المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذم الاعتراض على أهل العلم



محمد جميل حمامي
08-11-2008, 05:46 PM
مسألة : [ ذم الاعتراض على أهل العلم ]



قال الإمام الشاطبي في الموافقات [ 835] :
ترك الاعتراض على الكبراء محمود، كان المعترض فيه مما يفهم أولا يفهم ، والدليل على ذلك أمور:

أحدها: ما جاء في القرآن الكريم؛ كقصة موسى مع الخضر، واشتراطه عليه أن لا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكرا؛ فكان ما قصه الله تعالى من قوله: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: 78]، وقول محمد عليه الصلاة والسلام: "يرحم الله موسى، لو صبر حتى يقص علينا من أخبارهما" [1] ، وإن كان إنما تكلم بلسان العلم؛ فإن الخروج عن الشرط يوجب الخروج عن المشروط.
وروى في الأخبار أن الملائكة لما قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} الآية [البقرة: 30]؛ فرد الله عليهم بقوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} أرسل الله عليهم نارا فأحرقتهم [2] .
وجاء في أشد من هذا اعتراض إبليس بقوله: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]؛ فهو الذى كتب له به الشقاء إلى يوم الدين لاعتراضه على الحكيم الخبير، وهو دليل في مسألتنا، وقصة أصحاب البقرة من هذا القبيل أيضًا، حين تعنتوا في السؤال فشدد الله عليهم.

والثاني: ما جاء في الأخبار؛ كحديث: "تعالوا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده" [3] فاعترض في ذلك بعض الصحابة حتى أمرهم عليه الصلاة والسلام بالخروج ولم يكتب لهم شيئًا.
وقصة أم إسماعيل حين نبع لها ماء زمزم، فحوضته ومنعت الماء من السيلان؛ فقال عليه الصلاة والسلام: "لو تركت لكانت زمزم عينا معينا" [4] .
وفى الحديث أنه طُبخ لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدر فيها لحم؛ فقال: "ناولني ذراعًا" . قال الراوي [5] : فناولته ذراعًا؛ فقال: "ناولني ذراعًا" . فناولته ذراعًا؛ فقال: "ناولني ذراعًا" . فقلت: يا رسول الله! كم للشاة من ذراع؟ فقال: "والذي نفسي بيده؛ لو سكت لأعطيت أذرعًا ما دعوت" [6].
وحديث علي قال: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى فاطمة من الليل؛ فأيقظنا للصلاة، قال: فجلست وأنا أعرك عيني وأقول: إنَّا والله ما نصلي إلا ما كُتِبَ لنا، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثها. بعثها، فولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا" [ الكهف : 54] [7]
وحديث: "يا أيها الناس! اتهموا الرأي؛ فإنا كنا يوم أبي جندل ولو نستطيع أن نرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددناه"[8] .
ولما وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنٌ جد سعيد بن المسيب فقال له: "ما اسمك؟" . قال: حزن. قال: "بل أنت سهل" . قال: لا أغير اسماً سماني به أبي. قال سعيد: فما زالت الحزونة فينا حتى اليوم" [9] ، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

والثالث: ما عهد بالتجربة من أن الاعتراض على الكبراء قاض بامتناع الفائدة مبعد بين الشيخ والتلميذ، ولا سيما عند الصوفية (!!)؛ فإنه عندهم الداء الأكبر حتى زعم القشيري عنهم أن التوبة منه لا تقبل والزلة لا تقال (!!)، ومن ذلك حكاية الشاب الخديم لأبي يزيد البسطامي؛ إذ كان صائمًا؛ فقال له أبو تراب النخشبي وشقيق البلخي: "كُلْ معنا يا فتى، فقال: أنا صائم. فقال أبو تراب: كل ولك أجر شهر فأبى ، فقال شقيق: كل ولك أجر صوم سنة، فأبى؛ فقال أبو يزيد: دعوا من سقط من عين الله". فأخذ ذلك الشاب في السرقة وقطعت يده .
وقد قال مالك بن أنس لأسد حين تابع سؤاله: "هذه سليسلة بنت سليسلة، إن أردت هذا؛ فعليك بالعراق"، فهدده بحرمان الفائدة منه بسبب اعتراضه في جوابه، ومثله أيضا كثير لمن بحث عنه.

فالذى تلخص من هذا أن العالم المعلوم بالأمانة والصدق والجري على سنن أهل الفضل والدين والورع إذا سئل عن نازلة فأجاب، أو عرضت له حالة يبعد العهد بمثلها، أو لا تقع من فهم السامع موقعها أن لا يواجه بالاعتراض والنقد، فإن عرض إشكال فالتوقف أولى بالنجاح، وأحرى بإدراك البغية إن شاء الله تعالى.



الهامش : ..........................................
[1] : رواه الإمام البخاري برقم (122) و الإمام مسلم برقم (2380) و غيرهما .
[2] : قال محقق الكتاب : [ هذا الخبر متكلم فيه، وعلى فرض صحته إنما يظهر على القول بعد عصمة الملائكة الأرضية كما حكي عن بعضهم على ما فيه؛ ولذلك وقع إبليس فيما وقع إذ كان من الملائكة الأرضيين، وعلى أن سؤال الملائكة في الآية سؤال إنكار واعتراض على الله تعالى وطعن على آدم وبنيه، وكلاهما غير صحيح، وحاشا عباد الله المكرمين الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون أن يسألوا ربهم كذلك، بل سؤالهم إنما وقع لاستكشاف الحكمة، وإزالة الشبهة التي أثارها في نفوسهم ما فهموه من اسم الخليفة، وما يقتضيه اختلاف طبائعه وتركيب أمزجته، وليس المقصود منه التعجب والتفاخر والاعتراض حتى يضر بعصمتهم كما قيل، ولو كان كذلك؛ لما كان الجواب بهذا التلطف والإقناع المفيد، قال تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ} ؛ فقد أقرهم على ما فهموه من الاسم الشريف، وأرشدهم بقصور علمهم إلى ما انطوى تحت سره المنيف، وأظهر لهم من شأنه بتعليم آدم ما لم يعلموه ولن يعلموه؛ فازدادوا بذلك علمًا ويقينًا، وفهموا أنه الصالح للخلافة دونهم؛ فإن خليفة الله في عمارة أرضه وسياسة خلقه وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم يجب أن يكون جامعًا بين التجرد والتعلق، وحافظًا للنسبتين، وذلك لا يكون ملكًا وإنما يكون بشرًا.... الخ ] .
[3] : أخرجه الإمام البخاري برقم (4431) و الإمام مسلم برقم (1637) وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما .
[4] : أخرج القصة الإمام البخاري في "صحيحه" برقم 3362 و 3364 و غيره .
[5] : قال الإمام الألباني في مختصر الشمائل (143) : هو أبو عُبيد مولى للنبي صلى الله عليه وسلم و قد جاء أيضاً بالتاء ( أبو عبيدة )
[6] : صححه الإمام الألباني في مختصر الشمائل برقم (143) صفحة 96 .
[7] : أخرجها الإمام البخاري برقم (1127) و الإمام مسلم برقم (775) .
[8] : أخرجه الإمام البخاري (3181) و غيره عن سهل بن حنيف .
[9] : أخرجه الإمام البخاري برقم (6190) .

محمد جميل حمامي
08-11-2008, 05:48 PM
ومن هذا الباب جواب العلامة ربيع المدخلي -حفظه الله - على سؤال شيخنا هشام العارف - وفقه الله - التالي :

سأل الشيخ هشام - وفقه الله - : شيخنا الذي نعاني منه حقيقة ونحن على المنهج السلفي أننا لا نحترم المرجعية, أو أننا نحاول أن نخرج أحيانا عنها استقلالاً ظنا منا أننا وصلنا مرحلة نستطيع فيها أن تكون خطواتنا حسب تصورنا سديدةً وموفقةً وصواباً, فهل هذا الاستقلال أحياناً يكون صواباً؟ أم أنه لا بد من أن نعظم قول النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ حين قال: "البركة مع أكابركم". وقال: "كبر كبر". وقال الله عز وجل: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون". أفيدونا بأهمية رجوع الطالب إلى من هو أكبر منه سناً وأعلى منه علماً, وما أثر ذلك على الدعوة؟ خاصة أننا لاحظنا أن كثيراً ممن ـ للأسف ـ كان له باع طويل في الدعوة لكنه أهمل هذه المسألة إهمالاً عجيباً وبارك الله فيكم.

فأجاب العلامة ربيع المدخلي - حفظه الله - : قد جاءت إجابتي على سؤالك ضمن هذه الكلمة التي قلتها فجزاك الله خيراً.
على كل حال فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: "إن الله لا ينتزع العلم من الناس انتزاعاً بعد أن أعطاكموه, ولكن العلم يقبض بقبض العلماء, حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فيسألون فيجيبون, فيضلون ويضلون". فالعلماء قليلون الآن, وفي بعض البلدان لا يوجد علماء بمعنى الكلمة, فيتخذ الناس رؤساء جهال, وهؤلاء الرؤساء الجهال يَحولون بين الأمة وبين البقية الباقية من العلماء, ولا يكتفون بهذه الحيلولة, بل يشوهون العلماء, وهذا التشويه من أكبر الحوائل بين الشباب والعلماء. وأعظم معاول الهدم في عقول الشباب وفي عقائدهم وفي مناهجهم.
فالعلماء عند الإخوان المسلمين جواسيس وعملاء, رمتني بدائها وانسلت, هذه الأدواء والله فيهم, ونزه الله علماء السلف مما يقذفه به هؤلاء. وشوهوا العلماء في بلدان الإسلام بما فيها هذا البلد الذي عندنا, فضلاً عن البلدان البعيدة, فأصبح العلماء لا قيمة لهم, فتمرد كثير من الشباب, فإذا صدرت فتوى صحيحة في الجهاد أو في أي شيء من شؤون الإسلام استخفوا بها وبذلك المفتي أو أولئك المفتين, وطعنوا فيهم وشوهوهم وقد يكفرونهم. تعرفون أن الشيخ ابن باز والشيخ الألباني والشيخ ابن عثيمين ـ رحمهم الله ـ أفتوا بجواز الصلح نظراً للرأفة بحال الفلسطينيين وغيرهم, فهبَّ عليهم رؤوس الإخوان يطعنون فيهم ويشوهونهم, ورسول الله قد صالح, والله يقول: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله". وصلاح الدين جاهد وجاهد وجاهد وجاهد, ثم اضطر إلى الصلح مع الأوروبيين, استنفذ قواه وهو يجاهد, فربما كان يخذله المسلمون فاضطر إلى الصلح, وهو صلاح الدين المجاهد البطل الذي وهب نفسه لله ـ رحمه الله ـ ومن الصلح صلح الحديبية الذي عمله رسول الله عليه الصلاة والسلام لسنوات, وعاد هذا الصلح بالخير على الإسلام والمسلمين, وإن رأى بعض الناس أن فيه غمصاً وهضماً كما رأى ذلك بعض الصحابة في صلح الحديبية, فإن هذا الامتثال وهذا السير الصحيح على منهج الله ورسوله فيه البركة وفيه الخير, ويحقق الله فيه للإسلام الخير والشيء الذي لا يحلمون به ولا يتصورونه.

فيا إخوتاه عليكم باحترام العلماء, ليس علماء السوء بل علماء الحق الذين ينطلقون بتوجيهاتهم وخطواتهم من كتاب الله, ومن سنة رسول الله, ومن منهج السلف الصالح, والله يقول: " وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم". فالأحداث الكبيرة والمشاكل في الأمن والخوف مرجعها ولي أمر المسلمين المسلم الصادق, والعلماء الصادقون المخلصون, هم الذين يستطيعون أن يستنبطوا من دين الله, ومن فقههم, ومما حولهم من الأحداث أن يهتدوا إلى الحق في حالة الأمن أو الخوف ـ بارك الله فيكم ـ فيرجحون هل نجاهد أو لا نجاهد؟ بعد أن يعرفوا حال وواقع الأمة, ووجود الجيش الكفء المسلم المستقيم الذي يحقق الله به النصر.
الشاهد, أن شؤون العقيدة وشؤون السياسة إنما هي لولاة الأمور المتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله, وكذلك العلماء المتمسكين بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام .
ولو أن الأمة تحترم العلماء وترجع إليهم في حل المعضلات والمشكلات لأصابت خيراً كبيراً, ولكنها بهذه الانحرافات وهذه الاستخفافات بالعلماء لا يواجهون إلا شراً, لماذا؟ لأن الله قال: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون". والآية التي تلوناها عليكم: "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به". يذيعون به ويأخذون بالعمل بالسياسة, وتنقلب الأمور على المسلمين, ويأتيهم الشر من حيث لا يحتسبون ـ نسأل الله العافية ـ .
وكذلك السلف لا يتصدرون للإفتاء أمثال: مالك والشافعي إلا بعد أن يعرف العلماء من شيوخه كفاءته وأنه صالح للتصدر في التعليم والتدريس والرأي والإفتاء وما شابه ذلك, يدفعونه دفعاً ـ بارك الله فيكم ـ .
وكان يتأدب العلماء, ومن آدابهم أنك إذا كنت عالماً ومحدثاً وفي البلد من هو أفضل منك وأعلم منك فمن الأدب أن لا تتسرع في الفتوى.
لما كانت الأمة تحترم علماءها كانوا على خير وفي عزة وسيادة, ولما استهانوا بالعلماء, واستهانوا بما أُنزل من العلم, وما أنزل من الحق, لما استهانوا بهم جاءهم هذا الشر, وكثرت البدع, وكثرت الضلالات, وكثرت السياسات المنحرفة, إلى آخر الأشياء التي تعرفونها وتشاهدونها, كل ذلك بسبب الابتعاد عن كتاب الله, والابتعاد عن العلم والعلماء, وبتشويههم لسمعة العلماء, فعندكم الآن الذين يسمون أنفسهم إسلاميين, هل يسمعون لكلام العلماء, أو يأخذون بنصائحهم؟ لا, إنما يتبعون أهواءهم ـ بارك الله فيكم ـ وحماسهم لا يرجع إليهم وإلى غيرهم إلا بالفشل والعياذ بالله.

على كل حال, الآداب الإسلامية والأخلاق الإسلامية مطلوبة من كل المسلمين, فالله يقول في رسوله: " وإنك لعلى خلق عظيم". ويقول الرسول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". أيُّ أخلاق هي تلك التي تحتقر العلماء وتسخر منهم وتشوههم؟ ولا يرون واجباً عليهم الرجوع إلى أهل العلم, والله قد أوجب ذلك علينا.

ففي الأمور البسيطة والأمور السهلة التي يعرفها طالب العلم له أن يُعلِّم وله أن يفتي, وتكون واضحة بالدليل, أما في النازلات, والمشاكل المعضلات فهذه ليس لها إلا الأكفاء, "لعلمه الذين يستنبطونه منهم".
فالمهم أنه إذا احترم الناس علماءهم حازوا خيراً كثيراً, وإن استهانوا بهم ـ نعوذ بالله ـ فوالله يتولى دينهم وقيادتهم شياطين الإنس والجن ـ والعياذ بالله ـ وهؤلاء هم الرؤساء الجهال الذين يضلون ويضلون.

نسأل الله لنا ولكم الهداية والحماية والوقاية من الشرور والفتن, وأن يوفقنا لاحترام كتاب ربنا وسنة نبينا واحترام علمائنا, إنه سميع الدعاء.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المصدر (http://www.sahab.net/forums/showthread.php?t=351611)

فرج ياسين
08-11-2008, 10:55 PM
بارك الله فيك أخي محمد على هذا النقل والتفريغ الرائع .

محمد جميل حمامي
08-12-2008, 04:59 PM
و فيك ربي بارك أخي العزيز فرج .. و الله أسأل أن تكون بخير و عافية ..
و فيما حصل من اعتراض على تقريرات كبار العلماء تأكيد لهذا الكلام .. و ترسيخ له في الأفهام
و فيه عبرة لمن يعتبر و ذكرى تبقى سارية بين الأنام ..
فلو أنهم و قفوا عند قول العلماء الكبار المفسر المبني على الأدلة و البراهين ... لما ضلوا و لا أضلوا ...
ولكنه الهوى ! و التحزب !! و الغلو و التشدد !! نسأل الله العافية من ألوان الأمراض الظاهرة و الباطنة ..