المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النَّص الثامن: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ



هشام بن فهمي بن موسى العارف
06-07-2016, 05:53 AM
النَّص الثامن: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ
تفضل الله تعالى على بني إسرائيل بفضائل تتعلق بدينهم ودنياهم، وإسرائيل هو: يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ـ عليهم السلام ـ وبني إسرائيل أمة مسلمة نسبة إلى إسرائيل – عليه السلام - سبقت أمة محمد صلى الله عليه وسلم وفيها العبرة، أسكنهم الله تعالى بلاد الشام، وجعل قبلتهم المسجد الأقصى.
وكان فيهم بعد يعقوب (إسرائيل): يوسف، وموسى، ويوشع بن نون، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى، وعيسى ـ عليهم الصلاة والسلام ـ، وكان من نعم الله تعالى عليهم أنه سبحانه فضَّلهم على العالمين كما قال: (وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) [الأعراف] وقال: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) [الدخان] والاختيار: الاصطفاء على سبيل التشريف والتكريم، (عَلَى عِلْمٍ) أي: على علم منا بما يكون منهم، وذلك لحكمة اقتضاها رب العزة، فكان من جملة هذا التشريف كما قال: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) [الجاثية] والمعنى: ولقد أنعمنا على بني إسرائيل نعماً لم تحصل لغيرهم من الناس – في ذاك الزمان - فالْكِتَابَ: التوراة، هداية لهم كما قال تعالى: (وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ(2) [الإسراء] وهو الكتاب العمدة، ثم تلاه من الكتب: الزبور، والإنجيل وفيه مواعظ وترقيقات. (وَالْحُكْمَ) قال الطبري: "يعني الفهم بالكتاب، والعلم بالسنن التي لم تنزل فى الكتاب". وحكم العلماء وبيّنوا الحق من الباطل. (وَالنُّبُوَّةَ) لكثرة الأنبياء منهم، (وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) أي: الحلال من الأقوات والثمار والأطعمة، وهذا يشمل الطيبات من المشارب والملابس وإنزال المن والسلوى عليهم.
فهذه كلها من النَّعَم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل، وقد ذكَّرهم الله بها في أول سورة مدنية بقوله: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) [البقرة][1] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn1)
وقوله تعالى: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) قال الطبري – رحمه الله - "فإن في قوله جل ثناؤه دلالةً واضحةً على أنّ عالم كلّ زمان، غيرُ عالم الزمان الذي كان قَبله، وعالم الزمان الذي بعدَه، إذْ كان الله جلّ ثناؤه قد فضّل أمّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم الخالية، وأخبرهم بذلك في قوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ(110)[آل عمران]. فمعلومٌ بذلك أن بَني إسرائيل في عصر نبينا لم يكونوا - مع تكذيبهم به صلى الله عليه وسلم - أفضلَ العالمين، بل كانَ أفضلَ العالمين في ذلك العصر وبعدَه إلى قيام الساعة، المؤمنون به المتَّبِعون منهاجهُ، دون من سِواهم من الأمم المكذِّبة الضالة عن منهاجه".
وقال ابن كثير – رحمه الله -: "والمقصود: أنهم كانوا أفضل أهل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم، وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجاً، وأكرم نبياً، وأعظم ملكاً، وأغزر أرزاقاً، وأكثر أموالاً وأولاداً، وأوسع مملكةً، وأدوم عزاً، قال الله عز وجل: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ(110) [ آل عمران] وقال وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)[البقرة]".
ومن نعمه عليهم كما قال تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ(137) [الأعراف]
فقوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا) أي: بما لنا من العظمة أورثنا قوم موسى – عليه السلام - (الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ) أي: يُرون أنهم ضعفاء غير قادرين. والاستضعاف: طلب الضعيف بالقهر.
وقوله تعالى: (مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا) هي المواضع التي تشرق الشمس عليها وتغرب عنها. أي أن الله تعالى ملَّكهم بلاداً كثيرة. وقوله تعالى: (الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) هي أرض الشام، الأرض المقدسة. وتعني البركة فيها: أن الله جعل الخير فيها ثابتاً دائماً لأهلها. قال ابن تيمية: "والبركة تتناول: البركة في الدين، والبركة في الدنيا". فلا تأتي وراثة الأرض إلا بعد وراثة العلم والدين.
وقوله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا)، وسمّاها الحسنى لإعطائها صفة التشريف، وهي نصرهم على الباطل وأهله، وبذلك تحقق وعد الله للمؤمنين المتقين بسبب إيمانهم بربهم وثباتهم على دينهم، وصبرهم على الأذى. وذلك حين قال لهم موسى – عليه السلام -: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128) [الأعراف]
وقوله تعالى: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ) من الأبنية الهائلة، والمساكن المزخرفة (وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) أي: يبنون.
ولم يبيِّن الله تعالى في نصِّ الآية كيف تمت كلمة الله الحسنى، لكنه سبحانه بيَّنها في سورة "القصص" حين قال: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6). وقوله تعالى: (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً) أي: ولاة وملوكاً.
إن هذا التمكين للطائفة المنصورة في بني إسرائيل ابتدأ بيانه بقول الله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) [القصص]
فقوله تعالى: (وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) أي: يرون من هذه الطائفة المستضعفة ما كانوا يخافونه مِن هلاكهم وذهاب ملكهم، وإخراجهم من ديارهم.
قال ابن كثير – رحمه الله -: "أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى، فما نفعه ذلك مع قَدَر الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري، بل نفذ حكمه وجرى قلمه في القِدَم بأن يكون إهلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده، وقتلت بسببه ألوفا من الولدان إنما منشؤه ومرباه على فراشك، وفي دارك، وغذاؤه من طعامك، وأنت تربيه وتدلله وتتفداه، وحتفك، وهلاكك وهلاك جنودك على يديه، لتعلم أن رب السموات العلا هو القادر الغالب العظيم، العزيز القوي الشديد المحال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن".
وقد بيَّن الله تعالى أن في أمة بني إسرائيل طائفة منصورة فقال: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) [الأعراف] وقوله - عليه السلام - "لا تزال أمة من أمتي".[2] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn2) إشارة إلى الطائفة المنصورة في أمة محمد – صلى الله عليه وسلم - والأمَّة بمعنى: الجماعة، وهو الاستعمال الغالب، واتفق علماء اللغة على أن "الأمَّة" بمعنى الدين والشريعة والطريقة، قال ابن جرير الطبري: "والأمّة: الدين. والأصل أنه يقال للقوم يجتمعون على دين واحد: أمّة". وقال ابن كثير - رحمه الله -: "وتستعمل الأمة في الفرقة والطائفة".
ووصف الله تعالى الطائفة المنصورة عند تلاوتهم الكتاب بقوله: (الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ(121) [البقرة] وأنهم على الاستقامة، يتلون آيات الله آناء الليل، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
وقال تعالى: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) [آل عمران]
وهذا يعني كما في أمة محمد صلى الله عليه وسلم - اليوم - طائفة منصورة، كان في أهل الكتاب طائفة منصورة، فقوله تعالى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) [الأعراف] "دليل على أنه لا يخلو زمان من قائم بالحق يعمل به ويهدي إليه".[3] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn3)
وقوله تعالى: (يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) نصٌّ في خروجهم من الاختلافات، لأنهم يهدون بالحق. قال الشيخ السعدي ـ رحمه الله ـ: "يهدون أنفسهم وغيرهم، بالحق، فيعلمون الحق ويعملون به، ويعلّمونه، ويدعون إليه، وإلى العمل به. وبه يعدلون بين الناس في أحكامهم، إذا حكموا في الأموال، والدماء، والحقوق، والمقالات، وغير ذلك وهؤلاء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى".
فهذه سنَّة الله في خلقه، أن في كل أمة طائفة منصورة، وكما أنعم الله تعالى على الطائفة المنصورة في بني إسرائيل فإنه بلا شك ينعم على الطائفة المنصورة في أمة محمد - عليه السلام - كما قال: (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ(55) [غافر] فهو وعد من الله حق، واقع لا محالة، لمن صدق مع الله وصبر وكان منهاجه منهاج النبوَّة والسَّلف، قال ابن كثير - رحمه الله -: "أي: وعدناك يا محمد - عليه السلام - أنا سنعلي كلمتك، ونجعل العاقبة لك ولمن اتبعك، والله لا يخلف الميعاد. وهذا الذي أخبرناك به حق لا مرية فيه ولا شك".
وقوله تعالى في النَّص الذي بين أيدينا: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ(93) [يونس] تأكيد على نعمة الإقامة في الأرض المقدَّسَة، ومعنى (مُبَوَّأَ صِدْقٍ): أي أنزلناهم منزلاً مرضياً حسناً، أي: "بوأهم بلاد الشام وبيت المقدس".[4] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn4) وقال الحسن البصري: "والأرض هي: أرض الشام".[5] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn5) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وإنما أورث الله بني إسرائيل أرض الشام".[6] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn6)
ومعلوم أن بلاد الشام مهاجر إبراهيم، وقد عمَّرها – عليه السلام - بالدعوة الصحيحة، وإقامة شرع الله تعالى، وجعل فيها بإذنه تعالى نسلاً مباركاً كما قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ(27) [العنكبوت] وقد لازم بنو إسرائيل هذه البقعة المباركة طاعة لله تعالى، ودعوا فيها إلى دين الله الإسلام.
ولمّا استنهض موسى – عليه السلام – همَّة قومه لدخول الأرض المقدسة ذكَّرهم بنعم الله عليهم، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) [المائدة]
وقال تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40) وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) [القمر] والنذر هنا هما موسى وهارون، أقاما الحجَّة على فرعون وقومه، فكان من باب ما أنعم الله به على بني إسرائيل، هلاك فرعون وقومه كما قال: (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) وفي الآية التالية قال: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ(137) [الأعراف]
وابتدأت الحكاية باستفزاز فرعون لموسى وقومه بعد قيام الحجَّة، قال تعالى: (فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ(103) [الإسراء] أي: يخليهم ويزيلهم، كما قال تعالى في السورة: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا(76) فإن أهل مكة همّوا بإخراج الرسول منها، كما قال تعالى: (وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ(13) [التوبة].
وقال تعالى: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) [الأعراف] وفي سورة "الشعراء" (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) ثم ألا ترى إلى مقالة الكفار أيضاُ لشعيب عليه السلام؟ (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا(88) [الأعراف] فقد أقسم الكفرة على إخراج الرسل من محالهم كما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا(13) [إبراهيم]
فأعداء الدين قديماً وحديثاً يسعون وكلهم حرص وجهد لينجحوا في الصَّد عن الدعوة الى الله تعالى، فورقة بن نوفل حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "ليتني أكون حيّاً اذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي" .... الحديث. وقد أخرجوه بالفعل، كما قال تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ(30) [الأنفال] وقال: (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ(1) [الممتحنة] وقال: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ(13) [محمد] وقال: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا(40) [التوبة]
ومن قبل موقف الجبّار الذي قام إلى سارة زوجة إبراهيم - عليه السلام - إلى ان قال: "فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر".
فقوله تعالى: (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا (76) قال الشيخ السعدي: "أي: من بغضهم لمقامك بين أظهرهم، قد كادوا أن يخرجوك من الأرض، ويجلوك منها". وقال تعالى: (وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) [الإسراء] قال ابن كثير: "أي: هكذا عادتنا في الذين كفروا برسلنا وآذوهم: يخرج الرسول من بين أظهرهم: ويأتيهم العذاب".
فالتهديد بالإخراج من الأرض؛ أسلوب من أساليب الحاق الأذى، كما قال تعالى: (سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77) [الإسراء]
ولا تتوقف عقوبة من أخرج الأنبياء من بلدانهم عند التدمير والغرق وغير ذلك، بل يؤتى أهل الحق ميراث الأرض كما أوتوا ميراث الدين والعلم، كما قال تعالى: (فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ(104) [الإسراء] .
ولهذا أورث الله رسوله مكة، فدخلها عُنْوَة وقهر أهلها، ثم أطلقهم حلمًا وكرمًا، كما أورث الله القوم الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها.
إن شدَّة الاختلاف بين الحق والباطل جعلت من فرعون بعد قيام الحجَّة عدوّاً لدوداً للحق وأهله. قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) [غافر]
قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا) يشعر بأن هؤلاء الظالمين قد جاءهم الحق إلى بيوتهم ومساكنهم، وأنهم لم يخرجوا لطلبه، وإنما هو الذى جاءهم عن طريق موسى، المؤيد بآيات الله تعالى. ومجيئه إياهم بتوحيد الله، والعمل بطاعته، مع إقامة الحجة عليهم، بأن الله ابتعثه إليهم بالدعاء. وقوله تعالى: (قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ) قال قتادة: "هذا قتل غير القتل الأول".[7] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn7) قال ابن كثير – رحمه الله -: "وهذا أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل. أما الأول: فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى، أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عددهم، أو لمجموع الأمرين. وأما الأمر الثاني: فللعلة الثانية، لإهانة هذا الشعب، ولكي يتشاءموا بموسى - عليه السلام –".
ولهذا قال بنوا إسرائيل: (أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا(129) [الأعراف].
قال تعالى: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ (56) [الزخرف]
وبعد أن أعدَّ فرعون عدَّته للقضاء على موسى – عليه السلام – ومن معه من بني إسرائيل كما قال تعالى: (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) [الشعراء] وقال: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ(78) [طه]. وقوله تعالى: (لَشِرْذِمَةٌ) يعني بني إِسرائيل، قال ابن قتيبة: "أي: طائفة". وقال الزجاج: "والشرذمة في كلام العرب: القليل". وقال تعالى في وصف من اتبع نوحاً ـ عليه السلام ـ: (وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) [سورة هود] قال شيخنا الألباني: "فالمؤمن لا يستوحش من قلة السالكين على طريق الهدى، ولا يضره كثرة المخالفين".[8] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn8) وقال الإمام الشاطبي: "وهذه سنة الله في الخلق، أن أهل الحق في جنب أهل الباطل قليل لقوله تعالى: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(103) [يوسف] وقوله: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ(13) [سبأ].
فقوله تعالى: (فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) [الإسراء] فالنجاة من فرعون والنصر عليه نعمة من النعم التي أنعم الله تعالى بها على بني إسرائيل، قال تعالى: (وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) [الأعراف] وقال تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ(80) [طه] وقال تعالى: (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66) [الشعراء] وقال تعالى: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) [الصافات] وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ(6) [إبراهيم] وقال تعالى: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) [الدخان] وقال تعالى: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) [البقرة]
وقوله تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ(90) [يونس] بيان للمنة العظيمة التى منحهم الله إياها، وجاوز بمعنى أصل الفعل الذى هو جاز، أي: قطعنا بهم البحر. والمراد بالبحر: بحر القلزم وهو المسمى الآن بالبحر الأحمر. فعبروه بعد أن ضربه موسى بعصاه، فأصبح طريقاً يابساً يسيرون فيه بأمان واطمئنان حتى عبروه إلى الناحية الأخرى، يصحبهم لطف الله، وتحدوهم عنايته ورعايته.
وقوله تعالى: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) [الأعراف] قال عبد الرحيم بن علي بن اسحاق بن شيت القرشي : "واعلم أن الإنسان إنما خلق في هذه الدنيا لتحصيل فوائد الأعمال الصالحة، وليخرج من بلاء الدنيا إلى راحة الدار الآخرة. وإذا نظر الإنسان إلى مضاعفة الأعمال في هذه المواضع، كان عمره فيها بأعمار، وكان رابحاً الأرباح المضاعفة في كل ليلٍ يمر به وفي كل نهار، فمن منَّ الله تعالى عليه بالسكن في هذه الأمكنة المشرفة، فليكن فيها على ساق الاجتهاد بالتسيير وليعمل صالحاً فإن أعماله في النمو أبداً وفي التشمير، وليحذر من الخرق فيها، فإنه يخرق به الحجاب بينه وبين الله تعالى، فلا يكون له من العار ولا من النار وقاية، ولا ينفعه عمارة ولا سقاية".[9] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn9)
والعاقبة المحمودة لمن اتقى الله ففعل أوامره واجتنب نواهيه. وقد جرت سنته سبحانه أن يجعل العاقبة الطيبة لمن يخشاه ولا يخشى أحداً سواه. فقول موسى -عليه السلام – لبني إسرائيل: (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) [الأعراف] هو من باب التعريف بأن وراثة الأرض للابتلاء لأنها نعمة من نعم الله فقوله: (وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) يعني أن استخلافكم فى الأرض من بعد هلاك أعدائكم ليس محاباة لكم، وإنما هو استخلاف للاختبار والامتحان، فإن أحسنتم زادكم الله من فضله، وإن أسأتم كان مصيركم كمصير أعدائكم. وبالتالي فإن قوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا(137) [الأعراف] قال الطبري: "وإنما قال جل ثناؤه: (وَأَوْرَثْنَا)، لأنه أورث ذلك بني إسرائيل بمهلك من كان فيها من العمالقة".
كما قال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) [الأنبياء] قال الشنقيطي: "أظهر الأقوال عندي في هذه الآية الكريمة: أن الزبور الذي هو الكتاب يراد به جنس الكتاب فيشمل الكتب المنزلة، كالتوراة والإنجيل، وزبور داود، وغير ذلك. وأن المراد بالذكر: أم الكتاب، وعليه فالمعنى: ولقد كتبنا في الكتب المنزلة على الأنبياء أن الأرض يرثها عبادي الصالحون بعد أن كتبنا ذلك في أم الكتاب. وهذا المعنى واضح لا إشكال فيه. وقيل الزبور في الآية: زبور داود، والذكر: التوراة. وقيل غير ذلك. وأظهرها هو ما ذكرنا واختاره غير واحد.
واعلم أن قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد يكون فيها قولان للعلماء، وكلاهما حق ويشهد له قرآن فنذكر الجميع. لأنه كله حق داخل في الآية. ومن ذلك هذه الآية الكريمة، لأن المراد بالأرض في قوله هنا (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) فيه للعلماء وجهان:
الأول ـ أنها أرض الجنة يورثها الله يوم القيامة عباده الصالحين. وهذا القول يدل له قوله تعالى: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)
الثاني ـ أن المراد بالأرض: أرض العدو يورثها الله المؤمنين في الدنيا: ويدل لهذا قوله تعالى: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً)، وقوله: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا)، وقوله تعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)، وقوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، وقوله تعالى: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ(14) [إبراهيم] إلى غير ذلك من الآيات".
قال الطبري – رحمه الله -: "فإن قال قائل: فإن معناه: في مشارق أرض مصر ومغاربها، فإن ذلك بعيد من المفهوم في الخطاب، مع خروجه عن أقوال أهل التأويل والعلماء بالتفسير".
والحق أن الأرض أرض بيت المقدس لقوله تعالى: (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ (161) [الأعراف] وذلك أنهم لما خرجوا من التيه قيل لهم (اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ)، كما قال: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ(58) [البقرة] والقرية في كلام العرب المدينة مجتمع المنازل، والإشارة هنا إلى بيت المقدس قاله الطبري، وفي النَّص الذي بين أيدينا: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ(93) [يونس] إشارة إلى الأرض المقدسة تأكيداً على نعمة الإقامة فيها كما قال: (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ(104) [الإسراء] والأرض هي الأرض المقدسة كما قال تعالى: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ(21) [المائدة]
والتمكين والاستخلاف من النعم التي أنعم الله تعالى بها على بني إسرائيل، كما قال تعالى: (وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ(6) [القصص] وقد وعد الله حزبه بالنصر والتمكين والاستخلاف كما قال: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ (55) [النور] قال الشيخ السعدي – رحمه الله -: "هذا من أوعاده الصادقة، التي شوهد تأويلها ومخبرها، فإنه وعد من قام بالإيمان والعمل الصالح من هذه الأمة، أن يستخلفهم في الأرض، يكونون هم الخلفاء فيها، المتصرفين في تدبيرها، وأنه يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وهو دين الإسلام، الذي فاق الأديان كلها، ارتضاه لهذه الأمة، لفضلها وشرفها ونعمته عليها، بأن يتمكنوا من إقامته، وإقامة شرائعه الظاهرة والباطنة، في أنفسهم وفي غيرهم، لكون غيرهم من أهل الأديان وسائر الكفار مغلوبين ذليلين، وأنه يبدلهم من بعد خوفهم الذي كان الواحد منهم لا يتمكن من إظهار دينه، وما هو عليه إلا بأذى كثير من الكفار، وكون جماعة المسلمين قليلين جدا بالنسبة إلى غيرهم، وقد رماهم أهل الأرض عن قوس واحدة، وبغوا لهم الغوائل.
فوعدهم الله هذه الأمور وقت نزول الآية، وهي لم تشاهد الاستخلاف في الأرض والتمكين فيها، والتمكين من إقامة الدين الإسلامي، والأمن التام، بحيث يعبدون الله ولا يشركون به شيئا، ولا يخافون أحداً إلا الله، فقام صدر هذه الأمة، من الإيمان والعمل الصالح بما يفوقون على غيرهم، فمكنهم من البلاد والعباد، وفتحت مشارق الأرض ومغاربها، وحصل الأمن التام والتمكين التام، فهذا من آيات الله العجيبة الباهرة، ولا يزال الأمر إلى قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل الصالح، فلا بدَّ أن يوجد ما وعدهم الله، وإنما يسلِّط عليهم الكفار والمنافقين، ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال المسلمين بالإيمان والعمل الصالح".
ومع ما منح الله بني إسرائيل من النعم، فإن الأكثرية فيهم لم يقابلوا ذلك بالشكر. بل قابلوه بالتمرد والحسد والبطر. فسلب الله عنهم ما حباهم من نعم، ووصفهم في كتابه العزيز بأقبح الصفات وأسوأ الطباع التي سوف نأتي على بيانها إن شاء الله. وقد بيَّن الله تعالى أن الشكر يزيد النَّعم والكفر يذهبها، فقال في كفران النعم وعواقبه: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) [النحل]. وقال في شكر النعمة: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) [إبراهيم].
واستمر بنو إسرائيل مع موسى - عليه السلام - طالبين بلاد الخليل - عليه السلام - بيت المقدس، قال تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) [الأعراف]
فقولهم: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ) يؤكد نسيانهم لما كانوا فيه من ذل واستعباد، وتفضيلهم عبادة الأصنام على عبادة الخالق - عز وجل - وغير ذلك من أنواع كفرهم ومعاصيهم، فبعد نجاتهم من ملاحقة فرعون وخروجهم من البحر وإهلاك الله لعدوهم وهي نعم عظيمة تستوجب شكر الله عليها وإفراده بالعبادة وعدم الالتفات إلى غيره، أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فطلبوا من موسى ـ عليه السلام ـ أن يجعل لهم إلهاً !!
ووقع لبعض الصحابة ما وقع لهؤلاء: فعن أبي واقد الليثي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خرج إلى غزوة حنين مرَّ بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط. فقالوا: يا رسول الله ! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله هذا كما قال قوم موسى (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ) والذي نفسي بيده لتركبُنَّ سَنَن من كان قبلكم" .[10] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn10)
وجاء الحديث مصداقاً لقوله ـ عليه السلام ـ: "أنتم أشبه الناس سمتًا وهديًا ببني إسرائيل" فقد سلك بعض من كانوا حديثي عهد بالجاهلية لأول وهلة مسلك أمة بني إسرائيل، ومن أراد المعاينة – الآن - فلينظر لحال أمة محمد فإن الواقع يشهد أن ما أخبر به المصطفى ـ عليه السلام ـ هو من أعلام نبوَّته. فإن شرار هذه الأمة حملوا على سنن الذين خلوا من قبلهم، مصداقاً لقوله ـ عليه السلام ـ: "ليحْملَنّ شرار هذه الأمّة على سَنَنِ الذين خلَوا من قبلهم ـ أهل الكتاب ـ حذو القُذَّةِ بالقُذَّة".[11] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn11)
واللام في قوله: (ليحْملَنّ) هي اللام في قوله تعالى: (لَتُفْسِدُنَّ) وفي قوله تعالى: (وَلَتَعْلُنَّ) وهي اللام في قوله ـ عليه السلام ـ (لتتبعُنَّ) و(لتركبُنَّ) و(لتسلكُنَّ). قال شيخنا العلاَّمة الألباني ـ رحمه الله ـ: "فإن من أكبر المصائب التي أصيب بها بعض المسلمين جهلهم بحقيقة الشرك الذي هو من أكبر الكبائر ومن صفته أنه يحبط الأعمال، (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) فقد رأينا كثيراً من الحجاج يقعون في الشرك وهم في بيت الله الحرام وفي مسجد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ يتركون دعاء الله والاستغاثة به إلى الاستغاثة بالأنبياء وبالصالحين ويحلفون بهم ويدعونهم من دون الله عز وجل". ثم قال: "فليت شعري ما ذا يستفيد هؤلاء من حجهم إلى بيت الله الحرام إذا كانوا يصرون على مثل هذا الشرك ويغيرون اسمه فيسمونه: توسلاً، تشفعاً، وواسطة. أليس هذه الواسطة هي التي ادَّعاها المشركون .. يبررون بها شركهم وعبادتهم لغيره تبارك وتعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).[12] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn12)
قال ابن القيم – رحمه الله -: "فأي جهل فوق هذا والعهد قريب، وإهلاك المشركين أمامهم بمرأى من عيونهم، فطلبوا من موسى - عليه السلام - أن يجعل لهم إلهًا؛ فطلبوا من مخلوق أن يجعل لهم إلهًا مخلوقًا، وكيف يكون الإله مجعولًا فإن الإله هو الجاعل لكل ما سواه، والمجعول مربوب مصنوع فيستحيل أن يكون إلهًا، وما أكثر الخلف لهؤلاء في اتخاذ إله مجعول، فكل من اتخذ إلهًا غير الله فقد اتخذ إلهًا مجعولًا".[13] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn13)
وقوله تعالى في النَّص: (فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) توبيخ لهم على موقفهم الجحودى من هذه النعم التى أنعم الله بها عليهم. فلم تتوقف نعم الله على بني إسرائيل عند تفضيل الله لهم على عالمي زمانهم، وبعث موسى – عليه السلام – فيهم، بل أيضاً: انتقام الله لهم من فرعون بأن أغرقه وقومه، ونجّى موسى وهارون وقومهما من الكرب العظيم، ودمَّر ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون، ونصر بني إسرائيل على فرعون وقومه فكانوا هم الغالبين، وفي هذا النَّص بيَّن الله تعالى نعمة عظيمة أنعمها عليهم وذلك في قوله: (وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) فأنزلهم الله منزلاً مرضياً.
وقد تلى نعمة الإنزال في الأرض المقدسة نعمة التمكين فيها، كما قال تعالى: (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ(55)، فقد ارتضى الله تعالى لهم منزلاً مرضياً هو بلاد الشام وبيت المقدس، وديناً مرضياً هو دين الله الإسلام.
وقوله تعالى في النَّص: (فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) فإنه بيان لسبب انتهاء النعم وهو الاختلاف، ويبدأ الاختلاف بمجيء العلم، وكأن حالهم قبل مجيء العلم أفضل من حالهم بعد مجيء العلم. لكن لماذا حالهم بعد مجيء العلم تغير واختلف؟ الجواب باختصار: قيام الحجَّة.
ولا شك أن قيام الطائفة المنصورة بالحجَّة يصعِّد من الابتلاء، قال ابن كثير – رحمه الله -: "أي: ولم يكن لهم أن يختلفوا، وقد بيَّن الله لهم وأزال عنهم اللبس". قلت: ولا يحصل لهم التبيين وإزالة اللبس إلاَّ بحجَّة. فلا يمكنهم الاختلاف في أمور دينهم ودنياهم على مذاهب شتى؛ إلاَّ من بعد ما يأتيهم العلم النافع الحاسم لكل خلاف وتأويل فاسد وشبهة، فقوله تعالى: (فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) أي: أوقعوا الخلف المفضي إلى جعل كل منهم صاحبه خلفه ووراء ظهره واستهان به. ففي قوله تعالى توبيخ لهم على جعلهم العلم وسيلة للاختلاف والابتعاد عن الطريق المستقيم، وبالتالي وسيلة للافتراق وعدم الاجتماع والألفة، وكان من الواجب عليهم أن يستعملوه فى الحق والخير حتى يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة.
وقال القاضي أبو محمد: "والتأويل الذي يحتمله اللفظ أن بني إسرائيل لم يكن لهم اختلاف على موسى في أول حاله فلما جاءهم العلم والأوامر وغرق فرعون اختلفوا".
أما التأويل الذي يحتاج إلى سند كما قال القاضي في "المحرر" هو اختلافهم في نبوة محمد وانتظاره حتى جاءهم وبان علمه فاختلفوا حينئذ، وهذا بعيد لا يحتمله اللفظ.
وجعلهم العلم وسيلة للاختلاف بيان فاضح لتلاعب الخبثاء بالعلم النافع، فإنهم لما استعملوا العلم بالتأويلات الفاسدة سمحوا للمبتدعات والضلالات أن تأخذ طريقها إلى المجتمع باسم العلم أفسدوا على الناس اتباعهم الحق، وبالتالي سمحوا للاختلافات أن تأخذ مجراها، لذا ختم الله تعالى الآية بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) [يونس] وقوله - عليه السلام -: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة".[14] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn14) يدل دلالة واضحة أن أهل الحق لا يسمحون بوجود الاختلافات في المجتمع، وأنهم للمبتدعة بالمرصاد.
قال الشيخ العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ: "وهذا هو الداء، الذي يعرض لأهل الدين الصحيح، وهو: أن الشيطان إذا أعجزوه أن يطيعوه في ترك الدين بالكلية، سعى في التحريش بينهم، وإلقاء العداوة والبغضاء، فحصل من الاختلاف ما هو موجب ذلك، ثم حصل من تضليل بعضهم لبعض، وعداوة بعضهم لبعض، ما هو قرة عين اللعين. وإلا فإذا كان ربهم واحدًا، ورسولهم واحدًا، ودينهم واحدًا، ومصالحهم العامة متفقة، فلأي شيء يختلفون اختلافًا يفرق شملهم، ويشتت أمرهم، ويحل رابطتهم ونظامهم، فيفوت من مصالحهم الدينية والدنيوية ما يفوت، ويموت من دينهم، بسبب ذلك ما يموت؟ فنسألك اللهم، لطفًا بعبادك المؤمنين، يجمع شملهم ويرأب صدعهم، ويرد قاصيهم على دانيهم، يا ذا الجلال والإكرام".
فكان من الواجب على بني إسرائيل المحافظة على ما أنعم الله عليهم، ومن أحسن هذه النعم المباركة التي وهبها الله لهم السكنى في الأرض المقدسة، وعبادة الله في المسجد الأقصى، وكان من الواجب عليهم ذكر امتنان الله عليهم بما رزقهم من الطيبات، لكنهم اختلفوا بسبب ما أدخلوه على العلم والتوراة من البدع والأهواء والتأويلات الفاسدة، فصاروا أحزاباً وجماعات متفرقة ضالة ومضلَّة، فبدَل أن يستعملوا العلم الشرعي الصحيح المنصوص عليه في التوراة في الحق والخير، استعملوه وسيلة للاختلاف فابتعدوا عن الصراط المستقيم".








[1] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref1) وكررها في الآية: (122) من السورة.

[2] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref2) أخرجه الإمام أحمد، وهي في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1971).

[3] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref3) قاله الخازن – رحمه الله -.

[4] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref4) قاله قتادة: أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وعبد الرزاق، بأسانيد صحيحة.

[5] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref5) أخرجه الطبري في "تفسيره".

[6] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref6) "مجموع الفتاوى" (27/44).

[7] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref7) أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والطبري.

[8] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref8) ختام رسالته "صلاة العيدين في المصلّى هي السُّنَّة".

[9] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref9) عبد الرحيم القرشي متوفى سنة (625 هـ) بعد ذكر البيوت الثلاثة المقدسة – مكة، والمدينة، والقدس - في المخطوطة "مفتاح المقاصد ومصباح المراصد في زيارة بيت المقدس".

[10] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref10) رواه الترمذي، وهو في "صحيح الجامع"(3601).

[11] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref11) أخرجه أحمد، والطبراني في "المعجم الكبير"، وهو في "سلسلة الأحاديث الصحيحة"(3312).

[12] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref12) "حجة النبي ـ عليه السلام ـ (ص: 5-6).

[13] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref13) "إغاثة اللهفان" (2/299-300).

[14] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref14) أخرجه أحمد، والترمذي، وغيرهما، وهو في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (403).