المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسألة (مدّ عجوة ودرهم)؟!!


محمّد أسعد التميميّ
10-29-2010, 05:24 PM
هنا مسألة مشهورة عند الفقهاء، وهي مسألة (مدّ عجوة ودرهم) ويطلق عليها الفقهاء (بيع ربويّ بجنسه، ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسهما).

ومثاله : يبع مدّ تمر مثلًا "والمدّ مقدار من كيل" ودرهم، مقابل درهمين

يقول العلماء: لم يتميّز ما يقابل الدرهم من جميع الدرهمين، ولا ما يقابل المدّ، وإنّما الجملة مقابل الجملة، فلا تحصل المماثلة بين الجنسين، بما يقابل كلّ جنس من جنسه.

وكذلك يجري هذا الإشكال في: بيع مدّ عجوة ودرهم بمدّ عجوة ودرهم؟ أو كيلو من التمر ودينار ذهب بمثلهما؟

قال أهل العلم: يحرم هذا لأنّه يدخل في قاعدة

((الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل))،

وتحريمه حسمٌ لمادّة الربا، فهو يفتح باب التحايل.

وقد ورد في ذلك حديث فضالة رضي الله عنه (أنّه أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بقلادة فيها ذهب، وخرز اشتراها رجل بتسعة دنانير، أو سبعة، فقال صلّى الله عليه وسلّم: لا، حتّى تميّز بينهما ، قال : فردّه حتّى ميّز بينهما) [رواه أبو داود]، ولمسلم: (أمر بالذهب الذي في القلادة فنزع حده، ثمّ قال: الذهب بالذهب وزنا بوزن ).

ولكن يوجد رواية عن الإمام احمد ـ وقد اختارها شيخ الإسلام ـ أنّ المفرد إذا كان أكثر من الذي معه غيره، فإنّ ذلك جائز، وكذلك إذا كان مع كلّ واحد منهما من غير جنسه وهذا مذهب أبي حنيفة.

وقد سئل شيخ الإسلام عن بيع الأكاديس الإفرنجية بالدراهم الإسلامية، مع العلم بأنّ التفاوت بينهما يسير لا يقوم بمؤنة الضرب، بل فضّة هذه الدراهم أكثر، هل يجوز المقابضة بينهما؟ أم لا؟

فأجاب: هذه المقابضة تجوز في أظهر قولي العلماء، والجواز فيه له مأخذان: بل ثلاثة:

أحدهما: إنّ هذه الفضّة معها نحاس، وتلك فضّة خالصة، والفضّة المقرونة بالنحاس أقلّ، فإذا بيع مائة درهم من هذه بسبعين مثلًا من الدراهم الخالصة فالفضّة الّتي في المائة أقل من سبعين، فإذا جعل زيادة الفضّة بإزاء النحاس جاز على أحد قولي العلماء الذين يجوّزون مسألة (مدّ عجوة) كما مذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين.



وهو أيضًا مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنه، إذا كان الربوي تبعًا لغيره، كما إذا باع شاة ذات لبن بلبن، ودارًا مموهة بالذهب بذهب، والسيف المحلى بفضة بفضة أو ذهب ونحو ذلك‏.

والذين منعوا من مسألة ‏[‏مُدّ عَجْوةَ‏]‏ ـ وهو بيع الربوي بجنسه،إذا كان معهما أو مع أحدهما من غير جنسه ـ قد علله طائفة منهم ـ من أصحاب الشافعيّ وأحمد ـ بأن الصفقة إذا اشتملت على عوضين مختلفين انقسم الثمن عليهما بالقيمة، وهذه علّة ضعيفة؛ فإن الانقسام إذا باع شقصًا مشفوعًا، وما ليس بمشفوع ـ كالعبد والسيف والثوب ـ إذا كان لا يحل عاد الشريك إلى الأخذ بالشفعة‏.‏ فأما انقسام الثمن بالقيمة لغير حاجة فلا دليل عليه‏.‏
والصحيح عند أكثرهم كون ذلك ذريعة إلى الربا، بأن يبيع ألف درهم في كيس بألفي درهم، ويجعل الألف الزائدة في مقابلة الكيس، كما يجوّز ذلك من يجوّزه من أصحاب أبي حنيفة‏.‏
والصواب في مثل هذا أنه لا يجوز؛ لأن المقصود بيع دراهم بدراهم متفاضلة، فمتى كان المقصود ذلك حرم التوسل إليه بكل طريق، فإنما الأعمال بالنيات‏.‏
وكذلك إذا لم يعلم مقدار الربوي بل يخرص خرصًا؛ مثل القلادة التي بيعت يوم حنين وفيها خرز معلق بذهب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا تباع حتّى تفصّل‏‏، فإن تلك القلادة لما فصلت كان ذهب الخرز أكثر من ذلك الذهب المفرد، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع هذا بهذا حتى تفصل؛ لأن الذهب المفرد يجوز أن يكون أنقص من الذهب المقرون، فيكون قد باع ذهبًا بذهب مثله، وزيادة خرز، وهذا لا يجوز‏.‏
وإذا علم المأخذ، فإذا كان المقصود بيع دراهم بدراهم مثلها، وكان المفرد أكثر من المخلوط، كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة، بحيث تكون الزيادة في مقابلة الخلط، لم يكن في هذا من مفسدة الربا شيء؛ إذ ليس المقصود بيع دراهم بدراهم أكثر منها ولا هو بما يحتمل أن يكون فيه ذلك، فيجوز التفاوت‏.‏
المأخذ الثاني‏:‏ مأخذ من يقول‏:‏ يجوز بيع الربوي بالربوي على سبيل التحري والخرص عند الحاجة إلى ذلك، إذا تعذر الكيل أو الوزن، كما يقول ذلك مالك والشافعي وأحمد في بيع العرايا بخرصها، كما مضت به السنة في جواز بيع الرطب بالتمر خرصًا؛ لأجل الحاجة‏.‏ ويجوز ذلك في كل الثمار في أحد الأقوال في مذهب أحمد، وغيره‏.‏ وفي الثاني لا يجوز، وفي الثالث يجوز في العنب والرطب خاصة، كما يقوله من يقوله من أصحاب الشافعي‏.‏ وكما يقول نظير ذلك مالك وأصحابه في بيع الموزون على سبيل التحري عند الحاجة، كما يجوز بيع الخبز بالخبز على وجه التحري، وجوزوا بيع اللحم باللحم على وجه التحري في السفر‏.‏
قالوا‏:‏ لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، ولا ميزان عندهم، فيجوز كما جازت العرايا‏.‏ وفرقوا بين ذلك، وبين الكيل؛ فإن الكيل ممكن، ولو بالكف‏.‏
وإذا كانت السنة قد مضت بإقامة التحري والاجتهاد مقام العلم بالكيل أو الوزن عند الحاجة، فمعلوم أن الناس يحتاجون إلى بيع هذه الدراهم المغشوشة بهذه الخالصة، وقد عرفوا مقدار ما فيها من الفضة/ بإخبار أهل الضرب، وإخبار الصيارفة وغيرهم ممن سبك هذه الدراهم، وعرف قدر ما فيها من الفضة، فلم يبق في ذلك جهل مؤثر، بل العلم بذلك أظهر من العلم بالحرص، أو نحو ذلك، وهم إنما مقصودهم دراهم بدراهمبقدر نصيبهم، ليس مقصودهم أخذ فضة زائدة‏.‏ ولو وجدوا من يضرب لهم هذه الدراهم فضة خالصة من غير اختيارهم، بحيث تبقي في بلادهم لفعلوا ذلك، وأعطوه أجرته‏.‏ فهم ينتفعون بما يأخذونه من الدراهم الخالصة، ولا يتضررون بذلك‏.‏ وكذلك أرباب الخالصة إذا أخذوا هذه الدراهم، فهم ينتفعون بذلك لا يتضررون‏.‏
وهذا ‏[‏مأخذ ثالث‏]‏ يبين الجواز، وهو‏:‏ أن الربا إنما حرم لما فيه من أخذ الفضل، وذلك ظلم يضر المعطي، فحرم لما فيه من الضرر‏.‏ وإذا كان كل من المتقابضين مقابضة أنفع له من كسر دراهمه، وهو إلى ما يأخذه محتاج، كان ذلك مصلحة لهما، هما يحتاجان اليها، والمنع من ذلك مضرة عليهما‏.‏ والشارع لا ينهى عن المصالح الراجحة، ويوجب المضرة المرجوحة، كما قد عرف ذلك من أصول الشرع‏.‏
وهذا كما أن من أخذ ‏[‏السفتجة‏]‏ من المقرض، وهو أن يقرضه دراهم يستوفيها منه في بلد آخر، مثل أن يكون المقرض غرضه حمل دراهم إلى بلد آخر، والمقترض له دراهم في ذلك البلد، وهو محتاج إلى دراهم في بلد المقرض، فيقترض منه في بلددراهم المقرض، ويكتب له سفتجة ـ أي ورقة ـ إلى بلد دراهم المقترض، فهذا يجوز في أصح قولي العلماء‏.‏
وقيل‏:‏ ينهى عنه؛ لأنه قرض جر منفعة، والقرض إذا جر منفعة كان ربا، والصحيح الجواز؛ لأن المقترض رأي النفع بأمن خطر الطريق، إلى نقل دراهمه إلى بلد دراهم المقترض، فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض‏.‏ والشارع لا ينهى عما ينفع الناس، ويصلحهم، ويحتاجون اليه؛ وإنما ينهى عما يضرهم، ويفسدهم، وقد أغناهم الله عنه‏.‏ والله أعلم‏.‏

" [مجموع الفتاوى 29/454].

ألّف في هذه المسألة:
1- ‏رسالة "كشف الهمّ عن قرّاء قاعدة مدّ عجوة ودرهم"
للفقيه العلامة محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل رحمه الله [ت 1298هـ].
2- "إيضاح المبهم من ضابط الربويّ وقاعدة (مدّ عجوة ودرهم)" للفقيه محمّد بن أحمد الجوهريّ [].