رائد بن عبد الجبار المهداوي
08-10-2008, 06:32 PM
الآثار القديمة وخطورة العناية بها ـ وتعظيمها ـ على التوحيدبقلم: أبي عبد الرحمن رائد بن عبد الجبار المهداوي
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، أما بعد؛
يقصد بالآثار القديمة ما خلّفه السابق لللاحق من أبنية وعمائر ومقابر ومعابد وتماثيل ومقامات ومشاهد...الخ. وقد تناولت نصوص الكتاب والسنة قضية الآثار القديمة، ويمكن تقسيمها باعتبار ذلك التناول إلى أقسام ثلاثة:
الأول: ما طلب الشرع تعظيمه والعناية به وجوباً أو استحباباً وهو:
1-المسجد الحرام وما يحويه:
-الكعبة المشرّفة، وهي معظمة بالطواف واتخاذها قبلة ومثابة للناس.
-مقام إبراهيم، وهو معظم بالصلاة خلفه بعد الطواف.
-الصفا والمروة، وهما من شعائر الله المعظمة بالسعي بينهما ـ في العمرة والحج ـ وبالدعاء.
2-مشاعر الحج؛ عرفات، ومنى، والمزدلفة.
3-المسجد النبوي، والمسجد الأقصى.
4-مسجد قباء، وسائر مساجد المسلمين المؤسسة على التقوى.
ورغم تعظيم الشرع لهذه الآثار والمشاعر إلا أنّ المسلم لا يجوز له أن يعظّمها وفق هواه فيقع بالإحداث والابتداع بالدين الذي هو شرّ كلّه، ولكن يجب مراعاة أن لا يعبد الله عند هذه المشاعر إلا بما شرع على لسان نبيّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
الثاني:آثار ورد النهي في الشرع عن تعظيمها وهي:
1-مساجد الضرار التي تبنى كفراً وتفريقا بينً المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله، ويأخذ حكمَها المقاماتُ المدّعاة للأولياء والصالحين والتي يفعل عندها الشرك الأكبر من دعاء، وذبح، ونذر، وطواف لغير الله. كمقام البدوي والسيدة زينب في مصر، والمراقد(!!) الوثنية في العراق، ومقام النبي موسى في فلسطين، ومقام ابن عربي في سوريا، ومقام دانيال في سمرقند، وغيرها مئات بل ألوف من المقامات الشركية المبثوثة في بلاد المسلمين المختلفة، والتي تنبئُ بالسبب الحقيقي وراء نكسات المسلمين المتعاقبة، وهزائمهم المتتالية، وتسلط عدوّهم عليهم، وذلّهم وهوانهم؛ لأنّهم عصوْا الله بأعظم ذنب؛ الشرك.
2-مساكن الظلمة والظالمين التي وقع عليها العذاب.
3-وقبور الكفار والمشركين وخصوصاً من كان لهم شأن في التاريخ كالفراعنة.
4-الأصنام والتماثيل والمعبودات من دون الله.
الثالث: آثار ورد ذكرها في سياق حوادث تاريخية عظيمة، وهذه لم يدع الشرع إلى تعظيمها أو أداء عبادة عندها، فيكون حكمها على أصل المنع من ذلك؛ لأن التعظيم وما يتبعه من عبادة الأصل فيه التوقيف، ولا مجال لاستحسان العقل أو الرأي فيه.
من ذلك: غار ثور، وغار حراء، وشجرة بيعة الرضوان، ومكان غزوة بدر وأحد.
سد ذريعة الشرك وحماية التوحيدإنَّ الشريعة المطهّرة قد حفلت بكثير من الأوامر والنواهي والتوجيهات صيانة للتوحيد، وسداً لذريعة الشرك، وحرصاً على دين المسلمين أن تداخله الآفات الاعتقادية الشركية. "ذلك لأنّ الشرك أعظم الذنوب، وقد أخبر الله ـ تعالى ـ أنّه لا يغفر لمن لم يتب منه، بخلاف ما دونه من الذنوب فصاحبها داخل تحت المشيئة، إن شاء الله غفره لمن لقيه به، وإن شاء عذّبه به، قال تعالى: "إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ" [النساء:48] فالشرك أقبح القبيح وأظلم الظلم، وتنقّص لرب العالمين، وصرف خالص حقّه لغيره، وعدل غيره به..." "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" (ص53 ط:نزار الباز)
فكان مما جاء سداً لذريعة الشرك:
-التحذير الشديد من بناء القبور على المساجد، واتخاذ المقامات والمشاهد والأضرحة عليها، وما يتبع ذلك من تعظيمها وشد الرحال إليها. كما في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:لما اشتكى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة ـ رضي الله عنهما ـ أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه فقال: " أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوْا على قبره مسجداً، ثم صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" أخرجه البخاري ومسلم.
وعن جندب بن عبد الله البجليّ ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "... ألا وإنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إنّي أنهاكم عن ذلك" رواه مسلم.
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قالت: فلولا ذاك أبرز قبره، غير أنّه خشي أن يتخذ مسجداً. رواه مسلم.
-ومن ذلك تحريم الصلاة إلى القبور أو الجلوس عليها، كما في حديث أبي مرثد الغنويّ ـ رضي الله عنه ـ أنّ النّبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "لا تصلّوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" رواه مسلم.
-ومن ذلك النهي عن رفع القبور وجعلها مشرفة، والأمر بتسويتها كما في حديث أبي الهياج الأسديّ قال: قال لي عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ألاَّ تدع تمثالاً إلاّ طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته" رواه مسلم.
-ومن ذلك تحريم تصاوير ذوات الأرواح بأية طريقة كانت؛ نقشاً، أو رسماً، أو تمثيلاً، أو أخذاً بالآلة الحديثة (الكاميرا)، كما في حديث أبي طلحة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة" رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم.
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: دخل عليَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنا متسترة بقرام فيه صورة، فتلوّن وجهه ثم تناول الستر فهتكه ثم قال: "إنَّ من أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبّهون بخلق الله " رواه مسلم. وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يمحو الصور من الكعبة يوم الفتح: "قاتل الله قوماً يصوّرون ما لا يخلقون". "الصحيحة" (996)
-النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة، والنهي عن شد الرحال لقبره ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلّوا عليّ فإنَّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم" أخرجه أبو داود وصححه الألبانيّ. ومعنى "عيداً" من العوْد، أو الاعتياد، أي لا تجعلوه مزاراً يعتاد.
-ومن ذلك الأمر بإزالة كل رمز للأديان الباطلة، كالتصاليب والتماثيل، كما في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ " أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه" رواه البخاري. وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" أتاني جبريل ـ عليه السلام ـ فقال: إني كنت أتيتك الليلة فلم يمنعني أن أدخل عليك البيت الذي أنت فيه إلا أنه كان في البيت تمثال رجل و كان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، فَمُرْ برأس التمثال يقطع فيصير كهيئة الشجرة، و مر بالستر يقطع [و في رواية: إن في البيت سترا في الحائط فيه تماثيل ، فاقطعوا رءوسها فاجعلوها بساطا أو وسائد فأوطئوه، فإنا لا ندخل بيتا فيه تماثيل] فيجعل منه وسادتان توطآن، ومر بالكلب فيخرج . ففعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ و إذا الكلب جرو كان للحسن والحسين ـ عليهما السلام ـ تحت نضد لهما..." أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، وهو في الصحيحة (356)
العناية بالآثار أم العناية بالتوحيد؟!ولما اتبع كثير من المسلمين سَنَنَ المشركين في العناية بالآثار القديمة كان ذلك على حساب عقيدة التوحيد؛
-فأصبحت المقامات القبورية آثاراً إسلامية. أضفوْا عليها هالة التقديس، وأشرفت عليها وزارات الأوقاف في البلاد الإسلامية، وأُنفقت الأموال الكثيرة على ترميمها ورفع منائرها وقبابها، بل صار يدعى إلى زيارتها وشد الرحال إليها من جهات رسمية بدعوى تنشيط السياحة(!!) في البلد، وإيجاد مصدر للدخل القوميّ.
وطائفة أخرى ضلّت عن سواء السبيل تذرّعت بذرائع سياسية عقيمة من أجل الإبقاء على تلك المقامات والآثار، فادّعوْا إسلاميّتها وضرورة الحفاظ عليها بل والرباط(!!!) عندها كي لا يستولي عليها اليهود أو النصارى كما هو الحال في مقام يوسف في نابلس، والمسجد(المقبرة) الإبراهيمي في الخليل، وأرض شهاب الدين في الناصرة، وعشراتٍ بل مئات المقامات الأخرى في فلسطين المحتلة عام (48).
فوا حسرتاه على التوحيد،لقد أصبحت الأرض أعزّ على المسلمين من التوحيد؟! وصار كثير منهم يبغي إثبات أحقّيته بالأرض المباركة بادّعاء إسلامية تلك المقامات، وهيهات! هيهات! ونسي هؤلاء أنّ الأرض لا تقدّس أحداً إنما الذي يقدّس المرء عمله، وأنّ السبيل إلى استرجاع الحق لا يكون بتزوير الحقائق الشرعية، ولا بالطرق والوسائل الشركية، فإنّ ما عند الله لا يطلب بمعصيته.
ومبتغٍ في الإسلام سنةَ الجاهلية ...أخرج البخاريُّ في "صحيحه" عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحدٌ في الحرم، ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية، ومُطَّلِبُ دمِ امرئٍ بغير حق ليهريقَ دمَهُ"
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: "والسنة الجاهلية: كل عادة كانوا عليها، فإنّ السنة هي العادة، وهي الطريق التي تتكرّر لنوع الناس، مما يعدّونه عبادة، أو لا يعدّونه عبادة، قال ـ تعالى ـ: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ) [آل عمران : 137] والاتباع هو الاقتفاء والاستنان، فمن عمل بشيء من سننهم فقد اتبع سنة الجاهلية، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية؛ في أعيادهم، وغير أعيادهم..." "اقتضاء الصراط المستقيم" ص(155)
وقال أيضاً ـ رحمه الله ـ: "فقوله في الحديث "ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية" يندرج فيه كل جاهلية مطلقة أو مقيّدة، يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو صابئة، أو وثنية، أو مركبة من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية، فإنّها جميعها: مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ..." "اقتضاء الصراط المستقيم" ص(158).
ولا شكّ أنّ ما يقوم به الآثاريّون الآن من تنقيب ونبش وبحث عمّا يسمّونه بحضارات الأمم الغابرة هو من ابتغاء سنة الجاهلية؛ لأنّ في عملهم إظهاراً لوثنيّة تلك الأمم وعقائدها الباطلة، وعباداتها الفاسدة، ومحاكاة للمشركين وتشبهاً بهم، ورفعاً للأوثان والتماثيل والتصاوير وغير ذلك مما هو من سنة الجاهلية، حتى أصبحت تعقد لتلك الآثار الجاهلية المؤتمرات، وتقام لها المعارض والمتاحف، ويتغنّى بها الكثيرون على أنها كنوز وتراث يجب حفظه والدفاع عنه، فأعرضوا بذلك عن الواجب الشرعي تجاه هذه الآثار كما في صحيح مسلم من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ في خطبة حجة الوداع أنّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "ألا كلّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع".
وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم...وكثير من تلك الآثار متعلقة بأقوام ظلموا أنفسهم بمعاداة رسلهم فعُذّبوا وأُهلكوا، والقرآن يأمرنا أن نتعظ بحال الأقوام المعذبين لا أن نتخذ آثارهم معالم مبرزة، تزار وتعتاد وتسكن.
قال ـ تعالى ـ: "وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ(44)وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ" [إبراهيم:44ـ45]
ونهينا أن ندخل مساكن الذين ظلموا أنفسهم وعذبوا إلاَّ باكين متعظين، كما في الصحيحين من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ أنّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ـ لمّا مرّ بالحِجْرِـ: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبكم ما أصابهم"
ونهينا عن الانتفاع بما تبقى من مياه الأمم المعذّبة كما في صحيح البخاري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ "أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمّا نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئارها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنّا منها واستقينا، فأمرهم النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء".
فانظر رحمك الله إلى أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإراقة ذلك الماء رغم حاجتهم الملحّة له في غزوة وصفت بغزوة العسرة لشدة الحاجة للمؤنة فيها، إضافة إلى شدة الحر، وكثرة العرق، فمن باب أوْلى أن يتأكد هذا الحكم بما يتعلّق بمخلّفات تلك الأمم من تماثيل، وقدور، وجفان، وتوابيت، وتصاوير، وزخارف ونقوش، أن لا تستعمل ولا يستفاد منها ببيع أو غيره. وفّق الله المسلمين لفهم كتاب ربهم وسنة نبيهم كما كان عليه السلف الصالح، والحمد لله رب العالمين.
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، أما بعد؛
يقصد بالآثار القديمة ما خلّفه السابق لللاحق من أبنية وعمائر ومقابر ومعابد وتماثيل ومقامات ومشاهد...الخ. وقد تناولت نصوص الكتاب والسنة قضية الآثار القديمة، ويمكن تقسيمها باعتبار ذلك التناول إلى أقسام ثلاثة:
الأول: ما طلب الشرع تعظيمه والعناية به وجوباً أو استحباباً وهو:
1-المسجد الحرام وما يحويه:
-الكعبة المشرّفة، وهي معظمة بالطواف واتخاذها قبلة ومثابة للناس.
-مقام إبراهيم، وهو معظم بالصلاة خلفه بعد الطواف.
-الصفا والمروة، وهما من شعائر الله المعظمة بالسعي بينهما ـ في العمرة والحج ـ وبالدعاء.
2-مشاعر الحج؛ عرفات، ومنى، والمزدلفة.
3-المسجد النبوي، والمسجد الأقصى.
4-مسجد قباء، وسائر مساجد المسلمين المؤسسة على التقوى.
ورغم تعظيم الشرع لهذه الآثار والمشاعر إلا أنّ المسلم لا يجوز له أن يعظّمها وفق هواه فيقع بالإحداث والابتداع بالدين الذي هو شرّ كلّه، ولكن يجب مراعاة أن لا يعبد الله عند هذه المشاعر إلا بما شرع على لسان نبيّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
الثاني:آثار ورد النهي في الشرع عن تعظيمها وهي:
1-مساجد الضرار التي تبنى كفراً وتفريقا بينً المؤمنين، وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله، ويأخذ حكمَها المقاماتُ المدّعاة للأولياء والصالحين والتي يفعل عندها الشرك الأكبر من دعاء، وذبح، ونذر، وطواف لغير الله. كمقام البدوي والسيدة زينب في مصر، والمراقد(!!) الوثنية في العراق، ومقام النبي موسى في فلسطين، ومقام ابن عربي في سوريا، ومقام دانيال في سمرقند، وغيرها مئات بل ألوف من المقامات الشركية المبثوثة في بلاد المسلمين المختلفة، والتي تنبئُ بالسبب الحقيقي وراء نكسات المسلمين المتعاقبة، وهزائمهم المتتالية، وتسلط عدوّهم عليهم، وذلّهم وهوانهم؛ لأنّهم عصوْا الله بأعظم ذنب؛ الشرك.
2-مساكن الظلمة والظالمين التي وقع عليها العذاب.
3-وقبور الكفار والمشركين وخصوصاً من كان لهم شأن في التاريخ كالفراعنة.
4-الأصنام والتماثيل والمعبودات من دون الله.
الثالث: آثار ورد ذكرها في سياق حوادث تاريخية عظيمة، وهذه لم يدع الشرع إلى تعظيمها أو أداء عبادة عندها، فيكون حكمها على أصل المنع من ذلك؛ لأن التعظيم وما يتبعه من عبادة الأصل فيه التوقيف، ولا مجال لاستحسان العقل أو الرأي فيه.
من ذلك: غار ثور، وغار حراء، وشجرة بيعة الرضوان، ومكان غزوة بدر وأحد.
سد ذريعة الشرك وحماية التوحيدإنَّ الشريعة المطهّرة قد حفلت بكثير من الأوامر والنواهي والتوجيهات صيانة للتوحيد، وسداً لذريعة الشرك، وحرصاً على دين المسلمين أن تداخله الآفات الاعتقادية الشركية. "ذلك لأنّ الشرك أعظم الذنوب، وقد أخبر الله ـ تعالى ـ أنّه لا يغفر لمن لم يتب منه، بخلاف ما دونه من الذنوب فصاحبها داخل تحت المشيئة، إن شاء الله غفره لمن لقيه به، وإن شاء عذّبه به، قال تعالى: "إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ" [النساء:48] فالشرك أقبح القبيح وأظلم الظلم، وتنقّص لرب العالمين، وصرف خالص حقّه لغيره، وعدل غيره به..." "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" (ص53 ط:نزار الباز)
فكان مما جاء سداً لذريعة الشرك:
-التحذير الشديد من بناء القبور على المساجد، واتخاذ المقامات والمشاهد والأضرحة عليها، وما يتبع ذلك من تعظيمها وشد الرحال إليها. كما في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:لما اشتكى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة ـ رضي الله عنهما ـ أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه فقال: " أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوْا على قبره مسجداً، ثم صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" أخرجه البخاري ومسلم.
وعن جندب بن عبد الله البجليّ ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "... ألا وإنَّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إنّي أنهاكم عن ذلك" رواه مسلم.
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قالت: فلولا ذاك أبرز قبره، غير أنّه خشي أن يتخذ مسجداً. رواه مسلم.
-ومن ذلك تحريم الصلاة إلى القبور أو الجلوس عليها، كما في حديث أبي مرثد الغنويّ ـ رضي الله عنه ـ أنّ النّبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "لا تصلّوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" رواه مسلم.
-ومن ذلك النهي عن رفع القبور وجعلها مشرفة، والأمر بتسويتها كما في حديث أبي الهياج الأسديّ قال: قال لي عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ألاَّ تدع تمثالاً إلاّ طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته" رواه مسلم.
-ومن ذلك تحريم تصاوير ذوات الأرواح بأية طريقة كانت؛ نقشاً، أو رسماً، أو تمثيلاً، أو أخذاً بالآلة الحديثة (الكاميرا)، كما في حديث أبي طلحة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة" رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم.
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: دخل عليَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنا متسترة بقرام فيه صورة، فتلوّن وجهه ثم تناول الستر فهتكه ثم قال: "إنَّ من أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يشبّهون بخلق الله " رواه مسلم. وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يمحو الصور من الكعبة يوم الفتح: "قاتل الله قوماً يصوّرون ما لا يخلقون". "الصحيحة" (996)
-النهي عن شد الرحال لغير المساجد الثلاثة، والنهي عن شد الرحال لقبره ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى"
وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلّوا عليّ فإنَّ صلاتكم تبلغني حيث كنتم" أخرجه أبو داود وصححه الألبانيّ. ومعنى "عيداً" من العوْد، أو الاعتياد، أي لا تجعلوه مزاراً يعتاد.
-ومن ذلك الأمر بإزالة كل رمز للأديان الباطلة، كالتصاليب والتماثيل، كما في حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ " أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن يترك في بيته شيئاً فيه تصاليب إلا نقضه" رواه البخاري. وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" أتاني جبريل ـ عليه السلام ـ فقال: إني كنت أتيتك الليلة فلم يمنعني أن أدخل عليك البيت الذي أنت فيه إلا أنه كان في البيت تمثال رجل و كان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، فَمُرْ برأس التمثال يقطع فيصير كهيئة الشجرة، و مر بالستر يقطع [و في رواية: إن في البيت سترا في الحائط فيه تماثيل ، فاقطعوا رءوسها فاجعلوها بساطا أو وسائد فأوطئوه، فإنا لا ندخل بيتا فيه تماثيل] فيجعل منه وسادتان توطآن، ومر بالكلب فيخرج . ففعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ و إذا الكلب جرو كان للحسن والحسين ـ عليهما السلام ـ تحت نضد لهما..." أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، وهو في الصحيحة (356)
العناية بالآثار أم العناية بالتوحيد؟!ولما اتبع كثير من المسلمين سَنَنَ المشركين في العناية بالآثار القديمة كان ذلك على حساب عقيدة التوحيد؛
-فأصبحت المقامات القبورية آثاراً إسلامية. أضفوْا عليها هالة التقديس، وأشرفت عليها وزارات الأوقاف في البلاد الإسلامية، وأُنفقت الأموال الكثيرة على ترميمها ورفع منائرها وقبابها، بل صار يدعى إلى زيارتها وشد الرحال إليها من جهات رسمية بدعوى تنشيط السياحة(!!) في البلد، وإيجاد مصدر للدخل القوميّ.
وطائفة أخرى ضلّت عن سواء السبيل تذرّعت بذرائع سياسية عقيمة من أجل الإبقاء على تلك المقامات والآثار، فادّعوْا إسلاميّتها وضرورة الحفاظ عليها بل والرباط(!!!) عندها كي لا يستولي عليها اليهود أو النصارى كما هو الحال في مقام يوسف في نابلس، والمسجد(المقبرة) الإبراهيمي في الخليل، وأرض شهاب الدين في الناصرة، وعشراتٍ بل مئات المقامات الأخرى في فلسطين المحتلة عام (48).
فوا حسرتاه على التوحيد،لقد أصبحت الأرض أعزّ على المسلمين من التوحيد؟! وصار كثير منهم يبغي إثبات أحقّيته بالأرض المباركة بادّعاء إسلامية تلك المقامات، وهيهات! هيهات! ونسي هؤلاء أنّ الأرض لا تقدّس أحداً إنما الذي يقدّس المرء عمله، وأنّ السبيل إلى استرجاع الحق لا يكون بتزوير الحقائق الشرعية، ولا بالطرق والوسائل الشركية، فإنّ ما عند الله لا يطلب بمعصيته.
ومبتغٍ في الإسلام سنةَ الجاهلية ...أخرج البخاريُّ في "صحيحه" عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحدٌ في الحرم، ومبتغٍ في الإسلام سنة الجاهلية، ومُطَّلِبُ دمِ امرئٍ بغير حق ليهريقَ دمَهُ"
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: "والسنة الجاهلية: كل عادة كانوا عليها، فإنّ السنة هي العادة، وهي الطريق التي تتكرّر لنوع الناس، مما يعدّونه عبادة، أو لا يعدّونه عبادة، قال ـ تعالى ـ: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ) [آل عمران : 137] والاتباع هو الاقتفاء والاستنان، فمن عمل بشيء من سننهم فقد اتبع سنة الجاهلية، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية؛ في أعيادهم، وغير أعيادهم..." "اقتضاء الصراط المستقيم" ص(155)
وقال أيضاً ـ رحمه الله ـ: "فقوله في الحديث "ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية" يندرج فيه كل جاهلية مطلقة أو مقيّدة، يهودية، أو نصرانية، أو مجوسية، أو صابئة، أو وثنية، أو مركبة من ذلك، أو بعضه، أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية، فإنّها جميعها: مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ..." "اقتضاء الصراط المستقيم" ص(158).
ولا شكّ أنّ ما يقوم به الآثاريّون الآن من تنقيب ونبش وبحث عمّا يسمّونه بحضارات الأمم الغابرة هو من ابتغاء سنة الجاهلية؛ لأنّ في عملهم إظهاراً لوثنيّة تلك الأمم وعقائدها الباطلة، وعباداتها الفاسدة، ومحاكاة للمشركين وتشبهاً بهم، ورفعاً للأوثان والتماثيل والتصاوير وغير ذلك مما هو من سنة الجاهلية، حتى أصبحت تعقد لتلك الآثار الجاهلية المؤتمرات، وتقام لها المعارض والمتاحف، ويتغنّى بها الكثيرون على أنها كنوز وتراث يجب حفظه والدفاع عنه، فأعرضوا بذلك عن الواجب الشرعي تجاه هذه الآثار كما في صحيح مسلم من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ في خطبة حجة الوداع أنّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "ألا كلّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع".
وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم...وكثير من تلك الآثار متعلقة بأقوام ظلموا أنفسهم بمعاداة رسلهم فعُذّبوا وأُهلكوا، والقرآن يأمرنا أن نتعظ بحال الأقوام المعذبين لا أن نتخذ آثارهم معالم مبرزة، تزار وتعتاد وتسكن.
قال ـ تعالى ـ: "وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ(44)وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ" [إبراهيم:44ـ45]
ونهينا أن ندخل مساكن الذين ظلموا أنفسهم وعذبوا إلاَّ باكين متعظين، كما في الصحيحين من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ أنّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ـ لمّا مرّ بالحِجْرِـ: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبكم ما أصابهم"
ونهينا عن الانتفاع بما تبقى من مياه الأمم المعذّبة كما في صحيح البخاري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ "أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمّا نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئارها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنّا منها واستقينا، فأمرهم النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء".
فانظر رحمك الله إلى أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإراقة ذلك الماء رغم حاجتهم الملحّة له في غزوة وصفت بغزوة العسرة لشدة الحاجة للمؤنة فيها، إضافة إلى شدة الحر، وكثرة العرق، فمن باب أوْلى أن يتأكد هذا الحكم بما يتعلّق بمخلّفات تلك الأمم من تماثيل، وقدور، وجفان، وتوابيت، وتصاوير، وزخارف ونقوش، أن لا تستعمل ولا يستفاد منها ببيع أو غيره. وفّق الله المسلمين لفهم كتاب ربهم وسنة نبيهم كما كان عليه السلف الصالح، والحمد لله رب العالمين.