المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النَّص (32) جَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ



هشام بن فهمي بن موسى العارف
11-30-2015, 12:40 PM
النَّص الثاني والثلاثون
(وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ)[1] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn1)
ثمرة الصَّبر تحتاج إلى عزيمة صادقة وقوية، والصَّبر نعمة ينعم الله تعالى بها على أوليائه الصالحين، ولزوم الحق في منهج الحق يحتاج إلى صدق وصبر، وهذا لا يطيقه السفهاء، ولا طلاّب الدنيا، لذا أمر الله تعالى نبيه محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سورة الأحقاف بالصَّبر وعدم الاستعجال للضلاّل بالعذاب فقال: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ...(35).
قال الطبري ـ رحمه الله ـ: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، مثبته على المضيّ لما قلَّده من عبْء الرسالة، وثقل أحمال النبوّة، وآمره بالائتساء في العزم على النفوذ لذلك بأولي العزم من قبله من رسله الذين صبروا على عظيم ما لَقُوا فيه من قومهم من المكاره، ونالهم فيه منهم من الأذى والشدائد (فَاصْبِرْ) يا محمد على ما أصابك في الله من أذى مكذّبيك من قومك الذين أرسلناك إليهم بالإنذار (كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) على القيام بأمر الله، والانتهاء إلى طاعته من رسله الذين لم ينههم عن النفوذ لأمره، ما نالهم فيه من شدّة. وقيل: إن أولي العزم منهم، كانوا الذين امتُحِنوا في ذات الله في الدنيا بِالمحَن، فلم تزدهم المحن إلا جدّا في أمر الله، كنوح وإبراهيم وموسى ومن أشبههم".
والله تعالى نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن استعجال العذاب للمشركين، لأن الاستعجال ينافي العزم، ولأن في تأخير العذاب تطويلاً للصَّبر الذي يكسب العزيمة قوة.
ولا محالة أن لكل نبي ورسول عزماً وصبراً، - كما تقدَّم في النَّص التاسع والعشرون – ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود، قال: قسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قسماً، فقال رجل: إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله، قال: فأتيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فساررته، فغضب من ذلك غضباً شديداً، واحمر وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له، قال: ثم قال: "قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر".
وقال الشيخ العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ: "ثم أمر تعالى رسوله أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له، وأن لا يزال داعياً لهم إلى الله، وأن يقتدي بصبر أولي العزم من المرسلين سادات الخلق أولي العزائم والهمم العالية الذين عظم صبرهم، وتم يقينهم، فهم أحق الخلق بالأسوة بهم والقفو لآثارهم والاهتداء بمنارهم".
ومعلوم أنه لا يمكَّنُ للعبد المؤمن إلا بعد الابتلاء، لأن الابتلاء سنّة لرب العالمين في عباده الصادقين، لذلك فعلينا ألا نستعجل العذاب فيمن خالفنا في منهجنا، وطعن بنا، وسبَّ علينا، ووصفنا بأوصاف شنيعة. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن طلب تعجيل العذاب لهم جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى في سورة المزمل: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً(10)
فربنا عز وجل أمرنا أن نقوم بواجب الدعوة، وان نصبر على مقالة أهل الباطل الذين يعلمون أن الحق يهدد مصالحهم، وينسف أحلامهم، ويكشف زيفهم وزيغهم، وإني أطلب من الطلبة الغيورين الذين ثبتوا معنا في الحق على منهاج السلف وصدقوا ربهم عز وجل وقد تجاوز بهم رب العالمين المحنة ـ لعبة الشركاء وفتنة السفهاء ـ ووفقوا إلى الصواب بفضل من الله أن يصبروا، وأن يعدّوا أنفسهم لتحمل أعباء الدعوة ليكونوا في المستقبل القريب ـ إن شاء الله ـ أهلاً لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، والله تعالى قادر على إنزال العذاب فوراً بالمكذبين الضالين عن هدي السلف، والذين يسعون إلى التلبيس على الناس بكافة النشاطات التي تفتقر إلى الأخلاق السليمة والدين الحنيف، لكنه لحكمته عز وجل وحتى يفلح الفالحون وتنكسر شوكة الضالين المكذبين، يؤخر إنزال عذابه بهم ويمهلهم كما قال في السورة: (وَذَرْنِي والمكذبين أُوْلِي النعمة وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً(11) موضحاً لمعنى قوله: (وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ) لأنهم معذبون، لا محالة عند انتهاء المدة المحددة للإمهال.


بالصَّبر واليقين تنال الإمامة في الدين
ثم نزل في سورة السجدة قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ).
قال ابن القيم – رحمه الله -: "فقوله تعالى عن أصحاب موسى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا) فأخبر تعالى أنه جعلهم أئمة يأتم بهم من بعدهم لصبرهم ويقينهم، إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، فإن الداعي إلى الله تعالى لا يتم له أمره إلا بيقينه للحق الذي يدعو إليه، وبصيرته به وصبره على تنفيذ الدعوة إلى الله باحتمال مشاق الدعوة، وكفِّ النفس عما يوهن عزمه ويضعف إرادته، فمن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره تعالى.
ومن المعلوم أن أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم - أحق وأولى بهذا الوصف من أصحاب موسى، فهم أكمل يقينًا وأعظم صبرًا من جميع الأمم فهم أولى بمنصب هذه الإمامة، وهذا أمر ثابت بلا شك بشهادة الله لهم وثنائه عليهم، وشهادة الرسول لهم بأنهم خير القرون، وأنهم خيرة الله وصفوته، ومن المحال على من هذا شأنهم أن يخطئوا كلهم الحق ويظفر به المتأخرون، ولو كان هذا ممكنًا لانقلبت الحقائق وكان المتأخرون أئمة لهم يجب عليهم الرجوع إلى فتاويهم وأقوالهم وهذا كما انه محال حسًا وعقلًا فهو محال شرعًا وبالله التوفيق".[2] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn2)
وقال ابن كثير- رحمه الله -: "أي: لما كانوا صابرين على أوامر الله وترك نواهيه وزواجره، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. ثم لما بدَّلوا وحَرَّفوا وأوَّلوا، سُلبوا ذلك المقام، وصارت قلوبهم قاسية، يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا عمل صالحًا، ولا اعتقاد صحيحًا".
وهذا الذي نراه فيمن كانوا على الجادة وفتنوا، كانوا على الحق فأيَّدناهم وأحببناهم، وكنّا نقبِّل على رؤوسهم، ونحترمهم، وندافع عنهم، لأنه الدين والعقيدة والمنهج، لكنهم لمَّا بدَّلوا وحرَّفوا وأوَّلوا سُلبوا ذلك المقام فانعكس حالهم وصارت قلوبهم قاسية، وألسنتهم قذرة، ومقاماتهم منحطة، يتكلمون بكلام الجهلاء، ويدافعون عن رؤوس المبتدعة، ويزكّون الضلاّل، ويقعِّدون قواعد معاصرة للجرح والتعديل ـ بزعمهم ـ الجهول، انتصاراً لأهوائهم، وقد أفلست حججهم العلمية، يحرِّفون الكلم عن مواضعه، فلا عمل صالحاً، ولا اعتقاد صحيحاً، فصارت أعمالهم من أجل دنيا فانية، فباع كل واحد منهم دينه بعرض من الدنيا قليل. فإلى الله المشتكى من هجمتهم الشرسة على أهل الحق وأعوانه.
ولزوم الحق يحتاج للصَّبر لأجل الثبات عليه؛ الصبر على التكاليف الشرعية، والصبر عن الدنيا. لذا نقل ابن كثير عن قتادة وسفيان في تفسيرهم الآية: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا) قالوا: "لمَّا صبروا عن الدنيا". وكذلك قال الحسن بن صالح. وقال سفيان: "هكذا كان هؤلاء، ولا ينبغي للرجل أن يكون إماماً يُقتَدى به حتى يتحامى عن الدنيا".
ولزوم الحق يحتاج إلى العلم لأجل الثبات عليه؛ وطلب العلم يحتاج إلى الصبر قال وكيع: قال سفيان: "لا بد للدين من العلم، كما لا بد للجسد من الخبز".
فمرتبة الإمامة بالدين درجة رفيعة لا يوفق لها إلا من تجشم الصَّبر، ومعلوم أنَّ الصبر أعلى المقامات في الدين، وقد تقدَّم من خلال نصوص الوحيين بيان عظمة مقام الصَّبر لوجه الله تعالى، فمرتبة الإمامة بالدين تمر عبر مراحل طويلة من الابتلاءات والثبات على الحق، فإذا طالعنا نصوص الوحيين وجدنا أن مرتبة الإمامة احتاجت في بداية أمرها إلى الاستعداد التام للقيام بواجب الدعوة، وأن على القائم بواجب الدعوة أن يستمر بثباته على الحق رغم ما يلقاه من الأذى بأنواعه، ولا يستعجل بعقوبة من يدعوهم إلى الحق إذا هم رفضوا، وعليه أن يستمر بصلته بربه عز وجل واتخاذ ما يلزم من إجراءات تعينه على الصبر، ومنها الاعتبار بمواقف الأنبياء والمرسلين وسلفنا الصحابة – رضوان الله عنهم - والصالحين، وعليه أن يترقب ويصطبر كلما وجد المعاندين يعتزون باستكبارهم.
إن الإمامة في الدين لا تتم إلا بتأييد قوي من الله، فلا بدَّ من الصَّبر على جهاد الكفار والمنافقين المحتالين على شرع الله المزيفين الملبسين. قال ابن تيمية – رحمه الله -: "ولهذا كان الجهاد موجباً للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم كما دل عليه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا(69) [العنكبوت] فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وغيرهما: "إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم لأن الله يقول: وذكر الآية.[3] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn3)
ورأيت أن الإمام سفيان بن عيينة لخص ما تقدَّم بقوله: "لمّا أخذوا برأس الأمر جعلناهم رؤوساً".
والجهاد: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، أما جهاد النفس فأربعُ مراتب كما قال الإمام ابن القيم – رحمه الله -:
"إحداها: أَنْ يُجاهِدَها على تعلُّم الهُدى، ودين الحق الذى لا فلاح لها، ولا سعادة فى معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عِلمُه، شقيت فى الدَّارين.
الثانية : أن يُجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرَّدُ العلم بلا عمل إن لم يَضُرَّها لم ينفعْها.
الثالثة: أن يُجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمِهِ مَنْ لا يعلمهُ، وإلا كان مِن الذين يكتُمون ما أنزل الله مِن الهُدى والبينات، ولا ينفعُهُ علمُهُ، ولا يُنجِيه مِن عذاب الله.
الرابعة : أن يُجاهِدَها على الصبر على مشاقِّ الدعوة إلى الله، وأذى الخلق، ويتحمَّل ذلك كله لله. فإذا استكمل هذه المراتب الأربع، صار من الربَّانِيينَ، فإن السلفَ مُجمِعُونَ على أن العَالِمَ لا يَستحِقُّ أن يُسمى ربَّانياً حتى يعرِفَ الحقَّ، ويعملَ به، ويُعَلِّمَه، فمَن علم وَعَمِلَ وعَلَّمَ فذاكَ يُدعى عظيماً في ملكوتِ السموات.
وأما جهادُ الشيطان، فمرتبتان:
إحداهما: جهادُه على دفع ما يُلقى إلى العبد مِن الشبهات والشُّكوكِ القادحة في الإيمان.
الثانية: جهادهُ على دفع ما يُلقى إليه من الإرادات الفاسدة والشهواتِ.
فالجهادُ الأول يكون بعده اليقين، والثاني يكون بعدَه الصبر. فالصبر يدفع الشهواتِ والإرادات الفاسدة، واليقينُ يدفع الشكوك والشبهات".[4] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn4)
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: "ولهذا كان الصَّبر واليقين ـ اللذين هما أصل التوكل ـ يوجبان الإمامة في الدين".[5] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn5)


الإيمان نصفين: أحدهما الصبر، والثاني متولد عن العلم والعمل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: "فإن الدين كله علم بالحق وعمل به، فالعمل به لا بدَّ فيه من الصبر، بل وطلب علمه يحتاج إلى الصَّبر، كما قال معاذ بن جبل: عليكم بالعلم فإن طلبه لله عبادة، ومعرفته خشية، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، ومذاكرته تسبيح، به يعرف الله ويعبد، به يمجد ويوحد، يرفع الله بالعلم أقوماً يجعلهم للناس قادة وأئمة يهتدون بهم وينتهون إلى رأيهم. فجعل البحث عن العلم من الجهاد، ولا بدَّ في الجهاد من الصَّبر، ولهذا قال تعالى: (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) [العصر] وقال تعالى: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) [ص] فالعلم النافع هو أصل الهدى والعمل بالحق هو الرشاد، وضد الأول هو الضلال، وضد الثاني هو الغي، والضلال العمل بغير علم، والغي اتباع الهوى، قال تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) [النجم] فلا ينال الهدى إلا بالعلم، ولا ينال الرشاد إلا بالصَّبر".[6] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn6)
وقال ابن القيم – رحمه الله -: "الإيمان قول وعمل، والقول قول القلب واللسان، والعمل عمل القلب والجوارح، وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمناً كما قال عن قوم فرعون (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ) [النمل] وكما قال عن قوم عاد، وقوم صالح، (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) [العنكبوت] وقال موسى لفرعون (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ(102) [الإسراء] فهؤلاء حصل قول القلب وهو المعرفة والعلم ولم يكونوا بذلك مؤمنين، وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن بذلك مؤمناً ، بل كان من المنافقين، وكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمناً حتى يأتي بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة، فيحب الله ورسوله ويوالى أولياء الله ويعادى أعداءه، ويستسلم بقلبه لله وحده، وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته والتزام شريعته ظاهراً وباطناً، واذا فعل ذلك لم يكف في كمال إيمانه حتى يفعل ما أمر به.
فهذه الأركان الأربعة هي أركان الإيمان التي قام عليها بناؤه وهى ترجع إلى علم وعمل، ويدخل في العمل كف النفس الذى هو متعلق النهى وكلاهما لا يحصل الا بالصَّبر، فصار الإيمان نصفين أحدهما الصبر، والثاني متولد عنه من العلم والعمل".[7] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn7)
وفي النَّص الحادي عشر ذكرنا قوله تعالى في سورة "الأعراف": (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) ولم يبيِّن الله تعالى هنا الكلمة الحسنى التي تمَّت عليهم، ولكنه بيَّنها في سورة "القصص" بقوله: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6).
وليس المقصود إمامة السلطة الزمنية، بل إمامة القدوة بأمر الله، لأنه قال: (أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) كما قال في سورة "الأنبياء" (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73). فغايتهم من الإمامة كما جاء في سورة "الفرقان" في قولهم: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) فلم يكن هدفهم الرئيس السلطة على الرعية بل اقتداء الناس بهم في الخير، كما قال إبراهيم النخعي: "لم يطلبوا الرياسة، بل بأن يكونوا قدوة في الدين".
قال ابن القيم: "فسألوه أن يقرَّ أعينهم بطاعة أزواجهم وذرياتهم له سبحانه وأن يسرَّ قلوبهم باتباع المتقين لهم على طاعته وعبوديته، فإن الإمام والمؤتم متعاونان على الطاعة، فإنما سألوه وما يعانون به المتقين على مرضاته وطاعته، وهو دعوتهم إلى الله بالإمامة في الدين، التي أساسها الصَّبر واليقين".[8] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn8)
طلبوا من الله تعالى أن يكونوا أئمة هدى لا أئمة ضلالة ممن يسعون لمصالحهم على حساب خيرات الله للناس، ويحرفون الكلم عن مواضعه للوصول إلى مبتغاهم بسبب تعلِّقهم بالدنيا، كما فعل الله تعالى بحال فرعون وقومه إذ قال: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ(41) [القصص]
قال ابن تيمية – رحمه الله -: " فمن لم يكن فيه – يعني: الصراط المستقيم الإيمان والهدى - على طريق أئمة الهدى، كان ثغر قلبه مفتوحاً لأئمة الضلال".[9] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn9)
وقوله تعالى: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) ولم يقل واجعلنا للمتقين أئمة، قال ابن القيم: "لأن المتقين كلهم على طريق واحد، ومعبودهم واحد، وأتباع كتاب واحد، ونبي واحد، وعبيد رب واحد، فدينهم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، ومعبودهم واحد، فكأنهم كلهم إمام واحد لمن بعدهم ليسوا كالأئمة المختلفين الذين قد اختلفت طرائقهم ومذاهبهم وعقائدهم، فالإتمام إنما هو بماهم عليه وهو شيء واحد وهو الإمام في الحقيقة".[10] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn10)
"ومن المعلوم أن الدعاء ببلوغ شيء دعاء بما لا يتم إلا به، وهذه الدرجة -درجة الإمامة في الدين- لا تتم إلا بالصبر واليقين، فهذا الدعاء يستلزم من الأعمال والصبر على طاعة الله وعن معصيته وأقداره المؤلمة ومن العلم التام الذي يوصل صاحبه إلى درجة اليقين، خيراً كثيراً وعطاءً جزيلاً وأن يكونوا في أعلى ما يمكن من درجات الخلق بعد الرسل. ولهذا، لما كانت هممهم ومطالبهم عالية كان الجزاء من جنس العمل".[11] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn11)

الصبر أصل في الإمامة
قال ابن القيم: "الصبر: حبس النفس عن محارم الله، وحبسها على فرائضه، وحبسها عن التسخط والشكاية لأقداره".[12] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn12)
عن مالك بن أنس وتلا قول الله ـ عز وجل ـ: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ(24) فقال: ثني الزهري أن عطاء بن يزيد حدثه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ مرفوعاً: "ما رزق عبد خيراً له، ولا أوسع من الصبر".[13] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn13)


اليقين أصل في الإمامة
الإيقان إفعال من اليقين، وهو علم ما يثلج به الصدر، "فبالصبر تترك الشهوات وباليقين تدفع الشبهات ... وفي بعض المراسيل: "إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات". فقوله تعالى: (فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ(69) [التوبة] إشارة إلى اتباع الشهوات، وهو داء العصاة. وقوله: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا(69) [التوبة] إشارة إلى الشبهات وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات، وكثيراً ما يجتمعان فقل من تجده فاسد الاعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر في عمله.
والمقصود أن الله أخبر أن في هذه الأمة من يستمتع بخلاقه كما استمتع الذين من قبله بخلاقهم ويخوض كخوضهم، وأنهم لهم من الذم والوعيد كما للذين من قبلهم، ثم حضَّهم على القياس والاعتبار بمن قبلهم فقال (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) [التوبة] فتأمل صحة هذا القياس".[14] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn14)
وهؤلاء الذين وصلوا إلى هذه المنزلة الرفيعة في الدين، يوقنون إيقاناً جازماً بأنهم على الحق الذى لا يحوم حوله باطل، وبأنهم متبعون لشريعة الله تعالى التي لا يضل من اتبعها وسار على نهجها. فاليقين كما قال ابن القيم في كتاب أرسله إلى بعض إخوانه (ص45:-46) "هو الإيمان الجازم الثابت الذي لا ريب فيه ولا تردد، ولا شك، ولا شبهة، بخمسة أصول ذكرها الله تعالى في قوله: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمنَ بالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ(177) [البقرة] فمن لم يؤمن بها فليس بمؤمن، واليقين أن يقوم الإيمان بها حتى تصير كأنها معاينة للقلب، مشاهدة له، نسبتها إلى البصيرة كنسبة الشمس والقمر إلى البصر، ولهذا قال من قال من السلف: "إنَّ الإيمان هو اليقين كلّه".[15] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn15)


الدَّعوة إلى الله وحده أصل في الإمامة
الإمامة في الدين "هي ارفع مراتب الصديقين، واليقين هو كمال العلم وغايته فبتكميل مرتبة العلم تحصل إمامة الدين، وهي ولاية؛ آلتها العلم يختص الله بها من يشاء من عباده".[16] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn16)
والدَّعوة إلى الله تعالى تحتاج إلى صبر ونفس طويل، وتحتاج إلى ثبات كما قال تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حق وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60) [الروم] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن الخفيف لا يثبت بل يطيش، وصاحب اليقين ثابت. يقال: أيقن. إذا كان مستقراً واليقين: استقرار الإيمان في القلب علماً وعملاً، فقد يكون علم العبد جيداً لكن نفسه لا تصبر على المصائب بل تطيش. قال الحسن البصري: "إذا شئت أن ترى بصيراً لا صبر له رأيته، وإذا شئت أن ترى صابراً لا بصيرة له رأيته فإذا رأيت بصيراً صابراً فذاك".[17] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn17)
وقوله تعالى: (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) قال ابن القيم – رحمه الله -: "فإنهم لعدم يقينهم عُدِم صبرهم، وخفوا واستخفوا قومهم، ولو حصل لهم اليقين والحق لصبروا، وما خفوا ولا استخفوا، فمن قل يقينه قل صبره، ومن قل صبره خف واستخف، فالموقن الصابر رزين، لأنه ذو لب وعقل، ومن لا يقين له، ولا صبر عنده خفيف طائش تلعب به الأهواء والشهوات، كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف. والله المستعان".[18] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn18)
ولهذا يقال لمن أطاع من يغويه: إنه استخفه كما قال الله تعالى عن فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) [الزخرف]
وقوله تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعد اللهِ حَقٌّ) "فمن وفّى الصبر حقه وتيقَّن أن وعد الله حق لم يستفزه المبطلون، ولم يستخفه الذين لا يوقنون، ومتى ضعف صبره أو يقينه أو كلاهما استفزه هؤلاء واستخفه هؤلاء فجذبوه إليهم بحسب ضعف قوة صبره ويقينه، فكلما ضعف ذلك منه قوي جذبهم له، وكلما قوي صبره ويقينه قوي انجذابه منهم وجذبه لهم".[19] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn19)


هداية الخلق لطريق الحق أصل في الإمامة
والله تعالى جعل في بني إسرائيل هداة ودعاة إلى الخير, يأتمُّ بهم الناس, ويدعونهم إلى التوحيد وعبادة الله وحده وطاعته, وإنما نالوا هذه الدرجة العالية حين صبروا على أوامر الله, وترك زواجره, والدعوة إليه, وتحمُّل الأذى في سبيله, وكانوا بآيات الله وحججه يوقنون. وهؤلاء هم خلفاء الرسل حقاً، وهم أولوا البصر واليقين، فجمعوا بين البصيرة والبصر، "وفي ذلك دليل على اتباعهم ما أنزل الله على رسوله وهدايتهم به وحده دون غيره من الأقوال والآراء والنحل والمذاهب، بل لا يهدون إلا بأمره خاصة.
فحصل من هذا أن أئمة الدين الذين يقتدون بهم هم الذين جمعوا بين الصبر واليقين، والدعوة إلى الله بالسنة والوحي، لا بالآراء وبالبدع فهؤلاء خلفاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أمته وهم خاصته وأولياؤه ومن عاداهم أو حاربهم فقد عادى الله سبحانه وآذنه بالحرب، قال الإمام أحمد - رحمه الله - في خطبة كتابه في الرد على الجهمية: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم يختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين".[20] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn20)

[1] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref1) سورة "السجدة" الآية: (24).

[2] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref2) "إعلام الموقعين" (4/135).

[3] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref3) "مجموع الفتاوى"(28/345).

[4] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref4) "زاد المعاد إلى هدي خير العباد" (3/10).

[5] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref5) المصدر السابق.

[6] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref6) "أمراض القلوب" (ص: 54-55).

[7] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref7) "عدة الصابرين" (ص: 131).

[8] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref8) "الروح" (ص:252).

[9] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref9) "درء تعارض العقل والنقل" (3/95).

[10] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref10) "كتاب ارسله الحافظ ابن القيم إلى بعض إخوانه" (ص:15).

[11] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref11) قاله الشيخ العلامة السعدي – رحمه الله -.

[12] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref12) "كتاب أرسله الحافظ ابن القيم إلى بعض إخوانه" (ص:45).

[13] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref13) أخرجها الحاكم وقال: "صحيح على شرطهما"، ووافقه الذهبي، والألباني كما في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (449)، من طريق إسحاق بن سليمان الرازي قال: سمعت أنس بن مالك، (وذكره).

[14] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref14) "إعلام الموقعين" (1/137).

[15] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref15) القائل هو عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – كما تقدم معنا في النَّص العاشر.

[16] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref16) "مفتاح دار السعادة" (1/81).

[17] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref17) "المستدرك على مجموع الفتاوى" (1/197).

[18] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref18) "بدائع التفسير" (5/331).

[19] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref19) "مدارج السالكين" (3/215).

[20] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref20) "كتاب أرسله الحافظ ابن القيم إلى بعض إخوانه" (ص:50-51).