محمّد أسعد التميميّ
11-18-2010, 03:02 PM
قال القاضي أبو بكر محمّد بن محمّد بن عاصم الغرناطيّ المالكيّ [ت: 829هـ] في منظومته "تحفة الحكّام في نكت العقود والأحكام" والمسمّاة أيضًا بالعاصميّة:
وَتَأْذَنُ الثَّيِّبُ بِالإِفْصَاحِ
والصَّمْتُ إذْنُ البِكْرِ فِي النِّكَاحِ
قال أبو الحسن عليّ بن عبد السلام التسوّليّ [ت: 1258هـ] في "البهجة في شرح التحفة":
(وتأذن) مضارع أذن (الثيب) فاعله (بالإفصاح) تعلق بتأذن (والصمت) مبتدأ ( إذن البكر ) خبره ( في النكاح ) يتعلق بالخبر . ولما كانت الثيب البالغ الحرة لا تتزوج إلا برضاها كما مرّ إذ لا جبر عليها ، وكذا البكر التي لا جبر عليها نبه على أن الرضا من الثيب بالزوج والصداق والتوكيل هو ما وقعت الدلالة منها عليه بالنطق والإفصاح وأن الرضا من البكر بما ذكر يكفي في الدلالة عليه صمتها وسكوتها لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( البكر تستأمر وإذنها صمتها والثيب تعرب عن نفسها ) ( خ ) : وندب إعلامها به أي بأن صمتها إذن ورضا بأن يقال لها : فلان خطبك بصداق قدره كذا ونقده ومؤخره كذا فإن رضيت فاصمتي وإن كرهت فانطقي يقال لها ذلك مرة واحدة وقيل ثلاثاً فإن صمتت أو ضحكت أو بكت زوجت ولا يقبل منها بعد ذلك أنها جهلت أن الصمت رضا في تأويل الأكثر إلا أن تكون معروفة بالبله وقلة المعرفة على قول : فإن تكلمت وأفصحت بالرضا فقد تكلفت ما لا يلزمها ولا يضرها ذلك نقله القلشاني وابن سلمون وغيرهما . وقد علق بحفظي أنها تجري عندهم على من فرضهم المسح فغسل الخ. لا إن منعت أو نفرت فلا تزوج ويفسخ ولو بعد طول ، وما تقدم من أنه لا بدّ من إذنها في التوكيل بعد الرضا بالزوج والصداق ظاهر مع تعدد الولي وتساويه ابن زرب : إن كان لها ولي واحد ورضيت بالزوج والصداق فلا يحتاج ذلك الولي للإذن له في العقد وظاهر قول ( خ ) المتقدم أنه لا يعقد عليها إلا بإذنها له ولو اتحد قال في ضيح ، وهو قول ابن القاسم . ولما كان قوله : والصمت الخ . شاملاً لجميع الأبكار وكان بعضهن لا بد فيه من الإذن بالقول حسبما قاله أهل المذهب نبه على ذلك فقال :
واسْتُنْطِقَتْ لِزَائِدٍ في العَقْدِ
كَقَبْضِ عَرْضٍ أَوْ كَزَوْجِ عَبْدِ
( واستنطقت ) بالبناء للمفعول ونائبه البكر ( لزائد ) يتعلق به ولامه للتعليل وهو اسم فاعل أريد به المصدر أي لزيادة ( في العقد ) مخالفة لصريح العادة ( كقبض عرض ) خبر لمبتدأ محذوف أي وذلك كقبض عرض في صداقها أي زوجت بعرض كثوب أو دار مثلاً لأن العادة أن الأصدقة من النقود فإذا خولفت هذه العادة وزوجت بغير النقد فلا بد من رضاها به بالقول ، سواء كان العرض كل الصداق أو بعضه لأنها بائعة مشترية والشراء لا ينعقد بالصمت ، فإن كانت عادتهم التزوج بالعروض فلا يحتاج لنطقها ( وكزوج عبد ) معطوف على ما قبله يليه والإضافة على معنى من أي وكتزويجها من عبد ويجوز قراءة زوج بالتنوين وعبد صفة له أي ذو عبودية وظاهره : ولو قل جزء رقه ولا يتكرر هذا مع قوله : والأب إن زوجها من عبد الخ . لأن هذا من حيث النطق ، وما تقدم من حيث الجبر أي أن رضاها الذي لا يكون متعدياً به لا بد أن يكون بالنطق فالرضا أعم من النطق فما تقدم لا يفهم منه ما هنا ، وأشعرت الكاف أن ذلك لا ينحصر في المثالين المذكورين وهو كذلك ( خ ) : والثيب تعرب كبكر رشدت أو عضلت أو زوجت بعرض أو رق أو عيب أو يتيمة قبل البلوغ أو افتيت عليها الخ . ونظمها ابن غازي ، وزاد فيها العنس تبعاً للمتيطي وغيره فقال :
سبع من الأبكار بالنطق خليق
من زوجت ذا عاهة أو من رقيق
أو صغرت أو عنست أو أسندت
معرفة العرض لها أو رشدت
أو رفعت لحاكم عضل الولي
أو رضيت ما بالتعدي قد ولي
وإنما كانت سبعاً لأن ذا العاهة والرقيق قسم واحد كما في المتيطية لأنها زوجت من غير كفء فيها ، وظاهر لفظ (خ) أن العانس كغيرها يكفي في إذنها الصمت وهو ظاهر لأن له جبرها على المشهور كما مرّ ، وسيأتي حد التعنيس في قوله في الأوصياء :
والسن في التعنيس من خمسينا
فيما به الحكم إلى الستينا
وهذه السبع المتقدمة كلهن يتيمات ما عدا المعضولة والمرشدة والمعنسة ، ومن زوجت من ذي عاهة أو رق فلا بد من نطقهن كن ذوات أب أو وصي أم لا . وقوله : أو عضلت أي عضلها الولي أب أو غيره ، وثبت ذلك وأراد الحاكم أن يزوجها لا الأب وإلاّ فلا يحتاج لنطقها ولا ترتفع ولاية الأب عنها حتى يتقدم له في ذلك فيقال له : إما أن تزوجها وإلا زوجناها عليك فإن زوجها الحاكم من غير تقدم له في ذلك فهو باطل ، وليس من العضل ولا من الضرر بها حلق ضفيرتها وتهديدها بالسكين وأولى ضربها كما في المعيار أوائل الأنكحة . وقول الناظم : كقبض عرض الخ . يعني وهي يتيمة مهملة لا مرشدة لأن المرشدة لا بد من نطقها مطلقاً زوجت بعرض أو غيره على المشهور واليتيمة المهملة هي التي فيها التفصيل بين العرض وغيره قال في المتيطية : واليتيمة يساق لها مال نسبت معرفته لها إذا لم يكن لها وصي لا بد من نطقها بالرضا بذلك اهـ . ونحوه في ابن سلمون عن ابن الحاج قال طفي : ومعنى ذلك أن اليتيمة التي لا وصي لها ينسب معرفة قدر المهر إليها فإن كان عرضاً فلا بد من تسميته ووصفه وتنسب المعرفة والرضا به إليها نطقاً اه . فالمراد بالمال في كلام المتيطي وغيره خصوص العرض كما هو واضح خلافاً لمن فهم شموله للعين ، وقوله : يساق أي يصدق الخ .
تنبيهات . الأول : ذكر ابن لب حسبما في أواخر معاوضات المعيار ما نصه : الغرض منه إذا صارت الدمنة المذكورة صداقاً انعقد عليها لزمت برضا الزوج والزوجة والولي ورضا الزوجة هو الاستئمار على سنته لا يضر سكوتها فيه مع أن الصداق أصل ملك كما لا يضر في العروض وهو الصحيح من القولين وعليه العمل اهـ . ونحوه لابن عات في طرره مقتصراً عليه من غير ذكر عمل قال : فإن كان في المهر سياقة قلت في الاستئمار ما ذكره ابن الطلاع في وثائقه : أنكحه إياها أخوها فلان بعد أن استأمرها في ذلك بفلان زوجاً وبما بذل لها مهراً وبما ساق إليها ، ووصف ذلك وصفاً قام مقام العيان فصمتت عند ذلك راضية بهذا النكاح بعد أن عرفت أن إذنها صماتها وهي بكر يتيمة اه . وهو مقابل لما مر سواء قلنا إنه في اليتيمة المهملة كما هو ظاهرها أو في المرشدة ، وقوله : ووصف ذلك الخ . يعني إذا لم يمكن إحضاره كحائط مثلاً ولم تتقدم رؤيته .
الثاني : قال في المتيطية : فإن لم تتكلم يعني المرشدة فعليها أن تحلف أن سكوتها لم يكن رضا اه . وهذا يجري في كل مستنطقة من الأبكار فإن لم يعلم إذنها بصمت ولا غيره ، ففي الطرر قال ابن فتحون : إنما فسخ نكاح محمد بن نصر لأن أباها زوجها بعد أن رشدها ولم يعلم إذنها بصمت ولا غيره فكان ذلك بمنزلة ابنته الثيب ولم يستأمرها اه .
الثالث : قال في الطرر : ولا يلزم الزوجة بيع السياقة ولا ما يصدقها من عرض أو حيوان لتتجهز بثمن ذلك ، ولها إن شاءت ذلك اهـ . فقول ( خ ) ولزمها التجهيز على العادة بما قبضته يعني عيناً لا عرضاً .
وَثَيِّبٌ بِعَارِضٍ كَالْبِكْرِ
وبالْحَرَامِ الْخُلْفُ فِيها يجْرِي
( وثيب ) مبتدأ سوغه كونه صفة لمحذوف أي وبكر ثيب أو تعلق ( بعارض ) به ( كالبكر ) خبر أي أن الثيب بعارض كحمل شيء ثقيل أو قفزة أو عود أو كثرة ضحك أو تكرر حيض ، ونحو ذلك حكمها حكم البكر في أن إذنها صماتها ، وفي بقاء الجبر عليها إن كان لها مجبر ولم تكن من الأبكار المتقدمات فالتشبيه تام أي : كالبكر التي لم تثيب بشيء فلا يلزم عليه تشبيه الشيء بنفسه ودفع بهذا ما يتوهم أن الثيب بعارض تستنطق كما يستنطق غيرها ، ثم ينبغي للإنسان إذا زالت بكارة بنته بشيء مما مر أن يشهر ذلك ، ويأتي بشهود يشهدهم بذلك . وكذا إذا خلقت بنته يوم عاشوراء فإنهم قالوا تخلق بلا بكارة نص عليه ابن حبيب في الواضحة ( و ) بكر ثيب ( بالحرام ) يتعلق بمقدر مبتدأ كما ترى ( الخلف ) مبتدأ ثان ( فيها ) يتعلق بالخبر الذي هو( يجري ) والجملة من الثاني وخبره خبر الأول ، والمعنى أن الثيب بالحرام كزنا وغصب جرى خلاف في كونها كالبكر فإذنها صماتها وينسحب جبر الأب أو وصيه عليها وهو المعتمد ، ومذهب المدونة أو ليست كالبكر بل كالثيب فتعرب عن نفسها ولا جبر عليها وهو لابن الحاجب ، وفيها قول ثالث ابن عرفة : وفي ثيوبة الزنا . ثالثها : إن تكرر ثم شبه في الخلاف المذكور فقال :
كَوَاقِعٍ قَبْلَ البُلُوغِ الْوَارِدِ
وكالصَّحِيحِ مَا بِعَقْدٍ فَاسِدِ
( كواقع ) نعت لمحذوف مع تقدير مضاف إليه مع صفته والوارد بمعنى الحادث أي الذي من شأنه أن يحدث ويرد أي وثيوبة بالحرام جرى فيها خلاف كجريانه في ثيوبة نكاح صحيح واقعة ( قبل البلوغ الوارد ) أي الذي من شأنه أن يرد ويحصل بحيض أو غيره من العلامات ، ثم يموت الزوج أو يطلق بعد تلك الثيوبة فترجع للأب قبل البلوغ . وظاهره سواء أراد أن يزوجها قبل البلوغ أيضاً أو بعده . ابن عرفة : وفي جبر مطلقة قبل البلوغ ثيباً . ثالثها : قبله لسحنون وأبي تمام واللخمي مع أشهب ، واعتمد ( خ ) الثالث فقال : والثيب إن صغرت فمفهوم صغرت أنها إن بلغت لا يجبرها ، ولا بد من إعرابها وهو كذلك على الراجح ، وقيل : يجبرها أيضاً وهو الأول في كلام ابن عرفة : فإطلاق الناظم شامل للصورتين أي أراد تزويجها قبل البلوغ أو بعده كما قررنا وليس لغير من الأولياء أن يزوجها إلا بعد بلوغها كما مرّ إلا أن يخشى فسادها فلا بد من نطقها حينئذ كما مرّ أيضاً ، وإنما ذكر الوصف في قوله : كواقع لأن الثيوبة معنى لا فرج لها حقيقي فيجوز التذكير والتأنيث ، وإنما حملناه على الثيوبة بالنكاح الصحيح لأن الثيوبة بالعارض أو بالحرام تقدمتا وبالفاسد هو ما أشار لها بقوله : ( وكالصحيح ) خبر مقدم ( ما ) مبتدأ واقعة على الثيوبة ( بعقد ) يتعلق بمحذوف صلة ( فاسد ) نعت لعقد أي الثيوبة التي ثبتت بعقد نكاح فاسد كالثيوبة بالنكاح الصحيح في كونها تعرب عن نفسها وفي سقوط الجبر عنها . واعلم أن مقصود الناظم بهذين البيتين التنبيه على أن الثيب بشيء مما مر هل هي كالثيب في وجوب إعرابها عن نفسها أو هي كالبكر لأن سياق الكلام إنما هو في ذلك فالبيتان حينئذ في قوة الاستثناء من عموم قوله : وتأذن الثيب بالإفصاح الخ . أي اتفاقاً إلا التي ثيبت بعارض فهي كالبكر وإلاَّ التي ثيبت بحرام أو قبل البلوغ ففيهما خلاف . وقد علمت الراجح ما هو من ذلك الخلاف كما أن قوله : واستنطقت لزائد الخ . في قوة الاستثناء من قوله : والصمت إذن البكر الخ . وليس مراده أن التي ثيبت بما ذكره هل تجبر أو لا تجبر كما قرره به شراحه لأنه خلاف ما يعطيه السياق ولأنه مستغنى عنه حينئذ بمفهوم قوله : فيما مر ثيوبة النكاح الخ . كما مرّ ولأنه لو كان غرضه ذلك لقدمها هناك عقب قوله وبالغ الأبكار فتأمل ذلك والله أعلم .وإنْ يُرْشدْهَا الْوَصِيُّ مَا أُبِي
فيها ولايَةُ النِّكاحِ كالأبِ ( وأن يرشدها ) شرط ( الوصي ) فاعل ( ما ) نافية ( أُبي ) بضم الهمزة للبناء للمفعول بمعنى منع ( فيها ) يتعلق به ( ولاية ) نائب الفاعل ( النكاح ) مضاف إليه ( كالأب ) خبر لمبتدأ محذوف أي وهو كالأب ، ويحتمل أن الكاف للتعليل أي لأنه بمنزلة الأب يرشد ابنته فلا تسقط ولايته عنها ، وإنما يسقط عنها جبره كما مرّ ، والجملة من قوله : ما أُبي الخ . جواب الشرط حذفت معه الفاء شذوذاً كقوله : من يفعل الحسنات الله يشكرها . وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وشرف وكرم : ( فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها ) والمعنى أن الوصي إذا رشد محجورته بعد الدخول بها لا قبله إذ ليس له ذلك كما قال ( خ ) : وللأب ترشيدها قبل دخولها كالوصي بعده الخ . أنها إذا تأيمت بعد الترشيد لا تنقطع ولاية الوصي عنها وهو مقدم على سائر الأولياء لأنه بمنزلة الأب يرشد ابنته ، فكما أن الأب لا تنقطع ولايته عن مرشدته فكذلك وصيه ، اللهم إلا أن يكون لها ابن فإنه يتقدم عليه كما يتقدم على الأب أيضاً كما مر . هذا هو المنصوص لابن القاسم وأشهب ، وأفتى به ابن رشد . وذهب سحنون وابن الماجشون إلى أن الولي أحق من الوصي واختاره اللخمي ، ولكل مذهب حجة . انظر الشارح وسيعيد الناظم هذه المسألة في باب الحجر حيث قال :
وحيث رشد الوصي من حجر
ولاية النكاح تبقى بالنظر
والله أعلم وأحكم .
وَتَأْذَنُ الثَّيِّبُ بِالإِفْصَاحِ
والصَّمْتُ إذْنُ البِكْرِ فِي النِّكَاحِ
قال أبو الحسن عليّ بن عبد السلام التسوّليّ [ت: 1258هـ] في "البهجة في شرح التحفة":
(وتأذن) مضارع أذن (الثيب) فاعله (بالإفصاح) تعلق بتأذن (والصمت) مبتدأ ( إذن البكر ) خبره ( في النكاح ) يتعلق بالخبر . ولما كانت الثيب البالغ الحرة لا تتزوج إلا برضاها كما مرّ إذ لا جبر عليها ، وكذا البكر التي لا جبر عليها نبه على أن الرضا من الثيب بالزوج والصداق والتوكيل هو ما وقعت الدلالة منها عليه بالنطق والإفصاح وأن الرضا من البكر بما ذكر يكفي في الدلالة عليه صمتها وسكوتها لقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ( البكر تستأمر وإذنها صمتها والثيب تعرب عن نفسها ) ( خ ) : وندب إعلامها به أي بأن صمتها إذن ورضا بأن يقال لها : فلان خطبك بصداق قدره كذا ونقده ومؤخره كذا فإن رضيت فاصمتي وإن كرهت فانطقي يقال لها ذلك مرة واحدة وقيل ثلاثاً فإن صمتت أو ضحكت أو بكت زوجت ولا يقبل منها بعد ذلك أنها جهلت أن الصمت رضا في تأويل الأكثر إلا أن تكون معروفة بالبله وقلة المعرفة على قول : فإن تكلمت وأفصحت بالرضا فقد تكلفت ما لا يلزمها ولا يضرها ذلك نقله القلشاني وابن سلمون وغيرهما . وقد علق بحفظي أنها تجري عندهم على من فرضهم المسح فغسل الخ. لا إن منعت أو نفرت فلا تزوج ويفسخ ولو بعد طول ، وما تقدم من أنه لا بدّ من إذنها في التوكيل بعد الرضا بالزوج والصداق ظاهر مع تعدد الولي وتساويه ابن زرب : إن كان لها ولي واحد ورضيت بالزوج والصداق فلا يحتاج ذلك الولي للإذن له في العقد وظاهر قول ( خ ) المتقدم أنه لا يعقد عليها إلا بإذنها له ولو اتحد قال في ضيح ، وهو قول ابن القاسم . ولما كان قوله : والصمت الخ . شاملاً لجميع الأبكار وكان بعضهن لا بد فيه من الإذن بالقول حسبما قاله أهل المذهب نبه على ذلك فقال :
واسْتُنْطِقَتْ لِزَائِدٍ في العَقْدِ
كَقَبْضِ عَرْضٍ أَوْ كَزَوْجِ عَبْدِ
( واستنطقت ) بالبناء للمفعول ونائبه البكر ( لزائد ) يتعلق به ولامه للتعليل وهو اسم فاعل أريد به المصدر أي لزيادة ( في العقد ) مخالفة لصريح العادة ( كقبض عرض ) خبر لمبتدأ محذوف أي وذلك كقبض عرض في صداقها أي زوجت بعرض كثوب أو دار مثلاً لأن العادة أن الأصدقة من النقود فإذا خولفت هذه العادة وزوجت بغير النقد فلا بد من رضاها به بالقول ، سواء كان العرض كل الصداق أو بعضه لأنها بائعة مشترية والشراء لا ينعقد بالصمت ، فإن كانت عادتهم التزوج بالعروض فلا يحتاج لنطقها ( وكزوج عبد ) معطوف على ما قبله يليه والإضافة على معنى من أي وكتزويجها من عبد ويجوز قراءة زوج بالتنوين وعبد صفة له أي ذو عبودية وظاهره : ولو قل جزء رقه ولا يتكرر هذا مع قوله : والأب إن زوجها من عبد الخ . لأن هذا من حيث النطق ، وما تقدم من حيث الجبر أي أن رضاها الذي لا يكون متعدياً به لا بد أن يكون بالنطق فالرضا أعم من النطق فما تقدم لا يفهم منه ما هنا ، وأشعرت الكاف أن ذلك لا ينحصر في المثالين المذكورين وهو كذلك ( خ ) : والثيب تعرب كبكر رشدت أو عضلت أو زوجت بعرض أو رق أو عيب أو يتيمة قبل البلوغ أو افتيت عليها الخ . ونظمها ابن غازي ، وزاد فيها العنس تبعاً للمتيطي وغيره فقال :
سبع من الأبكار بالنطق خليق
من زوجت ذا عاهة أو من رقيق
أو صغرت أو عنست أو أسندت
معرفة العرض لها أو رشدت
أو رفعت لحاكم عضل الولي
أو رضيت ما بالتعدي قد ولي
وإنما كانت سبعاً لأن ذا العاهة والرقيق قسم واحد كما في المتيطية لأنها زوجت من غير كفء فيها ، وظاهر لفظ (خ) أن العانس كغيرها يكفي في إذنها الصمت وهو ظاهر لأن له جبرها على المشهور كما مرّ ، وسيأتي حد التعنيس في قوله في الأوصياء :
والسن في التعنيس من خمسينا
فيما به الحكم إلى الستينا
وهذه السبع المتقدمة كلهن يتيمات ما عدا المعضولة والمرشدة والمعنسة ، ومن زوجت من ذي عاهة أو رق فلا بد من نطقهن كن ذوات أب أو وصي أم لا . وقوله : أو عضلت أي عضلها الولي أب أو غيره ، وثبت ذلك وأراد الحاكم أن يزوجها لا الأب وإلاّ فلا يحتاج لنطقها ولا ترتفع ولاية الأب عنها حتى يتقدم له في ذلك فيقال له : إما أن تزوجها وإلا زوجناها عليك فإن زوجها الحاكم من غير تقدم له في ذلك فهو باطل ، وليس من العضل ولا من الضرر بها حلق ضفيرتها وتهديدها بالسكين وأولى ضربها كما في المعيار أوائل الأنكحة . وقول الناظم : كقبض عرض الخ . يعني وهي يتيمة مهملة لا مرشدة لأن المرشدة لا بد من نطقها مطلقاً زوجت بعرض أو غيره على المشهور واليتيمة المهملة هي التي فيها التفصيل بين العرض وغيره قال في المتيطية : واليتيمة يساق لها مال نسبت معرفته لها إذا لم يكن لها وصي لا بد من نطقها بالرضا بذلك اهـ . ونحوه في ابن سلمون عن ابن الحاج قال طفي : ومعنى ذلك أن اليتيمة التي لا وصي لها ينسب معرفة قدر المهر إليها فإن كان عرضاً فلا بد من تسميته ووصفه وتنسب المعرفة والرضا به إليها نطقاً اه . فالمراد بالمال في كلام المتيطي وغيره خصوص العرض كما هو واضح خلافاً لمن فهم شموله للعين ، وقوله : يساق أي يصدق الخ .
تنبيهات . الأول : ذكر ابن لب حسبما في أواخر معاوضات المعيار ما نصه : الغرض منه إذا صارت الدمنة المذكورة صداقاً انعقد عليها لزمت برضا الزوج والزوجة والولي ورضا الزوجة هو الاستئمار على سنته لا يضر سكوتها فيه مع أن الصداق أصل ملك كما لا يضر في العروض وهو الصحيح من القولين وعليه العمل اهـ . ونحوه لابن عات في طرره مقتصراً عليه من غير ذكر عمل قال : فإن كان في المهر سياقة قلت في الاستئمار ما ذكره ابن الطلاع في وثائقه : أنكحه إياها أخوها فلان بعد أن استأمرها في ذلك بفلان زوجاً وبما بذل لها مهراً وبما ساق إليها ، ووصف ذلك وصفاً قام مقام العيان فصمتت عند ذلك راضية بهذا النكاح بعد أن عرفت أن إذنها صماتها وهي بكر يتيمة اه . وهو مقابل لما مر سواء قلنا إنه في اليتيمة المهملة كما هو ظاهرها أو في المرشدة ، وقوله : ووصف ذلك الخ . يعني إذا لم يمكن إحضاره كحائط مثلاً ولم تتقدم رؤيته .
الثاني : قال في المتيطية : فإن لم تتكلم يعني المرشدة فعليها أن تحلف أن سكوتها لم يكن رضا اه . وهذا يجري في كل مستنطقة من الأبكار فإن لم يعلم إذنها بصمت ولا غيره ، ففي الطرر قال ابن فتحون : إنما فسخ نكاح محمد بن نصر لأن أباها زوجها بعد أن رشدها ولم يعلم إذنها بصمت ولا غيره فكان ذلك بمنزلة ابنته الثيب ولم يستأمرها اه .
الثالث : قال في الطرر : ولا يلزم الزوجة بيع السياقة ولا ما يصدقها من عرض أو حيوان لتتجهز بثمن ذلك ، ولها إن شاءت ذلك اهـ . فقول ( خ ) ولزمها التجهيز على العادة بما قبضته يعني عيناً لا عرضاً .
وَثَيِّبٌ بِعَارِضٍ كَالْبِكْرِ
وبالْحَرَامِ الْخُلْفُ فِيها يجْرِي
( وثيب ) مبتدأ سوغه كونه صفة لمحذوف أي وبكر ثيب أو تعلق ( بعارض ) به ( كالبكر ) خبر أي أن الثيب بعارض كحمل شيء ثقيل أو قفزة أو عود أو كثرة ضحك أو تكرر حيض ، ونحو ذلك حكمها حكم البكر في أن إذنها صماتها ، وفي بقاء الجبر عليها إن كان لها مجبر ولم تكن من الأبكار المتقدمات فالتشبيه تام أي : كالبكر التي لم تثيب بشيء فلا يلزم عليه تشبيه الشيء بنفسه ودفع بهذا ما يتوهم أن الثيب بعارض تستنطق كما يستنطق غيرها ، ثم ينبغي للإنسان إذا زالت بكارة بنته بشيء مما مر أن يشهر ذلك ، ويأتي بشهود يشهدهم بذلك . وكذا إذا خلقت بنته يوم عاشوراء فإنهم قالوا تخلق بلا بكارة نص عليه ابن حبيب في الواضحة ( و ) بكر ثيب ( بالحرام ) يتعلق بمقدر مبتدأ كما ترى ( الخلف ) مبتدأ ثان ( فيها ) يتعلق بالخبر الذي هو( يجري ) والجملة من الثاني وخبره خبر الأول ، والمعنى أن الثيب بالحرام كزنا وغصب جرى خلاف في كونها كالبكر فإذنها صماتها وينسحب جبر الأب أو وصيه عليها وهو المعتمد ، ومذهب المدونة أو ليست كالبكر بل كالثيب فتعرب عن نفسها ولا جبر عليها وهو لابن الحاجب ، وفيها قول ثالث ابن عرفة : وفي ثيوبة الزنا . ثالثها : إن تكرر ثم شبه في الخلاف المذكور فقال :
كَوَاقِعٍ قَبْلَ البُلُوغِ الْوَارِدِ
وكالصَّحِيحِ مَا بِعَقْدٍ فَاسِدِ
( كواقع ) نعت لمحذوف مع تقدير مضاف إليه مع صفته والوارد بمعنى الحادث أي الذي من شأنه أن يحدث ويرد أي وثيوبة بالحرام جرى فيها خلاف كجريانه في ثيوبة نكاح صحيح واقعة ( قبل البلوغ الوارد ) أي الذي من شأنه أن يرد ويحصل بحيض أو غيره من العلامات ، ثم يموت الزوج أو يطلق بعد تلك الثيوبة فترجع للأب قبل البلوغ . وظاهره سواء أراد أن يزوجها قبل البلوغ أيضاً أو بعده . ابن عرفة : وفي جبر مطلقة قبل البلوغ ثيباً . ثالثها : قبله لسحنون وأبي تمام واللخمي مع أشهب ، واعتمد ( خ ) الثالث فقال : والثيب إن صغرت فمفهوم صغرت أنها إن بلغت لا يجبرها ، ولا بد من إعرابها وهو كذلك على الراجح ، وقيل : يجبرها أيضاً وهو الأول في كلام ابن عرفة : فإطلاق الناظم شامل للصورتين أي أراد تزويجها قبل البلوغ أو بعده كما قررنا وليس لغير من الأولياء أن يزوجها إلا بعد بلوغها كما مرّ إلا أن يخشى فسادها فلا بد من نطقها حينئذ كما مرّ أيضاً ، وإنما ذكر الوصف في قوله : كواقع لأن الثيوبة معنى لا فرج لها حقيقي فيجوز التذكير والتأنيث ، وإنما حملناه على الثيوبة بالنكاح الصحيح لأن الثيوبة بالعارض أو بالحرام تقدمتا وبالفاسد هو ما أشار لها بقوله : ( وكالصحيح ) خبر مقدم ( ما ) مبتدأ واقعة على الثيوبة ( بعقد ) يتعلق بمحذوف صلة ( فاسد ) نعت لعقد أي الثيوبة التي ثبتت بعقد نكاح فاسد كالثيوبة بالنكاح الصحيح في كونها تعرب عن نفسها وفي سقوط الجبر عنها . واعلم أن مقصود الناظم بهذين البيتين التنبيه على أن الثيب بشيء مما مر هل هي كالثيب في وجوب إعرابها عن نفسها أو هي كالبكر لأن سياق الكلام إنما هو في ذلك فالبيتان حينئذ في قوة الاستثناء من عموم قوله : وتأذن الثيب بالإفصاح الخ . أي اتفاقاً إلا التي ثيبت بعارض فهي كالبكر وإلاَّ التي ثيبت بحرام أو قبل البلوغ ففيهما خلاف . وقد علمت الراجح ما هو من ذلك الخلاف كما أن قوله : واستنطقت لزائد الخ . في قوة الاستثناء من قوله : والصمت إذن البكر الخ . وليس مراده أن التي ثيبت بما ذكره هل تجبر أو لا تجبر كما قرره به شراحه لأنه خلاف ما يعطيه السياق ولأنه مستغنى عنه حينئذ بمفهوم قوله : فيما مر ثيوبة النكاح الخ . كما مرّ ولأنه لو كان غرضه ذلك لقدمها هناك عقب قوله وبالغ الأبكار فتأمل ذلك والله أعلم .وإنْ يُرْشدْهَا الْوَصِيُّ مَا أُبِي
فيها ولايَةُ النِّكاحِ كالأبِ ( وأن يرشدها ) شرط ( الوصي ) فاعل ( ما ) نافية ( أُبي ) بضم الهمزة للبناء للمفعول بمعنى منع ( فيها ) يتعلق به ( ولاية ) نائب الفاعل ( النكاح ) مضاف إليه ( كالأب ) خبر لمبتدأ محذوف أي وهو كالأب ، ويحتمل أن الكاف للتعليل أي لأنه بمنزلة الأب يرشد ابنته فلا تسقط ولايته عنها ، وإنما يسقط عنها جبره كما مرّ ، والجملة من قوله : ما أُبي الخ . جواب الشرط حذفت معه الفاء شذوذاً كقوله : من يفعل الحسنات الله يشكرها . وقوله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وشرف وكرم : ( فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها ) والمعنى أن الوصي إذا رشد محجورته بعد الدخول بها لا قبله إذ ليس له ذلك كما قال ( خ ) : وللأب ترشيدها قبل دخولها كالوصي بعده الخ . أنها إذا تأيمت بعد الترشيد لا تنقطع ولاية الوصي عنها وهو مقدم على سائر الأولياء لأنه بمنزلة الأب يرشد ابنته ، فكما أن الأب لا تنقطع ولايته عن مرشدته فكذلك وصيه ، اللهم إلا أن يكون لها ابن فإنه يتقدم عليه كما يتقدم على الأب أيضاً كما مر . هذا هو المنصوص لابن القاسم وأشهب ، وأفتى به ابن رشد . وذهب سحنون وابن الماجشون إلى أن الولي أحق من الوصي واختاره اللخمي ، ولكل مذهب حجة . انظر الشارح وسيعيد الناظم هذه المسألة في باب الحجر حيث قال :
وحيث رشد الوصي من حجر
ولاية النكاح تبقى بالنظر
والله أعلم وأحكم .