غالب عارف نصيرات
09-10-2008, 05:02 PM
7 / 11 / 2007 م
27 / 10 / 2007 ه
بسم الله الرحمن الرحيم
*
مفهوم السنة في الدعوة السلفية
*
إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
أما بعد؛
فإن الله ـ عز وجل ـ أودع في هذا الإنسان العقل الذي يستطيع به أن يميز بين الحق والباطل، و به يستطيع أن يفهم الكلام ومدلولاته، لذلك خاطب الله عز وجل الإنسان بما يفهمه ويدركه, ودلَّه على سؤال أهل العلم فيما لا يدركه ولا يفهمه. ومن الأشياء المهمة التي لم يفهمها أكثر الناس أو فهموها خطأ : مصطلح " السنة "؛ فالسنة لها إطلاقات كثيرة, وتفصيلات متعددة, يجدر بالإنسان أن يقف عليها, وأن يفهمها حتى ينجح في تطبيق أهدافها, ويكون ـ حقاً ـ من أهلها.
*
معنى السنة لغةً واصطلاحاً:
السنة في اللغة: هي الطريقة والسيرة، سواء كانت محمودة أو سيئة، ويشهد لهذا المعنى حديث جرير بن عبد الله البجلي:" من سن سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" رواه مسلم ( 2 / 704 ). ومعنى الحديث: أي من أتى خصلة حسنة، فله أجرها وأجر من تأسى به وعمل مثل عمله، لأنه الفاتح لباب الخير والدال عليه بعمله؛ وكذلك الحال بالنسبة للسيئة، لأن من أتى بخصلة سيئة، وتأسى به غيره، فعليه وزرها ووزر كل من تأسى به بعده؛ لأنه فاتح لباب الشر وداع إلى الشر, بفعله ومبادرته.
ومن معانيها في اللغة أيضا: حسن الرعاية، والقيام على الشيء، وذلك من قول العرب: "سن الرجل إبله, إذا أحسن رعايتها والقيام عليها". أنظر لسان العرب ( 13 / 220 )
*
السنة في الاصطلاح: لها عدة أوجه في تعريفها, والتعريف الذي نريد أن نبينه للناس هو أن كلمة " السنة " في التشريع إذا جاءت مطلقة غير مقيدة، يعني لم يأت مع هذه الكلمة كلمة أخرى تحدد ماهيتها مثل السنة في الفقه أو السنة في أصول الفقه أو عند المحدثين، فيكون معناها: الهدي الذي كان عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه, علماً واعتقاداً وقولاً وعملاً وتقريراً.
فالسنة عامة: هي الإسلام, والإسلام هو السنة, ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر.
أما الأوجه الأخرى لتعريف السنة اصطلاحاً:
ـ عند الفقهاء: ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.
ـ عند الأصوليين: ما قاله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, أو فعله أو قرره.
ـ وعند المحدثين: تطلق السنة على ما يقابل البدعة، فيقال: فلان على السنة إذا كان عمله***** وتصرفاته الدينية وفق ما جاء به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، كما يقال: فلان على بدعة، إذا كان مخالفا لهديه وسنته ـ عليه الصلاة والسلام ـ.
ـ وتطلق السنة أيضاً على أعمال الصحابة وخاصة الخلفاء الأربعة كما جاء في الحديث:" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي....". صحيح سنن ابن ماجه ( 1 / 13 )
قال النووي ـ رحمه الله ـ: ( السنة): سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصلها الطريقة, وتطلق سنته ـ صلى الله عليه وسلم* ـ على الأحاديث المروية عنه".تهذيب الأسماء واللغات (2/151)
*
والخطأ الذي يقع فيه عامة الناس أننا إذا قلنا لهم: هذه سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ, أو تمسكوا بالسنة, أو قلنا: اللحية سنة, والصلاة جماعة في المساجد سنة, أو اتبعوا السنة, فهموا معنى السنة أي العمل المندوب* الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. وهذا الفهم مردود؛ لأننا قررنا أن السنة إذا أطلقت فتشمل الدين أو ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ما هو فرض ومنه ما هو مستحب ومنه ما هو مكروه ومنه ما هو مما حرمه.
فالسنة إذا صنو القرآن.، وهي وحي من عند الله. ويشهد لذلك القرآن الكريم نفسه, إذ يقول الله تعالى في حق نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ:" وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)".[ سورة النجم ]
*
*
*
مما سبق يتبين أن السنة تطلق على أربعة اطلاقات:
الأول: أن كل ما جاء في الكتاب والسنة هو سنته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهي طريقته التي كان عليها صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله" فمن رغب عن سنتي فليس مني" متفق عليه.
الثاني: أن السنة بمعنى الحديث، وذلك إذا عطفت على الكتاب، ومنه قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدها كتاب الله وسنتي" . صحيح الجامع (2937)
الثالث: أن السنة تطلق مقابل البدعة, ومنه قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين...وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".
الرابع: أن السنة تطلق بمعنى المندوب أو المستحب، وهو ما جاء الأمر به على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الإيجاب، وهذا الإطلاق للفقهاء, ومن أمثلته قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ".رواه مسلم ( 1 / 220 )
*
مكانة السنة في الإسلام:
ورد في القرآن الكريم وفي أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الأدلة الكثيرة التي فيها الحث على السنة وبيان مكانتها:
*(أ ) الأدلة من القرآن الكريم:
1-***** قال تعالى: " وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً "[النساء : 115] , وسبيل المؤمنين لا شك أنه سبيل الصحابة ومن تبعهم بإحسان ، وعليه فإنه سبيل أهل السنة. وحيث تقرر أن من اتبع غير سبيلهم ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم ، فإن إتباع سبيلهم ـ وهو السنة ـ متعين بأمره ـ تعالى ـ.
2-***** وقال تعالى: " وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)".[ سورة النجم ]
3-***** وقوله تعالى : " وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ". *[النحل : 44] "
4-***** وقوله ـ سبحانه ـ: " َمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ". [الحشر : 7]
5-***** وقوله ـ سبحانه ـ: " قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ". [آل عمران : 31]
6-***** وقوله ـ تعالى ـ " فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما". [النساء : 65]
7-***** وقوله ـ عز وجل ـ : " فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ". [النور : 63]
*
*
( ب ) الأدلة من السنة الشريفة:
1-***** عن أبي رافع مولى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: قال رسول الله* ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه". صحيح سنن ابن ماجه ( 1 / 7 )
2-***** عن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :" ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله " المصدر السابق.
3-***** وعن العرباض بن سارية أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". تقدم تخريجه.
4-***** عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله" .متفق عليه
*
كلام السلف في مكانة السنة، وثبوت حجيتها:
1- عن الحسن البصري أن عمران بن الحصين كان جالسا ومعه أصحابه فقال رجل من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال: فقال له أدن فدنا، فقال:" أرأيت لو وُكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعا, وصلاة العصر أربعاً, والمغرب ثلاثاً تقرأ في اثنتين؟ أرأيت لو وُكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد الطواف سبعاً، والطواف بالصفا والمروة؟ ثم قال: أي قوم خذوا عنا فإنكم والله إن لا تفعلوا لتضلن". أخرجه الخطيب في الكفاية ص 48.
2- عن محمد بن كثير عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: "كان جبريل ينزل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن" رواه الدارمي في سننه ( 1 / 153 ) وصحح إسناده الشيخ الألباني مرسلاً. انظر تحقيقه لكتاب الإيمان لابن تيمية ( 1 / 3 ).
3- وعن الأوزاعي قال: قال أيوب السختياني: " إذا حدثت الرجل بالسنة فقال: دعنا من هذا وحدثنا من القرآن، فاعلم أنه ضال مضل". أخرجه الخطيب في الكفاية ص 49
4- وعن أيوب السختياني: أن رجلا قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير: لا تحدثونا إلا بما في القرآن، فقال له مطرف:" إنا والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا". أي نريد السنة المفسرة للقرآن. انظر الموافقات للشاطبي ( 4 / 26 ).
5- وعن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير وغيرهم: " القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب، والسنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضيا على السنة". رواه الدارمي في سننه ( 1 / 153 ) بإسناد جيد, ورواه الخطيب في الكفاية ص14.
6- قال الفضل بن زياد:" سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل. وسئل عن الحديث الذي روى أن السنة قاضية على الكتاب فقال: ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكن السنة تفسر الكتاب، وتعرف الكتاب وتبينه " رواه الخطيب في الكفاية ص15.
7- قال الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ: وسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ثلاثة أوجه:
- أحدهم: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فسنّ رسول الله بمثل نص الكتاب.
- والثاني: ما أنزل فيه جملة كتاب، فبين رسول الله عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها عاما أو خاصا، وكيف أراد أن يأتي به العباد.
- والثالث: ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس فيه نص كتاب، فمنهم من قال: جعله الله له بما افترض من طاعته، وسبق علمه من توفيقه له، ورضاه أن يسن فيما ليس نص كتاب، ومنهم من قال لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب؛ كتبيين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرضها, وكذلك ما سن في البيوع وغيرها من الشرائع، لأن الله ـ تعالى ذكره ـ قال: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً". [النساء : 29]. وقال:"وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا " [البقرة : 275]. فما أحلّ وحرّم، فإنّما بيّن فيه عن الله، كما بيّن في الصلاة؛ ومنهم من قال: بل جاءته به من رسالة الله، فأثبتت سنته بفرض الله تعالى"ا.ه .انظر مفتاح الجنة للسيوطي, ص14 مطبعة الجامعة الإسلامية.
8- قال ابن القيم: " وقد صنف الإمام أحمد كتاباً في طاعة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ, رد فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضته سنن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وترك الاحتجاج بها، فقال في أثناء خطبته: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه بالهدى والنور لمن تبعه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب، فكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو المعبر عن كتاب الله، الدال على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا هم أعلم الناس برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم, وما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جابر: ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أظهرنا، عليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به". انظر إعلام الموقعين ( 2 / 290 ).
*
نتبين من هذا الاستعراض لنصوص أهل العلم أن الأمة ما زالت ولن تزال متفقة على أن السنة النبوية يجب أن يكون لها مقام معلوم في بيان الأحكام، وأنها حجة قائمة بنفسها، وأنه يجب الرجوع إليها، وأنها بيان للقرآن, وتفسير له, ومفصلة ما أجمل منه. وهذه المعاني كلها محل إجماع عند السلف ـ رحمهم الله ـ, ولم يشذ عنهم إلا أهل البدع.
*
وجوب الرجوع إلى السنة لفهم الأحكام[1]:
إن للسنة دورا هاما لا يستهان به في بيان الأحكام المجملة في القرآن الكريم وهي التي تقيد المطلق، وتخصص العام، وتبين الناسخ والمنسوخ. وإذا أردنا أن نسوق أمثلة للأحكام التي أجملت في القرآن، وبينتها السنة وفصلتها، وأمثلة أخرى للأحكام التي انفردت بها السنة ولا وجود لها في القرآن، لوجدنا الشيء الكثير في مختلف أبواب العبادات والمعاملات والحدود وغيرها.
في باب الطهارة
من الأحكام التي وردت في القرآن مجملة، وزادتها السنة بياناً وتوضيحاً, الوضوء والتيمم. يقول الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة : 6]
حيث جاءت السنة بالبيان التالي:
1.إذا أخذ المتوضئ في الوضوء، يغسل كفيه ثلاث مرات، ثم يستنشق ويستنثر، ويتمضمض ثلاث مرات.
2.بينت السنة بأنه يجوز للمتوضئ أن يغسل الأعضاء المغسولة مرة مرة، أو مرتين مرتين, أو ثلاث مرات، وهو الأكمل، كما يجوز له أن يغسل بعضها مرة, وبعضها مرتين, وبعضها ثلاثاً.
3.بينت السنة الفعلية أن الرأس يمسح مرة واحدة, بكيفية معينة, بأن يبدأ من مقدم رأسه بيديه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى حيث بدأ مرة واحدة لا يكرر مسح الرأس، وكذلك الأذنان لا يكرر مسحهما. ولا يجب أن يأخذ لأذنيه ماءً جديداً، بل يمسحهما مع الرأس وبالماء الذي أخذه للرأس. هذه صفة الوضوء على ضوء الكتاب والسنة معاً.
أما التيمم:
فقد بين القرآن الكريم أن التيمم إنما هو في الوجه واليدين, فيبقى أن نعرف حد اليد هنا، هل هي في التيمم مثلها في الوضوء فيمسحهما إلى المرفقين؟هل بضربة واحدة أم بضربتين؟ تجيب السنة الصحيحة على هذين السؤالين ولا جواب إلا في السنة، إذ ثبت فيها أن التيمم بضربة واحدة. كما ثبت فيها أن حد اليدين هنا إلى مفصل الكف، هذا وقد استطردت الآية الكريمة التي تحدثت عن الوضوء والتيمم، إلى حكم آخر بالمناسبة وهو الطهارة من الجنابة حيث قالت:" وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ ". [المائدة : 6]. هكذا أجملت الآية هذه الطهارة فبينت السنة أنها بالماء إذا تيسر على الوجه التالي: يغسل أطرافه وما أصابه من القذر، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، فيغسل رأسه, ثم يعمم بدنه بالماء, مع تخليل الشعر الكثيف, ليصل الماء إلى أصول الشعر، هذا إذا كان الماء متيسراً، أما إذا تعذر الماء أو عند العجز عن استعماله، فيكفيه الصعيد الطيب، بأن يضرب الأرض بيديه، ويمسح وجهه وكفيه مرة واحدة وكفى، هذا هو البيان الذي سجلته السنة في هذه المسألة.
*
الصلاة:
إن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ورد ذكرها في القرآن هكذا " وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ " فكيف إقامتها؟ فالسنة وحدها هي التي تجيب على هذا السؤال الهام.
فقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " صلوا كما رأيتموني أصلي", أي صلوا بالكيفية التي أصلي بها. ففصلت السنة هذه الكيفية حيث نبدأ بتكبيرة الإحرام إشعاراً بدخول الصلاة, ثم قراءة الفاتحة, ثم الركوع, والرفع منه, ثم السجدتين, والجلوس بينهما, ثم التشهد والتسليم، ثم بينت السنة أن الصلاة فرضت خمس مرات في اليوم والليلة, وبينت وقت بدء وانتهاء كل صلاة وعدد ركعاتها، فصلاة الصبح ركعتان، والظهر أربعاً ، والعصر كذلك، والمغرب ثلاثاً، والعشاء أربعاً, مع بيان موضع السرّ والجهر بالقراءة فيها، والأماكن التي يجوز ولا يجوز فيها الصلاة وبأي هيئة، مع بيان شروطها, وواجباتها, وسننها, ومستحباتها. كل هذا تفصيله في السنة، وإني أنصح في هذه المناسبة بالرجوع إلى كتاب "صفة صلاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها"، للشيخ العلامة الحبر الفهامة محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله تعالى ـ, فقد بين جزاه الله خيراً كيفية صلاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالأدلة الصحيحة.
الزكاة:
إن الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام, وكثيراً ما يقرن الله ذكرها مع الصلاة, قال الله تعالى:" وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ "، وقال تعالى " وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ " فتولت السنة بيان الأموال التي تجب فيها الزكاة وبيان الأنصبة، والمقدار المأخوذ من كل نصاب، فالأنعام له أنصبة خاصة بها، والزروع كذلك، وغيرهما من الأموال كالذهب والفضة.
كما بينت السنة نوعاً من الزكاة يسمى بزكاة الفطر أو صدقة الفطر، تؤدى في نهاية رمضان للمستحقين، وهي صاع من تمر, أو صاع من شعير, أو صاع من طعام ...الخ.
الصيام:
*قد تناول القرآن هذا الركن بنوع من التفصيل في قوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة : 183] وقال في البيان نفسه " وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة : 187].******** وبعد هذا التفصيل القرآني، تبقى هناك أحكام وردت بها السنة، وانفردت بها، منها: حكم من واقع امرأته في نهار رمضان وهو صائم, وهل صيامه صحيح أم باطل؟
وقد بينت السنة كفارة الذي واقع امرأته في نهار رمضان بأن يعتق رقبة, فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين, فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا. كما بينت أن الذي أكل أو شرب ناسياً في رمضان فعليه أن يتم صيامه؛ فإن الله هو الذي أطعمه وسقاه، والسنة تنص على أن الذي لا يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه.
الحج:
يقول تعالى:" وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" [آل عمران : 97] . وقد ذكرت آيات عدة* بعض أحكام الحج في سورة البقرة، كالإفاضة في عرفة، وذِكر الله عند المشعر الحرام، وحكم من تعجل في يومين ومن تأخر إلى اليوم الثالث، والطواف بالبيت العتيق، وغير ذلك، فتولت السنة بيان بقية الأحكام التي لم يرد ذكرها في القرآن، وهي أحكام كثيرة جداً، حيث وردت أحاديث صحاح في مقدمتها حديث جابر بن عبد الله المعروف الذي شرح بوضوح صفة حجة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وقد ألف كثير من أهل العلم على ضوئه رسائل وكتابات في مناسك الحج, بعد أن ضموا إليه أحاديث أخرى اشتملت على أحكام لا يستغنى عنها، وهذا الباب من أبواب التي استفاضت فيها السنة بالبيان والتوضيح؛ قولية أو فعلية، فبالسنة نعرف كيف نحرم, وما الذي يحرم علينا بالإحرام ,وكيف نطوف ونسعى, ومن أين نبدأ وإلى أين ننتهي؟ وأين نقف يوم عرفة، وكيف ومتى؟ إلى آخر أعمال الحج.
البيوع:
إن السنن التي وردت لبيان الأحكام المجملة في القرآن، أو التي انفردت بأحكام لم ترد في القرآن، ليست تنحصر في أبواب العبادات فحسب، بل للسنة دورها المعروف في جميع المباحث الفقهية من المعاملات والجنايات والحدود، ففي البيوع نجد الآية الكريمة تقول:" وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ". فإذا راجعنا السنة الصحيحة نجد أنواعا من البيوع المنهي عنها بالسنة المطهرة منها:
1.بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سوم أخيه.
2.بيع النجش, وهو: إغراء الغير على الشراء بالزيادة الكاذبة.
3.بيع الملامسة: وهو أن يلمس الرجل الثوب فيلزمه البيع بلمسه ولم يبينه.
4.بيع المنابذة: وهو أن ينبذ أحدهما ثوبا إلى الآخر وينبذ الآخر ثوبه إليه فيجب البيع بذلك.
5.وبيع الحصاة: وصفته أن تكون بيده حصاة, فيقول إذا سقطت من يدي فقد وجب البيع.
6.وبيع المزابنة : وهي بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر إلا في العرايا, وهو بيع الرطب في رءوس النخل خرصاً بمثله من التمر كيلاً فيما دون خمسة أوسق, لمن به حاجة إلى أكل الرطب ولا ثمن معه.
7.بيع الشاة المصراة : و التصرية جمع اللبن في الضرع, وهي حرام إذا أراد البائع بذلك التدليس على المشتري.
8.و منها تلقي الركبان: بأن يتلقى شخص طائفة يحملون متاعاً ـ طعاماً أو غيره ـ* إلى البلد, فيشتريه منهم قبل قدومهم البلد, ومعرفتهم بالسعر, فيعصي بالشراء.
وغيرها كثيرة ومعروفة في مواضعها في كتب السنة وكتب الفقه، من البيوع المشتملة على الغرر والجهالة، وكلها محرمة بالسنة، كما وردت في السنة في هذا الباب أحكام أخرى كثيرة، مثل خيار المجلس، وخيار الشرط, وغيرهما من الأحكام.
الحدود:
هناك أمثلة كثيرة لبيان السنة لأحكام الحدود منها: حد السرقة, يقول الله ـ تعالى ـ في بيان هذا الحد في كتابه العزيز " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [المائدة : 38]. فلإقامة هذا الحد الذي أمرنا بإقامته، نحتاج إلى معرفة أمرين اثنين:
أ- ما هو المقدار الذي إذا أخذه السارق تقطع يده؟ أي ما هو نصاب السرقة، فبينت السنة ذلك، إذ يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ :" لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا". رواه مسلم ( 3 / 1311 )
ب- ما حد اليد؟ هل هي من المنكب؟ هل هي من المرفق؟ أو هي من مفصل الكف؟ والسنة الفعلية هي التي تجيب على هذه التساؤلات، إذ كانوا يقطعون من مفصل الكف. هذا ولو أردنا أن نسرد الأحكام التي أجملت في القرآن وبينتها السنة أو الأحكام التي انفردت بها السنة في جميع الأبواب الفقهية لاحتاج المقام إلى سِفْر، فهذه إشارة كافية لمعرفة مكانة السنة، ومنزلتها في التشريع الاسلامي.*
*
عناية الصحابة بالسنة:
يقول تعالى:" لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً " [الأحزاب : 21] , قال ابن كثير رحمه الله:" هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أقواله وأفعاله وأحواله." انتهى.
لذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم من أشد الناس حباً له ـ عليه الصلاة والسلام ـ. ومن أبلغ الناس في الاقتداء به ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكانوا يفعلون ما يفعل، ويتركون ما يترك, دون أن يعلموا لذلك سبباً، أو يسألوه عن حكمه هل هو مندوب أو واجب أو مباح. أخرج البخاري عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال:" اتخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاتما من ذهب، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، ثم نبذه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وقال: إني لن ألبسه أبدا، فنبذ الناس خواتيمهم".
وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: " بينما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلاته قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إن جبريل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيها قذراً، أو قال:: أذى" صحيح أبي داود ( 1 / 128 ).
ولقد بلغ حرصهم على تتبعهم لأقواله وأعماله أن كان بعضهم يتناوبون ملازمة مجلسه يوماً بعد يوم، فهذا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول فيما أخرجه البخاري ( 1 / 46 ) : " كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد – وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم، وإذا نزل فعل مثل ذلك".
كما كانت القبائل النائية ترسل إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعض أفرادها، ليتعلموا أحكام الإسلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرجعون إليهم معلمين مرشدين، بل كان الصحابي يقطع المسافات الشاسعة ليسأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن مسألة نازلة أو حكم شرعي, فقد أخرج البخاري في صحيحه ( 1 / 45 ) عن عقبة بن الحارث, " أن امرأة أخبرته بأنها أرضعته وزوجته، فركب من فوره -وكان بمكة- قاصدا المدينة حتى بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فسأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع، ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: كيف وقد قيل" .
وكذلك كان من عادتهم أن يسألوا زوجات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما يتعلق بشؤون الرجل مع زوجته لعلمهن بذلك.كما كانت النساء تذهب إلى زوجات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليسألنهن عن أمور دينهن، وأحيانا يسألن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يشأن السؤال عنه من أمورهن، فإذا كان هنالك ما يمنع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من التصريح للمرأة بالحكم الشرعي أمر إحدى زوجاته أن تفهمها إياه, كما في حديث عائشة - رضي الله عنها- في كيفية التطهر من الحيض.
هكذا كانت عناية خير القرون ـ رضوان الله عليهم ـ بالسنة المطهرة في حياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، اقتداءً تاماً به ووقوفاً عند حدود أمره ونهيه، وتسليماً كاملا لحكمه، والتزاماً دقيقا بهديه، وحرصاً شديداً على تعلم سنته. أما بعد وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإننا نجدهم- رضي الله عنهم- يسلكون مجالات أخرى للعناية بسنته، من ذلك حفظها والتثبت من ذلك, حتى كان أحدهم يرحل في الحديث الواحد مسافة شهر ليتثبت من حفظه، وكذلك كتابتها في الصحف والأجزاء، ثم نشرها بين الناس.
لقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" البخاري ( 3 / 1275 ) . وقال:" نضر الله امرءاً سمع مقالتي ووعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع" صحيح ابن ماجه ( 1 / 44 ). وقال:" من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" متفق عليه. وقال" كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" رواه مسلم ( 1 / 10 ). وقال:" من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين" صحيح ابن ماجه ( 1 / 13 ).*
*لقد استشعر الصحابة بعد وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ عظم المسؤولية الملقاة على عواتقهم لحفظ الشريعة - كتابا وسنة- وتطبيقها، ثم تبليغها إلى الأمة أداء للأمانة التي اختيروا لها كما أداها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم. وقد كانوا خير من حمل هذه الأمانة وخير من أداها بعد نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, فكانوا لا يحدثون بشيء إلا وهم واثقون من صحته عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولا يقبلون من الأخبار إلا ما عرفوا صحته وثبوته. وهذه نماذج من أقوالهم ومواقفهم في ذلك:
1.عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: " لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أو قالها رسول الله ، وذلك أني سمعته يقول:" من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".رواه الدارمي في سننه (1/67) بسند صحيح.
2.وعن ابن سيرين قال:" كان أنس قليل الحديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, وكان إذا حدث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : "أو كما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ".صحيح ابن ماجة ( 1 / 10 ).
3.وعن الشعبي قال" جالست ابن عمر سنة, فلم أسمعه يذكر حديثا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ" . صحيح ابن ماجة ( 1 / 10 ).
4.وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى:" أدركت مائة وعشرون من الأنصار من أصحاب محمد** ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما منهم أحد حدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه إياه" وفي رواية:" يسأل أحدهم المسألة فيردها هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول".انظر جامع بيان العلم وفضله (2/163).
5.وعن السائب بن يزيد قال:" خرجت مع سعد إلى مكة فما سمعته يحدث حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رجعنا إلى المدينة" رواه الدارمي في سننه (1/96) بسند صحيح.
6.وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:" قلنا لزيد بن أرقم حدثنا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقال: كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شديد". صحيح ابن ماجة ( 1 / 11 ).
ولا يفهم من هذا أنهم كانوا يخفون شيئاً من حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ, بل رووا كل أحاديثه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وإذا سئلوا عن شيء من السنة أجابوا عنه, وإذا اقتضى المقام ذكر أحاديثه ذكروها، وإذا رأوا بدعة أو منكراً ردوها بأحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، لكن لشدة ورعهم وخوفهم من الوقوع في الكذب على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ, كانوا لا يتحدثون ابتداءً, ولكن إذا دعت الحاجة تكلموا, وإلا التزموا الصمت, ولم يباشروا بالحديث هكذا ترسلاً, حتى لا يقعوا في الخطأ, رضي الله عنهم وأرضاهم.
*
الرحلة في طلب السنة:
لقد اهتم السلف أيما اهتمام في جمع السنة وحفظها وتدوينها في كتبهم، وذلك عن طريق الرحلة في طلب السنة، فقد بذلوا من أجل جمع السنة كل ما في وسعهم، حتى رحلوا المسافات البعيدة مع عظم المشقة؛ طلباً للسنة وطلباً لحديث الصادق المصدوق ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وذلك امتثالاً لقوله ـ تعالى ـ:" وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" [التوبة : 122] .
وقوله صلى الله عليه وسلم:" من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة". رواه مسلم ( 4 / 2074 )
قال إبراهيم بن أدهم ـ رحمه الله ـ:" إن الله يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث" علوم الحديث لابن الصلاح(ص222)
والأصل في ذلك رحلة نبي الله وكليمه موسى عليه السلام إلى الخضر، وقد قصها الله علينا في سورة الكهف. وبدأت الرحلة في الإسلام برحلة تلك الوفود من القبائل التي كانت تفد على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أنحاء الجزيرة العربية، تبايعه على الإسلام وتتعلم منه ما جاء به من الوحي كتاباً وسنة. ثم اهتم الصحابة بذلك بعد وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما تفرقوا في الأمصار بعد الفتوحات، فرحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس في الشام واستغرق شهرا ليسمع منه حديثا واحدا لم يبق أحد يحفظه غير ابن أنيس."
ورحل أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر بمصر، فلما لقيه قال: حدثنا ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ستر المسلم، لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك، فلما حدثه ركب أبو أيوب راحلته وانصرف عائداً إلى المدينة, ولم يحل رحله". الخطيب البغدادي في الرحلة(ص188).
وقد استمرت الرحلة في جيل التابعين حيث تفرق الصحابة في الأمصار بعد الفتوحات. قال سعيد بن المسيب سيد التابعين:" إن كنت لأسير في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام". الجامع لابن عبد البر(1/94)
وقال بسر بن عبد الله الحضرمي:" إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه"، وقال عامر الشعبي:" لم يكن أحد من أصحاب عبد الله بن مسعود أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق". المصدر السابق.
وحدث الشعبي رجلا بحديث ثم قال له:" أعطيناكها بغير شيء، قد كان يُركب فيما دونها إلى المدينة".الخطيب في الكفاية ص402.
*وعن أبي العالية الرياحي قال:" كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله* ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم".أخرجه الدارمي في سننه ( 1 / 149 ) بسند صحيح .
*
من هم أعداء السنة:
على الرغم من الأدلة الصريحة والصحيحة في حجية السنة, وأنها من وحي الله، وأنها الموضحة والمفسرة والشارحة للقرآن، فالطعن فيها طعن في القرآن، والطعن فيهما تحريف لدين الإسلام...على الرغم من كل ذلك، لم تسلم السنة من تهجم أصحاب الأهواء عليها، خاصة غلاة الشيعة من الروافض والزنادقة، حيث زعمت الرافضة وجوب الاستغناء بالقرآن عن السنة في أصول الدين وفروعه, والأحكام الشرعية؛ لأن الأحاديث في زعمهم رواية قوم كفار، وذلك لأنهم كانوا يعتقدون أن النبوة إنما كانت لعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ، وأن جبريل عليه السلام أخطأ فنزل بها إلى محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ بدل أن ينزل بها إلى علي. ومنهم من يقر للنبي عليه الصلاة والسلام بالنبوة لكنه يقول: إن الخلافة كانت حقا لعلي ـ رضي الله عنه ـ، فلما عدل بها الصحابة إلى أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ، كفروا بذلك في زعمهم، فبنوا على ذلك رد الأحاديث كلها، ثم أطلق أتباع هؤلاء من المتأخرين على أنفسهم بأنهم (القرآنيون) أي العاملون بالقرآن المستغنون به عن السنة، وإني لأعجب من هذا الرد للسنة والأخذ بالقرآن مع أن الذي نقل السنة هو الذي نقل القرآن!
قال السيوطي رحمه الله (مفتاح الجنة ص6):ـ مستهجنا ومستقبحا لقاعدتهم هذه ـ:" ما كنت أستحل حكايتها لولا ما دعت له الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد ، الذي كان الناس في راحة منه من أعصار" إلى أن قال:" وقد كان أهل هذا الرأي موجودين بكثرة في زمن الأئمة الأربعة، وتصدى الأئمة وأصحابهم للرد عليهم في دروسهم, ومناظراتهم, وتصنيفاتهم".
وقال أيضا: قال البيهقي:" باب: بيان بطلان ما يحتج به بعض من رد السنة، من الأخبار التي رواها بعض الضعفاء في عرض السنة على القرآن. قال الشافعي -رحمه الله- :" احتج علي بعض من رد الأخبار( أي أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) بما روي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:" ما جاءكم عني فاعرضوه على الكتاب، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فأنا لم أقله" فقلت له: ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير, وإنما هي رواية منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء" ا.هـ.
قال الذهبي في تذكرة الحفاظ (1/273):" أتي الخليفة هارون الرشيد بأحد الزنادقة ليقتله، فقال الزنديق: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ فقال الرشيد: فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري، وابن المبارك, ينخلانها فيخرجانها حرفاً حرفاً ".
لقد تنوعت ردود الأعداء للسنة النبوية بمجرد العقل إلى عدة أنواع: فمنهم من ردها مطلقاً، وقد مرّ ذكرهم حيث يزعمون أنهم هم أهل القرآن أو "القرآنيون" حيث لا يأخذون إلا بما في القرآن، ولا يأخذون شيئا من السنة. ومنهم من رد السنة عن طريق رد خبر الآحاد، ومنهم من ردها تعصباً وتقديساً للمذاهب ولآراء الرجال.
*
رد السنة الثابتة بدعوى خبر الآحاد:
لم يكن هناك خلاف بين أحد من السلف في القرون الثلاثة المفضلة في وجوب العمل بالسنة دون تفريق بين ما سمي فيما بعد بخبر الآحاد وما سمي بالمتواتر، ولا ما يسمى بأصول الدين وفروعه, فكلها تقسيمات محدثة مبتدعة. انظر مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم ( 2 / 413 ).
*فهذا القول لم يظهر إلا على يد المبتدعة وأهل الأهواء والمتهمين في دينهم من جهمية أو معتزلة أو متكلمين، وأغلب رؤساء هذه الطوائف إما متهم بالزندقة, أو بأخذ آرائه ومعتقداته من أعداء الإسلام، وحقيقة هذا القول هو رد للسنة بمجرد العقل أو الهوى، لأنهم جوزوا عقلا أن يكذب راويه أو يغلط، وهم أيضا يؤولون المتواتر, أو يفوضونه, لمجرد مخالفته لعقولهم التي هي مختلفة ومتناقضة وقاصرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في معرض الرد على أهل هذا الرأي من معاصريه: " وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى سيف الآمدي، وإلى ابن الخطيب الرازي, فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني، وإلا فالسلف مجمعون على قبول خبر الآحاد, والعمل به, دون تفريق بينه وبين غيره". ذكره ابن القيم عن شيخه في مختصر الصواعق ( 2 / 412 )
إن انتشار القول برد خبر الآحاد كان في القرن الخامس وما بعده، وهي الفترة الزمنية التي سيطر فيها علم الكلام ومنطق اليونان على العلوم الإسلامية, وعلى كثير من علماء الأمة في تلك الفترة من الزمن، فأفسد ذلك المنطق وعلم الكلام أغلب العلوم الإسلامية، ولا أدل على ذلك من أن الوقت الذي سيطر فيه علم المنطق وعلم الكلام على الأمة هو وقت انتشار البدع والتصوف، وهو وقت جمود الأمة الإسلامية علمياً ـ إلا من رحم الله ـ ، ولم تستيقظ الأمة من ذلك الركود والجمود إلا على يد تلك المدرسة السلفية السائرة على منهج أهل السنة والجماعة- أهل القرون المفضلة- تلك هي مدرسة شيخ الإسلام* ابن تيمية وتلاميذه.
*
التعصب المذهبي في ميزان السنة
إن التعصب للمذاهب هو الذي حال بين كثير من المسلمين وبين فهم السنة كما يجب، وهو من أسباب تفرق المسلمين وتشتتهم، وبالتالي فهو من أسباب تخلف المسلمين وتسلط أعدائهم عليهم، لأنهم خالفوا كتاب ربهم، الذي هو عزهم، وهو يناديهم بقوله :" وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ " [آل عمران : 103], حتى أصبحت الأمة الواحدة كأصحاب ملل مختلفة، كل حزب بما لديهم فرحون.
إن هذا التعصب المذموم للمذاهب جاء نتيجة عدم فهم الإسلام حق الفهم، فأخذ الأحكام متوقف على معرفة الدليل من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة, ولم يتوقف على آراء الرجال بدون أدلة لهذه الآراء. إن أئمة المذاهب حاربوا هذا التعصب وحذروا منه أتباعهم وطلابهم, فكلهم قالوا: إذا خالف الحديث مذهبي فاضربوا به عرض الحائط. وقال الإمام أحمد: لا تقلد مالكاً, ولا الشافعي, ولا من قبلهم ، ولكن خذ من حيث أخذوا.
وهكذا واصل أئمة الإسلام التحذير من أضرار التعصب المذهبي، وإعراض كثير من الناس بسببه عن الكتاب والسنة، والاستغناء عنهما بالآراء. قال ابن القيم في الفوائد ص48:" لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة، والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، ، وعدلوا إلى الآراء والقياس، والاستحسان وأقوال المشايخ، عرض لهم من ذلك فساد فطرهم، وظلمة في قلوبهم وكور في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمّتهم هذه الأمور، وغلبت عليهم حتى ربى فيها الصغير وهرم عليها الكبير، فلم يروها منكراً، فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن، والنفس مقام العقل, والهوى مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم, والرياء مقام الإخلاص... فإذا رأيت دولة هؤلاء قد أقبلت، ورأيتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت، فبطن الأرض –والله- خير من ظهرها، وقلل الجبال خير من السهول, ومخالطة الوحوش أسلم من من مخالطة الناس...الخ" .
ثم نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في وصف هؤلاء, حيث قال:" إنهم طافوا على أبواب المذاهب، ففازوا بأخس المطالب، ويكفيك دليلا على أن هذا الذي عندهم ليس من عند الله ما ترى من التناقض والاختلاف، ومصادمة بعضه لبعض " أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً" [النساء : 82].* وكيف تكون الآراء والخيالات وسوانح الأفكار دينا يدان به، ويحكم به على الله ورسوله؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، وقد كان علم الصحابة الذي يتذاكرون فيه، غير علوم هؤلاء المتخلفين الخراصين، كما حكى الحاكم في ترجمة أبي عبد الله البخاري قال:" كان أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا اجتمعوا إنما يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم، ليس بينهم رأي ولا قياس"أ.هـ.*
أصول السنة النبوية:
قال الإمام أحمد رحمه الله:
أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, والاقتداء بهم, وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة, وترك الخصومات في الدين. والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن, وليس في السنة قياس ولا تضرب لها الأمثال, ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء؛ إنما هو الإتباع وترك الهوى, ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقبلها ويؤمن بها, لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره, والتصديق بالأحاديث فيه, والإيمان بها لا يقال: لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق والإيمان بها, ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله, فقد كفي ذلك وأحكم له, فعليه الإيمان به والتسليم, مثل حديث الصادق المصدوق, ومثل ما كان مثله في القدر ومثل أحاديث الرؤية كلها, وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع, وإنما عليه الإيمان بها وأن لا يرد منها حرفاً واحداً, وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات. وأن لا يخاصم أحداً ولا يناظره, ولا يتعلم الجدال, فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه, ومنهي عنه لا يكون صاحبه ـ وإن أصاب بكلامه السنة ـ من أهل السنة حتى يدع الجدال ويؤمن بالآثار.
والقرآن كلام الله وليس بمخلوق, ولا يصف ولا يصح أن يقول ليس بمخلوق, قال: فإن كلام الله ليس ببائن منه, وليس منه شيء مخلوقاً, وإياك ومناظرة من أخذل فيه, ومن قال باللفظ وغيره, ومن وقف فيه فقال: لا أدري مخلوق أو ليس بمخلوق, وإنما هو كلام الله, فهذا صاحب بدعة, مثل من قال: هو مخلوق, وإنما هو كلام الله ليس بمخلوق.
*والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأحاديث الصحاح. وأن النبي قد رأى ربه فإنه مأثور عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صحيح, رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس, ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس, ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس, والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي *ـ صلى الله عليه وسلم ـ, والكلام فيه بدعة, ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره, ولا نناظر فيه أحدا.
*والإيمان بالميزان يوم القيامة كما جاء, يوزن العبد يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة. ويوزن أعمال العباد كما جاء في الأثر, والإيمان به, والتصديق به, والإعراض عن من رد ذلك وترك مجادلته, وأن الله تعالى يكلمه العباد يوم القيامة ليس بينهم وبينه ترجمان, والتصديق به, والإيمان بالحوض, وأن لرسول الله حوضاً يوم القيامة يرد عليه أمته, عرضه مثل طوله: مسيرة شهر, آنيته كعدد نجوم السماء على ما صحت به الأخبار من غير وجه.
*والإيمان بعذاب القبر, *وأن هذه الأمة تفتتن في قبورها, وتسأل عن الإيمان والإسلام ومن ربه ومن نبيه, ويأتيه منكر ونكير كيف شاء وكيف أراد, والإيمان به والتصديق به. والإيمان بشفاعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ, وبقوم يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحماً, فيؤمر بهم إلى نهر على باب الجنة ـ كما جاء الأثر ـ كيف شاء وكما شاء, إنما هو الإيمان به والتصديق به. والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه كافر, والأحاديث التي جاءت فيه, والإيمان بأن ذلك كائن. وأن عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ ينزل فيقتله بباب لد.
*والإيمان قول وعمل, يزيد وينقص كما جاء في الخبر:" أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا". ومن ترك الصلاة فقد كفر, وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة, من تركها فهو كافر وقد أحل الله قتله.
وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق, ثم عمر بن الخطاب, ثم عثمان بن عفان, نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يختلفوا في ذلك, ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة؛ علي بن أبي طالب, والزبير, وعبد الرحمن بن عوف, وسعد, وطلحة, كلهم للخلافة, وكلهم إمام, ونذهب في ذلك إلى حديث ابن عمر:" كنا نعد ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حي وأصحابه متوافرون: أبو بكر, ثم عمر, ثم عثمان, ثم نسكت", ثم من بعد أصحاب الشورى أهل بدر من المهاجرين, ثم أهل بدر من الأنصار, من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قدر الهجرة والسابقة, أولاً فأول, ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ القرن الذي بعث فيهم كل من صحبه؛ سنة, أو شهراً, أو يوماً, أو ساعة, ورآه فهو من أصحابه, له الصحبة على قدر ما صحبه, وكانت سابقته معه, وسمع منه, ونظر إليه, فأدناهم صحبة أفضل من القرن الذي لم يروه, ولو لقوا الله بجميع الأعمال, كان هؤلاء الذين صحبوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورأوه وسمعوا منه أفضل لصحبتهم من التابعين, ولو عملوا كل أعمال الخير.
*
والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر, ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به, ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين, والغزو ماض مع الإمام إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك, وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماض, ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم, ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة, من دفعها إليهم أجزأت عنه براً كان أو فاجراً.
*وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة باقية تامة ركعتين, من أعادهما فهو مبتدع تارك للآثار, مخالف للسنة, ليس له من فضل الجمعة شيء, إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا برهم وفاجرهم فالسنة بأن يصلي معهم ركعتين وتدين بأنها تامة لا يكن في صدرك من ذلك شيء . ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كانوا اجتمعوا عليه وأقروا بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو الغلبة فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين, وخالف الآثار عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس, فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق.
*وقتال اللصوص والخوارج جائز إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله, فله أن يقاتل عن نفسه وماله, ويدفع عنها بكل ما يقدر, وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم, ولا يتبع آثارهم, ليس لأحد إلا الإمام أو ولاة المسلمين, إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك, وينوي بجهده أن لا يقتل أحداً, فإن مات على يديه في دفعه عن نفسه في المعركة فأبعد الله المقتول, وإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجوت له الشهادة كما جاء في الأحاديث, وجميع الآثار في هذا إنما أمر بقتاله ولم يؤمر بقتله, ولا إتباعه, ولا يجهز عليه إن صرع, أو كان جريحا, وإن أخذه أسيرا فليس له أن يقتله ولا يقيم عليه الحد, ولكن يرفع أمره إلى من ولاه الله فيحكم فيه.
*ولا نشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار, نرجو للصالح, ونخاف عليه, ونخاف على المسيء المذنب, ونرجو له رحمة الله, ومن لقي الله بذنب يجب له النار تائباً غير مصر عليه, فإن الله يتوب عليه, ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات,* ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا فهو كفارته كما جاء في الخبر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, ومن لقيه مصراً غير تائب من الذنوب التي استوجب بها العقوبة, فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له, ومن لقيه كافرا عذبه ولم يغفر له. والرجم حق على من زنا وقد أحصن إذا اعترف أو قامت عليه بينته, وقد رجم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأئمة الراشدون.
*ومن انتقص أحدا من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو بغضه بحدث منه أو ذكر مساويه, كان مبتدعاً حتى يترحم عليهم جميعا ويكون قلبه لهم سليما.
*والنفاق هو الكفر, أن يكفر بالله, ويعبد غيره, ويظهر الإسلام في العلانية, مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ," ثلاث من كن فيه فهو منافق", على التغليظ نرويها كما جاءت ولا نقيسها, وقوله" لا ترجعوا بعدي كفاراً ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض" ومثل:" إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار", ومثل: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر", ومثل:" من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما", ومثل: "كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق" ونحو هذه الأحاديث مما قد صح وحفظ, فإنا نسلم له وإن لم نعلم تفسيرها, ولا نتكلم فيها ولا نجادل فيها, ولا نفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت, لا نردها إلا بأحق منها.
*والجنة والنار مخلوقتان كما جاء عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "دخلت الجنة فرأيت قصراً, ورأيت الكوثر واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها كذا, واطلعت في النار فرأيت كذا وكذا", فمن زعم أنهما لم تخلقا فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار.
* ومن مات من أهل القبلة موحداً يصلى عليه ويستغفر له, ولا يحجب عنه الاستغفار, ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيراً كان أو كبيراً, أمره إلى الله تعالى ." انتهى كلامه ـ رحمه الله ـ.
*
أيها الناس عرفتم مكانة السنة, وأهميتها, فالله الله في تعلم السنة, وتعظيمها, والعمل بمقتضاها, فالسنة كما قال الإمام مالك : " سفينة نوح من ركبها نجا, ومن تخلف عنها غرق", وقال أيضاً: " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".
*والله ـ تعالى ـ لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم, فغيروا ما بأنفسكم بالتمسك بالسنة قولاً وعملاً, يعزكم الله نصراً وتمكيناً, وفوزاً بالجنة.
*
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
*
*
*
*
************************************************** **************************** بقلم
سعد بن فتحي بن سعيد الزعتري
*
*
*
*
*
[1] استفدت هذا الكلام الآتي من كلام الشيخ محمد أمان الجامي في كتابه " رسائل في العقيدة "
27 / 10 / 2007 ه
بسم الله الرحمن الرحيم
*
مفهوم السنة في الدعوة السلفية
*
إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدا عبده ورسوله, أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
أما بعد؛
فإن الله ـ عز وجل ـ أودع في هذا الإنسان العقل الذي يستطيع به أن يميز بين الحق والباطل، و به يستطيع أن يفهم الكلام ومدلولاته، لذلك خاطب الله عز وجل الإنسان بما يفهمه ويدركه, ودلَّه على سؤال أهل العلم فيما لا يدركه ولا يفهمه. ومن الأشياء المهمة التي لم يفهمها أكثر الناس أو فهموها خطأ : مصطلح " السنة "؛ فالسنة لها إطلاقات كثيرة, وتفصيلات متعددة, يجدر بالإنسان أن يقف عليها, وأن يفهمها حتى ينجح في تطبيق أهدافها, ويكون ـ حقاً ـ من أهلها.
*
معنى السنة لغةً واصطلاحاً:
السنة في اللغة: هي الطريقة والسيرة، سواء كانت محمودة أو سيئة، ويشهد لهذا المعنى حديث جرير بن عبد الله البجلي:" من سن سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة" رواه مسلم ( 2 / 704 ). ومعنى الحديث: أي من أتى خصلة حسنة، فله أجرها وأجر من تأسى به وعمل مثل عمله، لأنه الفاتح لباب الخير والدال عليه بعمله؛ وكذلك الحال بالنسبة للسيئة، لأن من أتى بخصلة سيئة، وتأسى به غيره، فعليه وزرها ووزر كل من تأسى به بعده؛ لأنه فاتح لباب الشر وداع إلى الشر, بفعله ومبادرته.
ومن معانيها في اللغة أيضا: حسن الرعاية، والقيام على الشيء، وذلك من قول العرب: "سن الرجل إبله, إذا أحسن رعايتها والقيام عليها". أنظر لسان العرب ( 13 / 220 )
*
السنة في الاصطلاح: لها عدة أوجه في تعريفها, والتعريف الذي نريد أن نبينه للناس هو أن كلمة " السنة " في التشريع إذا جاءت مطلقة غير مقيدة، يعني لم يأت مع هذه الكلمة كلمة أخرى تحدد ماهيتها مثل السنة في الفقه أو السنة في أصول الفقه أو عند المحدثين، فيكون معناها: الهدي الذي كان عليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه, علماً واعتقاداً وقولاً وعملاً وتقريراً.
فالسنة عامة: هي الإسلام, والإسلام هو السنة, ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر.
أما الأوجه الأخرى لتعريف السنة اصطلاحاً:
ـ عند الفقهاء: ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.
ـ عند الأصوليين: ما قاله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, أو فعله أو قرره.
ـ وعند المحدثين: تطلق السنة على ما يقابل البدعة، فيقال: فلان على السنة إذا كان عمله***** وتصرفاته الدينية وفق ما جاء به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، كما يقال: فلان على بدعة، إذا كان مخالفا لهديه وسنته ـ عليه الصلاة والسلام ـ.
ـ وتطلق السنة أيضاً على أعمال الصحابة وخاصة الخلفاء الأربعة كما جاء في الحديث:" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي....". صحيح سنن ابن ماجه ( 1 / 13 )
قال النووي ـ رحمه الله ـ: ( السنة): سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصلها الطريقة, وتطلق سنته ـ صلى الله عليه وسلم* ـ على الأحاديث المروية عنه".تهذيب الأسماء واللغات (2/151)
*
والخطأ الذي يقع فيه عامة الناس أننا إذا قلنا لهم: هذه سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ, أو تمسكوا بالسنة, أو قلنا: اللحية سنة, والصلاة جماعة في المساجد سنة, أو اتبعوا السنة, فهموا معنى السنة أي العمل المندوب* الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. وهذا الفهم مردود؛ لأننا قررنا أن السنة إذا أطلقت فتشمل الدين أو ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ما هو فرض ومنه ما هو مستحب ومنه ما هو مكروه ومنه ما هو مما حرمه.
فالسنة إذا صنو القرآن.، وهي وحي من عند الله. ويشهد لذلك القرآن الكريم نفسه, إذ يقول الله تعالى في حق نبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ:" وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)".[ سورة النجم ]
*
*
*
مما سبق يتبين أن السنة تطلق على أربعة اطلاقات:
الأول: أن كل ما جاء في الكتاب والسنة هو سنته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وهي طريقته التي كان عليها صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله" فمن رغب عن سنتي فليس مني" متفق عليه.
الثاني: أن السنة بمعنى الحديث، وذلك إذا عطفت على الكتاب، ومنه قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدها كتاب الله وسنتي" . صحيح الجامع (2937)
الثالث: أن السنة تطلق مقابل البدعة, ومنه قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين...وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة".
الرابع: أن السنة تطلق بمعنى المندوب أو المستحب، وهو ما جاء الأمر به على سبيل الاستحباب، لا على سبيل الإيجاب، وهذا الإطلاق للفقهاء, ومن أمثلته قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ".رواه مسلم ( 1 / 220 )
*
مكانة السنة في الإسلام:
ورد في القرآن الكريم وفي أحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الأدلة الكثيرة التي فيها الحث على السنة وبيان مكانتها:
*(أ ) الأدلة من القرآن الكريم:
1-***** قال تعالى: " وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً "[النساء : 115] , وسبيل المؤمنين لا شك أنه سبيل الصحابة ومن تبعهم بإحسان ، وعليه فإنه سبيل أهل السنة. وحيث تقرر أن من اتبع غير سبيلهم ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم ، فإن إتباع سبيلهم ـ وهو السنة ـ متعين بأمره ـ تعالى ـ.
2-***** وقال تعالى: " وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)".[ سورة النجم ]
3-***** وقوله تعالى : " وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ". *[النحل : 44] "
4-***** وقوله ـ سبحانه ـ: " َمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ". [الحشر : 7]
5-***** وقوله ـ سبحانه ـ: " قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ". [آل عمران : 31]
6-***** وقوله ـ تعالى ـ " فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيما". [النساء : 65]
7-***** وقوله ـ عز وجل ـ : " فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ". [النور : 63]
*
*
( ب ) الأدلة من السنة الشريفة:
1-***** عن أبي رافع مولى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: قال رسول الله* ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه". صحيح سنن ابن ماجه ( 1 / 7 )
2-***** عن المقدام بن معد يكرب أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال :" ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول : عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله " المصدر السابق.
3-***** وعن العرباض بن سارية أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: " أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". تقدم تخريجه.
4-***** عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله" .متفق عليه
*
كلام السلف في مكانة السنة، وثبوت حجيتها:
1- عن الحسن البصري أن عمران بن الحصين كان جالسا ومعه أصحابه فقال رجل من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن، قال: فقال له أدن فدنا، فقال:" أرأيت لو وُكلت أنت وأصحابك إلى القرآن أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعا, وصلاة العصر أربعاً, والمغرب ثلاثاً تقرأ في اثنتين؟ أرأيت لو وُكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد الطواف سبعاً، والطواف بالصفا والمروة؟ ثم قال: أي قوم خذوا عنا فإنكم والله إن لا تفعلوا لتضلن". أخرجه الخطيب في الكفاية ص 48.
2- عن محمد بن كثير عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية قال: "كان جبريل ينزل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن" رواه الدارمي في سننه ( 1 / 153 ) وصحح إسناده الشيخ الألباني مرسلاً. انظر تحقيقه لكتاب الإيمان لابن تيمية ( 1 / 3 ).
3- وعن الأوزاعي قال: قال أيوب السختياني: " إذا حدثت الرجل بالسنة فقال: دعنا من هذا وحدثنا من القرآن، فاعلم أنه ضال مضل". أخرجه الخطيب في الكفاية ص 49
4- وعن أيوب السختياني: أن رجلا قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير: لا تحدثونا إلا بما في القرآن، فقال له مطرف:" إنا والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا". أي نريد السنة المفسرة للقرآن. انظر الموافقات للشاطبي ( 4 / 26 ).
5- وعن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير وغيرهم: " القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب، والسنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضيا على السنة". رواه الدارمي في سننه ( 1 / 153 ) بإسناد جيد, ورواه الخطيب في الكفاية ص14.
6- قال الفضل بن زياد:" سمعت أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل. وسئل عن الحديث الذي روى أن السنة قاضية على الكتاب فقال: ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكن السنة تفسر الكتاب، وتعرف الكتاب وتبينه " رواه الخطيب في الكفاية ص15.
7- قال الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ: وسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ثلاثة أوجه:
- أحدهم: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فسنّ رسول الله بمثل نص الكتاب.
- والثاني: ما أنزل فيه جملة كتاب، فبين رسول الله عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها عاما أو خاصا، وكيف أراد أن يأتي به العباد.
- والثالث: ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ليس فيه نص كتاب، فمنهم من قال: جعله الله له بما افترض من طاعته، وسبق علمه من توفيقه له، ورضاه أن يسن فيما ليس نص كتاب، ومنهم من قال لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب؛ كتبيين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرضها, وكذلك ما سن في البيوع وغيرها من الشرائع، لأن الله ـ تعالى ذكره ـ قال: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً". [النساء : 29]. وقال:"وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا " [البقرة : 275]. فما أحلّ وحرّم، فإنّما بيّن فيه عن الله، كما بيّن في الصلاة؛ ومنهم من قال: بل جاءته به من رسالة الله، فأثبتت سنته بفرض الله تعالى"ا.ه .انظر مفتاح الجنة للسيوطي, ص14 مطبعة الجامعة الإسلامية.
8- قال ابن القيم: " وقد صنف الإمام أحمد كتاباً في طاعة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ, رد فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضته سنن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وترك الاحتجاج بها، فقال في أثناء خطبته: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه بالهدى والنور لمن تبعه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب، فكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو المعبر عن كتاب الله، الدال على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله لنبيه واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا هم أعلم الناس برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبما أراد الله من كتابه بمشاهدتهم, وما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال جابر: ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أظهرنا، عليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله وما عمل به من شيء عملنا به". انظر إعلام الموقعين ( 2 / 290 ).
*
نتبين من هذا الاستعراض لنصوص أهل العلم أن الأمة ما زالت ولن تزال متفقة على أن السنة النبوية يجب أن يكون لها مقام معلوم في بيان الأحكام، وأنها حجة قائمة بنفسها، وأنه يجب الرجوع إليها، وأنها بيان للقرآن, وتفسير له, ومفصلة ما أجمل منه. وهذه المعاني كلها محل إجماع عند السلف ـ رحمهم الله ـ, ولم يشذ عنهم إلا أهل البدع.
*
وجوب الرجوع إلى السنة لفهم الأحكام[1]:
إن للسنة دورا هاما لا يستهان به في بيان الأحكام المجملة في القرآن الكريم وهي التي تقيد المطلق، وتخصص العام، وتبين الناسخ والمنسوخ. وإذا أردنا أن نسوق أمثلة للأحكام التي أجملت في القرآن، وبينتها السنة وفصلتها، وأمثلة أخرى للأحكام التي انفردت بها السنة ولا وجود لها في القرآن، لوجدنا الشيء الكثير في مختلف أبواب العبادات والمعاملات والحدود وغيرها.
في باب الطهارة
من الأحكام التي وردت في القرآن مجملة، وزادتها السنة بياناً وتوضيحاً, الوضوء والتيمم. يقول الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة : 6]
حيث جاءت السنة بالبيان التالي:
1.إذا أخذ المتوضئ في الوضوء، يغسل كفيه ثلاث مرات، ثم يستنشق ويستنثر، ويتمضمض ثلاث مرات.
2.بينت السنة بأنه يجوز للمتوضئ أن يغسل الأعضاء المغسولة مرة مرة، أو مرتين مرتين, أو ثلاث مرات، وهو الأكمل، كما يجوز له أن يغسل بعضها مرة, وبعضها مرتين, وبعضها ثلاثاً.
3.بينت السنة الفعلية أن الرأس يمسح مرة واحدة, بكيفية معينة, بأن يبدأ من مقدم رأسه بيديه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى حيث بدأ مرة واحدة لا يكرر مسح الرأس، وكذلك الأذنان لا يكرر مسحهما. ولا يجب أن يأخذ لأذنيه ماءً جديداً، بل يمسحهما مع الرأس وبالماء الذي أخذه للرأس. هذه صفة الوضوء على ضوء الكتاب والسنة معاً.
أما التيمم:
فقد بين القرآن الكريم أن التيمم إنما هو في الوجه واليدين, فيبقى أن نعرف حد اليد هنا، هل هي في التيمم مثلها في الوضوء فيمسحهما إلى المرفقين؟هل بضربة واحدة أم بضربتين؟ تجيب السنة الصحيحة على هذين السؤالين ولا جواب إلا في السنة، إذ ثبت فيها أن التيمم بضربة واحدة. كما ثبت فيها أن حد اليدين هنا إلى مفصل الكف، هذا وقد استطردت الآية الكريمة التي تحدثت عن الوضوء والتيمم، إلى حكم آخر بالمناسبة وهو الطهارة من الجنابة حيث قالت:" وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ ". [المائدة : 6]. هكذا أجملت الآية هذه الطهارة فبينت السنة أنها بالماء إذا تيسر على الوجه التالي: يغسل أطرافه وما أصابه من القذر، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، فيغسل رأسه, ثم يعمم بدنه بالماء, مع تخليل الشعر الكثيف, ليصل الماء إلى أصول الشعر، هذا إذا كان الماء متيسراً، أما إذا تعذر الماء أو عند العجز عن استعماله، فيكفيه الصعيد الطيب، بأن يضرب الأرض بيديه، ويمسح وجهه وكفيه مرة واحدة وكفى، هذا هو البيان الذي سجلته السنة في هذه المسألة.
*
الصلاة:
إن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ورد ذكرها في القرآن هكذا " وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ " فكيف إقامتها؟ فالسنة وحدها هي التي تجيب على هذا السؤال الهام.
فقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " صلوا كما رأيتموني أصلي", أي صلوا بالكيفية التي أصلي بها. ففصلت السنة هذه الكيفية حيث نبدأ بتكبيرة الإحرام إشعاراً بدخول الصلاة, ثم قراءة الفاتحة, ثم الركوع, والرفع منه, ثم السجدتين, والجلوس بينهما, ثم التشهد والتسليم، ثم بينت السنة أن الصلاة فرضت خمس مرات في اليوم والليلة, وبينت وقت بدء وانتهاء كل صلاة وعدد ركعاتها، فصلاة الصبح ركعتان، والظهر أربعاً ، والعصر كذلك، والمغرب ثلاثاً، والعشاء أربعاً, مع بيان موضع السرّ والجهر بالقراءة فيها، والأماكن التي يجوز ولا يجوز فيها الصلاة وبأي هيئة، مع بيان شروطها, وواجباتها, وسننها, ومستحباتها. كل هذا تفصيله في السنة، وإني أنصح في هذه المناسبة بالرجوع إلى كتاب "صفة صلاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها"، للشيخ العلامة الحبر الفهامة محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله تعالى ـ, فقد بين جزاه الله خيراً كيفية صلاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالأدلة الصحيحة.
الزكاة:
إن الزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام, وكثيراً ما يقرن الله ذكرها مع الصلاة, قال الله تعالى:" وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ "، وقال تعالى " وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ " فتولت السنة بيان الأموال التي تجب فيها الزكاة وبيان الأنصبة، والمقدار المأخوذ من كل نصاب، فالأنعام له أنصبة خاصة بها، والزروع كذلك، وغيرهما من الأموال كالذهب والفضة.
كما بينت السنة نوعاً من الزكاة يسمى بزكاة الفطر أو صدقة الفطر، تؤدى في نهاية رمضان للمستحقين، وهي صاع من تمر, أو صاع من شعير, أو صاع من طعام ...الخ.
الصيام:
*قد تناول القرآن هذا الركن بنوع من التفصيل في قوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة : 183] وقال في البيان نفسه " وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة : 187].******** وبعد هذا التفصيل القرآني، تبقى هناك أحكام وردت بها السنة، وانفردت بها، منها: حكم من واقع امرأته في نهار رمضان وهو صائم, وهل صيامه صحيح أم باطل؟
وقد بينت السنة كفارة الذي واقع امرأته في نهار رمضان بأن يعتق رقبة, فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين, فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا. كما بينت أن الذي أكل أو شرب ناسياً في رمضان فعليه أن يتم صيامه؛ فإن الله هو الذي أطعمه وسقاه، والسنة تنص على أن الذي لا يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه.
الحج:
يقول تعالى:" وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ" [آل عمران : 97] . وقد ذكرت آيات عدة* بعض أحكام الحج في سورة البقرة، كالإفاضة في عرفة، وذِكر الله عند المشعر الحرام، وحكم من تعجل في يومين ومن تأخر إلى اليوم الثالث، والطواف بالبيت العتيق، وغير ذلك، فتولت السنة بيان بقية الأحكام التي لم يرد ذكرها في القرآن، وهي أحكام كثيرة جداً، حيث وردت أحاديث صحاح في مقدمتها حديث جابر بن عبد الله المعروف الذي شرح بوضوح صفة حجة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وقد ألف كثير من أهل العلم على ضوئه رسائل وكتابات في مناسك الحج, بعد أن ضموا إليه أحاديث أخرى اشتملت على أحكام لا يستغنى عنها، وهذا الباب من أبواب التي استفاضت فيها السنة بالبيان والتوضيح؛ قولية أو فعلية، فبالسنة نعرف كيف نحرم, وما الذي يحرم علينا بالإحرام ,وكيف نطوف ونسعى, ومن أين نبدأ وإلى أين ننتهي؟ وأين نقف يوم عرفة، وكيف ومتى؟ إلى آخر أعمال الحج.
البيوع:
إن السنن التي وردت لبيان الأحكام المجملة في القرآن، أو التي انفردت بأحكام لم ترد في القرآن، ليست تنحصر في أبواب العبادات فحسب، بل للسنة دورها المعروف في جميع المباحث الفقهية من المعاملات والجنايات والحدود، ففي البيوع نجد الآية الكريمة تقول:" وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ". فإذا راجعنا السنة الصحيحة نجد أنواعا من البيوع المنهي عنها بالسنة المطهرة منها:
1.بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سوم أخيه.
2.بيع النجش, وهو: إغراء الغير على الشراء بالزيادة الكاذبة.
3.بيع الملامسة: وهو أن يلمس الرجل الثوب فيلزمه البيع بلمسه ولم يبينه.
4.بيع المنابذة: وهو أن ينبذ أحدهما ثوبا إلى الآخر وينبذ الآخر ثوبه إليه فيجب البيع بذلك.
5.وبيع الحصاة: وصفته أن تكون بيده حصاة, فيقول إذا سقطت من يدي فقد وجب البيع.
6.وبيع المزابنة : وهي بيع الرطب في رءوس النخل بالتمر إلا في العرايا, وهو بيع الرطب في رءوس النخل خرصاً بمثله من التمر كيلاً فيما دون خمسة أوسق, لمن به حاجة إلى أكل الرطب ولا ثمن معه.
7.بيع الشاة المصراة : و التصرية جمع اللبن في الضرع, وهي حرام إذا أراد البائع بذلك التدليس على المشتري.
8.و منها تلقي الركبان: بأن يتلقى شخص طائفة يحملون متاعاً ـ طعاماً أو غيره ـ* إلى البلد, فيشتريه منهم قبل قدومهم البلد, ومعرفتهم بالسعر, فيعصي بالشراء.
وغيرها كثيرة ومعروفة في مواضعها في كتب السنة وكتب الفقه، من البيوع المشتملة على الغرر والجهالة، وكلها محرمة بالسنة، كما وردت في السنة في هذا الباب أحكام أخرى كثيرة، مثل خيار المجلس، وخيار الشرط, وغيرهما من الأحكام.
الحدود:
هناك أمثلة كثيرة لبيان السنة لأحكام الحدود منها: حد السرقة, يقول الله ـ تعالى ـ في بيان هذا الحد في كتابه العزيز " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [المائدة : 38]. فلإقامة هذا الحد الذي أمرنا بإقامته، نحتاج إلى معرفة أمرين اثنين:
أ- ما هو المقدار الذي إذا أخذه السارق تقطع يده؟ أي ما هو نصاب السرقة، فبينت السنة ذلك، إذ يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ :" لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا". رواه مسلم ( 3 / 1311 )
ب- ما حد اليد؟ هل هي من المنكب؟ هل هي من المرفق؟ أو هي من مفصل الكف؟ والسنة الفعلية هي التي تجيب على هذه التساؤلات، إذ كانوا يقطعون من مفصل الكف. هذا ولو أردنا أن نسرد الأحكام التي أجملت في القرآن وبينتها السنة أو الأحكام التي انفردت بها السنة في جميع الأبواب الفقهية لاحتاج المقام إلى سِفْر، فهذه إشارة كافية لمعرفة مكانة السنة، ومنزلتها في التشريع الاسلامي.*
*
عناية الصحابة بالسنة:
يقول تعالى:" لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً " [الأحزاب : 21] , قال ابن كثير رحمه الله:" هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أقواله وأفعاله وأحواله." انتهى.
لذلك كان الصحابة رضوان الله عليهم من أشد الناس حباً له ـ عليه الصلاة والسلام ـ. ومن أبلغ الناس في الاقتداء به ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكانوا يفعلون ما يفعل، ويتركون ما يترك, دون أن يعلموا لذلك سبباً، أو يسألوه عن حكمه هل هو مندوب أو واجب أو مباح. أخرج البخاري عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال:" اتخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاتما من ذهب، فاتخذ الناس خواتيم من ذهب، ثم نبذه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ. وقال: إني لن ألبسه أبدا، فنبذ الناس خواتيمهم".
وأخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال: " بينما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلاته قال: ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"إن جبريل عليه السلام أتاني فأخبرني أن فيها قذراً، أو قال:: أذى" صحيح أبي داود ( 1 / 128 ).
ولقد بلغ حرصهم على تتبعهم لأقواله وأعماله أن كان بعضهم يتناوبون ملازمة مجلسه يوماً بعد يوم، فهذا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول فيما أخرجه البخاري ( 1 / 46 ) : " كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد – وهي من عوالي المدينة- وكنا نتناوب النزول على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم، وإذا نزل فعل مثل ذلك".
كما كانت القبائل النائية ترسل إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعض أفرادها، ليتعلموا أحكام الإسلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرجعون إليهم معلمين مرشدين، بل كان الصحابي يقطع المسافات الشاسعة ليسأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن مسألة نازلة أو حكم شرعي, فقد أخرج البخاري في صحيحه ( 1 / 45 ) عن عقبة بن الحارث, " أن امرأة أخبرته بأنها أرضعته وزوجته، فركب من فوره -وكان بمكة- قاصدا المدينة حتى بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فسأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع، ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: كيف وقد قيل" .
وكذلك كان من عادتهم أن يسألوا زوجات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما يتعلق بشؤون الرجل مع زوجته لعلمهن بذلك.كما كانت النساء تذهب إلى زوجات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليسألنهن عن أمور دينهن، وأحيانا يسألن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما يشأن السؤال عنه من أمورهن، فإذا كان هنالك ما يمنع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من التصريح للمرأة بالحكم الشرعي أمر إحدى زوجاته أن تفهمها إياه, كما في حديث عائشة - رضي الله عنها- في كيفية التطهر من الحيض.
هكذا كانت عناية خير القرون ـ رضوان الله عليهم ـ بالسنة المطهرة في حياته ـ صلى الله عليه وسلم ـ، اقتداءً تاماً به ووقوفاً عند حدود أمره ونهيه، وتسليماً كاملا لحكمه، والتزاماً دقيقا بهديه، وحرصاً شديداً على تعلم سنته. أما بعد وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإننا نجدهم- رضي الله عنهم- يسلكون مجالات أخرى للعناية بسنته، من ذلك حفظها والتثبت من ذلك, حتى كان أحدهم يرحل في الحديث الواحد مسافة شهر ليتثبت من حفظه، وكذلك كتابتها في الصحف والأجزاء، ثم نشرها بين الناس.
لقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ:" بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" البخاري ( 3 / 1275 ) . وقال:" نضر الله امرءاً سمع مقالتي ووعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع" صحيح ابن ماجه ( 1 / 44 ). وقال:" من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" متفق عليه. وقال" كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" رواه مسلم ( 1 / 10 ). وقال:" من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين" صحيح ابن ماجه ( 1 / 13 ).*
*لقد استشعر الصحابة بعد وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ عظم المسؤولية الملقاة على عواتقهم لحفظ الشريعة - كتابا وسنة- وتطبيقها، ثم تبليغها إلى الأمة أداء للأمانة التي اختيروا لها كما أداها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليهم. وقد كانوا خير من حمل هذه الأمانة وخير من أداها بعد نبي الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, فكانوا لا يحدثون بشيء إلا وهم واثقون من صحته عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ولا يقبلون من الأخبار إلا ما عرفوا صحته وثبوته. وهذه نماذج من أقوالهم ومواقفهم في ذلك:
1.عن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: " لولا أني أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أو قالها رسول الله ، وذلك أني سمعته يقول:" من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".رواه الدارمي في سننه (1/67) بسند صحيح.
2.وعن ابن سيرين قال:" كان أنس قليل الحديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, وكان إذا حدث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : "أو كما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ".صحيح ابن ماجة ( 1 / 10 ).
3.وعن الشعبي قال" جالست ابن عمر سنة, فلم أسمعه يذكر حديثا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ" . صحيح ابن ماجة ( 1 / 10 ).
4.وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى:" أدركت مائة وعشرون من الأنصار من أصحاب محمد** ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما منهم أحد حدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه، ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه إياه" وفي رواية:" يسأل أحدهم المسألة فيردها هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول".انظر جامع بيان العلم وفضله (2/163).
5.وعن السائب بن يزيد قال:" خرجت مع سعد إلى مكة فما سمعته يحدث حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رجعنا إلى المدينة" رواه الدارمي في سننه (1/96) بسند صحيح.
6.وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:" قلنا لزيد بن أرقم حدثنا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقال: كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ شديد". صحيح ابن ماجة ( 1 / 11 ).
ولا يفهم من هذا أنهم كانوا يخفون شيئاً من حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ, بل رووا كل أحاديثه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وإذا سئلوا عن شيء من السنة أجابوا عنه, وإذا اقتضى المقام ذكر أحاديثه ذكروها، وإذا رأوا بدعة أو منكراً ردوها بأحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، لكن لشدة ورعهم وخوفهم من الوقوع في الكذب على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ, كانوا لا يتحدثون ابتداءً, ولكن إذا دعت الحاجة تكلموا, وإلا التزموا الصمت, ولم يباشروا بالحديث هكذا ترسلاً, حتى لا يقعوا في الخطأ, رضي الله عنهم وأرضاهم.
*
الرحلة في طلب السنة:
لقد اهتم السلف أيما اهتمام في جمع السنة وحفظها وتدوينها في كتبهم، وذلك عن طريق الرحلة في طلب السنة، فقد بذلوا من أجل جمع السنة كل ما في وسعهم، حتى رحلوا المسافات البعيدة مع عظم المشقة؛ طلباً للسنة وطلباً لحديث الصادق المصدوق ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وذلك امتثالاً لقوله ـ تعالى ـ:" وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" [التوبة : 122] .
وقوله صلى الله عليه وسلم:" من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة". رواه مسلم ( 4 / 2074 )
قال إبراهيم بن أدهم ـ رحمه الله ـ:" إن الله يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث" علوم الحديث لابن الصلاح(ص222)
والأصل في ذلك رحلة نبي الله وكليمه موسى عليه السلام إلى الخضر، وقد قصها الله علينا في سورة الكهف. وبدأت الرحلة في الإسلام برحلة تلك الوفود من القبائل التي كانت تفد على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أنحاء الجزيرة العربية، تبايعه على الإسلام وتتعلم منه ما جاء به من الوحي كتاباً وسنة. ثم اهتم الصحابة بذلك بعد وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما تفرقوا في الأمصار بعد الفتوحات، فرحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس في الشام واستغرق شهرا ليسمع منه حديثا واحدا لم يبق أحد يحفظه غير ابن أنيس."
ورحل أبو أيوب الأنصاري إلى عقبة بن عامر بمصر، فلما لقيه قال: حدثنا ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ستر المسلم، لم يبق أحد سمعه غيري وغيرك، فلما حدثه ركب أبو أيوب راحلته وانصرف عائداً إلى المدينة, ولم يحل رحله". الخطيب البغدادي في الرحلة(ص188).
وقد استمرت الرحلة في جيل التابعين حيث تفرق الصحابة في الأمصار بعد الفتوحات. قال سعيد بن المسيب سيد التابعين:" إن كنت لأسير في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام". الجامع لابن عبد البر(1/94)
وقال بسر بن عبد الله الحضرمي:" إن كنت لأركب إلى مصر من الأمصار في الحديث الواحد لأسمعه"، وقال عامر الشعبي:" لم يكن أحد من أصحاب عبد الله بن مسعود أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق". المصدر السابق.
وحدث الشعبي رجلا بحديث ثم قال له:" أعطيناكها بغير شيء، قد كان يُركب فيما دونها إلى المدينة".الخطيب في الكفاية ص402.
*وعن أبي العالية الرياحي قال:" كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله* ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلم نرض حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم".أخرجه الدارمي في سننه ( 1 / 149 ) بسند صحيح .
*
من هم أعداء السنة:
على الرغم من الأدلة الصريحة والصحيحة في حجية السنة, وأنها من وحي الله، وأنها الموضحة والمفسرة والشارحة للقرآن، فالطعن فيها طعن في القرآن، والطعن فيهما تحريف لدين الإسلام...على الرغم من كل ذلك، لم تسلم السنة من تهجم أصحاب الأهواء عليها، خاصة غلاة الشيعة من الروافض والزنادقة، حيث زعمت الرافضة وجوب الاستغناء بالقرآن عن السنة في أصول الدين وفروعه, والأحكام الشرعية؛ لأن الأحاديث في زعمهم رواية قوم كفار، وذلك لأنهم كانوا يعتقدون أن النبوة إنما كانت لعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ، وأن جبريل عليه السلام أخطأ فنزل بها إلى محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ بدل أن ينزل بها إلى علي. ومنهم من يقر للنبي عليه الصلاة والسلام بالنبوة لكنه يقول: إن الخلافة كانت حقا لعلي ـ رضي الله عنه ـ، فلما عدل بها الصحابة إلى أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ، كفروا بذلك في زعمهم، فبنوا على ذلك رد الأحاديث كلها، ثم أطلق أتباع هؤلاء من المتأخرين على أنفسهم بأنهم (القرآنيون) أي العاملون بالقرآن المستغنون به عن السنة، وإني لأعجب من هذا الرد للسنة والأخذ بالقرآن مع أن الذي نقل السنة هو الذي نقل القرآن!
قال السيوطي رحمه الله (مفتاح الجنة ص6):ـ مستهجنا ومستقبحا لقاعدتهم هذه ـ:" ما كنت أستحل حكايتها لولا ما دعت له الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد ، الذي كان الناس في راحة منه من أعصار" إلى أن قال:" وقد كان أهل هذا الرأي موجودين بكثرة في زمن الأئمة الأربعة، وتصدى الأئمة وأصحابهم للرد عليهم في دروسهم, ومناظراتهم, وتصنيفاتهم".
وقال أيضا: قال البيهقي:" باب: بيان بطلان ما يحتج به بعض من رد السنة، من الأخبار التي رواها بعض الضعفاء في عرض السنة على القرآن. قال الشافعي -رحمه الله- :" احتج علي بعض من رد الأخبار( أي أحاديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ) بما روي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:" ما جاءكم عني فاعرضوه على الكتاب، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فأنا لم أقله" فقلت له: ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير, وإنما هي رواية منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء" ا.هـ.
قال الذهبي في تذكرة الحفاظ (1/273):" أتي الخليفة هارون الرشيد بأحد الزنادقة ليقتله، فقال الزنديق: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ فقال الرشيد: فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري، وابن المبارك, ينخلانها فيخرجانها حرفاً حرفاً ".
لقد تنوعت ردود الأعداء للسنة النبوية بمجرد العقل إلى عدة أنواع: فمنهم من ردها مطلقاً، وقد مرّ ذكرهم حيث يزعمون أنهم هم أهل القرآن أو "القرآنيون" حيث لا يأخذون إلا بما في القرآن، ولا يأخذون شيئا من السنة. ومنهم من رد السنة عن طريق رد خبر الآحاد، ومنهم من ردها تعصباً وتقديساً للمذاهب ولآراء الرجال.
*
رد السنة الثابتة بدعوى خبر الآحاد:
لم يكن هناك خلاف بين أحد من السلف في القرون الثلاثة المفضلة في وجوب العمل بالسنة دون تفريق بين ما سمي فيما بعد بخبر الآحاد وما سمي بالمتواتر، ولا ما يسمى بأصول الدين وفروعه, فكلها تقسيمات محدثة مبتدعة. انظر مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم ( 2 / 413 ).
*فهذا القول لم يظهر إلا على يد المبتدعة وأهل الأهواء والمتهمين في دينهم من جهمية أو معتزلة أو متكلمين، وأغلب رؤساء هذه الطوائف إما متهم بالزندقة, أو بأخذ آرائه ومعتقداته من أعداء الإسلام، وحقيقة هذا القول هو رد للسنة بمجرد العقل أو الهوى، لأنهم جوزوا عقلا أن يكذب راويه أو يغلط، وهم أيضا يؤولون المتواتر, أو يفوضونه, لمجرد مخالفته لعقولهم التي هي مختلفة ومتناقضة وقاصرة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في معرض الرد على أهل هذا الرأي من معاصريه: " وعذرهم أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يجدونه من كلام ابن الحاجب، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى سيف الآمدي، وإلى ابن الخطيب الرازي, فإن علا سندهم صعدوا إلى الغزالي والجويني والباقلاني، وإلا فالسلف مجمعون على قبول خبر الآحاد, والعمل به, دون تفريق بينه وبين غيره". ذكره ابن القيم عن شيخه في مختصر الصواعق ( 2 / 412 )
إن انتشار القول برد خبر الآحاد كان في القرن الخامس وما بعده، وهي الفترة الزمنية التي سيطر فيها علم الكلام ومنطق اليونان على العلوم الإسلامية, وعلى كثير من علماء الأمة في تلك الفترة من الزمن، فأفسد ذلك المنطق وعلم الكلام أغلب العلوم الإسلامية، ولا أدل على ذلك من أن الوقت الذي سيطر فيه علم المنطق وعلم الكلام على الأمة هو وقت انتشار البدع والتصوف، وهو وقت جمود الأمة الإسلامية علمياً ـ إلا من رحم الله ـ ، ولم تستيقظ الأمة من ذلك الركود والجمود إلا على يد تلك المدرسة السلفية السائرة على منهج أهل السنة والجماعة- أهل القرون المفضلة- تلك هي مدرسة شيخ الإسلام* ابن تيمية وتلاميذه.
*
التعصب المذهبي في ميزان السنة
إن التعصب للمذاهب هو الذي حال بين كثير من المسلمين وبين فهم السنة كما يجب، وهو من أسباب تفرق المسلمين وتشتتهم، وبالتالي فهو من أسباب تخلف المسلمين وتسلط أعدائهم عليهم، لأنهم خالفوا كتاب ربهم، الذي هو عزهم، وهو يناديهم بقوله :" وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ " [آل عمران : 103], حتى أصبحت الأمة الواحدة كأصحاب ملل مختلفة، كل حزب بما لديهم فرحون.
إن هذا التعصب المذموم للمذاهب جاء نتيجة عدم فهم الإسلام حق الفهم، فأخذ الأحكام متوقف على معرفة الدليل من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة, ولم يتوقف على آراء الرجال بدون أدلة لهذه الآراء. إن أئمة المذاهب حاربوا هذا التعصب وحذروا منه أتباعهم وطلابهم, فكلهم قالوا: إذا خالف الحديث مذهبي فاضربوا به عرض الحائط. وقال الإمام أحمد: لا تقلد مالكاً, ولا الشافعي, ولا من قبلهم ، ولكن خذ من حيث أخذوا.
وهكذا واصل أئمة الإسلام التحذير من أضرار التعصب المذهبي، وإعراض كثير من الناس بسببه عن الكتاب والسنة، والاستغناء عنهما بالآراء. قال ابن القيم في الفوائد ص48:" لما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة، والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، ، وعدلوا إلى الآراء والقياس، والاستحسان وأقوال المشايخ، عرض لهم من ذلك فساد فطرهم، وظلمة في قلوبهم وكور في أفهامهم، ومحق في عقولهم، وعمّتهم هذه الأمور، وغلبت عليهم حتى ربى فيها الصغير وهرم عليها الكبير، فلم يروها منكراً، فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن، والنفس مقام العقل, والهوى مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم, والرياء مقام الإخلاص... فإذا رأيت دولة هؤلاء قد أقبلت، ورأيتها قد نصبت وجيوشها قد ركبت، فبطن الأرض –والله- خير من ظهرها، وقلل الجبال خير من السهول, ومخالطة الوحوش أسلم من من مخالطة الناس...الخ" .
ثم نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في وصف هؤلاء, حيث قال:" إنهم طافوا على أبواب المذاهب، ففازوا بأخس المطالب، ويكفيك دليلا على أن هذا الذي عندهم ليس من عند الله ما ترى من التناقض والاختلاف، ومصادمة بعضه لبعض " أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً" [النساء : 82].* وكيف تكون الآراء والخيالات وسوانح الأفكار دينا يدان به، ويحكم به على الله ورسوله؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، وقد كان علم الصحابة الذي يتذاكرون فيه، غير علوم هؤلاء المتخلفين الخراصين، كما حكى الحاكم في ترجمة أبي عبد الله البخاري قال:" كان أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا اجتمعوا إنما يتذاكرون كتاب ربهم وسنة نبيهم، ليس بينهم رأي ولا قياس"أ.هـ.*
أصول السنة النبوية:
قال الإمام أحمد رحمه الله:
أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, والاقتداء بهم, وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة, وترك الخصومات في الدين. والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن, وليس في السنة قياس ولا تضرب لها الأمثال, ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء؛ إنما هو الإتباع وترك الهوى, ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقبلها ويؤمن بها, لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره, والتصديق بالأحاديث فيه, والإيمان بها لا يقال: لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق والإيمان بها, ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله, فقد كفي ذلك وأحكم له, فعليه الإيمان به والتسليم, مثل حديث الصادق المصدوق, ومثل ما كان مثله في القدر ومثل أحاديث الرؤية كلها, وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع, وإنما عليه الإيمان بها وأن لا يرد منها حرفاً واحداً, وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات. وأن لا يخاصم أحداً ولا يناظره, ولا يتعلم الجدال, فإن الكلام في القدر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه, ومنهي عنه لا يكون صاحبه ـ وإن أصاب بكلامه السنة ـ من أهل السنة حتى يدع الجدال ويؤمن بالآثار.
والقرآن كلام الله وليس بمخلوق, ولا يصف ولا يصح أن يقول ليس بمخلوق, قال: فإن كلام الله ليس ببائن منه, وليس منه شيء مخلوقاً, وإياك ومناظرة من أخذل فيه, ومن قال باللفظ وغيره, ومن وقف فيه فقال: لا أدري مخلوق أو ليس بمخلوق, وإنما هو كلام الله, فهذا صاحب بدعة, مثل من قال: هو مخلوق, وإنما هو كلام الله ليس بمخلوق.
*والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأحاديث الصحاح. وأن النبي قد رأى ربه فإنه مأثور عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ صحيح, رواه قتادة عن عكرمة عن ابن عباس, ورواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس, ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس, والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي *ـ صلى الله عليه وسلم ـ, والكلام فيه بدعة, ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره, ولا نناظر فيه أحدا.
*والإيمان بالميزان يوم القيامة كما جاء, يوزن العبد يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة. ويوزن أعمال العباد كما جاء في الأثر, والإيمان به, والتصديق به, والإعراض عن من رد ذلك وترك مجادلته, وأن الله تعالى يكلمه العباد يوم القيامة ليس بينهم وبينه ترجمان, والتصديق به, والإيمان بالحوض, وأن لرسول الله حوضاً يوم القيامة يرد عليه أمته, عرضه مثل طوله: مسيرة شهر, آنيته كعدد نجوم السماء على ما صحت به الأخبار من غير وجه.
*والإيمان بعذاب القبر, *وأن هذه الأمة تفتتن في قبورها, وتسأل عن الإيمان والإسلام ومن ربه ومن نبيه, ويأتيه منكر ونكير كيف شاء وكيف أراد, والإيمان به والتصديق به. والإيمان بشفاعة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ, وبقوم يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحماً, فيؤمر بهم إلى نهر على باب الجنة ـ كما جاء الأثر ـ كيف شاء وكما شاء, إنما هو الإيمان به والتصديق به. والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه كافر, والأحاديث التي جاءت فيه, والإيمان بأن ذلك كائن. وأن عيسى بن مريم ـ عليه السلام ـ ينزل فيقتله بباب لد.
*والإيمان قول وعمل, يزيد وينقص كما جاء في الخبر:" أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا". ومن ترك الصلاة فقد كفر, وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة, من تركها فهو كافر وقد أحل الله قتله.
وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق, ثم عمر بن الخطاب, ثم عثمان بن عفان, نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يختلفوا في ذلك, ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة؛ علي بن أبي طالب, والزبير, وعبد الرحمن بن عوف, وسعد, وطلحة, كلهم للخلافة, وكلهم إمام, ونذهب في ذلك إلى حديث ابن عمر:" كنا نعد ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حي وأصحابه متوافرون: أبو بكر, ثم عمر, ثم عثمان, ثم نسكت", ثم من بعد أصحاب الشورى أهل بدر من المهاجرين, ثم أهل بدر من الأنصار, من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على قدر الهجرة والسابقة, أولاً فأول, ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ القرن الذي بعث فيهم كل من صحبه؛ سنة, أو شهراً, أو يوماً, أو ساعة, ورآه فهو من أصحابه, له الصحبة على قدر ما صحبه, وكانت سابقته معه, وسمع منه, ونظر إليه, فأدناهم صحبة أفضل من القرن الذي لم يروه, ولو لقوا الله بجميع الأعمال, كان هؤلاء الذين صحبوا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورأوه وسمعوا منه أفضل لصحبتهم من التابعين, ولو عملوا كل أعمال الخير.
*
والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر, ومن ولي الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به, ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين, والغزو ماض مع الإمام إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك, وقسمة الفيء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماض, ليس لأحد أن يطعن عليهم ولا ينازعهم, ودفع الصدقات إليهم جائزة نافذة, من دفعها إليهم أجزأت عنه براً كان أو فاجراً.
*وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة باقية تامة ركعتين, من أعادهما فهو مبتدع تارك للآثار, مخالف للسنة, ليس له من فضل الجمعة شيء, إذا لم ير الصلاة خلف الأئمة من كانوا برهم وفاجرهم فالسنة بأن يصلي معهم ركعتين وتدين بأنها تامة لا يكن في صدرك من ذلك شيء . ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كانوا اجتمعوا عليه وأقروا بالخلافة بأي وجه كان بالرضا أو الغلبة فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين, وخالف الآثار عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس, فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق.
*وقتال اللصوص والخوارج جائز إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله, فله أن يقاتل عن نفسه وماله, ويدفع عنها بكل ما يقدر, وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم, ولا يتبع آثارهم, ليس لأحد إلا الإمام أو ولاة المسلمين, إنما له أن يدفع عن نفسه في مقامه ذلك, وينوي بجهده أن لا يقتل أحداً, فإن مات على يديه في دفعه عن نفسه في المعركة فأبعد الله المقتول, وإن قتل هذا في تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجوت له الشهادة كما جاء في الأحاديث, وجميع الآثار في هذا إنما أمر بقتاله ولم يؤمر بقتله, ولا إتباعه, ولا يجهز عليه إن صرع, أو كان جريحا, وإن أخذه أسيرا فليس له أن يقتله ولا يقيم عليه الحد, ولكن يرفع أمره إلى من ولاه الله فيحكم فيه.
*ولا نشهد على أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار, نرجو للصالح, ونخاف عليه, ونخاف على المسيء المذنب, ونرجو له رحمة الله, ومن لقي الله بذنب يجب له النار تائباً غير مصر عليه, فإن الله يتوب عليه, ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات,* ومن لقيه وقد أقيم عليه حد ذلك الذنب في الدنيا فهو كفارته كما جاء في الخبر عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, ومن لقيه مصراً غير تائب من الذنوب التي استوجب بها العقوبة, فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له, ومن لقيه كافرا عذبه ولم يغفر له. والرجم حق على من زنا وقد أحصن إذا اعترف أو قامت عليه بينته, وقد رجم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأئمة الراشدون.
*ومن انتقص أحدا من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو بغضه بحدث منه أو ذكر مساويه, كان مبتدعاً حتى يترحم عليهم جميعا ويكون قلبه لهم سليما.
*والنفاق هو الكفر, أن يكفر بالله, ويعبد غيره, ويظهر الإسلام في العلانية, مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ," ثلاث من كن فيه فهو منافق", على التغليظ نرويها كما جاءت ولا نقيسها, وقوله" لا ترجعوا بعدي كفاراً ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض" ومثل:" إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار", ومثل: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر", ومثل:" من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما", ومثل: "كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق" ونحو هذه الأحاديث مما قد صح وحفظ, فإنا نسلم له وإن لم نعلم تفسيرها, ولا نتكلم فيها ولا نجادل فيها, ولا نفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت, لا نردها إلا بأحق منها.
*والجنة والنار مخلوقتان كما جاء عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : "دخلت الجنة فرأيت قصراً, ورأيت الكوثر واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها كذا, واطلعت في النار فرأيت كذا وكذا", فمن زعم أنهما لم تخلقا فهو مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ, ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار.
* ومن مات من أهل القبلة موحداً يصلى عليه ويستغفر له, ولا يحجب عنه الاستغفار, ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيراً كان أو كبيراً, أمره إلى الله تعالى ." انتهى كلامه ـ رحمه الله ـ.
*
أيها الناس عرفتم مكانة السنة, وأهميتها, فالله الله في تعلم السنة, وتعظيمها, والعمل بمقتضاها, فالسنة كما قال الإمام مالك : " سفينة نوح من ركبها نجا, ومن تخلف عنها غرق", وقال أيضاً: " لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".
*والله ـ تعالى ـ لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم, فغيروا ما بأنفسكم بالتمسك بالسنة قولاً وعملاً, يعزكم الله نصراً وتمكيناً, وفوزاً بالجنة.
*
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
*
*
*
*
************************************************** **************************** بقلم
سعد بن فتحي بن سعيد الزعتري
*
*
*
*
*
[1] استفدت هذا الكلام الآتي من كلام الشيخ محمد أمان الجامي في كتابه " رسائل في العقيدة "