محمد جميل حمامي
08-13-2008, 10:17 AM
[ الحلقة الأولى ] من : " البيان لما اشتمل عليه البركان
وما في معناه من زخارف وتزيين الشيطان "
رد على فوزي البحريني المنعوت زورًا بـ [ الأثري ] !
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه . أما بعد :
فقد دأبت الفرقة الحدادية الفاجرة على حرب أهل السنة من سنين ، - لا يكلّون ولا يملّون - بالأكاذيب والخيانات وبتر النصوص ، وتحريفها عن مواضعها وعن مراد قائليها من العلماء الهداة وتنزيلها في غير منازلها ، وقد بينتُ ذلك من واقعهم المخزي في غير ما مقال .
ثم قد سبق لي قبل أيام : أن رددت على فوزي البحريني مفتريات ضمّنها بحثه الموسوم بـ " الرعود الصواعقية " ، ونُشر هذا الرد في " شبكة سحاب السلفية " ، ولم يقف هذا البحريني عند مفترياته الصواعقية ! ، بل ألّف ثلاثة بحوث ، أو سمِّها رسائل تدور كلها على محاور معينة ، متحدة المضامين ، وهي : " البركان لنسف مقالات ربيع المدخلي في مسائل الإيمان " ؛ ثم " القاصمة الخافضة لفرقة المرجئة الخامسة داحضة " ؛ ثم " الفرقان في بيان الفرق بين مذهب السلف وبين مذهب ربيع المدخلي في مسائل الإيمان " ، وكلها من تزيين وزخرفة الشيطان .
يكذب فيها ويحرِّف كلام العلماء ، وينزله في غير منازله في كل محور على نمط واحد وطريقة واحدة .
هذا ؛ ولم يصل إليَّ كل من " القاصمة " و " الفرقان " إلا بعد أن أوشكت على الانتهاء من الرد على " البركان " ، فلما وجدتهما لا يخرجان عن محاور " البركان " ، اكتفيت بالرد على " البركان " ؛ لأنّ هذا الرَّد يأتي على كل ما بناه فيها وزخرفه من الأباطيل والأكاذيب والتحريفات ، فينسفها نسفًا .
فيصدق عليها قول الله - تعالى - : ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ . [ الأنبياء : 18 ] .
وقد كان ذلك بفضل الله وتوفيقه ونصره للحق وأهله .
هل يعتبر مرجئًا من يقول : [ الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ]
ولم يقل : [ ينقص حتى لا يبقى منه شيء ] ؟
لقد بيّن علماء السنة كعبد الله بن أحمد ، والخلاَّل ، والآجري ، واللالكائي ، وابن بطة ، وغيرهم منهج أهل السنة وغيرهم في الإيمان غاية البيان .
وأنه عند أهل السنة : قول وعمل واعتقاد ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، ونحن ندين الله بما قالوه ونقلوه واعتقدوه منذ نعومة أظفارنا في العلم ، ونقرر ذلك في مؤلفاتنا ودروسنا ومحاضراتنا ، ونوالي على ذلك ونعادي ، حتى جاء الأفاكون الحاقدون المدسوسون على أهل السنة لحربهم نيابة عن أهل الأهواء ، فطعنوا فينا بشتى الطعون الفاجرة .
• منها : رميهم لنا بأننا مرجئة ، ووضعوا لذلك أصولاً باطلة ظالمة ، يحاربوننا بها ، كلما هدمناها أعادوها بدون حياء ولا خجل .
• ومنها : قولهم : ( الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، وينقص حتى لا يبقى منه شيء ) ، والذي لا يذكر هذه الزيادة : ( حتى لا يبقى منه شيء ) ؛ فهو عندهم مرجئ .
• وأوجبوها على الناس ، وحاربوا أهل السنة من أجلها ، وبدعوهم من أجلها (1) ، ولا يدري هؤلاء الأغمار أن هذا التبديع ينطبق على السلف الصالح الذين لم يلتزموها وإن قالها بعضهم ، ولقد بدعوني أنا ، وحكموا عليَّ بالإرجاء ، وأرجفوا بها عليَّ كثيرًا في عدد من مقالاتهم ، ولا سيما مقالات : فوزي البحريني ، مع أني أقولها وأعيدها من قبل أن تولد الحدادية - القديمة والجديدة - ، لكن لا ألتزمها ؛ لأن الصحابة والتابعين لم يقولوها ؛ ولأنه لا دليل على وجوب القول بها ، ولم يقلها جمهور السلف ، ومن قالها لم يلتزمها ، ولم يُلزم بها غيره ، ومع ذلك ؛ فأنا أقولها أحيانًا ، فمن ذلك أقوالي الآتية :
• أولاً : قلت في شرح الحديث الثاني عشر من " مذكرة الحديث النبوي " التي ألفتها في عام 1406 هـ : جهاد المنحرفين عن هدي الأنبياء : عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده ؛ فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه ؛ فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه ؛ فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل » . [ أخرجه مسلم في كتاب " الإيمان " : حديث رقم ( 80 ) ، (1/69 ، 70) ، وأحمد : (1/458 ، 461 ] .
شرحت هذا الحديث ، وقلت خلال شرحه في ( ص 44 ) : ( ويبقى في كل أمة علماء مخلصون أوفياء لدينهم يجاهدون ويناضلون عن تعاليم أنبيائهم ، كل على حسب طاقته ومنزلته من الإيمان ؛ فمجاهد بلسانه ، ومجاهد بيده ، ومجاهد بقلبه ، وذلك أضعف الإيمان . وليس وراءه شيء من الإيمان .
- واستخرجت منه عددًا من المسائل منها - :
(8) وفيه بيان مراتب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأنه على حسب طاقة أصناف المجاهدين ؛ فمن يستطيع الجهاد وإزالة المنكر بيده فعليه أن يقوم بهذا الواجب ، ومن عجز عن هذه المرتبة واستطاع أن يقول كلمة الحق فعليه أن يقولها ، ومن عجز عن ذلك فعليه أن يقوم بما يستطيعه وهو الجهاد بالقلب وإنكار الباطل بقلبه ، فإن فاته هذا فليس بمؤمن وقد مات قلبه .
(9) وفيه أن الإيمان يتفاوت ويزيد وينقص ، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان ) . " مذكرة الحديث النبوي " : ( ص 46 ) .
• ثانيًا : وقلت في الشريط الأول من " دروس الشريعة " عام 1422 هـ قبل قيام فتنة الحدادية الجديدة عندما ذكرت أقوال أهل العلم في حكم تارك الصلاة : ( فبعضهم وافق الصحابة أو جلهم في تكفير تارك الصلاة ، ولم يكفروا تارك الزكاة أو الصوم أو الحج أو جميعها ، لكن يقولون : هو فاسق ناقص الإيمان وإيمانه ينقص إلى مثقال ذرة بل إلى حد الزوال ) .
• ثالثًا : قلت في شرح كتاب الإيمان من " صحيح البخاري " في دورة الرياض عام 1426 هـ المسجلة صوتيًا : " وهناك أحاديث دلّت على أن الإيمانَ ينقص : « يخرجُ من النار من قال : لا إله إلا الله ، وعنده أدْنَى مثقال ذرة من الإيمان » ؛ فهذا يدل على أن الإيمان ينقص وينقص ، من دينار إلى درهم إلى كذا ، ويزيد إلى أن يصِلَ إلى أمثال الجبال ؛ فهذا فيه رد على المرجئة الذين يقولون الإيمان : التصديق ، كالأشاعرة ، أو الإيمان : التصديق والنطق بالشهادتين ، والعمل عندهم لا يدخل في الإيمان ، ولا يزيد الإيمان ولا ينقص ، فردَّ عليهم السلف وضلّلوهم وبيّنوا انحرافهم عن كتاب الله وسنة الرسول ... ) .
ثم قلت : ( وعند المرجئة : الإيمان لا يتجزأ ؛ لأنه إذا نقص عندهم ؛ حل محله الكفر والشك ، فلهذا ما ينقص !! لا ، نحن عندنا الإيمان يتجزأ ويتجزأ ، كالجبل - وبعدين - ينقص وينقص حتى يصير كالذرة . الخوارج يقولون : الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، إذا ارتكب الكبيرة خرج من الإيمان ! والمرجئة يقولون : الإيمان لا ينقص ؛ فإنه لا ينقص إلا بالكفر والشك ، فإذا دخله الشك والريب ، أو الكفر انتهى . فلهذا يقولون : الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، لأننا إذا قلنا بنقصانه معناه أنه خرج من الإيمان ، بالنقصان أنت تخرج من الإيمان ! ) .
ثم قلت : ( ... ﴿ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ . [ الكهف : 13 ] ، كانوا على هدًى ؛ فزادهم الله هدى ، والهدى : هو الإيمان ؛ وهذا من الأدلة على أن الإيمان يزيد ، ومنه نأخذ أن ما يَقبلُ الزيادة يقبل النقص قطعًا ؛ هذا من ناحية العقل . ومن ناحية الشرع - ننظر - في الأحاديث التي تدل على أن الإيمان ينقص وينقص ، وينقص وينقص حتى لا يبقى منه إلا مثل حبة خردل ، أو أدنى من مثقال ذرة من الإيمان أو من - العمل - ) .
ثم قلت : ( ... ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ . [ الأنفال : 4 ] : هم المؤمنون كامِلو الإيمان ، يدل على أن الإيمان الكامل لا يكون حقًّا وكاملاً إلا إذا وُجدت أعمال القلوب وأعمال الجوارح ، بخلاف ما يقوله المرجئة ؛ فكثير منهم قد يُدخلون أعمال القلوب في الإيمان - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ، وكثير منهم لا يدخلون أعمال القلوب في الإيمان ، لكن أعمال الجوارح ؛ - مرجئة الفقهاء - لا يدخلون فيها أعمال الجوارح ، والآيات كلها تدمغهم ، وأن الأعمال من صميم الإيمان ، وأن الإيمانَ بدونِها قد يضيع ، وقد يُخْرِجُ من الإسلام وقد لا يبقى منه إلا مثقال ذرة ) .
• رابعًا : ذكر الإمام الصابوني عشرة من الأئمة منهم : سفيان بن عيينة أنهم يقولون : ( الإيمان قول وعمل ) ، أقول : لم يذكروا لفظ : ( يزيد وينقص ) .
وذكرت في شرحي لكلامه أن الإمام البخاري لقي أكثر من ألف شيخ ، كلهم يقولون : ( الإيمان قول وعمل ) ، ولم يذكروا لفظة الزيادة والنقصان من الإيمان .
ثم قلت : ( سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة وأباه عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما يعتقده علماء الأمصار ، وما يعتقدانه هما فقالا : أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا ، ومصرًا وشامًا ويمنًا ، فكان من مذهبهم أنَّ : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص .
علماء الأمصار جميعًا وقبلهم الصحابة ، ما قالوا : ( ينقص ,ينقص حتى لا يبقى منه شيء ) !
إذا قال الإنسان : ( ينقص ، وينقص حتى لا يبقى منه شيء ) ؛ فلا بأس ، لكن هل لا بد أن يقول هذا وإذا لم يقل فهو مرجئ !؟ هذا حكم مجرم على الصحابة وعلى التابعين وعلى أئمة الإسلام جميعًا ؛ فإنه يلزم على منهجهم هذا أنهم مرجئة ! ) .
ثم قلت : ( نعم قل : ( حتى لا يبقى منه شيء ) لكن هل هذا يطرد في جميع الناس ؟ كل من نقص إيمانه كفر !؟ هذا مذهب الخوارج ؛ مذهب تكفيري ، وأظنهم يريدون هذا ! فقد ينقص إيمانه ويبقى منه شيء ؛ يبقى مقدار دينار ، مقدار نصف دينار ، يبقى أكثر من ذلك ، يبقى مقدار درهم ، مقدار نصف درهم ، مثقال حبة شعير إلى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان ، وقد لا يبقى منه شيء .
والخلاف أصله بيننا وبين الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة ؛ الخوارج يقولون : كفر خرج من الإسلام ! ونحن نقول : لا يخرج مهما أذنب ما دام لم يقع في الشرك بالله - تبارك وتعالى - كما قال : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ . [ النساء : 48 ] .
يعني : زنا وسرق وقتل ، وو ... إلى آخره ، ولكن يعتقد حرمة هذه الأشياء ، هذا ينقص إيمانه حتى لا يبقى معه إلا مثقال ذرة .
وقد يحصل لبعض الناس : أن يخرج من الإسلام ويرتد - قد يحصل - لكن ليست قاعدة مضطردة في جميع الناس ؛ هم كأنهم يريدون قاعدة مضطردة أي : أنَّ كل من نقص إيمانه خرج من الإيمان ! يعني خبث ! وهذا مذهب الخوارج !!
الشاهد : إن هذا المذهب الخبيث أُنشئ لحرب أهل السنة وإسقاط علمائهم ، وتشويه منهجهم ومخالفته في كثير من القضايا ) . انظر : " شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث - للإمام الصابوني " : ( ص 171 - 175 ) .
ترى أني أقول بهذه الزيادة ولا أنكرها كما يفتري عليَّ شيخ الحدادية الجهول الظلوم ، ولكني لا أرى وجوب القول بها ، ولا ألزم بها الناس ؛ لأن إيجاب القول بها يؤدي إلى إيجاب حكم لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ويؤدي إلى تضليل أهل السنة حتى تضليل من يقولها من الأئمة ؛ لأنهم لا يقولونها في غالب أمرهم ؛ ثم هم قلة .
ومن أقوالي القديمة والحديثة يرى القارئ الكريم أني أقول بهذه الزيادة ولا أنكرها ، وسأنقل من أقوال العلماء أئمة الإسلام ما يبين أننا نسير على نهجهم ، ونترسم خطاهم ، ولم نخالفهم في شيء أبدًا .
بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان
قال الإمام اللالكائي - رحمه الله - المتوفى سنة ( 418 هـ ) في كتابه " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " : (5/1028 - 1031) : - ط : دار طيبة ، الطبعة الثالثة - ، بعد أن ساق أقوال الصحابة والتابعين في الإيمان ، وأنهم يقولون : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، قال - رحمه الله - : ( قول الطبقة الثالثة من الفقهاء في الزيادة والنقصان : سفيان الثوري ، وابن جريج ، ومعمر ، والأوزاعي ، ومالك بن أنس ، وسفيان بن عيينة ، ومالك ابن مغول ، وابن أبي ليلى ، وأبي بكر بن عياش ، وزهير بن معاوية ، وزائدة ، وفضيل بن عياض ، وجرير بن عبد الحميد ، وحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد ، وابن المبارك ، وأبي شهاب ، والحناط (2) ، وعبثر بن القاسم ، ويحيى بن سعيد القطان ، ووكيع ، وشعيب بن حريث ، وإسماعيل بن عياش ، والوليد بن مسلم ، والوليد بن محمد ، ويزيد بن السائب ، والنضر بن شميل ، والنضر بن محمد المروزي ، ومفضل بن مهلهل ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي عبيد ، وعلي بن المديني .
وقال سهل بن المتوكل : ( أدركت ألف أستاذ أو أكثر كلهم يقولون : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) .
وقال يعقوب بن سفيان : ( أدركت أهل السنة والجماعة على ذلك ) ، وذكر أسامي جماعة نذكرهم في آخر المسألة - إن شاء الله - .
1735 - أنا أحمد بن محمد بن عروة ، نا عبد الله بن سليمان ، نا سلمة بن شبيب قال : نا عبد الرزاق ، قال : سمعت سفيان الثوري ، وابن جريج ، ومالك بن أنس ، ومعمر بن راشد ، وسفيان بن عيينة يقولون : ( إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) .
1736 - أنا عيسى بن علي ، أنا عبد الله بن محمد البغوي قال : نا ابن زنجويه قال : نا عبد الرزاق قال : سمعت سفيان ، وابن جريج ، ومعمرًا يقولون : ( الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) ، فقيل لعبد الرزاق : ما تقول أنت ؟ فقال : ( ما لقيت أحدًا من طرق إلا هذا قوله ) .
وقال عبد الرزاق ، وقال سفيان : ( نحن مؤمنون عند أنفسنا ؛ فأما عند الله فلا ندري ما حالنا ) .
1737 - ذكر محمد بن الحسن قال : حدثني بشر بن علي القاضي قال : حدثني أبو عبد الغني الحسن بن علي نعمان (3) قال : نا عبد الرزاق قال : لقيت اثنين وستين شيخًا منهم : معمر ، والأوزاعي ، والثوري ، والوليد بن محمد القرشي ، ويزيد بن السائب ، وحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد ، وسفيان بن عيينة ، وشعيب بن حرب ، ووكيع بن الجراح ، ومالك بن أنس ، وابن أبي ليلى ، وإسماعيل بن عياش ، والوليد بن مسلم ، ومن لم نسمه كلهم يقولون : ( الإيمان قول وعمل يزيد وينقص )
1738 - أنا محمد بن الحسين الفارسي قال : نا أحمد بن سعيد الثقفي قال : نا محمد بن يحيى الذهلي قال : نا أبو أحمد الزبيري ، قال : سمعت سفيان - يعني الثوري - غير مرة يقول : ( الإيمان يزيد وينقص ) .
1739 - أنا محمد بن الحسين ، أنا أحمد بن سعيد الثقفي قال : نا محمد بن يحيى الذهلي قال : نا فديك بن سليمان قال : سئل الأوزاعي عن الإيمان ؛ فقال : ( الإيمان يزيد وينقص ؛ فمن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص ؛ فهو صاحب بدعة ) .
1740 - وأنا محمد بن أحمد الطوسي قال : نا محمد بن يعقوب قال : نا العباس بن الوليد البيروتي قال : نا أبو قدامة الجبيلي قال : سمعت عقبة بن علقمة قال : سألت الأوزاعي عن الإيمان أيزيد ؟ قال : ( نعم حتى يكون كالجبال ) ، قلت : فينقص ؟ قال : ( نعم ؛ حتى لا يبقى منه شيء ) ، وسئل العباس : أتقول بقول الأوزاعي !؟ قال : ( نعم ) . (4)
1741 - وأنا أحمد بن عبيد ، أنا محمد بن الحسين ، نا أحمد بن زهير قال : نا التميمي قال : نا أبو مسهر قال : حدثني بقية قال : سمعت الأوزاعي يقول : ( الإيمان يزيد وينقص ) .
1742 - أنا محمد بن عبيد الله بن الحجاج قال : نا أحمد بن الحسن قال : نا عبد الله بن أحمد قال : حدثني أبو الحسن بن القطان محمد بن محمد قال : سمعت سريج بن النعمان يقول : سألت عبد الله بن نافع قال : قال مالك : ( الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) .
أقول : أما أهل السنة على امتداد تاريخ الإسلام إلى يومنا هذا فيرون أن هذا القول حق وصدق ومستمد من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه رد كاف على الخوارج والمرجئة على اختلاف أصنافهم .
وأما على رأي الحداديين الحاقدين الأفاكين على أهل السنة ؛ فإن هذا التعريف من أهل السنة للإيمان لا يكفي والقائلون به يعتبرون مرجئة ضلالاً ؛ لأنهم قصّروا في تعريف الإيمان على مذهب الحدادية ؛ لأنهم لم يقولوا بقول الحدادية الذي أوجبوه ، وهو : ( أن الإيمان يزيد وينقص حتى لا يبقى منه شيء ) ؛ لأن هذا عندهم جزء من تعريف الإيمان ، فمن لم يأت به في تعريف الإيمان ؛ فهو مرجئ ضال، ولا بد من حربه وتضليله ( ! ) .
تأمل أخي قول سهل بن المتوكل : ( أدركت ألف أستاذ أو أكثر كلهم يقولون : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) .
وانظر إلى من سرد الإمام اللالكائي أسماءهم ممن لا يساوي الحدادية كلهم أخمص قدم واحد منهم كيف يقولون : ( إن الإيمان يزيد وينقص ) ، ولا يزيدون ما يشترطه الحدادية الغالية الكاذبة في غلوها المفتعل لإدامة الحرب على أهل السنة .
ونقل الإمام اللالكائي - رحمه الله - في كتابه : " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " : (5/959) بإسناده عن الإمام البخاري أنه قال : ( كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ، ولم أكتب إلا عن من قال : الإيمان قول وعمل ، ولم أكتب عن من قال : الإيمان قول ) .
فيا ويل البخاري وشيوخه من بطش الحدادية كيف يقولون : ( الإيمان قول وعمل ) ؟ ، ولم يقولوا : ( يزيد وينقص حتى لا يبقى منه شيء ) !
فهؤلاء الأئمة كلهم - في نظر الحدادية وعلى رأسهم : فالح وفوزي البحريني - من غلاة المرجئة ؛ لأنهم خالفوا ما يشترطه الحدادية ويوجبونه من أنه لا بد أن يقال : ( الإيمان يزيد وينقص حتى لا يبقى منه شيء ) .
فهل يستطيع أهل السنة السابقون واللاحقون أن ينجوا من بطش هؤلاء الحدادية الغيورين أو المغاوير .
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في " مجموع الفتاوى " : (7/223 - 224) : ( وأما قول القائل : إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله ، فهذا ممنوع ، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان ؛ فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء ، ثم قالت " الخوارج والمعتزلة " : هو مجموع ما أمر الله به ورسوله ، وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث ؛ قالوا : فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء ؛ فيخلد في النار .
وقالت " المرجئة " - على اختلاف فرقهم - : لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئًا من الإيمان إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء فيكون شيئًا واحدًا يستوي فيه البر والفاجر ، ونصوص الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه كقوله : « يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان » ، ولهذا كان " أهل السنة والحديث " على أنه يتفاضل ، وجمهورهم يقولون : يزيد وينقص ، ومنهم من يقول : يزيد ولا يقول : ينقص ، كما روى عن مالك في إحدى الروايتين ، ومنهم من يقول : يتفاضل كعبد الله بن المبارك ، وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة ولم يعرف فيه مخالف من الصحابة ) .
والظاهر من حماس الحدادية : أنهم ينطلقون من هذا الأصل الذي تفرعت عنه البدع ألا وهو : أن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله .
وإلا ؛ فما هو السر في إصرارهم وإلحاحهم على إيجاب هذا القول على الناس أن يقولوا : ( الإيمان ينقص حتى لا يبقى منه شيء ) ، ثم يبدعون من لم يقل بما أوجبوه .
وقال في " المجموع " (18/270) : ( فهكذا يقول جمهور السلف وأهل الحديث : إن من ترك واجبًا من واجبات الإيمان الذي لا يناقض أصول الإيمان فعليه أن يجبر إيمانه إما بالتوبة وإما بالحسنات المكفرة ، فالكبائر يتوب منها والصغائر تكفرها : الصلاة والصيام والصدقة ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فإن لم يفعل لم يحبط إيمانه جملة . وأصلهم أن الإيمان يتبعض فيذهب بعضه ويبقى بعضه ... ) . ا.هـ .
[ فوزي الأشري ] ينقل من مصادر أهل السنة
ما يوافق هواه ، ويكتم ما عداه !
لم ينقل فوزي شيئًا مما أسلفناه عن مئات من أئمة أهل السنة ، بل كتم ذلك مكرًا وكيدًا ؛ ليصول ويجول باسم أهل السنة على أعدائه من أهل السنة .
(1) قال البحريني في ( ص 2 ) من بركانه : [ وأبتدئ السؤال عن مقال ربيع المدخلي الذي تكلم فيه من فترة قصيرة ويقرر فيه مذهب المرجئة ويريد كثير من الإخوان أن نجيب عليه إجابات أثرية .
فأولاً أقول : السؤال هو من وضع ربيع ، ثم أجاب عليه بكلام مخلط وخبط كعادته في الإجابة على بعض مسائل الإيمان ، وخالف السلف فيها ، فالسؤال يختلف عن الإجابة ، والإجابة تختلف عن السؤال تمامًا ، وأنا اطلعت على جميع ما كتبه ، ثم رجعت إلى المراجع التي ذكرها بأكملها من قول ابن منده في كتابه " الإيمان " ، وكذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن رجب ، وغيرهم من علماء الأمة ] .
أقول : السؤال إنما هو من وضع الحدادية ، هم وضعوه للشغب والفتنة ، وأرجفوا به في موقع " الأثري " مدة طويلة ، فرددت عليه بأقوال أئمة عظماء ، لا يرفض كلامهم وأدلتهم إلا أهل البدع الذين يرفضون أقوال أئمة السنة وأدلتهم .
وليس في كلامي خلط ولا خبط ، ولم أخالف السلف ، والحدادية : هم الذين يخالفون السلف ، وإجابتي تطابق السؤال ولا تخالفه ؛ كما يفتري هذا البحريني .
(2) قال البحريني في ( ص 2 ) من بركانه : [ فالسؤال الذي وضعه ربيع ثم أجاب عنه : هو هل يجوز أن يُرْمى بالإرجاء من يقول إن الإيمان أصل والعمل كمال ( فرع ) ؟ ثم ذكر الآيات ، وهي في الحقيقة عليه لا له ؛ لأن أهل العلم أهل التوحيد وأهل العقيدة ردوا عليه في هذه المسألة وغيرها ، وبينوا خطأه في مسائل الإيمان وغيرها ، بل ردوا عليه في مسألة التنازل عن الأصول ، وعدم تأدبه مع الله - سبحانه وتعالى - ، ولا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولا مع الصحابة ، وخطؤه كذلك في مسائل في الصفات ، ومسألة : نصيحة أهل البدع ، والجلوس معهم للنصح - زعم - ، ومسألة : سفر وسلمان والقرني ، وغير ذلك مما بينه أهل العلم بالأدلة من الكتاب والسنة ، وأقوال السلف في تبيين خطئه .
ومع هذا كله ما زال يجادل في الله بغير علم ولا هدىً ولا كتاب منير ليضل عن سبيل الله - سبحانه وتعالى - ، بل جادل بالباطل ليدحض به المنهج السلفي الأثري ] .
أقول : الآيات التي سقتها في ذم من يجادل بالباطل إنما تنطبق على فوزي البحريني وفرقته الحدادية ومن جرى مجراهم في الجدال بالباطل ، ويؤكد انطباقها عليهم واقعهم في " شبكتهم " ومؤلفات فوزي الأثري : " الرعود الصواعقية " ، و " البركان " ، و " القاصمة الخافضة " ، و " الفرقان " التي ملأها بالجدال بالباطل وبالأكاذيب والتحريف لكلام العلماء بتنزيله لها في غير منازلها ، وصرفها عن مراد قائليها .
(3) وقوله : [ لأن أهل العلم أهل التوحيد وأهل العقيدة ردوا عليه في هذه المسألة وغيرها ] .
أقول : وأهل العلم وأهل التوحيد وأهل العقيدة من إخوانهم أيدوني ، وأخذوا بأقوال أئمة الإسلام ؛ أهل العلم وأهل التوحيد والسنة والعقيدة .
وكذبت أنت في قولك عن أهل العلم والتوحيد والعقيدة : أنهم قد ردوا عليَّ ، فإنهم أجابوا على هذا السؤال وهو سؤال الحدادية قبل كتابتي بأكثر من سنة ، ولم يسوقوا أدلتهم على إجاباتهم ، ولا ساقوا كلام أئمة الإسلام في الإجابات على هذا السؤال ، ونحن نسلم بعلمهم ، وأنهم أهل التوحيد والعقيدة ، ونحبهم ويحبوننا ، ونحن وإياهم يجمعنا المنهج السلفي وأخوة الإسلام الصحيح .
ونحن على طريقة السلف نقول : كلام العلماء يحتج له و لا يحتج به ، وكل يؤخذ من قوله ويرد .
وهؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - يرد بعضهم على بعض ، ويرجع المردود عليه إذا كانت الحجة مع أخيه .
وهذا أحمد يرد على الشافعي وإسحاق وغيرهم من إخوانه ، ويرد على سفيان الثوري ومالك ، ويخالفهم في كثير من المسائل . وهذا الشافعي يرد على مالك ، والليث يرد على مالك . والبخاري ومسلم وغيرهم مجتهدون لا يلتزمون مذهب أحد من الأئمة . وهذا ابن تيمية يرد ويأخذ ويعطي من أقوال الأئمة . كذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه يأخذون من أقوال الأئمة الكبار ما يوافق الدليل ، ويردون ما خالف ذلك .
فهذا هو منهج السلف بخلاف منهج الحدادية الذين يأخذون ما يوافق هواهم ، ويردون ما خالف هواهم ، ولو اجتمع عليه السلف واستند إلى الكتاب والسنة .
وأنتم أيها الحدادية لا تقبلون من أقوال العلماء إلا ما يوافق أهواءكم ، وتردون أقوال العلماء الواضحة القائمة على الكتاب والسنة ، فميزانكم فيما تأخذون وتردون إنما هو أهواؤكم ، لا كتاب الله ولا سنة رسوله ، وأدلتنا على فساد منهجكم هذا كثيرة ، ومنها : ردُّكم لأقوال أئمة الإسلام وأدلتهم من الكتاب والسنة في هذا الموضوع و غيره .
(4) قوله : [ وبينوا خطأه في مسائل الإيمان وغيرها ، بل ردوا عليه في مسألة التنازل عن الأصول ، وعدم تأدبه مع الله - سبحانه وتعالى - ، ولا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولا مع الصحابة ] .
أقول : لم أُخطئ في مسائل الإيمان ، وإنَّ الذين أشار إليهم من أهل التوحيد والسنَّة لم يبينوا لي خطأً ، فهذا من بهتانك وكذبك .
أما مسألة : " التنازل عن الأصول " ؛ فأنتم معشر الحدادية تكذبون عليَّ فيها ، فتبترون كلامي عن سياقه وسباقه ، وشروطه وأدلته وقيوده ، ثم ترجفون عليَّ بهذه الأكاذيب والخيانات والبتر ، ولا تفترون عن هذه الأراجيف ، وقد كشفت هذه الجرائم التي ترتكبونها مرارًا وتكرارًا بعدد من الكتابات ، وبينتُ هذه المسألة بيانًا شافيًا بالأدلة والبراهين من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الإسلام في كتابي : " سماحة الشريعة الإسلامية وحب الله أن تؤتى رخصه " في الأصول والفروع .
مما ألجأ زعيم الحدادية الجاهل فالحًا الحربي إلى القول بالتنازل عن الأصول ، لكنه جعل هذا التنازل باسم الرخص وباسم الضرورات والإكراه (5) ، ولا يُدرك هذا الجاهل أنَّ الضرورات والإكراه داخلان تحت مراعاة المصالح والمفاسد .
• (1) قال فالح في ( ص 4 ) من " صارمه المصقول " ، وهو يناضل عن الأصول - في زعمه - ، ويكابر في مراعاة المصالح والمفاسد : [ وليعلم طالب العلم : أن باب المصالح والمفاسد باب واسع ، وأنه يختلف عن باب الضرورات والإكراه ، هذه أبواب ضيقة تقدر بقدرها ، فلا يلبسن عليه المدخلي ، ويخلط هذه الأبواب بعضها ببعض (6) ، فإنه لما رأى أنه وقع في ورطة بتأصيله هذا أدخل الضرورات والإكراه في هذا الباب ، مع أنه لا يخفى الفرق بين هذه الأبواب ، فالضرورة والإكراه رخص فيهما الشارع بأدلة خاصة معلومة لكل طالب علم ، أما باب المصالح والمفاسد فهذا مرده لأنظار المجتهدين يوازنون فيه بين المصالح والمفاسد ] . اهـ . (7)
• (2) ويقول في " الصارم المصقول " : ( ص 8 ) ناقلاً ومقررًا لكلام الشيخ عبيد ومن معه (8) : [ ... " قولكم : استجاب لهم فيها ، وهي من الأصول " : نرى أنه غير لائق ؛ لأنه يفهم منه جواز التنازل عن الأصول في حال الاختيار ، ومعلوم أن الأصول لا يحل تركها إلا في حال الإكراه بشرط بقاء طمأنينة القلب بالإيمان كما قال - تعالى - : ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ﴾ . [ النحل : 106 ] ... ] .
فقد قالوا : بجواز التنازل عن الأصول في حال الإكراه ، فلا فرق إذن بين قولي وقولهم إذ يجمعهما مراعاة المصالح والمفاسد ، فحال الإكراه تدخل في مراعاة المصالح والمفاسد ، وبذلك ينتهي شغب الحدادية عند أولي العقول والنُّهى .
لأني لم أقل : تنازل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأصول في حال الاختيار - والعياذ بالله من ذلك - ، ولا يُفهم ذلك من كلامي في النصيحة ولا في غيرها ، بل بينتُ في النصيحة الظروف الصعبة التي اضطرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عدم كتابة : « بسم الله الرحمن الرحيم » ، وعدم كتابة : « محمد رسول الله » ، وزدت ذلك توضيحًا وتأكيدًا في كتاباتي ، ومنها كتاب : " سماحة الشريعة الإسلامية " الذي لم يترك مجالاً لقائل ومعاند ، حيث بينتُ سماحة الإسلام في الرخصة للمكره أن يقول كلمة الكفر المناقضة لأصل أصول الإسلام ، بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان ، وفي قصر الصلاة الرباعية في السفر وإن طال ، وفي الجهاد اختصار الصلاة إلى ركعة في حال اشتداد القتال ، وفي حال الهرب من العدو يُومىء الهارب في صلاته إيماءًا ، والرخصة للمريض يصلي عند العجز والمشقة قاعدًا ، فإن لم يستطع فعلى جنب ، وكذا في الصيام يرخص للمسافر والمريض أن يُفطِر في شهر رمضان ، وكذا في الحج إذا حصره العدو عن أداء الحج يجوز له التحلل من الإحرام بالحج والعمرة ، وكل هذه من أصول الإسلام ، ولا يشترط الإكراه في أكثرها .
ولا يخفى أن هذه الرخص كلها روعي فيها مصالح العباد ، ومن شاء التفاصيل والأدلة فليرجع إلى كتابي : " سماحة الشريعة الإسلامية " ، وإلى كتابي : " رد الصارم المصقول " ، وإلى كتب الفقه وشروح الأحاديث في هذا المجال .
وأقول : لو كان خصومي في هذه المسائل من الروافض أو غيرهم من أهل الضلال لاقتنعوا وسكتوا ، ولكن الحدادية الشريرة المسفسطة لا تسكت ولا تخجل من المكابرة والشغب ، فهم على مذهب : [ عنز ولو طارت ] ( ! ) .
أمّا مسألة : عدم التأدب مع الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلَّم - فمِنْ أكاذيب أبي الحسن المصري وأنصاره وخياناتهم ، وقد رددت أنا وغيري هذه الافتراءات بالأدلَّة والبراهين على كذبه وكذب حزبه ، وقد نشرت هذه الردود في مقالين لي ، أحدهما : " الكر على أهل الخيانة والبتر " ، وثانيهما : " إدانة أبي الحسن في تصديقه الكذب وتطاوله بالأذى والمن " ، بيّنتُ فيهما خيانات أبي الحسن وصاحبه ( يزن ) ، ورد ثالث لأبي عمر العتيبي ، سماه " إرواء الغليل في الدفاع عن الشيخ العلامة ربيع المدخلي حامل لواء الجرح والتعديل " . بيّن فيه أكاذيب وافتراءات أبي الحسن وأعوانه المبطلين ، وتراجع أبو الحسن عما يتعلق بالله ، وأصرَّ ظلمًا على كذباته الأخرى ، وكنتم معنا ضد هذه الأكاذيب ؛ فلماذا انقلبتم على أعقابكم عن منهج السلف ، وأوغلتم في الفتن أكثر من أبي الحسن ؟ وصرتم ترددون أكاذيب أبي الحسن بين الحين والآخر أكثر منه رغم علمكم بأنها كذب ، « من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين » .
فأنتم كذابون في هذه المسألة وغيرها ، فلا يهمنَّكم نقلكم للكذب ورمي الأبرياء ، - وأنا ولله الحمد - ممن يذبُّ عن الله - تعالى - ودينه ورسوله - صلى الله عليه وسلَّم - والصحابة الكرام ، وعن أهل السنة والجماعة ، وأعظم الله حق تعظيمه ، وأحب الله ورسوله ، وأُجِّلُّ هذا الرسول وأوقره ، وأحب كتاب الله وسنة رسوله ، وأتمسك بكل ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عقيدة ومنهج ، وعمل وأخلاق ، وهذه عقيدتي ، وعلى ذلك أوالي وأعادي ، وإلى ذلك كله أدعو ، وعنه أذب ، وردودي على من يخالف هذه العقيدة وهذا المنهج كثيرة ومنتشرة ، ومن قال فيِّ غير هذا فهو أفَّاك مبين ، ومن وقف على هذه الافتراءات من أهل الحقِّ والهدى يقول : ﴿ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ . [ النور : 16 ] .
وردودي على من يطعن في الله - تعالى - ، أو في كتابه ، أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو يطعن في الصحابة الكرام ، أو يكفرهم مشهورة ومنشورة في الآفاق ، وليس للحدادية من ذلك شيء ، بل هم حرب على أهل السنة السابقين واللاحقين ، وسِلْمٌ لأهل البدع والضلال أجمعين .
(5) قال البحريني في ( ص 2 ) من بركانه : [ ومسألة : نصيحة أهل البدع ، والجلوس معهم للنصح - زعم - ، ومسألة : سفر وسلمان والقرني ، وغير ذلك مما بينه أهل العلم بالأدلة من الكتاب والسنة ، وأقوال السلف في تبيين خطئه ومع هذا كله ما زال يجادل في الله بغير علم ولا هدىً ولا كتاب منير ليضل عن سبيل الله - سبحانه وتعالى - ] .
أقول : مسألة نصيحة أهل البدع والجلوس معهم للنصح ؛ فأنا لا أذهب إلى بيوتهم ومجالسهم ، فإذا جاءني أحد منهم إلى بيتي ناصحته وبينتُ له الحق ، وهذا ليس بعيب .
فقد كان المنافقون يحضرون مجالس النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فيناصحهم ، ويبين لهم الإسلام والحق .
وهذا الشيخ ابن باز - رحمه الله - يأتيه أهل البدع وأهل التحزب إلى مجلسه ، فيناصحهم ، ويبين لهم الحق ، وهذا المفتي ، و " هيئة كبار العلماء " يأتيهم أهل البدع في " رابطة العالم الإسلامي " ، وفي مجالسهم أيضًا وينصحونهم - فيما أعتقد - ، ولا أعرف أحدًا من العلماء قال لي : أنت تجالس أهل البدع ، ولا أحد رد عليَّ من العلماء في هذا الأمر ، فهذا من كيسك المشحون بالأكاذيب .
ولعل هذا من عادتك تخالط أهل البدع لجمع الأموال ؛ لتأكلها باسم الإسلام أو باسم غيره .
ومسألة : سفر وسلمان والقرني لا أدري ما هي إلا الخصومة التي وقعت بيننا وبينهم ، وردي على سلمان ، وردي على سفر مشهوران ، وردودي على شيخهم سيد قطب مشهورة ، وخصومتهم وخصومة حزبهم لنا مشهوران .
لكن أين ردود الحدادية القديمة والجديدة على سيد قطب وعلى هؤلاء ؟ [ رمتني بدائها وانسلت ] .
وكيف يرد عليهم من هم أسوأ حالاً منهم ، وأغرق في عداوة أهل السنة وحربهم ؟ ومتى بيَّن أهل العلم هذه الأشياء التي تفتريها عليّ ؟ متى بينوها ضدي من الكتاب والسنة وأقوال السلف ؟ ومتى جادلتهم أنا بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ؛ لأدحض المنهج السلفي ؟
بل أنت وحداديتك تجادلون بالباطل لتدحضوا به المنهج السلفي .
ما رأت عيناي ، ولا سمعت أذناي أكذب من هذا الأهوج .
وكل من يعرف ربيعًا يرفض هذه الأكاذيب ، ويرمي بها في وجه هذا الأصيل في الكذب ، وفي وجه من ينشرها من الحدادية الأثيمة التي لا يمكن لها أن تعيش ويستمر " موقعها " إلا على الكذب وبالكذب .
ولهذا الرجل هذيان كثير بالأكاذيب والتشبع بما لم يُعط عشر معشاره تركته إبعادًا للقارئ عن سماعه ورؤيته ؛ لأنه تمجه الطباع الشريفة والعقول الزكية ، ويقبله أمثاله في الإفك ، [ فالأرواح جنود مجندة ، وإن الطيور على أشكالها تقع ] .
وما في معناه من زخارف وتزيين الشيطان "
رد على فوزي البحريني المنعوت زورًا بـ [ الأثري ] !
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه . أما بعد :
فقد دأبت الفرقة الحدادية الفاجرة على حرب أهل السنة من سنين ، - لا يكلّون ولا يملّون - بالأكاذيب والخيانات وبتر النصوص ، وتحريفها عن مواضعها وعن مراد قائليها من العلماء الهداة وتنزيلها في غير منازلها ، وقد بينتُ ذلك من واقعهم المخزي في غير ما مقال .
ثم قد سبق لي قبل أيام : أن رددت على فوزي البحريني مفتريات ضمّنها بحثه الموسوم بـ " الرعود الصواعقية " ، ونُشر هذا الرد في " شبكة سحاب السلفية " ، ولم يقف هذا البحريني عند مفترياته الصواعقية ! ، بل ألّف ثلاثة بحوث ، أو سمِّها رسائل تدور كلها على محاور معينة ، متحدة المضامين ، وهي : " البركان لنسف مقالات ربيع المدخلي في مسائل الإيمان " ؛ ثم " القاصمة الخافضة لفرقة المرجئة الخامسة داحضة " ؛ ثم " الفرقان في بيان الفرق بين مذهب السلف وبين مذهب ربيع المدخلي في مسائل الإيمان " ، وكلها من تزيين وزخرفة الشيطان .
يكذب فيها ويحرِّف كلام العلماء ، وينزله في غير منازله في كل محور على نمط واحد وطريقة واحدة .
هذا ؛ ولم يصل إليَّ كل من " القاصمة " و " الفرقان " إلا بعد أن أوشكت على الانتهاء من الرد على " البركان " ، فلما وجدتهما لا يخرجان عن محاور " البركان " ، اكتفيت بالرد على " البركان " ؛ لأنّ هذا الرَّد يأتي على كل ما بناه فيها وزخرفه من الأباطيل والأكاذيب والتحريفات ، فينسفها نسفًا .
فيصدق عليها قول الله - تعالى - : ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ﴾ . [ الأنبياء : 18 ] .
وقد كان ذلك بفضل الله وتوفيقه ونصره للحق وأهله .
هل يعتبر مرجئًا من يقول : [ الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ]
ولم يقل : [ ينقص حتى لا يبقى منه شيء ] ؟
لقد بيّن علماء السنة كعبد الله بن أحمد ، والخلاَّل ، والآجري ، واللالكائي ، وابن بطة ، وغيرهم منهج أهل السنة وغيرهم في الإيمان غاية البيان .
وأنه عند أهل السنة : قول وعمل واعتقاد ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، ونحن ندين الله بما قالوه ونقلوه واعتقدوه منذ نعومة أظفارنا في العلم ، ونقرر ذلك في مؤلفاتنا ودروسنا ومحاضراتنا ، ونوالي على ذلك ونعادي ، حتى جاء الأفاكون الحاقدون المدسوسون على أهل السنة لحربهم نيابة عن أهل الأهواء ، فطعنوا فينا بشتى الطعون الفاجرة .
• منها : رميهم لنا بأننا مرجئة ، ووضعوا لذلك أصولاً باطلة ظالمة ، يحاربوننا بها ، كلما هدمناها أعادوها بدون حياء ولا خجل .
• ومنها : قولهم : ( الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، وينقص حتى لا يبقى منه شيء ) ، والذي لا يذكر هذه الزيادة : ( حتى لا يبقى منه شيء ) ؛ فهو عندهم مرجئ .
• وأوجبوها على الناس ، وحاربوا أهل السنة من أجلها ، وبدعوهم من أجلها (1) ، ولا يدري هؤلاء الأغمار أن هذا التبديع ينطبق على السلف الصالح الذين لم يلتزموها وإن قالها بعضهم ، ولقد بدعوني أنا ، وحكموا عليَّ بالإرجاء ، وأرجفوا بها عليَّ كثيرًا في عدد من مقالاتهم ، ولا سيما مقالات : فوزي البحريني ، مع أني أقولها وأعيدها من قبل أن تولد الحدادية - القديمة والجديدة - ، لكن لا ألتزمها ؛ لأن الصحابة والتابعين لم يقولوها ؛ ولأنه لا دليل على وجوب القول بها ، ولم يقلها جمهور السلف ، ومن قالها لم يلتزمها ، ولم يُلزم بها غيره ، ومع ذلك ؛ فأنا أقولها أحيانًا ، فمن ذلك أقوالي الآتية :
• أولاً : قلت في شرح الحديث الثاني عشر من " مذكرة الحديث النبوي " التي ألفتها في عام 1406 هـ : جهاد المنحرفين عن هدي الأنبياء : عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : « ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده ؛ فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه ؛ فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه ؛ فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل » . [ أخرجه مسلم في كتاب " الإيمان " : حديث رقم ( 80 ) ، (1/69 ، 70) ، وأحمد : (1/458 ، 461 ] .
شرحت هذا الحديث ، وقلت خلال شرحه في ( ص 44 ) : ( ويبقى في كل أمة علماء مخلصون أوفياء لدينهم يجاهدون ويناضلون عن تعاليم أنبيائهم ، كل على حسب طاقته ومنزلته من الإيمان ؛ فمجاهد بلسانه ، ومجاهد بيده ، ومجاهد بقلبه ، وذلك أضعف الإيمان . وليس وراءه شيء من الإيمان .
- واستخرجت منه عددًا من المسائل منها - :
(8) وفيه بيان مراتب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأنه على حسب طاقة أصناف المجاهدين ؛ فمن يستطيع الجهاد وإزالة المنكر بيده فعليه أن يقوم بهذا الواجب ، ومن عجز عن هذه المرتبة واستطاع أن يقول كلمة الحق فعليه أن يقولها ، ومن عجز عن ذلك فعليه أن يقوم بما يستطيعه وهو الجهاد بالقلب وإنكار الباطل بقلبه ، فإن فاته هذا فليس بمؤمن وقد مات قلبه .
(9) وفيه أن الإيمان يتفاوت ويزيد وينقص ، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان ) . " مذكرة الحديث النبوي " : ( ص 46 ) .
• ثانيًا : وقلت في الشريط الأول من " دروس الشريعة " عام 1422 هـ قبل قيام فتنة الحدادية الجديدة عندما ذكرت أقوال أهل العلم في حكم تارك الصلاة : ( فبعضهم وافق الصحابة أو جلهم في تكفير تارك الصلاة ، ولم يكفروا تارك الزكاة أو الصوم أو الحج أو جميعها ، لكن يقولون : هو فاسق ناقص الإيمان وإيمانه ينقص إلى مثقال ذرة بل إلى حد الزوال ) .
• ثالثًا : قلت في شرح كتاب الإيمان من " صحيح البخاري " في دورة الرياض عام 1426 هـ المسجلة صوتيًا : " وهناك أحاديث دلّت على أن الإيمانَ ينقص : « يخرجُ من النار من قال : لا إله إلا الله ، وعنده أدْنَى مثقال ذرة من الإيمان » ؛ فهذا يدل على أن الإيمان ينقص وينقص ، من دينار إلى درهم إلى كذا ، ويزيد إلى أن يصِلَ إلى أمثال الجبال ؛ فهذا فيه رد على المرجئة الذين يقولون الإيمان : التصديق ، كالأشاعرة ، أو الإيمان : التصديق والنطق بالشهادتين ، والعمل عندهم لا يدخل في الإيمان ، ولا يزيد الإيمان ولا ينقص ، فردَّ عليهم السلف وضلّلوهم وبيّنوا انحرافهم عن كتاب الله وسنة الرسول ... ) .
ثم قلت : ( وعند المرجئة : الإيمان لا يتجزأ ؛ لأنه إذا نقص عندهم ؛ حل محله الكفر والشك ، فلهذا ما ينقص !! لا ، نحن عندنا الإيمان يتجزأ ويتجزأ ، كالجبل - وبعدين - ينقص وينقص حتى يصير كالذرة . الخوارج يقولون : الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، إذا ارتكب الكبيرة خرج من الإيمان ! والمرجئة يقولون : الإيمان لا ينقص ؛ فإنه لا ينقص إلا بالكفر والشك ، فإذا دخله الشك والريب ، أو الكفر انتهى . فلهذا يقولون : الإيمان لا يزيد ولا ينقص ، لأننا إذا قلنا بنقصانه معناه أنه خرج من الإيمان ، بالنقصان أنت تخرج من الإيمان ! ) .
ثم قلت : ( ... ﴿ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ . [ الكهف : 13 ] ، كانوا على هدًى ؛ فزادهم الله هدى ، والهدى : هو الإيمان ؛ وهذا من الأدلة على أن الإيمان يزيد ، ومنه نأخذ أن ما يَقبلُ الزيادة يقبل النقص قطعًا ؛ هذا من ناحية العقل . ومن ناحية الشرع - ننظر - في الأحاديث التي تدل على أن الإيمان ينقص وينقص ، وينقص وينقص حتى لا يبقى منه إلا مثل حبة خردل ، أو أدنى من مثقال ذرة من الإيمان أو من - العمل - ) .
ثم قلت : ( ... ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ . [ الأنفال : 4 ] : هم المؤمنون كامِلو الإيمان ، يدل على أن الإيمان الكامل لا يكون حقًّا وكاملاً إلا إذا وُجدت أعمال القلوب وأعمال الجوارح ، بخلاف ما يقوله المرجئة ؛ فكثير منهم قد يُدخلون أعمال القلوب في الإيمان - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ، وكثير منهم لا يدخلون أعمال القلوب في الإيمان ، لكن أعمال الجوارح ؛ - مرجئة الفقهاء - لا يدخلون فيها أعمال الجوارح ، والآيات كلها تدمغهم ، وأن الأعمال من صميم الإيمان ، وأن الإيمانَ بدونِها قد يضيع ، وقد يُخْرِجُ من الإسلام وقد لا يبقى منه إلا مثقال ذرة ) .
• رابعًا : ذكر الإمام الصابوني عشرة من الأئمة منهم : سفيان بن عيينة أنهم يقولون : ( الإيمان قول وعمل ) ، أقول : لم يذكروا لفظ : ( يزيد وينقص ) .
وذكرت في شرحي لكلامه أن الإمام البخاري لقي أكثر من ألف شيخ ، كلهم يقولون : ( الإيمان قول وعمل ) ، ولم يذكروا لفظة الزيادة والنقصان من الإيمان .
ثم قلت : ( سأل ابن أبي حاتم أبا زرعة وأباه عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين وما يعتقده علماء الأمصار ، وما يعتقدانه هما فقالا : أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا ، ومصرًا وشامًا ويمنًا ، فكان من مذهبهم أنَّ : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص .
علماء الأمصار جميعًا وقبلهم الصحابة ، ما قالوا : ( ينقص ,ينقص حتى لا يبقى منه شيء ) !
إذا قال الإنسان : ( ينقص ، وينقص حتى لا يبقى منه شيء ) ؛ فلا بأس ، لكن هل لا بد أن يقول هذا وإذا لم يقل فهو مرجئ !؟ هذا حكم مجرم على الصحابة وعلى التابعين وعلى أئمة الإسلام جميعًا ؛ فإنه يلزم على منهجهم هذا أنهم مرجئة ! ) .
ثم قلت : ( نعم قل : ( حتى لا يبقى منه شيء ) لكن هل هذا يطرد في جميع الناس ؟ كل من نقص إيمانه كفر !؟ هذا مذهب الخوارج ؛ مذهب تكفيري ، وأظنهم يريدون هذا ! فقد ينقص إيمانه ويبقى منه شيء ؛ يبقى مقدار دينار ، مقدار نصف دينار ، يبقى أكثر من ذلك ، يبقى مقدار درهم ، مقدار نصف درهم ، مثقال حبة شعير إلى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان ، وقد لا يبقى منه شيء .
والخلاف أصله بيننا وبين الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة ؛ الخوارج يقولون : كفر خرج من الإسلام ! ونحن نقول : لا يخرج مهما أذنب ما دام لم يقع في الشرك بالله - تبارك وتعالى - كما قال : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ . [ النساء : 48 ] .
يعني : زنا وسرق وقتل ، وو ... إلى آخره ، ولكن يعتقد حرمة هذه الأشياء ، هذا ينقص إيمانه حتى لا يبقى معه إلا مثقال ذرة .
وقد يحصل لبعض الناس : أن يخرج من الإسلام ويرتد - قد يحصل - لكن ليست قاعدة مضطردة في جميع الناس ؛ هم كأنهم يريدون قاعدة مضطردة أي : أنَّ كل من نقص إيمانه خرج من الإيمان ! يعني خبث ! وهذا مذهب الخوارج !!
الشاهد : إن هذا المذهب الخبيث أُنشئ لحرب أهل السنة وإسقاط علمائهم ، وتشويه منهجهم ومخالفته في كثير من القضايا ) . انظر : " شرح عقيدة السلف أصحاب الحديث - للإمام الصابوني " : ( ص 171 - 175 ) .
ترى أني أقول بهذه الزيادة ولا أنكرها كما يفتري عليَّ شيخ الحدادية الجهول الظلوم ، ولكني لا أرى وجوب القول بها ، ولا ألزم بها الناس ؛ لأن إيجاب القول بها يؤدي إلى إيجاب حكم لم يوجبه الله تعالى ولا رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ويؤدي إلى تضليل أهل السنة حتى تضليل من يقولها من الأئمة ؛ لأنهم لا يقولونها في غالب أمرهم ؛ ثم هم قلة .
ومن أقوالي القديمة والحديثة يرى القارئ الكريم أني أقول بهذه الزيادة ولا أنكرها ، وسأنقل من أقوال العلماء أئمة الإسلام ما يبين أننا نسير على نهجهم ، ونترسم خطاهم ، ولم نخالفهم في شيء أبدًا .
بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الإيمان
قال الإمام اللالكائي - رحمه الله - المتوفى سنة ( 418 هـ ) في كتابه " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " : (5/1028 - 1031) : - ط : دار طيبة ، الطبعة الثالثة - ، بعد أن ساق أقوال الصحابة والتابعين في الإيمان ، وأنهم يقولون : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، قال - رحمه الله - : ( قول الطبقة الثالثة من الفقهاء في الزيادة والنقصان : سفيان الثوري ، وابن جريج ، ومعمر ، والأوزاعي ، ومالك بن أنس ، وسفيان بن عيينة ، ومالك ابن مغول ، وابن أبي ليلى ، وأبي بكر بن عياش ، وزهير بن معاوية ، وزائدة ، وفضيل بن عياض ، وجرير بن عبد الحميد ، وحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد ، وابن المبارك ، وأبي شهاب ، والحناط (2) ، وعبثر بن القاسم ، ويحيى بن سعيد القطان ، ووكيع ، وشعيب بن حريث ، وإسماعيل بن عياش ، والوليد بن مسلم ، والوليد بن محمد ، ويزيد بن السائب ، والنضر بن شميل ، والنضر بن محمد المروزي ، ومفضل بن مهلهل ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي عبيد ، وعلي بن المديني .
وقال سهل بن المتوكل : ( أدركت ألف أستاذ أو أكثر كلهم يقولون : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) .
وقال يعقوب بن سفيان : ( أدركت أهل السنة والجماعة على ذلك ) ، وذكر أسامي جماعة نذكرهم في آخر المسألة - إن شاء الله - .
1735 - أنا أحمد بن محمد بن عروة ، نا عبد الله بن سليمان ، نا سلمة بن شبيب قال : نا عبد الرزاق ، قال : سمعت سفيان الثوري ، وابن جريج ، ومالك بن أنس ، ومعمر بن راشد ، وسفيان بن عيينة يقولون : ( إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) .
1736 - أنا عيسى بن علي ، أنا عبد الله بن محمد البغوي قال : نا ابن زنجويه قال : نا عبد الرزاق قال : سمعت سفيان ، وابن جريج ، ومعمرًا يقولون : ( الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) ، فقيل لعبد الرزاق : ما تقول أنت ؟ فقال : ( ما لقيت أحدًا من طرق إلا هذا قوله ) .
وقال عبد الرزاق ، وقال سفيان : ( نحن مؤمنون عند أنفسنا ؛ فأما عند الله فلا ندري ما حالنا ) .
1737 - ذكر محمد بن الحسن قال : حدثني بشر بن علي القاضي قال : حدثني أبو عبد الغني الحسن بن علي نعمان (3) قال : نا عبد الرزاق قال : لقيت اثنين وستين شيخًا منهم : معمر ، والأوزاعي ، والثوري ، والوليد بن محمد القرشي ، ويزيد بن السائب ، وحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد ، وسفيان بن عيينة ، وشعيب بن حرب ، ووكيع بن الجراح ، ومالك بن أنس ، وابن أبي ليلى ، وإسماعيل بن عياش ، والوليد بن مسلم ، ومن لم نسمه كلهم يقولون : ( الإيمان قول وعمل يزيد وينقص )
1738 - أنا محمد بن الحسين الفارسي قال : نا أحمد بن سعيد الثقفي قال : نا محمد بن يحيى الذهلي قال : نا أبو أحمد الزبيري ، قال : سمعت سفيان - يعني الثوري - غير مرة يقول : ( الإيمان يزيد وينقص ) .
1739 - أنا محمد بن الحسين ، أنا أحمد بن سعيد الثقفي قال : نا محمد بن يحيى الذهلي قال : نا فديك بن سليمان قال : سئل الأوزاعي عن الإيمان ؛ فقال : ( الإيمان يزيد وينقص ؛ فمن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص ؛ فهو صاحب بدعة ) .
1740 - وأنا محمد بن أحمد الطوسي قال : نا محمد بن يعقوب قال : نا العباس بن الوليد البيروتي قال : نا أبو قدامة الجبيلي قال : سمعت عقبة بن علقمة قال : سألت الأوزاعي عن الإيمان أيزيد ؟ قال : ( نعم حتى يكون كالجبال ) ، قلت : فينقص ؟ قال : ( نعم ؛ حتى لا يبقى منه شيء ) ، وسئل العباس : أتقول بقول الأوزاعي !؟ قال : ( نعم ) . (4)
1741 - وأنا أحمد بن عبيد ، أنا محمد بن الحسين ، نا أحمد بن زهير قال : نا التميمي قال : نا أبو مسهر قال : حدثني بقية قال : سمعت الأوزاعي يقول : ( الإيمان يزيد وينقص ) .
1742 - أنا محمد بن عبيد الله بن الحجاج قال : نا أحمد بن الحسن قال : نا عبد الله بن أحمد قال : حدثني أبو الحسن بن القطان محمد بن محمد قال : سمعت سريج بن النعمان يقول : سألت عبد الله بن نافع قال : قال مالك : ( الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) .
أقول : أما أهل السنة على امتداد تاريخ الإسلام إلى يومنا هذا فيرون أن هذا القول حق وصدق ومستمد من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه رد كاف على الخوارج والمرجئة على اختلاف أصنافهم .
وأما على رأي الحداديين الحاقدين الأفاكين على أهل السنة ؛ فإن هذا التعريف من أهل السنة للإيمان لا يكفي والقائلون به يعتبرون مرجئة ضلالاً ؛ لأنهم قصّروا في تعريف الإيمان على مذهب الحدادية ؛ لأنهم لم يقولوا بقول الحدادية الذي أوجبوه ، وهو : ( أن الإيمان يزيد وينقص حتى لا يبقى منه شيء ) ؛ لأن هذا عندهم جزء من تعريف الإيمان ، فمن لم يأت به في تعريف الإيمان ؛ فهو مرجئ ضال، ولا بد من حربه وتضليله ( ! ) .
تأمل أخي قول سهل بن المتوكل : ( أدركت ألف أستاذ أو أكثر كلهم يقولون : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ) .
وانظر إلى من سرد الإمام اللالكائي أسماءهم ممن لا يساوي الحدادية كلهم أخمص قدم واحد منهم كيف يقولون : ( إن الإيمان يزيد وينقص ) ، ولا يزيدون ما يشترطه الحدادية الغالية الكاذبة في غلوها المفتعل لإدامة الحرب على أهل السنة .
ونقل الإمام اللالكائي - رحمه الله - في كتابه : " شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة " : (5/959) بإسناده عن الإمام البخاري أنه قال : ( كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ، ولم أكتب إلا عن من قال : الإيمان قول وعمل ، ولم أكتب عن من قال : الإيمان قول ) .
فيا ويل البخاري وشيوخه من بطش الحدادية كيف يقولون : ( الإيمان قول وعمل ) ؟ ، ولم يقولوا : ( يزيد وينقص حتى لا يبقى منه شيء ) !
فهؤلاء الأئمة كلهم - في نظر الحدادية وعلى رأسهم : فالح وفوزي البحريني - من غلاة المرجئة ؛ لأنهم خالفوا ما يشترطه الحدادية ويوجبونه من أنه لا بد أن يقال : ( الإيمان يزيد وينقص حتى لا يبقى منه شيء ) .
فهل يستطيع أهل السنة السابقون واللاحقون أن ينجوا من بطش هؤلاء الحدادية الغيورين أو المغاوير .
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في " مجموع الفتاوى " : (7/223 - 224) : ( وأما قول القائل : إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله ، فهذا ممنوع ، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان ؛ فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله لم يبق منه شيء ، ثم قالت " الخوارج والمعتزلة " : هو مجموع ما أمر الله به ورسوله ، وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث ؛ قالوا : فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء ؛ فيخلد في النار .
وقالت " المرجئة " - على اختلاف فرقهم - : لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئًا من الإيمان إذ لو ذهب شيء منه لم يبق منه شيء فيكون شيئًا واحدًا يستوي فيه البر والفاجر ، ونصوص الرسول وأصحابه تدل على ذهاب بعضه وبقاء بعضه كقوله : « يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان » ، ولهذا كان " أهل السنة والحديث " على أنه يتفاضل ، وجمهورهم يقولون : يزيد وينقص ، ومنهم من يقول : يزيد ولا يقول : ينقص ، كما روى عن مالك في إحدى الروايتين ، ومنهم من يقول : يتفاضل كعبد الله بن المبارك ، وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة ولم يعرف فيه مخالف من الصحابة ) .
والظاهر من حماس الحدادية : أنهم ينطلقون من هذا الأصل الذي تفرعت عنه البدع ألا وهو : أن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله .
وإلا ؛ فما هو السر في إصرارهم وإلحاحهم على إيجاب هذا القول على الناس أن يقولوا : ( الإيمان ينقص حتى لا يبقى منه شيء ) ، ثم يبدعون من لم يقل بما أوجبوه .
وقال في " المجموع " (18/270) : ( فهكذا يقول جمهور السلف وأهل الحديث : إن من ترك واجبًا من واجبات الإيمان الذي لا يناقض أصول الإيمان فعليه أن يجبر إيمانه إما بالتوبة وإما بالحسنات المكفرة ، فالكبائر يتوب منها والصغائر تكفرها : الصلاة والصيام والصدقة ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فإن لم يفعل لم يحبط إيمانه جملة . وأصلهم أن الإيمان يتبعض فيذهب بعضه ويبقى بعضه ... ) . ا.هـ .
[ فوزي الأشري ] ينقل من مصادر أهل السنة
ما يوافق هواه ، ويكتم ما عداه !
لم ينقل فوزي شيئًا مما أسلفناه عن مئات من أئمة أهل السنة ، بل كتم ذلك مكرًا وكيدًا ؛ ليصول ويجول باسم أهل السنة على أعدائه من أهل السنة .
(1) قال البحريني في ( ص 2 ) من بركانه : [ وأبتدئ السؤال عن مقال ربيع المدخلي الذي تكلم فيه من فترة قصيرة ويقرر فيه مذهب المرجئة ويريد كثير من الإخوان أن نجيب عليه إجابات أثرية .
فأولاً أقول : السؤال هو من وضع ربيع ، ثم أجاب عليه بكلام مخلط وخبط كعادته في الإجابة على بعض مسائل الإيمان ، وخالف السلف فيها ، فالسؤال يختلف عن الإجابة ، والإجابة تختلف عن السؤال تمامًا ، وأنا اطلعت على جميع ما كتبه ، ثم رجعت إلى المراجع التي ذكرها بأكملها من قول ابن منده في كتابه " الإيمان " ، وكذلك قول شيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن رجب ، وغيرهم من علماء الأمة ] .
أقول : السؤال إنما هو من وضع الحدادية ، هم وضعوه للشغب والفتنة ، وأرجفوا به في موقع " الأثري " مدة طويلة ، فرددت عليه بأقوال أئمة عظماء ، لا يرفض كلامهم وأدلتهم إلا أهل البدع الذين يرفضون أقوال أئمة السنة وأدلتهم .
وليس في كلامي خلط ولا خبط ، ولم أخالف السلف ، والحدادية : هم الذين يخالفون السلف ، وإجابتي تطابق السؤال ولا تخالفه ؛ كما يفتري هذا البحريني .
(2) قال البحريني في ( ص 2 ) من بركانه : [ فالسؤال الذي وضعه ربيع ثم أجاب عنه : هو هل يجوز أن يُرْمى بالإرجاء من يقول إن الإيمان أصل والعمل كمال ( فرع ) ؟ ثم ذكر الآيات ، وهي في الحقيقة عليه لا له ؛ لأن أهل العلم أهل التوحيد وأهل العقيدة ردوا عليه في هذه المسألة وغيرها ، وبينوا خطأه في مسائل الإيمان وغيرها ، بل ردوا عليه في مسألة التنازل عن الأصول ، وعدم تأدبه مع الله - سبحانه وتعالى - ، ولا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولا مع الصحابة ، وخطؤه كذلك في مسائل في الصفات ، ومسألة : نصيحة أهل البدع ، والجلوس معهم للنصح - زعم - ، ومسألة : سفر وسلمان والقرني ، وغير ذلك مما بينه أهل العلم بالأدلة من الكتاب والسنة ، وأقوال السلف في تبيين خطئه .
ومع هذا كله ما زال يجادل في الله بغير علم ولا هدىً ولا كتاب منير ليضل عن سبيل الله - سبحانه وتعالى - ، بل جادل بالباطل ليدحض به المنهج السلفي الأثري ] .
أقول : الآيات التي سقتها في ذم من يجادل بالباطل إنما تنطبق على فوزي البحريني وفرقته الحدادية ومن جرى مجراهم في الجدال بالباطل ، ويؤكد انطباقها عليهم واقعهم في " شبكتهم " ومؤلفات فوزي الأثري : " الرعود الصواعقية " ، و " البركان " ، و " القاصمة الخافضة " ، و " الفرقان " التي ملأها بالجدال بالباطل وبالأكاذيب والتحريف لكلام العلماء بتنزيله لها في غير منازلها ، وصرفها عن مراد قائليها .
(3) وقوله : [ لأن أهل العلم أهل التوحيد وأهل العقيدة ردوا عليه في هذه المسألة وغيرها ] .
أقول : وأهل العلم وأهل التوحيد وأهل العقيدة من إخوانهم أيدوني ، وأخذوا بأقوال أئمة الإسلام ؛ أهل العلم وأهل التوحيد والسنة والعقيدة .
وكذبت أنت في قولك عن أهل العلم والتوحيد والعقيدة : أنهم قد ردوا عليَّ ، فإنهم أجابوا على هذا السؤال وهو سؤال الحدادية قبل كتابتي بأكثر من سنة ، ولم يسوقوا أدلتهم على إجاباتهم ، ولا ساقوا كلام أئمة الإسلام في الإجابات على هذا السؤال ، ونحن نسلم بعلمهم ، وأنهم أهل التوحيد والعقيدة ، ونحبهم ويحبوننا ، ونحن وإياهم يجمعنا المنهج السلفي وأخوة الإسلام الصحيح .
ونحن على طريقة السلف نقول : كلام العلماء يحتج له و لا يحتج به ، وكل يؤخذ من قوله ويرد .
وهؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - يرد بعضهم على بعض ، ويرجع المردود عليه إذا كانت الحجة مع أخيه .
وهذا أحمد يرد على الشافعي وإسحاق وغيرهم من إخوانه ، ويرد على سفيان الثوري ومالك ، ويخالفهم في كثير من المسائل . وهذا الشافعي يرد على مالك ، والليث يرد على مالك . والبخاري ومسلم وغيرهم مجتهدون لا يلتزمون مذهب أحد من الأئمة . وهذا ابن تيمية يرد ويأخذ ويعطي من أقوال الأئمة . كذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه يأخذون من أقوال الأئمة الكبار ما يوافق الدليل ، ويردون ما خالف ذلك .
فهذا هو منهج السلف بخلاف منهج الحدادية الذين يأخذون ما يوافق هواهم ، ويردون ما خالف هواهم ، ولو اجتمع عليه السلف واستند إلى الكتاب والسنة .
وأنتم أيها الحدادية لا تقبلون من أقوال العلماء إلا ما يوافق أهواءكم ، وتردون أقوال العلماء الواضحة القائمة على الكتاب والسنة ، فميزانكم فيما تأخذون وتردون إنما هو أهواؤكم ، لا كتاب الله ولا سنة رسوله ، وأدلتنا على فساد منهجكم هذا كثيرة ، ومنها : ردُّكم لأقوال أئمة الإسلام وأدلتهم من الكتاب والسنة في هذا الموضوع و غيره .
(4) قوله : [ وبينوا خطأه في مسائل الإيمان وغيرها ، بل ردوا عليه في مسألة التنازل عن الأصول ، وعدم تأدبه مع الله - سبحانه وتعالى - ، ولا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولا مع الصحابة ] .
أقول : لم أُخطئ في مسائل الإيمان ، وإنَّ الذين أشار إليهم من أهل التوحيد والسنَّة لم يبينوا لي خطأً ، فهذا من بهتانك وكذبك .
أما مسألة : " التنازل عن الأصول " ؛ فأنتم معشر الحدادية تكذبون عليَّ فيها ، فتبترون كلامي عن سياقه وسباقه ، وشروطه وأدلته وقيوده ، ثم ترجفون عليَّ بهذه الأكاذيب والخيانات والبتر ، ولا تفترون عن هذه الأراجيف ، وقد كشفت هذه الجرائم التي ترتكبونها مرارًا وتكرارًا بعدد من الكتابات ، وبينتُ هذه المسألة بيانًا شافيًا بالأدلة والبراهين من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الإسلام في كتابي : " سماحة الشريعة الإسلامية وحب الله أن تؤتى رخصه " في الأصول والفروع .
مما ألجأ زعيم الحدادية الجاهل فالحًا الحربي إلى القول بالتنازل عن الأصول ، لكنه جعل هذا التنازل باسم الرخص وباسم الضرورات والإكراه (5) ، ولا يُدرك هذا الجاهل أنَّ الضرورات والإكراه داخلان تحت مراعاة المصالح والمفاسد .
• (1) قال فالح في ( ص 4 ) من " صارمه المصقول " ، وهو يناضل عن الأصول - في زعمه - ، ويكابر في مراعاة المصالح والمفاسد : [ وليعلم طالب العلم : أن باب المصالح والمفاسد باب واسع ، وأنه يختلف عن باب الضرورات والإكراه ، هذه أبواب ضيقة تقدر بقدرها ، فلا يلبسن عليه المدخلي ، ويخلط هذه الأبواب بعضها ببعض (6) ، فإنه لما رأى أنه وقع في ورطة بتأصيله هذا أدخل الضرورات والإكراه في هذا الباب ، مع أنه لا يخفى الفرق بين هذه الأبواب ، فالضرورة والإكراه رخص فيهما الشارع بأدلة خاصة معلومة لكل طالب علم ، أما باب المصالح والمفاسد فهذا مرده لأنظار المجتهدين يوازنون فيه بين المصالح والمفاسد ] . اهـ . (7)
• (2) ويقول في " الصارم المصقول " : ( ص 8 ) ناقلاً ومقررًا لكلام الشيخ عبيد ومن معه (8) : [ ... " قولكم : استجاب لهم فيها ، وهي من الأصول " : نرى أنه غير لائق ؛ لأنه يفهم منه جواز التنازل عن الأصول في حال الاختيار ، ومعلوم أن الأصول لا يحل تركها إلا في حال الإكراه بشرط بقاء طمأنينة القلب بالإيمان كما قال - تعالى - : ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ﴾ . [ النحل : 106 ] ... ] .
فقد قالوا : بجواز التنازل عن الأصول في حال الإكراه ، فلا فرق إذن بين قولي وقولهم إذ يجمعهما مراعاة المصالح والمفاسد ، فحال الإكراه تدخل في مراعاة المصالح والمفاسد ، وبذلك ينتهي شغب الحدادية عند أولي العقول والنُّهى .
لأني لم أقل : تنازل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الأصول في حال الاختيار - والعياذ بالله من ذلك - ، ولا يُفهم ذلك من كلامي في النصيحة ولا في غيرها ، بل بينتُ في النصيحة الظروف الصعبة التي اضطرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عدم كتابة : « بسم الله الرحمن الرحيم » ، وعدم كتابة : « محمد رسول الله » ، وزدت ذلك توضيحًا وتأكيدًا في كتاباتي ، ومنها كتاب : " سماحة الشريعة الإسلامية " الذي لم يترك مجالاً لقائل ومعاند ، حيث بينتُ سماحة الإسلام في الرخصة للمكره أن يقول كلمة الكفر المناقضة لأصل أصول الإسلام ، بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان ، وفي قصر الصلاة الرباعية في السفر وإن طال ، وفي الجهاد اختصار الصلاة إلى ركعة في حال اشتداد القتال ، وفي حال الهرب من العدو يُومىء الهارب في صلاته إيماءًا ، والرخصة للمريض يصلي عند العجز والمشقة قاعدًا ، فإن لم يستطع فعلى جنب ، وكذا في الصيام يرخص للمسافر والمريض أن يُفطِر في شهر رمضان ، وكذا في الحج إذا حصره العدو عن أداء الحج يجوز له التحلل من الإحرام بالحج والعمرة ، وكل هذه من أصول الإسلام ، ولا يشترط الإكراه في أكثرها .
ولا يخفى أن هذه الرخص كلها روعي فيها مصالح العباد ، ومن شاء التفاصيل والأدلة فليرجع إلى كتابي : " سماحة الشريعة الإسلامية " ، وإلى كتابي : " رد الصارم المصقول " ، وإلى كتب الفقه وشروح الأحاديث في هذا المجال .
وأقول : لو كان خصومي في هذه المسائل من الروافض أو غيرهم من أهل الضلال لاقتنعوا وسكتوا ، ولكن الحدادية الشريرة المسفسطة لا تسكت ولا تخجل من المكابرة والشغب ، فهم على مذهب : [ عنز ولو طارت ] ( ! ) .
أمّا مسألة : عدم التأدب مع الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلَّم - فمِنْ أكاذيب أبي الحسن المصري وأنصاره وخياناتهم ، وقد رددت أنا وغيري هذه الافتراءات بالأدلَّة والبراهين على كذبه وكذب حزبه ، وقد نشرت هذه الردود في مقالين لي ، أحدهما : " الكر على أهل الخيانة والبتر " ، وثانيهما : " إدانة أبي الحسن في تصديقه الكذب وتطاوله بالأذى والمن " ، بيّنتُ فيهما خيانات أبي الحسن وصاحبه ( يزن ) ، ورد ثالث لأبي عمر العتيبي ، سماه " إرواء الغليل في الدفاع عن الشيخ العلامة ربيع المدخلي حامل لواء الجرح والتعديل " . بيّن فيه أكاذيب وافتراءات أبي الحسن وأعوانه المبطلين ، وتراجع أبو الحسن عما يتعلق بالله ، وأصرَّ ظلمًا على كذباته الأخرى ، وكنتم معنا ضد هذه الأكاذيب ؛ فلماذا انقلبتم على أعقابكم عن منهج السلف ، وأوغلتم في الفتن أكثر من أبي الحسن ؟ وصرتم ترددون أكاذيب أبي الحسن بين الحين والآخر أكثر منه رغم علمكم بأنها كذب ، « من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين » .
فأنتم كذابون في هذه المسألة وغيرها ، فلا يهمنَّكم نقلكم للكذب ورمي الأبرياء ، - وأنا ولله الحمد - ممن يذبُّ عن الله - تعالى - ودينه ورسوله - صلى الله عليه وسلَّم - والصحابة الكرام ، وعن أهل السنة والجماعة ، وأعظم الله حق تعظيمه ، وأحب الله ورسوله ، وأُجِّلُّ هذا الرسول وأوقره ، وأحب كتاب الله وسنة رسوله ، وأتمسك بكل ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عقيدة ومنهج ، وعمل وأخلاق ، وهذه عقيدتي ، وعلى ذلك أوالي وأعادي ، وإلى ذلك كله أدعو ، وعنه أذب ، وردودي على من يخالف هذه العقيدة وهذا المنهج كثيرة ومنتشرة ، ومن قال فيِّ غير هذا فهو أفَّاك مبين ، ومن وقف على هذه الافتراءات من أهل الحقِّ والهدى يقول : ﴿ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ . [ النور : 16 ] .
وردودي على من يطعن في الله - تعالى - ، أو في كتابه ، أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أو يطعن في الصحابة الكرام ، أو يكفرهم مشهورة ومنشورة في الآفاق ، وليس للحدادية من ذلك شيء ، بل هم حرب على أهل السنة السابقين واللاحقين ، وسِلْمٌ لأهل البدع والضلال أجمعين .
(5) قال البحريني في ( ص 2 ) من بركانه : [ ومسألة : نصيحة أهل البدع ، والجلوس معهم للنصح - زعم - ، ومسألة : سفر وسلمان والقرني ، وغير ذلك مما بينه أهل العلم بالأدلة من الكتاب والسنة ، وأقوال السلف في تبيين خطئه ومع هذا كله ما زال يجادل في الله بغير علم ولا هدىً ولا كتاب منير ليضل عن سبيل الله - سبحانه وتعالى - ] .
أقول : مسألة نصيحة أهل البدع والجلوس معهم للنصح ؛ فأنا لا أذهب إلى بيوتهم ومجالسهم ، فإذا جاءني أحد منهم إلى بيتي ناصحته وبينتُ له الحق ، وهذا ليس بعيب .
فقد كان المنافقون يحضرون مجالس النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فيناصحهم ، ويبين لهم الإسلام والحق .
وهذا الشيخ ابن باز - رحمه الله - يأتيه أهل البدع وأهل التحزب إلى مجلسه ، فيناصحهم ، ويبين لهم الحق ، وهذا المفتي ، و " هيئة كبار العلماء " يأتيهم أهل البدع في " رابطة العالم الإسلامي " ، وفي مجالسهم أيضًا وينصحونهم - فيما أعتقد - ، ولا أعرف أحدًا من العلماء قال لي : أنت تجالس أهل البدع ، ولا أحد رد عليَّ من العلماء في هذا الأمر ، فهذا من كيسك المشحون بالأكاذيب .
ولعل هذا من عادتك تخالط أهل البدع لجمع الأموال ؛ لتأكلها باسم الإسلام أو باسم غيره .
ومسألة : سفر وسلمان والقرني لا أدري ما هي إلا الخصومة التي وقعت بيننا وبينهم ، وردي على سلمان ، وردي على سفر مشهوران ، وردودي على شيخهم سيد قطب مشهورة ، وخصومتهم وخصومة حزبهم لنا مشهوران .
لكن أين ردود الحدادية القديمة والجديدة على سيد قطب وعلى هؤلاء ؟ [ رمتني بدائها وانسلت ] .
وكيف يرد عليهم من هم أسوأ حالاً منهم ، وأغرق في عداوة أهل السنة وحربهم ؟ ومتى بيَّن أهل العلم هذه الأشياء التي تفتريها عليّ ؟ متى بينوها ضدي من الكتاب والسنة وأقوال السلف ؟ ومتى جادلتهم أنا بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ؛ لأدحض المنهج السلفي ؟
بل أنت وحداديتك تجادلون بالباطل لتدحضوا به المنهج السلفي .
ما رأت عيناي ، ولا سمعت أذناي أكذب من هذا الأهوج .
وكل من يعرف ربيعًا يرفض هذه الأكاذيب ، ويرمي بها في وجه هذا الأصيل في الكذب ، وفي وجه من ينشرها من الحدادية الأثيمة التي لا يمكن لها أن تعيش ويستمر " موقعها " إلا على الكذب وبالكذب .
ولهذا الرجل هذيان كثير بالأكاذيب والتشبع بما لم يُعط عشر معشاره تركته إبعادًا للقارئ عن سماعه ورؤيته ؛ لأنه تمجه الطباع الشريفة والعقول الزكية ، ويقبله أمثاله في الإفك ، [ فالأرواح جنود مجندة ، وإن الطيور على أشكالها تقع ] .