المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التفصيل في حكم من سب الصحابة



محمد جميل حمامي
11-15-2008, 01:41 AM
التفصيل في حكم من سب الصحابة - رضي الله عنهم -



لا شك أن سب الصحابة رضي الله عنهم كبيرة من الكبائر إذ نحن مأمورون بالاستغفار لهم و الترحم عليهم ، ذلك أن سبهم طعن في الدين و الرسالة و في النبي و القرآن ، نقل شيخ الإسلام - رحمه الله - في " الصّارم المسلول : 3 / 1088 - 1089 عن الإمام مالكٍ - رحمه الله – قوله عن الّذين يسبّون الصّحابة - رضي الله عنهم - : (( إنّما هؤلاء قومٌ أرادوا القدح في النّبيّ - صلّى الله عليه و على آله و صحبه و سلّم - فلم يمكنهم ذلك ؛ فقدحوا في أصحابه ؛ حتّى يُقال : رجل سوء ؛ و لو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين )) ا.هـ
و قال إمام السّنّة أحمد - رحمه الله - - كما في " الشّرح و الإبانة : 170 - رقم : 231 ": لابن بطّة : (( إذا رأيت رجلاً يذكر أحدًا من الصّحابة بسوءٍ ؛ فاتّهمه على الإسلام )) ا.هـ
ولكن ليس من سب الصحابة على درجة سواء في الحكم فمن سبهم كلهم ليس كمن سب آحادهم ، ولا من سبهم لدنياهم كمن سبهم لدينهم وصحبتهم وليس كمن سب عائشة أو أمهات المؤمنين أو من تواتر فضلهم كالخلفاء الراشدين ، قال شيخ الإسلام ابن تيميّة في " الصّارم المسلول : 3 / 1113 " : (( من أصناف السّابّة من لاريب في كفره ، و منهم من لا يحُكم بكفره ، و منهم من يُتردّد فيه )) ا.هـ
و دونك هذا التفصيل العزيز ، ملخصاً من رسالة الأخ معاذ الشمري – وفقه الله - الموسومة بـ( ـالدرجاتٌ الضابطة لدَرَكات من سبّ الصّحابة ) :

أولاً : من كفّر كلّ الصّحابة - رضي الله عنهم - ، أو فسّقهم ، أو جُلّهم : كَفَرَ ؛ إجماعًا
و هذا معلومٌ من الدّين بالضّرورة ؛ فيكفر من شكّ فيه ؛ إجماعًا ، و لا حاجة - في تكفير مواقعه - إلى إقامة الحجّة .
قال شيخ الإسلام - رحمه الله - في " الصّارم المسلول : 3 / 1110 - 1112 " : (( و أمّا من جاوز ذلك إلى أن زعم أنّهم ارتدّوا بعد رسول الله - صلّى الله عليه و على آله و صحبه و سلّم - إلاّ نفرًا قليلاً لا يبلغون بضعة عشر نفسًا ، أو أنّهم فسقوا عامّتهم : فهذا لا ريب - أيضًا - في كفره ؛ لأنّه مكذّبٌ لما نصّه القرآن - في غير موضع - من الرّضى عنهم ، و الثّناء عليهم ؛ بل من يشكّ في كفر مثل هذا فإنّ كفره متعيّن ؛ فإنّ مضمون هذه المقالة أنّ نقلة الكتاب و السّنّة كفارٌ أو فسّاق ، و أنّ هـذه الآية الّتي هي {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ . ..}[ آل عمران : 110 ]- وخيرها هو القرن الأوّل - كان عامّتهم كفّارًا أو فسّاقًا ، و مضمونها أنّ هذه الأمّة شرّ الأمم ، و أنّ سابقي هذه الأمّة هم شرارها ، و كُفْرُ هذا ممّا يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام ؛ ولهذا تجد عامّة من ظهر عليه شيءٌ من هذه الأقوال فإنّه يتبيّن أنّه زنديق ، و عامّة الزّنادقة إنمّا يستترون بمذهَبهم ، و قد ظهرت لله فيهم مثُلات، و تواتر النّقل بأنّ وجوههم تُمسخ خنازير في المحيا والممات)) ا.هـ


ثانياً : من كفّر ، أو فسّق آحاد الصّحابة - رضي الله عنهم - : فهذا يفسق ؛ على الصّحيح ، و يستحقّ التّعزير و العقوبة ، و يُسجن حتّى يموت ، و لا يحلّ للسلطان أن يعفوَ عنه .
نقل شيخ الإسلام في الصارم المسلول ( 3 / 1058 ) عن إسحق بن راهويه - رحمه الله - قوله : (( من شتم أصحاب النّبيّ - صلّى الله عليه و على آله و صحبه و أزواجه و سلّم - يُعاقب و يُحبس )) ا.هـ
و قال سحنون - فيمن كفّر أو ضلّل آحاد الصّحابة - رضي الله عنهم - غير المتواتر فضلهم - : (( من شتم غيرهم - [ أي المتواتر فضلهم كالأربعة ] - من الصّحابة بمثل ذلك : نُكّل النّكال الشّديد )) " الشّفا: 2 / 1109 "


ثالثاً : من استحل سب أحد من الصحابة يكفر إجماعاً :
فقد نقل شيخ الإسلام - رحمه الله - في الصارم المسلول ( 3 / 1066 ) عن القاضي أبي يعلى الحنبليّ قوله : (( إذا استحلّ سبّهم فإنّه يكفر بلا خلاف )) ا.هـ


رابعاً : من سب آحاد الصحابة لأجل صحبته يكفر :
قال الإمام محمّد بن عبد الوهّاب - رحمه الله - في " الرّدّ على الرّافضة : 19 " : (( و إن كان لم يتواتر النّقل في فضله و كماله : فالظّاهر أنّ سابّه فاسق ؛ إلاّ أن يسبّه من حيث صحبته لرسول الله - صلّى الله عليه و على آله و صحبه و سلّم - فإنّه يكفر )) ا.هـ


خامساً : من كفّر ، أو فسّق - من آحاد الصّحابة - رضي الله عنهم - - من تواترت النّصوص بفضله ؛ كالأربعة ، و أزواج النّبيّ - صلّى الله عليه و عليهنّ و على سائر آله و صحبه و سلّم - : فهذا يكفُر ؛ على الصّحيح .
فقال شيخ الإسلام - رحمه الله - في " الصّارم المسلول : 3 / 1065 " : (( قال أحمد في رواية أبي طالبٍ في الرّجل يشتم عثمان : ((هذه زندقة )) ، وقال في رواية المرّوذيّ : (( من شتم أبا بكرٍ وعمر و عائشة : ما أَرَاه على الإسلام )) )) ا.هـ
و في " الشّفا ": 2 / 1109 " للقاضي عياضٍ المالكيّ أنّ ابن أبي زيدٍ روى عن سحنون قوله : (( من قال في أبي بكرٍ و عمر و عثمان و عليٍّ إنّهم على ضلالٍ و كفرٍ : قُتل ، و من شتم غيرهم من الصّحابة بمثل ذلك : نُكّل النّكال الشّديد )) ا.هـ
و قال الإمام المجدّد محمّد بن عبد الوهّاب - رحمه الله - في " الرّدّ على الرّافضة : 19 " : (( من خصّ بعضهم بالسّبّ ؛ فإن كان ممّن تواتر النّقل في فضله و كماله كالخلفاء ؛ فإنّ من اعتقد حقّيّة سبّه أو إباحته : فقد كفر ؛ لتكذيبه ما ثبت - قطعًا - عن رسول الله - صلّى الله عليه و على آله و صحبه و أزواجه و سلّم - )) ا.هـ


سادساً : من قذف عائشة - رضي الله عنها – إجماعاً ، و كذلك غيرها من أزواج النّبيّ - صلّى الله عليه و عليهنّ و على سائر آله و صحبه و سلّم - : على الصّحيح .
قال الحافظ ابن كثيرٍ - رحمه الله - في :" تفسيره : 3 / 276 " : (( أجمع العلماء - رحمهم الله - - قاطبةً - على أنّ من سبّها بعد هذا ، و رماها بما رماها به بعد هذا الّذي ذُكر في هذه الآية - [ أي : الآية رقم : 23 ؛ من سورة النّور ] - : فإنّه كافر ؛ لأنّه معاندٌ للقرآن )) ا.هـ
و نقل الإجماع - أيضًا - في " البداية و النّهاية : 8 / 95 " .
و نقل شيخ الإسلام -رحمه الله - ( 3 / 1054 ) الخلاف في تكفير قاذف غير عائشة من أمّهات المؤمنين -رضي الله عنهنّ - ، و قال : (( الأصحّ أنّ من قذف واحدةً من أمّهات المؤمنين فهو كقذف عائشة -رضي الله عنها - ، و قد تقدّم ذلك عن ابن عبّاس ؛ و ذلك لأنّ فيه عارٌ و غضاضةٌ على رسول الله -صلّى الله عليه و على آله و أزواجه و صحبه و سلّم - ، و أذىً له أعظم من أذاه بنكاحهنّ بعده )) ا.هـ


سابعاً : من سبّ آحاد الصّحابة - رضي الله عنهم - في غير دينهم ؛ كوصفهم بالبخل ، أو الجُبن ، أو قلّة السّياسة ، و ضعف الرّأي : فهذا يفسُق و لا يكفر - على الصّحيح - ، و يستحقّ من العقوبة مثل عقوبة من كفّر أو فسّق آحادهم - غير المتواتر فضلهم - .
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة - رحمه الله - في " الصّارم المسلول : 3 / 1110 " : (( و أمّا إن سبّهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم ، و لا في دينهم ؛ مثل وصف بعضهم بالبخل ، أو الجُبن ، أو قلّة العلم ، أو عدم الزّهد ، و نحو ذلك : فهو الّذي يستحقّ التّأديب و التّعزير ، و لا نحكم بكفره لمجرّد ذلك ، و على هذا يُحمل كلام من لم يُكفّرهم من العلماء )) ا.هـ
و قال الإمام أحمد في عقيدته (ص30) في كتاب طبقات الحنابلة لأبي يعلى : ((لا يجوز لأحدٍ أن يذكر شيئًا من مساويهم ، و لا يطعن على أحدٍ منهم بعيب ، ولا بنقص ؛ فمن فعل ذلك فقد وجب على السّلطان تأديبه و عقوبته ؛ ليس له أن يعفو عنه ، بل يعاقبه و يستتيبه ؛ فإن تاب قبِلَ منه ، وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة وخلَّده الحبس ؛ حتىّ يموت أو يُراجع )) ا.هـ
أما إن يستحلّ ذلك ؛فيكفر ؛ إجماعًا .
أو سبّهم بذلك كلَّهم أو جُلّهم : فهذا كافرٌ ؛ على الصّحيح .
فهذا معاندٌ لربّه و للقرآن ، قادحٌ في حكمة الله - سبحانه - الّذي اصطفاهم و ارتضاهم ، و في علم الله الّذي زكّاهم و رضي عنهم .
و طاعنٌ في النّبيّ الكريم - صلّى الله عليه و على آله و صحبه و أزواجه و سلّم - الّذي صحبهم و مدحهم .


ثامناً : من لعنهم لعنًا ؛ لا يُدرى : أَلَعنُ غيظٍ ؟، أم لعنُ اعتقاد ففيه خلاف:
نقل شيخ الإسلام - رحمه الله - الخلاف في تكفيره ؛ فقال - رحمه الله - ( 3 / 1110 ) : (( و أمّا من لعن وقبّح مطلقًا فهذا محلّ الخلاف فيهم لتردّد الأمر بين لعن الغيظ و لعن الاعتقاد )) ا.هـ
و نقل الخلاّل في " السّنّة : 493 - رقم : 780 " عن الميمونيّ؛عن إمام السّنّة أحمد - رحمه الله - أنّه قال : ((من شتم أصحاب النّبيّ -صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وأزواجه وسلّم - لا نأمن أن يكون قد مرق عن الدّين)) ا.هـ