المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النَّص (27)وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ



هشام بن فهمي بن موسى العارف
10-26-2015, 07:27 AM
النَّص (27)


(..وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[1] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn1)

الصَّبر يحتاج إلى عزيمة قوية، ليس الصَّبر بالسهل فهو ضد الاستعجال، وهو نعمة يفوز بها أولياء الله تعالى،لذلك امتدح الله تعالى أنبياءه بها وحثَّ نبيه محمداً – صلى الله عليه وسلم – ليكون ذلك أصلاً مهماً في منهج الله تعالى يتربى عليه أصحاب الإيمان والدعاة إلى الله على بصيرة، قال تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ..)[2] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn2)
قال الشيخ السعدي – رحمه الله -:"فامتثل - صلى الله عليه وسلم - لأمرِ ربِّه فصبر صبرًا لم يصبره نبيٌ قبله حتى رماه المعادون له عن قوس واحدة، وقاموا جميعًا بصدِّه عن الدعوة إلى الله، وفعلوا ما يمكِّنهم من المعاداة والمحاربة، وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يزل صادعًا بأمر الله مقيمًا على جهاد أعداءِ الله، صابرًا على ما يناله من الأذى، حتى مكَّن الله له في الأرض، وأظهر دينه على سائر الأديان، وأمَّته على الأمم، فصلى الله عليه وسلم تسليمًا".
عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: "لقد أُخفت في الله وما يُخاف أحد، ولقد أُوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولـبلال طعام يأكله ذو كبد إلاَّ شيء يواريه إبط بلال"[3] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn3).
قال شيخنا الألباني – رحمه الله -: "الشاهد من هذا الحديث المناسب لهذا الباب الذي نحن فيه إنما هو طرفه الثاني، ألا وهو قوله عليه الصلاة والسلام: "ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولـبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال". يعني: إلا شيء من خبز يابس، ومن الشعير، كما علمتم من الأحاديث السابقة، وهذا الحديث سواءً بطرفه الثاني أو الأول إنما هو كناية، بل دليل واضح على شدَّة ما ابتلي به رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في سبيل دعوته دعوة الحق، دعوة التوحيد التي جاهد المشركين في سبيلها أكثر من عشرين سنة، ولاقى في سبيل ذلك المتاعب، والمصاعب، والجوع، وهذا ما يصف به نفسه - عليه الصلاة والسلام – بقوله: أنه أوذي أذىً لم يؤذ أحد مثل أذاه،[4] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn4) وأخيف أيضاً إخافة لم يخف مثله سواه - عليه الصلاة والسلام -، وكذلك لقي من الجوع ما لا يكاد يتصور؛ أنه مضى عليه صلوات الله وسلامه عليه ثلاثون يوماً بليله ونهاره، ولا يجد من الطعام إلا ما يحمله بلال خادمه ومؤذنه تحت إبطه، وهذا كناية عن أن هذا الشيء الذي يحمله من الطعام هو شيء قليل؛ لأنه ما الذي يستطيع أن يحمله الإنسان في هذه المدة الطويلة تحت الإبط إلا أن يكون كسرات من خبز، أو تمرات من تمر تلك البلاد.
فإذاً: نحن يجب أن نأخذ من هذا الحديث ومن أمثاله من أحاديث سبقت، وأخرى تأتي: أسوة لنا برسولنا - صلى الله عليه وسلم -، فنصبر في سبيل الدعوة، لا نتكلف التعب، والنصب، والمشقة؛ لأن ذلك ليس أمراً مرغوباً في الشرع، ولكن علينا أننا إذا أصبنا في سبيل دعوتنا بشيء من ذلك التعب والنصب أن نصبر على الجوع، على العطش، على الأذى، والأمر كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)[5] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn5) ليست الأسوة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما هي محصورة بالاقتداء بصلاته وصيامه وسائر عباداته فحسب، وإنما الأسوة به صلوات الله وسلامه عليه تشمل كل نواحي الحياة. الأسوة به في عبادته نعم، ولكن أيضاً في خلقه، وأيضاً من ذلك في صبره وفيتحمله المشاق في سبيل دعوته، كل ذلك مما يجب علينا أن نتخذ نبينا صلوات الله وسلامه عليه أسوة حسنة لنا".[6] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn6)
إذن لا بدَّ للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر من الحلم والصبر، لأنه لا بدَّ أن يحصل له أذى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: "فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح، كما قال لقمان لابنه: (..وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ) ولهذا أمر الله الرسل وهم أئمة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالصبر".[7] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn7)
واعلم أن الصَّبر على الأذى في الحقِّ إنما هو لأهل العزائم، "إن الصبر سبب في حصول كل كمال، فأكمل الخلق أصبرهم، ولم يتخلف عن أحد كماله الممكن إلا من ضعف صبره، فإن كمال العبد بالعزيمة والثبات، فمن لم يكن له عزيمة فهو ناقص، ومن كانت له عزيمة ولكن لا ثبات له عليها فهو ناقص، فإذا انضم الثبات إلى العزيمة أثمر كل مقام شريف وحال كامل، ولهذا في دعاء النبي الذي رواه الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه": "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد".[8] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn8) ومعلوم أن شجرة الثبات والعزيمة لا تقوم إلا على ساق الصبر، فلو علم العبد الكنز الذي تحت هذه الأحرف الثلاثة أعني اسم الصبر لما تخلَّف عنه".[9] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn9)
وقال الشيخ السعدي – رحمه الله -: "ولما علم – يعني لقمان - أنه لا بد أن يبتلى – أي: ابنه - إذا أمر ونهى، وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك فقال: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ) (إِنَّ ذَلِكَ) أي: الذي وعظ به لقمان ابنه (مِنْ عَزْمِ الأمُورِ) أي: من الأمور التي يعزم عليها، ويهتم بها، ولا يوفَّق لها إلا أهل العزائم".
عن عبد الرحمن بن الحضرمي قال: أخبرني من سمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "إن من أمتي قوماً يعطون مثل أجور أولهم ينكرون المنكر".[10] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn10) وهذا أجر كبير، لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، آمر بالتوحيد، آمر بالسنة،آمر بالأخلاق الحسنة، آمر بالدعوة السلفية، ناهٍ عن الشرك، ناهٍ عن البدعة، ناهٍ عن الخرافة والضلالة، ناهٍ عن الأخلاق السيئة، ناهٍ عن الاختلاف والتفرق والحزبيات والتجمعات الضالة المضلَّة، وهي مجمل ما وعظ به لقمان ابنه، فأهل الشرك والكفر يكرهونه ويبغضونه، وأهل البدع والأهواء يكرهونه ويبغضونه، وأهل الشهوات والمعاصي والأخلاق الخسيسة يكرهونه ويبغضونه، وأهل النفاق يكرهونه ويبغضونه، فعليه الاستعداد لمواجهة ما يلقاه من أذاهم بالصبر.
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: "فالصبر متعلق بالمأمور، والمحظور، والمقدور، بالخلق والأمر". وقال: "فأمره بالمعروف يتناول فعله بنفسه، وأمر غيره به، وكذلك نهيه عن المنكر. أما من حيث إطلاق اللفظ فتدخل نفسه وغيره فيه، وأما من حيث اللزوم الشرعي فإن الآمر الناهي لايستقيم له أمره ونهيه حتى يكون أول مأمور ومنهي".[11] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn11)
لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرلا يخضع لهوى، فهذه الشعيرة على رأس الأعمال الصالحة ولا بدَّ لها من شرطين: الإخلاص لله والمتابعة لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكلاهما يحتاج إلى صبر.
ولمّا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة لا يمكن للدعاة أن يتركوها في أي حال من الأحوال، فقوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ)[12] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn12) فحرف (إن) - في أول الآية - تفيد التشكيك؛ دلّت على أن المعاقبة مأذون بها ضمن مبدأ العدل (فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ)، لكن الحكمة التي دعا إليها الله تعالى في الآية التي سبقتها: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[13] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn13) تقتضي استبعاد المعاقبة، لذا كانت خاتمة الآية (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) بيَّنت أن الصَّبر على الأذى خير من المعاقبة، وعَدَل عن الضمير (لكم) للإشعار بأن الخير بسبب الصبر، وأنَّ أصحابه الذين فازوا به استحقوا أن يدخلوا في منظومة الصابرين.
ودعوة الحق خصومها كثر، فحاجة إمامها للصبر أعظم، لذلك أمر الله تعالى رسله، وأمر أنبياءه، وأمر دعاته أن يصبروا، فقال: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ)، وقال: (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)، وقال: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)،وقال: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)، وقال: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ)، وقال: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا)، وقال: (وَاتَّبِعْ مَايُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ)، وقال: (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)، وقال: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)،وقال: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) وذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة وهي الآية (127) من سورة"النحل" أنه - صلى الله عليه وسلم - مأمور بالصبر، (وَاصْبِرْ) وأنه لا يمتثل ذلك الأمر بالصبر إلا بإعانة الله وتوفيقه؛ لقوله: (وَمَا صَبْرُكَ إِلَّابِاللَّهِ) يعني إن لم يصبِّرك الله فلن تصبر، وأشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع،كقوله: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّاذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) فلا يكون الصبر إلا من تيسير الله تعالى، ومشيئته،وتوفيقه، كما شرحناه في النَّص السادس والعشرين.
وإذا كان الله تعالى قد بيَّن أن العدول عن المعاقبة إلى الصبر خير للصابرين بقوله: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) ومعلوم أن هذا الصبر لا يقوم به إلاَّ أهل العزائم، فقوله تعالى: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) في الآية التالية يشير إلى أن أهل العزائم لا يقومون به إلاَّ بإذن الله وتوفيقه والاستعانة به. فمن أدرك هذه المعاني من هذه الآيات أدرك ماقاله تعالى بعدها: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ(127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128).
قال ابن القيم – رحمه الله -: "الصبر من أجل مقامات الإيمان، وأن أخص الناس بالله وأولاهم به أشدُّهم قياماً وتحققاً به، وأن الخاصة أحوج إليه من العامة".[14] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn14) فإذا باشر العبد الصبر تنزَّلت عليه رحمات الله وبركاته ومعوناته. وإذا نزل البلاء بقوم، فليس لهم أوسع من الصبر، فعن محمود بن لبيد أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: "إذا أحب الله قوماً ابتلاهم،فمن صبر فله الصَّبر، ومن جزع فله الجزع".[15] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn15) والجزع ينافي الصبر، قال تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)[16] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn16)
وأخبر الله تعالى أن الصبر والمغفرة من العزائم التي تجارة أربابها لا تبور فقال: (وَلَمَنْ صَبَرَ وغَفَر إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[17] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn17) أي: صبر على الأذى وما يناله من أذى الخلق، (وَغَفَرَ) أي: ترك الانتصار لوجه الله تعالى؛ وسمح لهم عما صدر منهم، (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ) "أي: لمن الأمور التي حث الله عليها وأكدها، وأخبر أنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظوظ العظيمة، ومن الأمور التي لا يوفق لها إلا أولو العزائم والهمم، وذوو الألباب والبصائر. فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو الفعل، من أشق شيء عليها، والصبر على الأذى، والصفح عنه، ومغفرته، ومقابلته بالإحسان، أشق وأشق، ولكنه يسير على من يسره الله عليه، وجاهد نفسه على الاتصاف به، واستعان الله على ذلك، ثم إذا ذاق العبد حلاوته، ووجد آثاره، تلقاه برحب الصدر، وسعة الخلق، والتلذذ فيه".[18] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn18)
نقل ابن كثير في"تفسيره" ما أخرجه ابن أبي حاتم عن الفضيل بن عياض أنه قال: "إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلاً فقل: "يا أخي، اعف عنه" . فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله عز وجل. فقل له: إن كنت تحسن أن تنتصر وإلا فارجع إلى باب العفو،فإنه باب واسع، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل،وصاحب الانتصار يقلب الأمور".
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلاً شتم أبا بكر والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجب ويتبسم، فلما أكثر رد عليه بعض قوله، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله إنه كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت! قال: "إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان" . ثم قال: "يا أبا بكر، ثلاث كلهن حق، ما من عبد ظُلم بمظلمة فيغضي عنها لله، إلا أعز الله بها نَصْرَه، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة، إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة، إلا زاده الله بها قلة".[19] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn19)
وكون الرسل والأنبياء أصحاب دعوة ورسالة، فلا بدَّ لهم من الأمر بتوحيد الله ونهيهم عن الشرك بالله، وكلما كان القوم أشد عناداً وأكثر إغراقاً في الضلال، كانت حاجة نبيهم إلى الصبر أكثر، وقد أجمع الأنبياء على رد أذى أقوامهم بالصبر كما قال تعالى على لسانهم: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)[20] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn20) وكما جاء في النَّص التاسع عشر من قوله تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُواعَلَى مَا كُذِّبُوا)، فإن الصبر في مواجهة الأذى من أقوى أسباب النصر، لأن الاستعجال هزيمة. والغرض أن تهتدي أقوام الأنبياء والرسل إلى الحق، فإن في الصبر معالجة، قال الشيخ السعدي – رحمه الله -: "أي: ولنستمرن على دعوتكم، ووعظكم، وتذكيركم، ولا نبالي بما يأتينا منكم من الأذى، فإنا سنوطن أنفسنا على ما ينالنا منكم من الأذى احتساباً للأجر ونصحاً لكم، لعل الله أن يهديكم مع كثرة التذكير".
وإبراهيم – عليه السلام – شيخ التوحيد، وأبو الأنبياء والرسل، فقد جاء في سورة "إبراهيم" نصّاً فيه عرض شامل لمنهاج الرسل والأنبياء في دعوة أقوامهم إلى سبيل ربهم، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وصبرهم على أذاهم، قال تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ(11) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15).
وظاهر من هذا النَّص التوجيه للاقتداء بالرسل السابقين في دعوتهم، وفي حوارهم وجدالهم، وفي الصبر على أذى من تصدّى لهم، وفي النَّص أن الذين تصدوا لدعوات الأنبياء والرسل كانت مقالاتهم واحدة: (قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) كأن هؤلاء يرون أن أصحاب دعوة الحق لا يجوز لهم أن يكون لهم سلطان يخالف سلطان الباطل، والسلطان: من السلاطة بمعنى التمكن والقهر. وقولهم: (فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) أي: بحجة ظاهرة، وكأن الحجج الظاهرة التي أتت بها الأنبياء والرسل أقوامها ليست كافية لقهرهم عن سلطانهم الذي خضعوا له شركاً وجبناً وضلالة. فماذا كان الجواب: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) جواب في منتهى البساطة، لكن فيه إفحاماً لخصوم الدعوة لأنهم:
أولاً: بيَّنوا حسد أقوامهم لهم، فحاولوا معالجتهم من خلال قولهم: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ).
ثانياً: ثم مرَّغوا أنف سلطان الباطل في التراب حين قالوا لأقوامهم: (وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ)، وفيه بيان أن سلطان الله إذا جاء لن يبقى سلطان الجهلة والجهلاء ومن خالطوا الشركيات والخزعبلات والضلالات والمعاصي في أعمالهم ومجتمعاتهم.
ثالثاً: أن الرسل والمؤمنين حين أتوا بالسلطان المبين وهي الحجج القاهرة والظاهرة والناصعة لإعلاء كلمة الله، فإن السلطان الذي يخضع له أهل الباطل يتلاشى بفضل حجَّة أهل الحق واتكالهم على الله تعالى.
رابعاً: ثم إن أهل الحق على يقين فيما يحاججون به، وعلى يقين بنتائج ما يدعون فيه الناس إلى الله تعالى، وعلى يقين بتوكلهم على الله، وعلى الرغم من الصعاب فإنهم لا يزالون ظاهرين على الحق صابرين، ومؤكدين على توكلهم على الله لا يبرحونه فقولهم في النَّص: (وَمَا لَنَا أَلَّانَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) فالتوكل على الله، واتباع هدي محمد - صلى الله عليه وسلم -، والصبر على الأذى، أركان مهمة في الدعوة إلى الله، وهي التي دفعت بالذين كفروا والذين يصدون عن سبيل الله إلى إعلان الحرب على الرسل وأتباع الرسل للحفاظ على سلطانهم فوق أرضهم، ولا يتم ذلك إلاَّ بإخراج أهل الحق من أرضهم ومجتمعهم، لأن أهل الحق أصبحوا يتهددون سلطان الباطل.
وقد انهى الله تعالى النَّص بعد أن علَّقه على صبر أولياءه بقوله: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ(13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15).
[1] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref1) سورة "لقمان" الآية: (17).
[2] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref2) سورة "الأحقاف" الآية: (35).
[3] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref3) رواه الترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو في "صحيح الترغيب والترهيب"(3281).
[4] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref4) كما جاء في قوله – صلى الله عليه وسلم -: "ما أوذي أحد ما أوذيت في الله عز وجل"، أخرجه الديلمي كما في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (2222).
[5] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref5) سورة "الأحزاب" الآية: (21).
[6] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref6) صوتية مفرغة لشيخنا الألباني – رحمه الله – من قراءة في كتاب الترغيب والترهيب.
[7] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref7) "مجموع الفتاوى" (28/136).
[8] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref8) أحرجه الطبراني في "المعجم الكبير"، وغيره، كما في"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (3228).
[9] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref9) "طريق الهجرتين" لابن القيم – رحمه الله - (ص: 400-401)
[10] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref10)أخرجه أحمد، كما في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1700).
[11] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref11)"عدةالصابرين"(ص:29).
[12] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref12) سورة "النحل" الآية (126).
[13] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref13) سورة "النحل" الآية: (125).
[14] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref14)"طريق الهجرتين" (ص:400).
[15] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref15) رواه أحمد، وهو في "صحيح الترغيب والترهيب" (3406).
[16] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref16) سورة "المعارج".
[17] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref17) سورة "الشورى" الآية: (43).
[18] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref18) قاله الشيخ السعدي – رحمه الله -.
[19] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref19) أخرجه أحمد، كما في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (2231) وقال شيخنا: "وسنده صحيح على شرط مسلم".
[20] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref20) سورة "إبراهيم" الآية: (12).