المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النَّص (25) (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)



هشام بن فهمي بن موسى العارف
09-30-2015, 09:05 AM
النَّص (25)


(فَصَبْرٌجَمِيلٌ)[1] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn1)

الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه إلى الخلق، فقول يعقوب – صلى الله عليه وسلم -: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) أي: سأصبر على محنتي صبراً جميلاً سالماً من التَّشكِّي إلى الخلق، وأستعين الله على ذلك، لا على حولي وقوتي، فوعد من نفسه هذا الأمر، وهذا لا ينافيه الشكوى إلى الله سبحانه وتعالى، فإنه – عليه السلام – (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)[2] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn2) لأن الشكوى إلى الخالق لا تنافي الصبر الجميل.
والصبر لغة: الحبس والكف، واصطلاحاً: حبس النفس على فعل شيء أو تركه ابتغاء وجه الله، كما جاء في النَّص الأول: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ)[3] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn3) فالصبر الذي لا يكون باعثه وجه الله تعالى لا أجر فيه. وأثنى الله تعالى في كتابه العزيز على أولي الألباب الذين من أوصافهم الصَّبر ابتغاء وجه الله فقال: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ..).[4] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn4) قال ابن كثير – رحمه الله -: "أي: عن المحارم والمآثم، ففطموا نفوسهم عن ذلك لله عزوجل؛ ابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه".
إذن فالصبر النافع هو الصبر على طاعة الله،أو الصبر عن محارم الله، أو الصبر على المصائب وأقدار الله المؤلمة بعدم تسخطها ابتغاء وجه الله، لا لغير ذلك من المقاصد والأغراض الفاسدة، قال الشيخ السعدي –رحمه الله -: "فالصبر النافع هو الذي يحبس به العبد نفسه طلباً لمرضاة ربه،ورجاء للقرب منه، والحظوة بثوابه، وهو الصبر الذي من خصائص أهل الإيمان، وأما الصبر المشترك الذي غايته التجلد ومنتهاه الفخر، فهذا يصدر من البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فليس هو الممدوح على الحقيقة".
وفي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَوَجْهِ رَبِّهِمْ) جاء الصبر هنا في صيغة الماضي، فناسب قوله تعالى في السورة قول الملائكة في عند تحيتهم المؤمنين في الجنَّة بسبب صبرهم: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ..)[5] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn5) فالمؤمنون صبروا في الدنيا؛ وانتهى زمن الصبر بانتهاءالتكليف. والتكليف جاء في الدنيا بصيغة المضارع في سورة "الرعد" كقوله تعالى: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ(20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)[6] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn6) فاستحضر الله تعالى في كتابه العزيز الجنة وبيَّن فيها تحية الملائكة للمؤمنين الذين صبروا وقد نجحوا في الدنيا بصبرهم على التكاليف التي لا يزالون قائمين عليها في حاضر دنياهم قبل أن يموتوا ويبعثوا ويدخلوا الجنة، والغرض تحفيز المكلَّفين على الصبر، حتى يشاهدوا نتائج صبرهم في الجنة لذا ختم الآية بعد إظهار تحية الملائكة هناك للصابرين بقوله (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار).[7] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn7) وفي ذكر أوصافهم من حيث الوفاء بعهد الله، وعدم نقضهم الميثاق، بيان أنهم ليسوا كالمنافقين، ويتميَّزون بأخلاق عالية من حيث أنهم: يصلون ما أمر الله به ان يوصل، من صلة الأرحام، والإحسان إليهم، وإلى الفقراء والمحتاجين، وبذل المعروف، كما ويتميَّزون بالورع وخشية الله تعالى ويخافون سوء الحساب في الآخرة، وحازوا على هذه الأوصاف كونهم من أولي الألباب الصابرين.
عن عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما –قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: "أول ثلة يدخلون الجنة الفقراء المهاجرون الذين تتقى بهم المكاره، إذا أُمروا سمعوا و أطاعوا، و إن كانت للرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض له حتى يموت و هي في صدره، و إن الله عز وجل ليدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقوتلوا وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي، ادخلوا الجنة، فيدخلونها بغير حساب. وتأتي الملائكة فيسجدون، فيقولون: ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار، ونقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب عز وجل: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي، فتدخل عليهم الملائكة من كل باب(سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىالدَّارِ).[8] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn8)
وفي حديث صحيح: "هل تدرون من أول من يدخل الجنة من خلق الله؟ قالوا: الله ورسوله اعلم، قال: أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون الذين يسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاءً، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته: إيتوهم فحيّوهم، فيقول الملائكة: ربنا نحن سكان سماواتك وخيرتك من خلقك أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟ قال: إنهم كانوا عباداً يعبدوني لا يشركون بي شيئاً، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره، لا يستطيع لها قضاءً، قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك؛ فيدخلون عليهم من كل باب (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ).[9] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn9)
ومعلوم أن الفقراء المهاجرين صرَّحوا بصبرهم، فعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ الْحُبُلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ. قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا. قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَجَاءَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّا وَاللهِ، مَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ. لاَ نَفَقَةٍ، وَلاَدَابَّةٍ، وَلاَ مَتَاعٍ. فَقَالَ لَهُمْ: مَا شِئْتُمْ إِنْ شِئْتُمْ رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا، فَأَعْطَيْنَاكُمْ مَا يَسَّرَ اللهُ لَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلسُّلْطَانِ، وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ، بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا". قَالُوا: فَإِنَّا نَصْبِرُلاَ نَسْأَلُ شَيْئًاً".[10] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftn10)














[1] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref1) سورة "يوسف" الآيتين: (18) و (83).
[2] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref2) "الآية": (86).
[3] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref3) سورة"المدثِّر" الآية: (7).
[4] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref4) سورة"الرعد" الآية: (22).
[5] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref5) سورة"الرعد" الآية: (24).
[6] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref6) سورة"الرعد".
[7] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref7) سورة"الرعد" الآية: (24).
[8] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref8) أخرجه الأصفهاني في "الترغيب والترهيب" كما في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (2559).
[9] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref9) رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالْبَزَّارُ، وَأَبُو يَعْلَى، كما في "إتحاف الخيرة المهرة" (8/269)، ورواه عن أبي يعلى ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" (16/440/7421) عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً.
[10] (http://vb.alaqsasalafi.com/#_ftnref10) أخرجه أحمد، ومسلم، وغيرهما.