رائد بن عبد الجبار المهداوي
08-08-2008, 09:16 PM
فواتح ذي الملكوت في بيان معنى الطاغوتإعداد: أبي عبد الرحمن رائد بن عبد الجبار المهداويالحلقة الأولى
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهاده، أما بعد:
الطاغوت: مشتق في اللغة من (الطغيان)، وهو: مجاوزة الحد، لذا فإنّه في الشرع يطلق على (كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع) كما عرّفه بذلك العلّامة ابن القيّم: في "أعلام الموقعين". قال الإمام ابن عثيمين في "القول المفيد على كتاب التوحيد" معلقاً على كلام ابن القيم السابق: "ومراده من كان راضياً بذلك، أو يقال: هو طاغوت باعتبار عابده، وتابعه، ومطيعه؛ لأنه تجاوز به حده حيث نَزَّله فوق منزلته التي جعلها الله له، فتكون عبادته لهذا المعبود، واتباعه لمتبوعه، وطاعته لمطاعه طغياناً؛ لمجاوزته الحد بذلك".
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة : في الفتاوى (16/565) معرّفاً (الطاغوت): "وهو اسم جنس يدخل فيه: الشيطان، والوثن، والكهان، والدرهم، والدينار، وغير ذلك".
ويطلق بعض أهل العلم لفظ (الطاغوت) على كل رأس في الضلالة، وعلى الداعي إلى البدع، وعلى علماء السوء الذين يدعون إلى الضلال والكفر، وعلى كل مَن صَرف عن طريق الخير. وانظر: "تفسير القرطبي" (10/104)، و"القاموس المحيط" (مادة:طغى)، و"مفردات القرآن" للراغب الأصفهاني (ص:305 ـ مادة: طغى)، و"شرح الأصول الثلاثة" للإمام ابن عثيمين (ص:151).
وفي بعض كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب : ما يدل على انه يطلق لفظ (الطاغوت) على بعض أهل الذنوب غير المكفِّرة مثل قوله: في "الدرر السنية" (1/137): "والطواغيت كثيرة والمتبين لنا منهم خمسة: أولهم الشيطان، وحاكم الجور، وآكل الرشوة، ومن عُبد فرضي، والعامل بغير علم".
وهل يلزم تكفير من اتصف بأنه (طاغوت)؟
الجواب: لا يلزم ذلك؛ فإن من الطغيان ما هو كفر، ومنه ما هو بدعة وضلالة، ومنه ما هو ظلم وجوْر، ومنه ما هو معصية وذنب، كما تبين من خلال النقول السابقة.
فما يقوم به التكفيريون ـ الخوارج الجدد ـ وأنصارهم ـ الحزبيون ـ في هذا الزمان من إطلاق مصطلح (الطاغوت) على حكام المسلمين، مريدين بذلك تكفيرهم مطلقاً، بدعوى عدم حكمهم بما أنزل الله، هو جهل بحقيقة ومعنى ذلك المصطلح (الطاغوت)، واتباع للهوى، وخروج على ما قرَّره أهل العلم الكبار ـ قديماً وحديثاً ـ في مسائل التكفير من قواعد وضوابط.
فكلمة (الطاغوت) مصطلح شرعيٌّ، ورد ذكره في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، وما كان شرعياً فإنّ مردَّ فهمه وتأويله إلى أهل الشريعة الراسخة فهومهم، لا إلى أهل الحماسات والعواطف والتهييج، ولا إلى العوامّ الذين لا يفقهون أبجديات العلوم، وهم عالة على أهل العلم في الفهم؛ لأنّ حقيقتهم الشرعية (التقليد)، ولا إلى من تحزّب وتعصّب فرمى بهذا المصطلح ـ الخطير ـ على غيره، ولربما كان هو به أجدر وأليق. ولا إلى أدعياء الجهاد (المزعوم) ممن أفسدوا باسم (الجهاد) ـ وهو مصطلح شرعي كذلك ـ أيما إفساد.
وينبغي التأكيد على أنَّ قصر مصطلح (الطاغوت) على صنف من (حكم بغير ما أنزل الله) دون غيره من الأصناف التي يشملها هذا المصطلح ضلالة عمياء، من بنات أفكار الخوارج الجدد وأنصارهم، وهذا الصنيع الجائر عن سواء السبيل ينُمُّ عن فساد طوية أولئك القوم، واتباعهم الهوى في قبول ما يشتهون، ونبذ ما لا يريدون، وإن وافق الحق وأصابه.
كما أنّ ادعاء التكفير ـ مطلقاً من غير تفصيل ـ لمن استحق وصف (الطاغوت) فكرة طاغوتية خارجية، تأباها نصوص الشرع وفتاوى العلماء الأكابر؛ فإن من الطغيان ما هو كفر، ومنه ما هو بدعة وضلالة، ومنه ما هو ظلم وجوْر، ومنه ما هو معصية وذنب، كما سيتبين ـ إن شاء الله ـ من خلال النقول التالية.
ولو أنَّ هؤلاء التكفيريين وأنصارهم من الحزبيين الإخوانيين تحلّوا بالعدل والإنصاف ـ في هذه المسألة ـ فتحاكموا إلى الكتاب والسنة ـ حقاً لا زعماً ـ ووقفوا عند تقريرات العلماء الربانيين وِقفة المتأمل المتأني المنصف، لوجدوا أنّ وصفهم ـ أنفسهم ـ بالطواغيت أليق وأجدر؛ لأنهم تجاوزوا حدود الشرع في التكفير والإرهاب، والحزبية والتعصب، والكذب والتلبيس، والابتداع في الدين، والتزوير وقلب الحقائق، والجور وعدم الإنصاف في معاملة المخالف.
والنقول عن أهل العلم في بيان معنى الطاغوت ـ وأنّه يشمل أصنافاً عديدة خلافاً لمن قصره على الحاكم بغير ما أنزل الله ـ كثيرة منها:
أولاً: من كتب اللغة:
* قال في "لسان العرب" (مادة: طوغ):
"الطاغوتُ ما عُبِدَ من دون الله ـ عز وجل ـ، وكلُّ رأْسٍ في الضلالِ طاغوتٌ، وقيل: الطاغوتُ: الأَصْنامُ، وقيل: الشيطانُ، وقيل: الكَهَنةُ، وقيل مَرَدةُ أَهل الكتاب..."
* ونقل صاحب "تاج العروس" تحت مادة (طوغ) كلام ابن منظور في "اللسان" السابق، وقال:
"وزادَ الراغب: ويراد به الساحر، والمارد من الجن، والصارف عن طريق الخير".
* وقال الجوهري في "مختار الصحاح" (مادة: طغى):
"الطَّاغُوتُ: الكاهن، والشيطان، وكل رأس في الضلال".
ثانياً: من كتب التفسير:
* قال الإمام الطبري في تفسيره (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) (5/419 ط: الرسالة، تحقيق: شاكر): "والصواب من القول عندي في"الطاغوت" أنه كل ذي طغيان على الله، فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، وإنساناً كان ذلك المعبود، أو شيطاناً، أو وثناً، أو صنماً، أو كائناً ما كان من شيء. وأرى أن أصل"الطاغوت"،"الطغووت" من قول القائل:"طغى فلان يطغوا"، إذا عدا قدره، فتجاوز حده، كـ"الجبروت"من التجبر، و"الخلبوت" من الخلب [قلت: وهوالخداع والكذب]، ونحو ذلك من الأسماء التي تأتي على تقدير"فعلوت" بزيادة الواو والتاء. ثم نقلت لامه ـ أعني لام"الطغووت" ـ فجعلت له عيناً، وحولت عينه فجعلت مكان لامه، كما قيل:"جذب وجبذ"، و"جاذب وجابذ"، و"صاعقة وصاقعه"، وما أشبه ذلك من الأسماء التي على هذا المثال".
* وقال أيضاً في "الجامع" (8/465):
"والصواب من القول في تأويل:"يؤمنون بالجبت والطاغوت"، أن يقال: يصدِّقون بمعبودَين من دون الله، يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين.
وذلك أن"الجبت" و"الطاغوت": اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها، كانت معظمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جُبوتًا وطواغيت. وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. وكذلك حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملّتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين".
وقيل: هو [الطاغوت] كل معبود من دون الله، أو مطاع في معصية الله، وهذا حسن.
وقيل: الجبت كل ما حرم الله، والطاغوت كل ما يطغي الإنسان. والله أعلم"
* وقال القرطبيُّ في "الجامع لأحكام القرآن" (5/248ـ249):
"... وقيل: هو [الطاغوت] كل معبود من دون الله، أو مطاع في معصية الله، وهذا حسن... وقيل: الجبت كل ما حرم الله، والطاغوت كل ما يطغي الإنسان. والله أعلم"
* وقال أيضاً في "الجامع لأحكام القرآن " (10/103) عند تفسير قوله ـ تعالى ـ: (واجتنبوا الطاغوت):
" أي: اتركوا كل معبود دون الله؛ كالشيطان، والكاهن، والصنم، وكل من دعا إلى الضلال".
* وقال الألوسي في "روح المعاني" عند تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت) [البقرة: 257]:
" الطاغوت؛ أي: الشياطين، أو الأصنام، أو سائر المضلين عن طرق الحق".
* وقال أبو حيان الأندلسي في "البحر المحيط" عند تفسير قوله ـ تعالى ـ: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) [البقرة/256]:
"الطاغوت: الشيطان. قاله عمر، ومجاهد، والشعبي، والضحاك ، وقتادة ، والسدّي. أو: الساحر، قاله ابن سيرين، وأبو العالية. أو: الكاهن ، قاله جابر ، وابن جبير ، ورفيع ، وابن جريح . أو: ما عبد من دون الله ممن يرضى ذلك: كفرعون، ونمرود، قاله الطبري. أو: الأصنام، قاله بعضهم.
وينبغي أن تجعل هذه الأقوال كلها تمثيلاً، لأن الطاغوت محصور في كل واحد منها".
* وقال ابن عادل الحنبلي في "اللباب" (4/330 ـ 331 ط:العلمية):
"واختلف في الطَّاغوت فقال عمر ، ومجاهدٌ ، وقتادة : هو الشَّيطان . وقال سعيد بن جبير : هو الكاهن . وقال أبو العالية : هو الساحر . وقال بعضهم: الأَصنام. وقيل مردة الجنّ والإنس، وكلُّ ما يطغى الإِنسان. وقيل : الطَّاغُوتُ هو كلّ ما عُبِدَ مِنْ دون الله ، وكان راضياً بكونه معبُوداً ، فعلى هذا يكُونُ الشَّيطان والكهنة ، والسَّحرة، وفرعون والنمرود كلُّ واحد منهم طاغوتاً؛ لأنهم راضون بكونهم معبودين وتكونُ الملائكة ، وعزير ، وعيسى ليسوا بطواغيت ، لأنهم لم يرضوا بأن يكونوا معبودين".
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهاده، أما بعد:
الطاغوت: مشتق في اللغة من (الطغيان)، وهو: مجاوزة الحد، لذا فإنّه في الشرع يطلق على (كل ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع) كما عرّفه بذلك العلّامة ابن القيّم: في "أعلام الموقعين". قال الإمام ابن عثيمين في "القول المفيد على كتاب التوحيد" معلقاً على كلام ابن القيم السابق: "ومراده من كان راضياً بذلك، أو يقال: هو طاغوت باعتبار عابده، وتابعه، ومطيعه؛ لأنه تجاوز به حده حيث نَزَّله فوق منزلته التي جعلها الله له، فتكون عبادته لهذا المعبود، واتباعه لمتبوعه، وطاعته لمطاعه طغياناً؛ لمجاوزته الحد بذلك".
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة : في الفتاوى (16/565) معرّفاً (الطاغوت): "وهو اسم جنس يدخل فيه: الشيطان، والوثن، والكهان، والدرهم، والدينار، وغير ذلك".
ويطلق بعض أهل العلم لفظ (الطاغوت) على كل رأس في الضلالة، وعلى الداعي إلى البدع، وعلى علماء السوء الذين يدعون إلى الضلال والكفر، وعلى كل مَن صَرف عن طريق الخير. وانظر: "تفسير القرطبي" (10/104)، و"القاموس المحيط" (مادة:طغى)، و"مفردات القرآن" للراغب الأصفهاني (ص:305 ـ مادة: طغى)، و"شرح الأصول الثلاثة" للإمام ابن عثيمين (ص:151).
وفي بعض كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب : ما يدل على انه يطلق لفظ (الطاغوت) على بعض أهل الذنوب غير المكفِّرة مثل قوله: في "الدرر السنية" (1/137): "والطواغيت كثيرة والمتبين لنا منهم خمسة: أولهم الشيطان، وحاكم الجور، وآكل الرشوة، ومن عُبد فرضي، والعامل بغير علم".
وهل يلزم تكفير من اتصف بأنه (طاغوت)؟
الجواب: لا يلزم ذلك؛ فإن من الطغيان ما هو كفر، ومنه ما هو بدعة وضلالة، ومنه ما هو ظلم وجوْر، ومنه ما هو معصية وذنب، كما تبين من خلال النقول السابقة.
فما يقوم به التكفيريون ـ الخوارج الجدد ـ وأنصارهم ـ الحزبيون ـ في هذا الزمان من إطلاق مصطلح (الطاغوت) على حكام المسلمين، مريدين بذلك تكفيرهم مطلقاً، بدعوى عدم حكمهم بما أنزل الله، هو جهل بحقيقة ومعنى ذلك المصطلح (الطاغوت)، واتباع للهوى، وخروج على ما قرَّره أهل العلم الكبار ـ قديماً وحديثاً ـ في مسائل التكفير من قواعد وضوابط.
فكلمة (الطاغوت) مصطلح شرعيٌّ، ورد ذكره في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة، وما كان شرعياً فإنّ مردَّ فهمه وتأويله إلى أهل الشريعة الراسخة فهومهم، لا إلى أهل الحماسات والعواطف والتهييج، ولا إلى العوامّ الذين لا يفقهون أبجديات العلوم، وهم عالة على أهل العلم في الفهم؛ لأنّ حقيقتهم الشرعية (التقليد)، ولا إلى من تحزّب وتعصّب فرمى بهذا المصطلح ـ الخطير ـ على غيره، ولربما كان هو به أجدر وأليق. ولا إلى أدعياء الجهاد (المزعوم) ممن أفسدوا باسم (الجهاد) ـ وهو مصطلح شرعي كذلك ـ أيما إفساد.
وينبغي التأكيد على أنَّ قصر مصطلح (الطاغوت) على صنف من (حكم بغير ما أنزل الله) دون غيره من الأصناف التي يشملها هذا المصطلح ضلالة عمياء، من بنات أفكار الخوارج الجدد وأنصارهم، وهذا الصنيع الجائر عن سواء السبيل ينُمُّ عن فساد طوية أولئك القوم، واتباعهم الهوى في قبول ما يشتهون، ونبذ ما لا يريدون، وإن وافق الحق وأصابه.
كما أنّ ادعاء التكفير ـ مطلقاً من غير تفصيل ـ لمن استحق وصف (الطاغوت) فكرة طاغوتية خارجية، تأباها نصوص الشرع وفتاوى العلماء الأكابر؛ فإن من الطغيان ما هو كفر، ومنه ما هو بدعة وضلالة، ومنه ما هو ظلم وجوْر، ومنه ما هو معصية وذنب، كما سيتبين ـ إن شاء الله ـ من خلال النقول التالية.
ولو أنَّ هؤلاء التكفيريين وأنصارهم من الحزبيين الإخوانيين تحلّوا بالعدل والإنصاف ـ في هذه المسألة ـ فتحاكموا إلى الكتاب والسنة ـ حقاً لا زعماً ـ ووقفوا عند تقريرات العلماء الربانيين وِقفة المتأمل المتأني المنصف، لوجدوا أنّ وصفهم ـ أنفسهم ـ بالطواغيت أليق وأجدر؛ لأنهم تجاوزوا حدود الشرع في التكفير والإرهاب، والحزبية والتعصب، والكذب والتلبيس، والابتداع في الدين، والتزوير وقلب الحقائق، والجور وعدم الإنصاف في معاملة المخالف.
والنقول عن أهل العلم في بيان معنى الطاغوت ـ وأنّه يشمل أصنافاً عديدة خلافاً لمن قصره على الحاكم بغير ما أنزل الله ـ كثيرة منها:
أولاً: من كتب اللغة:
* قال في "لسان العرب" (مادة: طوغ):
"الطاغوتُ ما عُبِدَ من دون الله ـ عز وجل ـ، وكلُّ رأْسٍ في الضلالِ طاغوتٌ، وقيل: الطاغوتُ: الأَصْنامُ، وقيل: الشيطانُ، وقيل: الكَهَنةُ، وقيل مَرَدةُ أَهل الكتاب..."
* ونقل صاحب "تاج العروس" تحت مادة (طوغ) كلام ابن منظور في "اللسان" السابق، وقال:
"وزادَ الراغب: ويراد به الساحر، والمارد من الجن، والصارف عن طريق الخير".
* وقال الجوهري في "مختار الصحاح" (مادة: طغى):
"الطَّاغُوتُ: الكاهن، والشيطان، وكل رأس في الضلال".
ثانياً: من كتب التفسير:
* قال الإمام الطبري في تفسيره (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) (5/419 ط: الرسالة، تحقيق: شاكر): "والصواب من القول عندي في"الطاغوت" أنه كل ذي طغيان على الله، فعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، وإنساناً كان ذلك المعبود، أو شيطاناً، أو وثناً، أو صنماً، أو كائناً ما كان من شيء. وأرى أن أصل"الطاغوت"،"الطغووت" من قول القائل:"طغى فلان يطغوا"، إذا عدا قدره، فتجاوز حده، كـ"الجبروت"من التجبر، و"الخلبوت" من الخلب [قلت: وهوالخداع والكذب]، ونحو ذلك من الأسماء التي تأتي على تقدير"فعلوت" بزيادة الواو والتاء. ثم نقلت لامه ـ أعني لام"الطغووت" ـ فجعلت له عيناً، وحولت عينه فجعلت مكان لامه، كما قيل:"جذب وجبذ"، و"جاذب وجابذ"، و"صاعقة وصاقعه"، وما أشبه ذلك من الأسماء التي على هذا المثال".
* وقال أيضاً في "الجامع" (8/465):
"والصواب من القول في تأويل:"يؤمنون بالجبت والطاغوت"، أن يقال: يصدِّقون بمعبودَين من دون الله، يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين.
وذلك أن"الجبت" و"الطاغوت": اسمان لكل معظَّم بعبادةٍ من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنًا ما كان ذلك المعظَّم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها، كانت معظمة بالعبادة من دون الله فقد كانت جُبوتًا وطواغيت. وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. وكذلك حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملّتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين".
وقيل: هو [الطاغوت] كل معبود من دون الله، أو مطاع في معصية الله، وهذا حسن.
وقيل: الجبت كل ما حرم الله، والطاغوت كل ما يطغي الإنسان. والله أعلم"
* وقال القرطبيُّ في "الجامع لأحكام القرآن" (5/248ـ249):
"... وقيل: هو [الطاغوت] كل معبود من دون الله، أو مطاع في معصية الله، وهذا حسن... وقيل: الجبت كل ما حرم الله، والطاغوت كل ما يطغي الإنسان. والله أعلم"
* وقال أيضاً في "الجامع لأحكام القرآن " (10/103) عند تفسير قوله ـ تعالى ـ: (واجتنبوا الطاغوت):
" أي: اتركوا كل معبود دون الله؛ كالشيطان، والكاهن، والصنم، وكل من دعا إلى الضلال".
* وقال الألوسي في "روح المعاني" عند تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت) [البقرة: 257]:
" الطاغوت؛ أي: الشياطين، أو الأصنام، أو سائر المضلين عن طرق الحق".
* وقال أبو حيان الأندلسي في "البحر المحيط" عند تفسير قوله ـ تعالى ـ: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) [البقرة/256]:
"الطاغوت: الشيطان. قاله عمر، ومجاهد، والشعبي، والضحاك ، وقتادة ، والسدّي. أو: الساحر، قاله ابن سيرين، وأبو العالية. أو: الكاهن ، قاله جابر ، وابن جبير ، ورفيع ، وابن جريح . أو: ما عبد من دون الله ممن يرضى ذلك: كفرعون، ونمرود، قاله الطبري. أو: الأصنام، قاله بعضهم.
وينبغي أن تجعل هذه الأقوال كلها تمثيلاً، لأن الطاغوت محصور في كل واحد منها".
* وقال ابن عادل الحنبلي في "اللباب" (4/330 ـ 331 ط:العلمية):
"واختلف في الطَّاغوت فقال عمر ، ومجاهدٌ ، وقتادة : هو الشَّيطان . وقال سعيد بن جبير : هو الكاهن . وقال أبو العالية : هو الساحر . وقال بعضهم: الأَصنام. وقيل مردة الجنّ والإنس، وكلُّ ما يطغى الإِنسان. وقيل : الطَّاغُوتُ هو كلّ ما عُبِدَ مِنْ دون الله ، وكان راضياً بكونه معبُوداً ، فعلى هذا يكُونُ الشَّيطان والكهنة ، والسَّحرة، وفرعون والنمرود كلُّ واحد منهم طاغوتاً؛ لأنهم راضون بكونهم معبودين وتكونُ الملائكة ، وعزير ، وعيسى ليسوا بطواغيت ، لأنهم لم يرضوا بأن يكونوا معبودين".