المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسالك اهل الاهواء في تحريف نصوص الشرع والاستدلال بها


رائد بن عبد الجبار المهداوي
08-14-2008, 10:15 PM
مسالك أهل الأهواء في تحريف نصوص الشرع والاستدلال بها
مجموع من كلام الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ
إعداد: أبي عبد الرحمن رائد بن عبد الجبار المهداويالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛
فقد عقد الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ في كتابه الماتع "الاعتصام" باباً في مآخذ أهل البدع بالاستدلال، وطرائقهم المتكلفة فيه، وبيّن ـ رحمه الله ـ أنَّ " كل خارج عن السنة ممن يدعي الدخول فيها والكون من أهلها، لا بد له من تكلف في الاستدلال بأدلتها على خصومات مسائلهم، وإلاَّ كذَّب اطِّراحُها دعواهُم، بل كل مبتدع من هذه الأمة إما أن يدعى أنه هو صاحب السنة دون من خالفه من الفرق، فلا يمكنه الرجوع إلى التعلق بشبهها، وإذا رجع إليها كان الواجب عليه أن يأخذ الاستدلال مأخذ أهله العارفين بكلام العرب، وكليات الشريعة، ومقاصدها، كما كان السلف الأول يأخذونها، إلا أنَّ هؤلاء لم يبلغوا مبلغ الناظرين فيها بإطلاق؛ إما لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب والعلم بمقاصدها، وإما لعدم الرسوخ في العلم بقواعد الأصول التي من جهتها تستنبط الأحكام الشرعية، وإما لعدم الأمرين جميعاً فبالحري أن تصير مآخذهم للأدلة مخالفة لمأخذ من تقدمهم من المحققين للأمرين" .
ثمَّ بيّنَ ـ رحمه الله ـ أنَّ قوله ـ تعالى ـ: " هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ [آل عمران:7] تشتمل على قسمين من الناس:
الأول: الراسخون في العلم؛ وهم من ثبتت أقدامهم في علم الشريعة، وذلك إنما يكون بالأمرين المذكورين آنفاً؛المعرفة بكلام العرب، وكليات الشريعة ومقاصدها، وما كان عليه السلف الأول في الأخذ والفهم.
قال: "وحين خص أهل الزيغ باتباع المتشابه دلَّ التخصيص على أنَّ الراسخين لا يتبعونه، فإذاً لا يتبعون إلا المحكم وهو أم الكتاب ومعظمه، فكل دليل خاص أو عام شهد له معظم الشريعة فهو الدليل الصحيح، وما سواه فاسد، إذ ليس بين الصحيح والفاسد واسطة في الأدلة يستند إليها، إذ
لو كان ثالث لنصت عليه الآية"
الثاني: من ليس براسخ في العلم، وهو الزائغ، والزيغ ميلٌ عن الصراط المستقيم، وسببه الجهل، وهذا ذم لهم.
ومن وصْفِهم أنهم يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة.
قال: "وكثير ممن يدَّعي العلم يتخذ هذا الطريق مسلكاً، وربما أفتى بمقتضاه، وعمل على وفقه، إذا كان له فيه غرض، أو أعرض عن غرض له عرض في الفتيا... وكذلك الأمر في كل مسألة يتبع فيها الهوى أولاً، ثم يطلب لها المخرج من كلام العلماء، أو من أدلة الشرع، وكلام العرب أبداً؛لاتساعه، وتصرفه، ويحتمل أنها كثيرة، لكن يعلم الراسخون المراد منه من أوله إلى آخره
وفحواه أو بساط حاله أو قرائنه..."
ثم بيّن ـ رحمه الله ـ أنَّ للراسخين طريقاً يسلكونها في اتباع الحق، بيّنها الشرع، وذكرها العلماء، وأنَّ أهل الزيغ طرقهم متعددة كثيرة لا واحدة، أكثر من أن تحصر، وهي تزداد يوماً بعد يوم، لأنّ مردها إلى الجهل، والجهل وجوهه لا تنحصر. قال ـ تعالى ـ: " وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [الأنعام : 153]
وكما في حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: " خط لنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خطاً فقال: هذا سبيل الله مستقيماً، ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا الآية : " وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً..."
أخرجه أحمد، والنسائي، والدارمي، وهو صحيح.
ثم ذكر ـ رحمه الله ـ أوجهاً كلية يعرف من خلالها ـ ويقاس عليها غيرها ـ طرائق أهل الزيغ والبدع والأهواء في الاستدلال لما هم عليه من باطل، فمن ذلك:
1. اعتمادهم على الأحاديث الواهية والضعيفة والموضوعة.
2. ردُّهم للأحاديث التي لا توافق أغراضهم ومذاهبهم بالتأويل والإدعاء الفاسد من قبيل؛ أنها مخالفة للمعقول، أو غير جارية على مقتضى الدليل.
ومثّل ـ رحمه الله ـ على هذا القسم بمن ينكر عذاب القبر، والصراط، والميزان، ورؤية الله في الآخرة، ومن ينكر حديث الذباب إذا وقع في الطعام وقتله، وأنَّ في إحدى جناحيه داء وفي الآخر دواء، وحديث سقي العسل لمن استطلق بطنه.
3. تخرّصهم على الكلام في القرآن والسنة العربيين مع العزوف عن علم العربية الذي يفهم به عن الله ورسوله، فيفتاتون على الشريعة بما فهموا، ويدينون به، ويخالفون الراسخين في العلم، وإنما دخلوا في ذلك من جهة تحسين الظن بأنفسهم، واعتقادهم أنهم من أهل الاجتهاد والاستنباط، وليسوا كذلك.
4. انحرافهم عن الأصول الواضحة إلى اتباع المتشابهات التي للعقول فيها مواقف، وطلب أخذها بالتأويل الفاسد.
5. أخذهم بالمطلقات قبل النظر في مقيداتها، وبالعمومات من غير تأمل لمخصصاتها.
6. تحريف الأدلة عن مواضعها، بأن يرد الدليل على مناط فيصرف عن ذلك المناط إلى أمر آخر بدعوى أن المناطين واحد.
قال: "وبيان ذلك أنَّ الدليل الشرعي إذا اقتضى أمراً في الجملة مما يتعلق بالعبادات ـ مثلاً ـ فأتى به المكلف في الجملة أيضا كذكر الله والدعاء والنوافل المستحبات وما أشبهها مما يعلم من الشارع فيها التوسعة كان الدليل عاضداً لعلمه من جهتين: من جهة معناه، ومن جهة عمل السلف الصلح به، فإن أتى المكلف في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة، أو زمان مخصوص، أو مكان مخصوص، أو مقارناً لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلاً أنَّ الكيفية أو الزمان أو المكان مقصود شرعاً من غير أن يدل الدليل عليه كان الدليل بمعزل عن ذلك المعنى المستدل عليه، فإذا ندب الشرع مثلاً إلى ذكر الله، فالتزم قول الاجتماع عليه على لسان واحد، وبصوت أو في وقت معلوم مخصوص عن سائر الأوقات، لم يكن في ندب الشرع ما يدل على هذا التخصيص الملتزم، بل فيه ما يدل على خلافه؛ لأن التزام الأمور غير اللازمة شرعاً شأنها أن تفهم التشريع، وخصوصاً مع من يقتدى به في مجامع الناس كالمساجد، فإنها إذا ظهرت هذا الإظهار، ووضعت في المساجد كسائر الشعائر التي وضعها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المساجد وما أشبهها؛ كالأذان، وصلاة العيدين، والاستسقاءـ والكسوف، فُهم منها بلا شك أنها سنن إذا لم تفهم منه الفرضية، فأحرى أن لا يتناولها الدليل المستدل به، فصارت من هذه الجهة بدعا محدثة بذلك، وعلى ذلك ترك التزام السلف الصالح لتلك الأشياء، أو عدم العمل بها وهم كانوا أحق بها وأهلها، لو كانت مشروعة على مقتضى القواعد..."
7. بناء طائفة منهم الظواهر الشرعية على تأويلات لا تعقل، يدعون فيها أنها هي المقصود والمراد، لا ما يفهم العربي منها.
قلت: ومن أولئك المحرّفين طوائف الصوفية المخرّفين الخرافيين، القائلين بأنَّ للشريعة ونصوصها ظاهراً يفهمه العلماء، وباطناً لا يفهمه سواهم، ومن ذلك انطلقوا في تقسيمهم المحدث: علماء الشريعة، وعلماء الحقيقة، وتقسيمهم الآخر البيّن فساده:تفسير الظاهر، وتفسير الإشارة.