم ليمرّن اللسان على ما اعتقده الجَنان، ففي ضمن هذا الدعاء المهمّ الإخبار بفائدتين جليلتين:
إحداهما فائدة الخبر، والثانية فائدة لازم الخبر.
فأمّا فائدة الخبر فهي الإخبار عنه بالاستقامة وأنّه الصراط المستقيم الذي نصبه لأهل نعمته وكرامته.
وأما فائدة لازم الخبر فإقرار الداعي بذلك وتصديقه وتوسّله بهذا الإقرار إلى ربه، فهذه أربع فوائد:
الدعاء بالهداية إليه، والخبر عنه بذلك، والإقرار والتصديق لشأنه، والتوسل إلى المدعوّ إليه بهذا التصديق.
وفيه فائدة خامسة: وهي أنّ الداعي إنّما أمر بذلك لحاجته إليه، وأنّ سعادته وفلاحه لا تتمّ إلا به، فهو مأمور بتدبّر ما يطلب وتصوّر معناه فذكر له من أوصافه ما إذا تصوّر في خلده وقام بقلبه كان أشدّ طلبًا له وأعظم رغبة فيه وأحرص على دوام الطلب والسؤال له فتأمّل هذه النكت البديعة.
محمّد أسعد التميميّ
08-16-2008, 07:53 PM
المسألة الثانية:
ما فائدة تعريف الصراط المستقيم باللام؟ وهلا أخبر عنه بمجرد اللفظ دونها كما قال وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [الشورى: 52].
[الجواب]: اعلم أنّ الألف واللام إذا دخلت على اسم موصوف اقتضت أنه أحقّ بتلك الصفة من غيره. ألا ترى أنّ قولك: جالس فقيهًا أو عالمًا؛ ليس كقولك جالس الفقيه أو العالم؟ ولا قولك أكلت طيبًا؛ كقولك أكلت الطيب؟ ألا ترى إلى قوله: أنت الحقّ ووعدك الحق وقولك الحق ثم قال ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق // رواه البخاري ومسلم // فلم يدخل الألف واللام على الأسماء المحدثة وأدخلها على اسم الرب تعالى ووعده وكلامه.
فإذا عرفت هذا فلو قال: اهدنا صراطا مستقيما لكان الداعي إنّما يطلب الهداية إلى صراطٍ ما مستقيمٍ على الإطلاق، وليس المراد ذلك. بل المراد الهداية إلى الصراط المعيّن الذي نصبه الله تعالى لأهل نعمته وجعله طريقًا إلى رضوانه وجنّته وهو دينه الذي لا دين له سواه. فالمطلوب أمرٌ معيّنٌ في الخارج والذهن لا شيء مطلق منكر. واللام هنا للعهد العلميّ الذهنيّ، وهو أنّه طلب الهداية إلى سرٍّ معهودٍ قد قام في القلوب معرفته والتصديق به وتميّزه عن سائر طرق الضلال، فلم يكن بدّ من التعريف.
فإن قيل: لِمَ جاء منكّرًا في قوله لنبيّه: (ويهديك صراطًا مستقيمًا) [الفتح 2]، وقوله تعالى: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) [الشورى: 52]، وقوله تعالى: (واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم) [الأنعام: 87] وقوله تعالى: (قل إنّني هداني ربي إلى صراط مستقيم) [الأنعام: 161].
فالجواب عن هذه المواضع بجوابٍ واحدٍ وهو: أنها ليست في مقام الدعاء والطلب وإنّما هي في مقام الإخبار من الله تعالى عن هدايته إلى صراط مستقيم وهداية رسوله إليه، ولم يكن للمخاطبين عهدٌ به، ولم يكن معروفا لهم، فلم يجيء معرّفًا بلام العهد المشيرة إلى معروفٍ في ذهنِ المخاطَب قائمٍ في خَلَدِهِ، ولا تقدّمه في اللفظِ معهودٌ تكون اللام معروفةً إليه، وإنما تأتي لام العهد في أحد هذين الموضعين أعني أن يكون لها معهودٌ ذهنيٌّ أو ذكرٌ لفظيٌّ وإذ لا واحد منهما في هذه المواضع فالتنكير هو الأصل.
وهذا بخلاف قوله: اهدنا الصراط المستقيم فإنّه لمّا تقرّر عند المخاطبين أن للهِ صراطًا مستقيمًا هدي إليه أنبياءه ورسله وكان المخاطب سبحانه المسؤول من هدايته عالمًا به دخلت اللام عليه فقال: اهدنا الصراط المستقيم.
وقال السهيليّ: "إن قوله تعالى: ويهديك صراطًا مستقيمًا نزلت في صلح الحديبية وكان المسلمون قد كرهوا ذلك الصلح ورأوا أن الرأي خلافه وكان الله تعالى عما يقولون ورسوله أعلم فأنزل الله على رسوله هذه الآية فلم يرد صراطًا مستقيمًا في الدين، وإنما أراد صراطًا في الرأي والحرب والمكيدة.
وقوله تبارك وتعالى: (وإنّك لتهدي إلى صراط مستقيم) [الشورى: 52] أي تهدي من الكفر والضلال إلى صراط مستقيم.
ولو قال في هذا الموطن: إلى الصراط المستقيم لجعل للكفر وللضلال حظًّا من الاستقامة، إذ الألف واللام تنبئ أنّ ما دخلت عليه من الأسماء الموصولة أحق بذلك المعنى مما تلاه في الذكر أو ما قرب به في الوهم ولا يكون أحق به إلا والآخر طرف منه".
وغير خافٍ ما في هذين الجوابين من الضعف والوهن.
أمّا قوله أن المراد بقوله: (ويهديك صراطًا مستقيمًا) في الحرب والمكيدة فهضم لهذا الفضل العظيم والحظّ الجزيل الذي امتنّ الله به على رسوله وأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أنّ هذه الآية أحب إليه من الدنيا وما فيها ومتى سمى الله الحرب والمكيدة صراطًا مستقيمًا؟ وهل فسر هذه الآية أحد من السلف أو الخلف بذلك؟ بل الصراط المستقيم ما جعله الله عليه من الهدى ودين الحق الذي أمره أن يخبر بأنّ الله تعالى هداه إليه في قوله: (قل إنّني هداني ربّي إلى صراط مستقيم) ثمّ فسّره بقوله تعالى: (دينًا قِيَمًا ملّة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين) [الأنعام: 161] ونصب (دينًا) هنا على البدل من الجارّ والمجرور أي هداني دينًا قيّمًا، أفتراه يمكنه ههنا أن يقول: إنّه الحرب والمكيدة فهذا جواب فاسد جدًّا.
وتأمل ما جمع الله سبحانه لرسوله في آية الفتح من أنواع العطايا وذلك خمسة أشياء أحدها الفتح المبين والثاني مغفرة ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر والثالث هدايته الصراط المستقيم والرابع إتمام نعمته عليه والخامس إعطاء النصر العزيز.
وجمع سبحانه له بين الهدى والنصر لأن هذين الأصلين بهما كمال السعادة والفلاح فإنّ الهدى: هو العلم بالله تعالى ودينه والعمل بمرضاته وطاعته فهو العلم النافع والعمل الصالح. والنصر: والقدرة التامّة على تنفيذ دينه.
فالحجّة والبيان والسيف والسنان فهو النصر بالحجة واليد وقهر قلوب المخالفين له بالحجة وقهر أبدانهم باليد.
وهو سبحانه كثيرًا ما يجمع بين هذين الأصلين إذ بهما تمام الدعوة وظهور دينه على الدين كله كقوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) [التوبة: 33] وفي موضعين في سورة براءة وفي سورة الصف.
وقال تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط [الحديد: 25] فهذا الهدى.
ثمّ قال: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) فهذا النصر.
فذكر الكتاب الهادي والحديد الناصر.
وقال تعالى: (آلم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان) [آل عمران: 1- 4] فذكر إنزال الكتاب الهادي والفرقان وهو النصر الذي يفرق بين الحق والباطل.
وسرّ اقتران النصر بالهدى أنّ كلًّا منهما يحصل به الفرقان بين الحق والباطل. ولهذا سمّى تعالى ما ينصر به عباده المؤمنين فرقانا كما قال تعالى: (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يون التقى الجمعان) [الأنفال: 41] فذكر الأصلين ما أنزله على رسوله يوم الفرقان وهو يوم بدر وهو اليوم الذي فرّق الله تعالى فيه بين الحقّ والباطل بنصر رسوله ودينه وإذلال أعدائه وخزيهم.
ومن هذا قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين) [الأنبياء: 48] فالفرقان نصره له على فرعون وقومه والضياء والذكر التوراة هذا هو معنى الآية. ولم يصب من قال: إنّ الواو زائدة وإن ضياء منصوب على الحال كما بينا فساده في "الأمالي المكية" فبيّن أنّ آية الفتح تضمّنت الأصلين الهدى والنصر، وأنّه لا يصحّ فيها غير ذلك ألبتّة.
وأما جوابه الثاني عن قوله: وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم بأنّه لو عرّف لجعل للكفر والضلال حظًّا من الاستقامة فما أدري من أين جاء له هذا الفهم مع ذهنه الثاقب وفهمه البديع رحمه الله تعالى وما هي إلا كبوة جواد ونبوة صارم
أفترى قوله تعالى: (وآتيناهما الكتاب المستبين وهديناهما الصراط المستقيم) [الصافات 117- 118] يفهم منه أنّ لغيره حظًّا من الاستقامة وما ثَمَّ غيره إلا طرق الضلال وإنّما الصراط المستقيم واحد وهو ما هدى الله تعالى إليه أنبياءه ورسله أجمعين وهو الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم وكذلك تعريفه في سورة الفاتحة هل يقال أنه يفهم منه أن لغيره حظًّا من الاستقامة بل يقال تعريفه ينبئ أن لا يكون لغيره حظ من الاستقامة فإنّ التعريف في قوة الحصر فكأنّه قيل: الذي لا صراط مستقيم سواه. وفهم هذا الاختصاص من اللفظ أقوى من فهم المشاركة، فتأمله هنا وفي نظائره.
محمّد أسعد التميميّ
08-22-2008, 11:21 AM
المسألة الثالثة: ما معنى الصراط، ومن أي شيء اشتقاقه، ولِمَ جاء على وزن فِعَال، ولِمَ ذُكر في أكثر المواضع في القرآن الكريم بهذا اللفظ؛ وفي سورة الأحقاف ذكر بلفظ الطريق، فقال: يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم؟ [الأحقاف 30].
أمّا اشتقاق الصراط فالمشهور أنه من صرطت الشيء أصرطه إذا بلعته بلعًا سهلًا. فسمّي الطريق صراطًا لأنّه يسترط المارّة فيه. والصراط ما جمع خمسة أوصاف أن يكون طريقا مستقيما سهلا مسلوكا واسعا موصلا إلى المقصودز فلا تسمّي العربُ الطريقَ المعوجَّ صراطًا، ولا الصعب المشقّ ولا المسدود غير الموصِل ومن تأمل موارد الصراط في لسانهم واستعمالهم تبيّن له ذلك. قال جرير:
أمير المؤمنين على صراط ... إذا أعوجّ الموارد مستقيم
وبنوا الصراط على زنة فعال لأنه مشتمل على سالكه اشتمال الحلق على الشيء المسروط وهذا الوزن كثير في المشتملات على الأشياء كاللحاف والخمار والرداء والغطاء والفراش والكتاب إلى سائر الباب
يأتي لثلاثة معان: أحدها: المصدر كالقتال والضراب. والثاني: المفعول، نحو الكتاب والبناء والغراس. والثالث: أنّه يقصد به قصد الآلة الّتي يحصل بها الفعل ويقع بها كالخمار والغطاء والسداد لما يخمّر به ويغطّى ويسدّ به، فهذا آلة محضة والمفعول هو الشيء المخمر والمغطى والمسدود، ومن هذا القسم الثالث إله بمعنى مألوه. وأما ذكره له بلفظ الطريق في سورة الأحقاف خاصة فهذا حكاية الله تعالى لكلام مؤمني الجنّ أنهم قالوا لقومهم (إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) [الأحقاف 30] وتعبيرهم عنه ههنا بالطريق فيه نكتة بديعة. وهي أنّهم قدموا قبله ذكر موسى وأن الكتاب الذي سمعوه مصدّقًا لما بين يديه من كتاب موسى وغيره فكان فيه كالنبأ عن رسول الله في قوله لقومه ما كنت بدعا من الرسل أي لم أكن أول رسول بعث إلى أهل الأرض بل قد تقدمت رسل من الله إلى الأمم وإنما بعثت مصدقا لهم بمثل ما بعثوا به من التوحيد والإيمان فقال مؤمنوا الجن إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم أي إلى سبيل مطروق قد مرت عليه الرسل قبله وإنه ليس بدع كما قال في أول السورة نفسها فاقتضت البلاغة والإعجاز لفظ الطريق لأنه فعيل بمعنى مفعول أي مطروق مشت عليه الرسل والأنبياء قبل فحقيق على من صدق رسل الله وآمن بهم أن يؤمن به ويصدقه فذكر الطريق ههنا إذا أولى لأنه أدخل في باب الدعوة والتنبيه على تعين أتباعه والله أعلم.
ثمّ رأيت هذا المعنى بعينه قد ذكره السهيليّ فوافق فيه الخاطر الخاطر.
الرابعة ما الحكمة في إضافته إلى قوله تعالى الذين أنعمت عليهم بهذا اللفظ ولم يذكرهم بخصوصهم فيقول صراط النبيين والصديقين. فلِمَ عدل إلى لفظ المبهم دون المفسر؟
وأمّا إضافته إلى الموصول المبهم دون أن يقول صراط النبيّين والمرسلين ففيه ثلاث فوائد:
إحداها: إحضار العلم وإشعار الذهن عند سماع هذا، فإن استحقاق كونهم من المنعم عليهم هو بهدايتهم إلى هذا الصراط فبه صاروا من أهل النعمة وهذا كما يعلق الحكم بالصلة دون الاسم الجامد لما فيه من الإنعام باستحقاق ما علق عليها من الحكم بها وهذا كقوله تعالى: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم) [البقرة 274] (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون) [الزمر: 33] (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم) [الأحقاف 13] وهذا الباب مطّرد فالإتيان بالاسم موصولا على هذا المعنى من ذكر الاسم الخاصّ.
الفائدة الثانية: إشارة إلى أنّ نفي التقليد عن القلب واستشعار العلم بأن من هُدِيَ إلى هذا الصراط فقد أنعم عليه، فالسائل مستشعر سؤاله الهداية وطلب الإنعام من الله عليه. والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أنّ الأول يتضمن الإخبار بأنّ أهل النعمة هم أهل الهداية إليه، والثاني يتضمن الطلب والإرادة وأن تكون منه.
الفائدة الثالثة: أنّ الآية عامّة في جميع طبقات المنعم عليهم ولو أتى باسمٍ خاصٍّ لكان لم يكن فيه سؤال الهداية إلى صراط جميع المنعم عليهم فكان في الإتيان بالاسم العامّ من الفائدة أن المسؤول الهدى إلى جميع تفاصيل الطريق التي سلكها كل من أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وهذا أجل مطلوب وأعظم مسؤول ولو عرف الداعي قدر هذا السؤال لجعله هجّيراه وقرنه بأنفاسه فإنّه لم يدع شيئا من خير الدنيا والآخرة إلا تضمّنه.
ولمّا كان بهذه المثابة فرضه الله على جميع عباده فرضا متكررا في اليوم والليلة، لا يقوم غيره مقامه، ومن ثمّ يُعلمُ تَعَيُّنُ الفاتحة في الصلاة وأنها ليس منها عوض يقوم مقامها.
غالب عارف نصيرات
08-23-2008, 05:46 PM
فائدة : قال بعض السلف : الفاتحة سر القرآن ، وسرها هذه الكلمة : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } : فالأول تبرؤٌ من الشرك ، والثاني تبرؤٌ من الحول والقوة ، والتفويض إلى الله عز وجل ، وهذا المعنى في غير آية من القرآن كما قال تعالى : { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } [ الصافات : 23 ] { قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا } [ الملك : 29 ] { رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً } [ المزمل : 9 ]
محمّد أسعد التميميّ
09-02-2008, 10:14 PM
[5] و[6] فصل: قوله تعالى: أنعمت عليهم:
وأمّا المسألة الخامسة: وهي أنه قال: (الذين أنعمت عليهم ) ولم يقل: (المنعم عليهم) كما قال: (المغضوب عليهم)، فجوابها وجواب المسألة السادسة واحد وفيه فوائد عديدة:
إحداها: أنّ هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن [الكريم] وهي أنّ أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله سبحانه وتعالى فيذكر فاعلها منسوبة إليه ولا يبنى الفعل معها للمفعول. فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حُذف الفاعل وبني الفعل معها للمفعول أدبًا في الخطاب.
وإضافته إلى الله تعالى أشرف، فسمى أفعاله [لعلّها: قسمي أفعاله]، فمنه هذه الآية، فإنّه ذكر النعمة فأضافها إليه ولم يحذف فاعلها، ولمّا ذكر الغضب حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول فقال: (المغضوب عليهم).
وقال في الإحسان: (الذين أنعمت عليهم)، ونظيره قول إبراهيم الخليل -صلوات الله وسلامه عليه-: (الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين) [الشعراء: 78- 80] فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله تعالى، ولمّا جاء إلى ذكر المرض قال: (وإذا مرضت) ولم يقل: (أمرضني) وقال: (فهو يشفين).
ومنه قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن: (وأنّا لا ندري أشرٌّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا) [الجنّ: 10] فنسبوا إرادة الرشد إلى الربّ وحذفوا فاعل إرادة الشرّ وبنوا الفعل للمفعول.
ومنه قول الخضر عليه الصلاة و السلام في السفينة: (فأردت أن أعيبها)، فأضاف العيب إلى نفسه. وقال في الغلامين: (فأراد ربّك أن يبلغا أشدهما) [الكهف: 82].
ومنه قوله تعالى: (أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) [البقرة: 187] فحذف الفاعل وبناه للمفعول، وقال: (وأحل الله البيع وحرم الربا) [البقرة: 275] لأنّ في ذكر الرفث ما يحسن منه أن لا يقترن بالتصريح بالفاعل، ومنه: (حرّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) [المائدة: 3] وقوله: (قل تعالوا أتل ما حرّم ربّكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا) [الأنعام: 151] إلى آخرها.
ومنه وهو ألطف من هذا وأدق معنى قوله: (حرّمت عليكم أمّهاتكم وبناتكم وأخواتكم) [النساء: 33] إلى آخرها، ثمّ قال: وأحلّ لكم ما وراء ذلكم) [النساء: 24] وتأمل قوله: (فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات أحلّت لهم) [النساء: 16] كيف صرّح بفاعل التحريم في هذا الموضع، وقال في حقّ المؤمنين: (حرّمت عليكم الميتة والدم).
الفائدة الثانية: أنّ الإنعام بالهداية يستوجب شكر المنعم بها، وأصل الشكر: ذكر المنعم والعمل بطاعته، وكان من شكره إبراز الضمير المتضمّن لذكره تعالى، الّذي هو أساس الشكر. وكان في قوله: (أنعمت عليهم) من ذكره وإضافته النعمة إليه ما ليس في ذكر المنعم عليهم لو قاله فضمن هذا اللفظ الأصلين وهما الشكر والذكر المذكوران في قوله: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) [البقرة 152].
الفائدة الثالثة: أنّ النعمة بالهداية إلى الصراط لله وحده وهو المنعم بالهداية دون أن يشرك أحد في نعمته فاقتضى اختصاصه بها أن يضاف إليه بوصف الإفراد فيقال أنعمت عليهم أي أنت وحدك المنعم المحسن المتفضل بهذه النعمة. وأمّا الغضب فإن الله سبحانه غضب على من لم يكن من أهل الهداية إلى هذا الصراط وأمر عباده المؤمنين بمعاداتهم وذلك يستلزم غضبهم عليهم موافقة لغضب ربّهم عليهم فموافقته تعالى تقتضي أن يغضب على من غضب عليه ويرضى عمن رضي عنه فيغضب لغضبه ويرضى لرضاه وهذا حقيقة العبودية.
واليهود قد غضب الله عليهم فحقيق بالمؤمنين الغضب عليهم، فحذف فاعل الغضب وقال: (المغضوب عليهم) لمّا كان للمؤمنين نصيب من غضب الله عليهم بخلاف الإنعام فإن لله وحده فتأمل هذه النكت البديعة.
الفائدة الرابعة: أنّ المغضوب عليهم في مقام الإعراض عنهم وترك الالتفات والإشارة إلى نفس الصفة التي لهم والاقتصار عليها وأمّا أهل النعمة فهم في مقام الإشارة إليهم وتعيينهم والإشادة بذكرهم وإذا ثبت هذا فالألف واللام في المغضوب وإن كانتا بمعنى الذين فليست مثل الذين في التصريح والإشارة إلى تعيين ذات المسمى. فإنّ قولك: الذين فعلوا، معناه القوم الذين فعلوا وقولك الضاربون والمضروبون ليس فيه ما في قولك الذين ضربوا أو ضربوا فتأمل ذلك.
فالذين أنعمت عليهم إشارة إلى تعريفهم بأعيانهم وقصد ذواتهم، بخلاف المغضوب عليهم فالمقصود التحذير من صفتهم والإعراض عنهم وعدم الالتفات إليهم.
والمعوّل عليه من الأجوبة ما تقدّم.
[7] فصل: تعدية الفعل بنفسه:
وأما المسألة السابعة: وهي تعدية الفعل هنا بنفسه دون حرف [إلى] فجوابها: أنّ فعل الهداية يتعدى بنفسه تارّة، وبحرف إلى تارّة، وباللام تارّة، والثلاثة في القرآن.
فمن المعدّى بنفسه هذه الآية، وقوله: (ويهديك صراطا مستقيما). ومن المعدّى بـ (إلى) قوله: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)، وقوله تعالى: (قل إنّني هداني ربي إلى صراط مستقيم).
ومن المعدّى باللام قوله في قول أهل الجنة: (الحمد لله الذي هدانا لهذا) [الأعراف: 43] وقوله تعالى: (إنّ هذا القرآن يهدي للّتي هي أقوم) [الإسراء: 9].
والفروق لهذه المواضع تدقّ جدًّا عن أفهام العلماء ولكن نذكر قاعدة تشير إلى الفرق، وهي أنّ الفعل المعدّى بالحروف المتعددة لا بدّ أن يكون له مع كل حرف؛ معنى زائد على معنى الحرف الآخر، وهذا بحسب اختلاف معاني الحروف، فإن ظهر اختلاف الحرفين ظهر الفرق نحو: رغبت عنه، ورغبت فيه، وعدلت إليه، وعدلت عنه، وملت إليه، وعنه، وسعيت إليه، وبه، وإن تفاوت معنى الأدوات عسر الفرق نحو قصدت إليه وقصدت له وهديته إلى كذا وهديته لكذا وظاهرية النحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر وأمّا فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف ومعنى مع غيره، فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال، فيشرِبون الفعل المتعدى به معناه، هذه طريقة إمام الصناعة سيبويه رحمه الله تعالى، وطريقة حذّاق أصحابه: يضمّنون الفعل معنى الفعل، لا يقيمون الحرف مقام الحرف، وهذه قاعدة شريفة جليلة المقدار، تستدعي فطنة ولطافة في الذهن، وهذا نحو قوله تعالى: (عينًا يشرب بها عباد الله) [الإنسان: 6] فإنّهم يضمّنون (يشرب) معنى يروي فيعدونه بالباء التي تطلبها فيكون في ذلك دليل على الفعلين أحدهما بالتصريح به والثاني بالتضمّن والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار، وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها
ومنه قوله في السحاب: شربن بماء البحر حتى روين ثم ترفعن وصعدن وهذا أحسن من أن يقال: (يشرب منها)، فإنه لا دلالة فيه على الريّ وأن يقال: (يروى بها)، لأنّه لا يدلّ على الشرب بصريحه، بل باللزوم. فإذا قال: يشرب بها، دلّ على الشرب بصريحه وعلى الريّ، بخلاف الباء، فتأمله. ومن هذا قوله تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه) [الحجّ: 25] وفعل الإرادة لا يتعدى بالباء ولكن ضمن معنى يهم فيه بكذا وهو أبلغ من الإرادة فكان في ذكر الباء إشارة إلى استحقاق العذاب عند الإرادة وإن لم تكن جازمة وهذا باب واسع لو تتبعناه لطال الكلام فيه
ويكفي المثالان المذكوران فإذا عرفت هذا ففعل الهداية متى عدّي بـِ (إلى)؛ تضمّن الإيصال إلى الغاية المطلوبة فأتى بحرف الغاية، ومتى عدّي باللام تضمن التخصيص بالشيء المطلوب فأتى باللام الدالة على الاختصاص والتعيين فإذا قلت هديته لكذا فهم معنى ذكرته له وجعلته له وهيأته ونحو هذا وإذا تعدى بنفسه تضمن المعنى الجامع لذلك كله وهو التعريف والبيان والإلهام.
فالقائل إذا قال: اهدنا الصراط المستقيم هو طالب من الله أن يعرّفه إياه ويبيّنه له ويلهمه إيّاه ويقدّره عليه فيجعل في قلبه علمه وإرادته والقدرة عليه، فجرّد الفعل من الحرف وأتى به مجرّدًا معدًّى بنفسه ليتضمّن هذه المراتب كلها. ولو عدّي بحرف تعيّن معناه وتخصّص بحسب معنى الحرف، فتأمّله فإنّه من دقائق اللغة وأسرارها.
[8]فصل: تخصيص أهل السعادة بالهداية:
وأمّا المسألة الثامنة: وهي أنّه خصّ أهل السعادة بالهداية دون غيرهم فهذه مسألة اختلف الناس فيها وطال الحجاج من الطرفين، وهي أنّه هل لله على الكافر نعمة أم لا؟
فمِنْ نافٍ محتجٍّ بهذه، وبقوله: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) [النساء: 69]، فخصّ هؤلاء بالإنعام فدل على أن غيرهم غير منعم عليه، ولقوله لعباده المؤمنين: (ولأتمّ نعمتي عليكم) [البقرة: 150]، وبأن الإنعام ينافي الانتقام والعقوبة، فأيّ نعمة على من خلق للعذاب الأبديّ.
ومِنْ مُثبِتٍ محتجٍّ بقوله: (وإن تعدّوا نعمت الله لا تحصوها) [إبراهيم: 34]، وقوله لليهود: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) [البقرة: 40] وهذا خطاب لهم في حال كفرهم وبقوله في سورة النحل التي عدّد فيها نعمه المشتركة على عباده من أوّلها إلى قوله: (كذلك يتمّ نعمته عليكم لعلّكم تسلمون، فإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ المبين يعرفون نعمت الله ثمّ ينكرونها وأكثرهم الكافرون) [النحل 81- 83]، وهذا نصّ صريح لا يحتمل صرفًا، واحتجوا بأن البر والفاجر والمؤمن والكافر كلّهم يعيش في نعمة الله وكلّ أحد مقرّ لله تعالى بأنّه إنّما يعيش في نعمته وهذا معلوم بالاضطرار عند جميع أصناف بني آدم إلّا من كابر وجحد حقّ الله تعالى وكفر بنعمته.
وفصل الخطاب في المسألة أنّ النعمة المطلقة مختصّة بأهل الإيمان لا يشركهم فيها سواهم، ومطلق النعمة عامّ للخليقة كلّهم برّهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم.
فالنعمة المطلقة التامّة هي المتّصلة بسعادة الأبد وبالنعيم المقيم فهذه غير مشتركة. ومطلق النعمة عامّ مشترك.
فإذا أراد النافي سلب النعمة المطلقة أصاب، وإن أراد سلب مطلق النعمة أخطأ، وإن أراد المثبت إثبات النعمة المطلقة للكافر أخطأ، وإن أراد إثبات مطلق النعمة أصاب. وبهذا تتّفق الأدلّة ويزول النزاع ويتبيّن أنّ كل واحد من الفريقين معه خطأ وصواب والله الموفق للصواب .
وأمّا قوله تعالى: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) [البقرة: 47] فإنّما يذكّرهم بنعمته على آبائهم ولهذا يعدّدها [عليهم] واحدة واحدة: بأن أنجاهم من آل فرعون، وأن فرق بهم البحر، وأن وعد موسى أربعين ليلة فضلوا بعده ثم تاب عليهم وعفا عنهم، وبأن ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، إلى غير ذلك من نعمه التي يعدّدها عليهم
وإنّما كانت لأسلافهم وآبائهم فأمرهم أن يذكروها ليدعوهم ذكرهم لها إلى طاعته والإيمان برسله والتحذير من عقوبته بما عاقب به من لم يؤمن برسوله ولم ينقد لدينه وطاعته وكانت نعمته على آبائهم نعمة منه عليهم تستدعي منهم شكرا فكيف تجعلون مكان الشكر عليها كفركم برسولي وتكذيبكم له ومعاداتكم إياه، وهذا لا يدلّ على أنّ نعمته المطلقة التامّة حاصلة لهم في حال كفرهم. والله أعلم.
[9]فصل: قوله تعالى: [غير المغضوب] ولم يقل: [لا المغضوب]:
وأما المسألة التاسعة: وهي أنّه قال: (غير المغضوب)، ولم يقل: (لا المغضوب عليهم) فيقال: لا ريب أنّ (لا) يعطف بها بعد الإيجاب كما تقول: جاءني زيدٌ لا عمرٌو، وجاءني العالم لا الجاهل. وأمّا (غير)؛ فهي تابع لما قبلها، وهي صفة ليس إلّا، كما سيأتي.
وإخراج الكلام هنا مخرج الصفة أحسن من إخراجه مخرج العطف، وهذا إنّما يعلم إذا عرف فرق ما بين العطف في هذا الموضع والوصف، فتقول: لو أخرج الكلام مخرج العطف وقيل صراط الذين أنعمت عليهم لا المغضوب عليهم لم يكن في العطف بها أكثر من نفي إضافة الصراط إلى المغضوب عليهم كما هو مقتضى العطف. فإنّك إذا قلت: جاءني العالم لا الجاهل؛ لم يكن في العطف أكثر من نفي المجيء عن الجاهل؛ وإثباته للعالم.
وأمّا الإتيان بلفظ (غير) فهي صفة لما قبلها، فأفاد الكلام معها وصفهم بشيئين:
أحدهما: أنهم منعم عليهم، والثاني: أنهم غير مغضوب عليهم. فأفاد ما يفيد العطف مع زيادة الثناء عليهم ومدحهم فإنّه يتضمّن صفتين: ثبوتيّةً؛ وهي كونهم منعمًا عليهم، وصفةً سلبيًّة؛ وهي كونهم غير مستحقّين لوصف الغضب وأنهم مغايرون لأهله.
ولهذا لمّا أريد بها هذا المعنى جرت صفة على المنعم عليهم ولم تكن صفة منصوبة على الاستثناء لأنه يزول منها معنى الوصفيّة المقصود. وفيها فائدة أخرى: وهي أنّ أهل الكتاب من اليهود والنصارى ادعوا أنهم هم المنعم عليهم دون أهل الإسلام فكأنه قيل لهم المنعم عليهم غيركم لا أنتم وقيل للمسلمين المغضوب عليهم غيركم لا أنتم فالإتيان بلفظة غير في هذا السياق أحسن وأدل على إثبات المغايرة المطلوبة فتأمله
وتأمل كيف قال: المغضوب عليهم ولا الضالين، ولم يقل: اليهود والنصارى مع أنّهم هم الموصوفون بذلك تجريدًا لوصفهم بالغضب والضلال الذي به غايروا المنعم عليهم ولم يكونوا منهم بسبيل لأنّ الإنعام المطلق ينافي الغضب والضلال فلا يثبت لمغضوب عليه ولا ضال فتبارك من أودع كلامه من الأسرار ما يشهد بأنه تنزيل من حكيم حميد.