المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القدر وحديث القبضتين حق


سامي متعب قرط
10-30-2008, 07:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

القدر وحديث القبضتين حق



قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم (50):

46- ( عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في القبضتين: هؤلاء لهذه وهؤلاء لهذه . وزاد _ فتفرق الناس ، وهم لا يختلفون في القدر ) .
47- ( إن الله عز وجل قبض قبضة ، فقال: في الجنة برحمتي ، وقبض قبضة ، وقال: في النار ولا أبالي ) .
48- ( إن الله عز وجل خلق آدم ، ثم أخذ الخلق من ظهره ، وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي ، فقال قائل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل ؟ قال: على مواقع القدر ) .
49- ( خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ حِينَ خَلَقَهُ فَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُمْنَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ كَأَنَّهُمْ الذَّرُّ وَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَأَنَّهُمْ الْحُمَمُ فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَفِّهِ الْيُسْرَى إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي ) .
50- ( إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ فَقَالَ هَذِهِ لِهَذِهِ وَلَا أُبَالِ وَقَبْضَةً أُخْرَى يَعْنِي بِيَدِهِ الْأُخْرَى فَقَالَ هَذِهِ لِهَذِهِ وَلَا أُبَالِ فَلَا أَدْرِي فِي أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا ) .

اعلم أن الباعث على تخريج هذا الحديث وذكر طرقه أمران :
الأول : أن أحد أهل العلم – وهو الشيخ محمد طاهر الفتني الهندي – أورده في كتابه ( تذكرة الموضوعات ) (12) , وقال فيه :
( مضطرب الإسناد ) , ولا أدري ما وجه ذلك ؟ فالحديث صحيح من طرق , ولا اضطراب فيه , إلا أن يكون اشتبه عليه بحديث آخر مضطرب , أو عنى طريقاً أخرى من طرقه , ثم لم يتتبع هذه الطرق الصحيحة له , والله أعلم .
والثاني : أن كثيراً من الناس يتوهمون أن هذه الأحاديث – ونحوها أحاديث كثيرة – تفيد أن الإنسان مجبور على أعماله الاختيارية , ما دام أنه حكم عليه منذ القديم وقبل أن يخلق : بالجنة أو النار .
وقد يتوهم آخرون أن الأمر فوضى أو حظ , فمن وقع في القبضة اليمنى , كان من أهل السعادة , ومن كان من القبضة الأخرى , كان من أهل الشقاوة .
فيجب أن يعلم هؤلاء جميعاً أن الله ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) الشورى 11 , لا في ذاته , ولا في صفاته , فإذا قبض قبضة , فهي بعلمه وعدله وحكمته , فهو تعالى قبض باليمنى على من علم أنه سيطيعه حين يؤمر بطاعته , وقبض بالأخرى على من سبق في علمه تعالى أنه سيعصيه حين يؤمر بطاعة , ويستحيل على عدل الله تعالى أن يقبض باليمنى على من هو مستحق أن يكون من أهل القبضة الأخرى , والعكس بالعكس , كيف والله عز وجل يقول ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) القلم 35-36
ثم إن كلاً من القبضتين ليس فيها إخبار لأصحابهما أن يكونوا من أهل الجنة أو من أهل النار , بل هو حكم من الله تبارك وتعالى عليهم بما سيصدر منهم , من إيمان يستلزم الجنة , أو كفر يقتضي النار والعياذ بالله تعالى منها , وكل من الإيمان أو الكفر أمران اختياريان , لا يكره الله تبارك وتعالى أحداً من خلقه على واحد منهما ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) الكهف 29 , وهذا مشاهد معلوم بالضرورة , ولولا ذلك , لكان الثواب والعقاب عبثاً , والله منزه عن ذلك .
ومن المؤسف حقاً أن نسمع من كثير من الناس – حتى من المشايخ – التصريح بأن الإنسان مجبور لا إرادة له , وبذلك يلزمون أنفسهم القول بأن الله يجوز له أن يظلم الناس , مع تصريحه تعالى بأنه لا يظلمهم مثقال ذرة , وإعلانه بأنه قادر على الظلم , ولكنه نزه نفسه عنه , كما في الحديث القدسي المشهور : ( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ..... ) , وإذا جوبهوا بهذه الحقيقة , بادروا إلى الاحتجاج بقوله تعالى : ( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ) الأنبياء 23 , مصرين بذلك على أن الله تعالى قد يظلم , ولكنه لا يسأل عن ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً .
وفاتهم أن الآية حجة عليهم , لأن المراد بها -كما حققه العلامة ابن القيم في ( شفاء العليل ) وغيره- أن الله تعالى لحكمته وعدله في حكمه ليس لأحد أن يسأله عما يفعل , لأن كل أحكامه تعالى عدل واضح , فلا داعي للسؤال .
وللشيخ يوسف الدجوي رسالة مفيدة في تفسير هذه الآية , لعله أخذ مادتها من كتاب ابن القيم المشار إليه آنفاً , فليراجع .
هذه كلمة سريعة حول الأحاديث المتقدمة , حاولنا فيها إزالة شبهة بعض الناس , فإن وفقت لذلك , فبها ونعمت , وإلا أحيل القارئ إلى المطولات في هذا البحث الخطير , مثل كتاب ابن القيم السابق , وكتب شيخه ابن تيمية الشاملة لمواضيع هامة هذا أحدها .

فرج ياسين
10-30-2008, 09:33 PM
بارك الله فيك وثبتك على الحق اخي الحبيب سامي .

سليم الطوري
10-31-2008, 08:00 AM
بارك الله فيك اخي الكريم وجزاك الله خير الجزاء وثبتك على الحق

سامي متعب قرط
10-31-2008, 04:12 PM
شكراً لكم أيها الإخوة الكرام على مروركم الطيب أخي سليم, أخي فرج , أسأل الله أن يجعلنا يداً واحدة على أعدائنا و أن يثبتنا على الحق جميعا

أبو بهاء حسين زيد
11-01-2008, 12:20 PM
بارك الله فيك يا اخ سامي وزادك الله من علمه لتنفع الناس

سامي متعب قرط
11-01-2008, 12:47 PM
جزاك الله خيراً أخ أبو بهاء و حياك الله

غالب عارف نصيرات
11-01-2008, 11:15 PM
فإن موضوع القدر من معارك الأفهام ، فلا علينا أن نجلو عن الشبه فيها صدأ الأوهام
هذا مقام يكثر خوض النفوس فيه . فإن كثيراً من الناس ، إذا أمر بما يجب عليه تعلل بالقدر وقال : حتى يقدر الله ذلك أو يقدرني الله على ذلك ، أو حتى يقضي الله ذلك . وكذلك إذا نهي عن فعل ما حرم الله قال : الله قضاه علي بذلك ، ونحو هذا الكلام . والاحتجاج بالقدر حجة باطلة داحضة ، باتفاق كل ذي عقل ودين من جميع العالمين . والمحتج به لا يقبل من غيره مثل هذه الحجة
إذا احتج بها في ظلم ظلمه إياه وترك ما يجب عليه من حقوقه . بل يطلب منه ما له عليه ، ويعاقبه على عدوانه عليه . وإنما هو من جنس شبه السوفسطائية التي تعرض في العلوم . فكأنك تعلم فسادها بالضرورة . وإن كانت تعرض كثيراً للكثير من الناس ، حتى قد يشك في وجود نفسه ، وغير ذلك من المعارض الضرورية . فكذلك هذا يعرض في الأعمال حتى يظن أنها شبهة في إسقاط الصدق والعدل الواجب ، وغير ذلك ، وإباحة الكذب والظلم وغير ذلك . ولكن تعلم القلوب بالضرورة أن هذه شبهة باطلة . ولهذا لا يقبله أحد عند التحقيق ولا يحتج بها أحد إلا مع عدم علمه بالحجة بما فعله ، فإذا كان معه علم بأن ما فعله هو المصلحة ، وهو المأمور ، وهو الذي ينبغي فعله ولم يحتج بالقدر . وكذلك إذا كان معه علم بأن الذي لم يفعله ليس عليه أن يفعله ، أو ليس بمصلحة ، أو ليس هو مأموراً به ؛ لم يحتج بالقدر . بل إذا كان متبعاً لهواه بغير علم ، احتج بالقدر . ولهذا لما قال المشركون : : { لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ } [ الأنعام : 148 ] ، قال الله تعالى : { هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ } [ الأنعام : من الآية 148 ] : { قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } [ الأنعام : 149 ] فإن هؤلاء المشركين يعلمون بفطرتهم وعقولهم أن هذه الحجة داحضة وباطلة . فإن أحدهم لو ظلم الآخر أو حرج في ماله أو فرج امرأته أو قتل ولده أو كان مصراً على الظلم فنهاه الناس عن ذلك فقال : لو شاء الله لم أفعل هذا ؛ لم يقبلوا منه هذه الحجة ، ولا هو يقبلها من غيره . وإنما يحتج بها المحتج دفعاً للوم بلا وجه
. وهؤلاء المشركون المحتجون بالقدر على ترك ما أرسل الله به رسله من توحيده ، والإيمان به ؛ لو احتج به بعضهم على بعض في سقوط حقوقه ومخالفة أمره ، لم يقبله منه . بل كان هؤلاء المشركون يذم بعضهم بعضاً ويعادي بعضهم بعضاً ويقاتل بعضهم بعضاً على فعل من يريد تركاً لحقهم ، أو ظلماً . فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى حق الله على عباده وطاعة أمره ، واحتجوا بالقدر ؛ فصاروا يحتجون بالقدر على ترك حقِّ ربهم ومخالفة أمره ، بما لا يقبلونه ممن ترك حقهم وخالف أمرهم . وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : < يا معاذ بن جبل ! أتدري ما حق الله على عباده ؟ ! حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ؟ حقهم عليه أن لا يعذبهم > فالاحتجاج بالقدر حال الجاهلية الذين لا علم عندهم بما يفعلون ويتركون : { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ } وهم إنما يحتجون به في ترك حق ربهم ومخالفة أمره ، لا في ترك ما يرونه حقاً لهم ولا في مخالفة أمرهم . ولهذا تجد المحتجين والمستندين إليه من النساك والصوفية والفقراء والعامة والجند والفقهاء وغيرهم ؛ يفرون إليه عند إتباع الظن وما تهوى الأنفس . فلو كان معهم علم وهدى لم يحتجوا بالقدر أصلاً . بل يعتمدون عليه لعدم الهدى والعلم ، وهذا أصل شريف ، من اعتنى به علم منشأ الضلال والغي لكثير من الناس . ولهذا تجد المشايخ والصالحين المتبعين للأمر والنهي ، كثيراً ما يوصون أتباعهم بالعلم بالشرع . فإنه كثيراً ما يعرض لهم إرادات في أشياء ومحبة لها . فيتبعون فيها أهواءهم ظانين أنه دين الله تعالى ، وليس معهم إلى الظن والذوق والوجدان الذي يرجع إلى محبة النفس وإرادتها . فيحتجون تارة بالقدر وتارة بالظن والخرص ، وهم متبعون أهواءهم في الحقيقة . فإذا اتبعوا العلم ، وهو ما جاء به الشارع صلى الله عليه وسلم خرجوا عن الظن وما تهوى الأنفس ، واتبعوا ما جاءهم من ربهم وهو الهدى
: فالاحتجاج على ترك العمل بالقدر من عقائد الملحدين . وقد جاء الكتاب الكريم بتشنيع اعتقادهم والنعي عليهم فيه . وقد حكى لنا ما كانوا يقولون من نحو : { لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ } [ الأنعام : 148 ] ، فلا يسوغ لأحد منا ، وهو يدعي أنه مؤمن بالقرآن ؛ أن يحتج بما كان يحتج به المشركون