المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كتاب ضوء الساري لمعرفة خبر تميم الداري للمقريزيّ



محمد أسعد التميمي
09-06-2008, 08:55 PM
كتاب ضوء الساري لمعرفة خبر تميم الداري
تأليف الشيخ العالم العلّامة والحبر الحجّة الفهّامة
وحيد دهره وفريد عصره تقيّ الدين
أحمد بن عليّ المقريزيّ الشافعيّ
تغمّده الله برحمتِهِ وكاتبَه
والمسلمين
آمين
[766-845 هـ]


بعناية
"محمّد أسعد" بن يسري التميمي



1425هـ

المؤلّف:
أحمد بن عليّ المقريزي: [الأعلام:1/177].
مؤلّفاته:

1- اتّعاظ الحنفا بأخبار الأئمّة الفاطميّين الخلفا. ط
2- إزالة التعب والعناء في معرفة حلّ الغناء.
3- الإشارة والإعلام ببناء الكعبة والبيت الحرام. خ
4- الإشارة والإيماء إلى حلّ لغز الماء.
5- إغاثة الأمّة بكشف الغمّة.
6- الإلمام بأخبار مَن بأرض الحبشة من ملوك الإسلام. ط
7- إمتاع الأسماع بما للرسول صلّى الله عليه وسلّم من الأنباء والأحوال والحفدة والمتاع.[في الأعلام للزركلي: يقع في تسع مجلّدات، طبع الأوّل منه]. ورأيته مطبوعًا في مكتبة الصدقات من 15 مجلّدًا.
8- الأوزان والأكيال الشرعيّة. ط
9- البيان المفيد في الفرق بين التوحيد والتلحيد.
10- تاريخ الأقباط. ط
11- تاريخ الحبش. ط
12- التاريخ الكبير المقفّى.
13- التبيان والإعراب بمن نزل أرض مصر من الأعراب.[في أعلام الزركلي: البيان والإعراب عمّا في أرض مصر من الأعراب.ط].
14- تجريد التوحيد المفيد. ط [بتحقيق شيخنا عليّ الحلبيّ -حفظه الله-]
15- تلقيح العقول والآراء في تنقيح أخبار جلّة الوزراء.
16- الخبر عن البشر. خ
17- خلاصة التبر في أخبار السرّ.
18- درر العقود الفريدة. ط
19- الذهب المسبوك في ذكر من حجّ من الخلفاء والملوك.
20- السلوك لمعرفة دول الملوك. خ
21- شارع النجاة [الأعلام للزركلي].
22- شذور العقود في ذكر النقود. ط
23- ضوء الساري في معرفة خبر تميم الداريّ [وهو كتابناهذا] .
24- الطرفة الغريبة في أخبار وادي حضرموت العجيبة. ط
25- عقد جواهر الأسفاط عن أخبار مدينة فسطاط.
26- مختصر الكامل في معرفة ضعفاء المحدّثين لابن عديّ. خ
27- معرفة ما يجب لآل البيت.
28- المقاصد السنيّة لمعرفة الأجسام المعدنيّة.
29- منتخب التذكرة. خ
30- المنتقى من أخبار مصر لابن ميسّر.
31- المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار. ط
32- نحل عبر النحل. ط
33- النزاع [في الأعلام: التنازع] والتخاصم فيما بين بني أميّة وبني هاشم . ط

أحاديث تميم الداريّ
طرف الحديث رتبته الموقع








حديث في مهذّب عمل اليوم والليلة لابن السنّيّ
اتّقوا زلّة العلِم فسأل عمر ما زلّة العالم ضعيف إعلام الموقّعين 1/211
أوّل ما يحاسب العبد يوم القيامة صلاته.. صحيح [ابن ماجه:1426].
أوّل من أسرج في المساجد تميم الداريّ.. ضعيف جدًّا [ابن ماجه:760].
برئ منها الناس غيري... ضعيف [الترمذيّ:3059].
حديث الجسّاسة صحيح [مختصرمسلم:2054]، [ابن ماجه:4074]، [أبو داوود:4325،4326].
الدين النصيحة... صحيح [ابن حبّان: 4555،4556 ]، [غاية المرام: 332]، [الإرواء: 26]، [م. مسلم: 1209]، [أبو عوانة: 1/37]، [مسلم: 1/52]، [النسائي: 2/186]، [أحمد: 4/102]، [ابن نصر: الصلاة:2/165]، [السنّة: ابن أبي عاصم: 1089-1091].
ما السنّة في الرجل من أهل الشرك... حسن صحيح [الترمذيّ:2112]، [ابن ماجه:2752].انظر تخريجه في إعلام الموقّعين 6/421
من قال أشهد أن لا إله إلّا الله... ضعيف [الترمذيّ:3473].
يكون في آخر الزمان قوم يحبّون أسنمة الإبل.. ضعيف جدًّا [ابن ماجه:3217].
1- عن تميم الداريّ قال: قال رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-: من قال لا إله إلّا الله، واحدًا أحدًا صمدًا، لم يتّخذ صاحبةً ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحدٌ عشر مرّات كتب له أربعون ألف حسنة".
2- عن تميم الداريّ قال: قال رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-: الوضوء من كلّ دمٍ سائلٍ.
3- عن تميم الداريّ قال: قال رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-: أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة ثمّ سائر الأعمال.
4- عن تميم الداريّ قال: قال رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-: الجمعة واجبة إلّا على امرأة أو صبيّ أو مريض أو عبد أو مسافر.
5-

بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبي
الحمد لله على نعمائه، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّدٍ خاتمِ أنبيائه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وتابعي هديهم إلى يوم الدين.
وبعدُ؛ فهذه مقالةٌ وجيزةٌ، وتحفةٌ سنيّةٌ عزيزةٌ، سمّيتُها”ضوء الساري لمعرفة خبر تميمٍ الداريّ –رضيَ اللهُ عنهُ-، واللهَ أسألُ التوفيقَ إلى سواءِ الطريقِ بمنِّهِ وكرمهِ.
فصل

اتّفق جميع فرق الإسلام، وسائرُ أهل الكتاب من اليهود والنصارى على أنّ نِسَمِ جميع الإنس على اختلاف أجناسهم مخلوقةٌ من آدم –عليه السلام-؛ قال الله –تعالى/1/ جلّت قدرته-: [يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم الّذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالًا كثيرًا ونساءًا]، وقال –تعالى-: [يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا]. وأجمعوا مع ذلك أنّ نوحًا –عليه السلام- هو الأب الثاني، وأنّ العقب من آدم –عليه السلام- انحصر فيه، فليس أحدٌ من بني آدم إلّا وهو من ولد نوح –عليه السلام.
وأهل الهند وأهل الصين لا يقرّون بذلك، ويقول بعضهم أنّ الطوفان لم يحدث سوى في إقليم بابل وما وراءه من البلاد الغربيّة فقط، فإنّ كيومرت الّذي هو عندهم آدم كانوا بالشرق فلم يصلهم الطوفان، ولذلك أهل الصين والهند لا يعرفون الطوفان.
والله أصدق القائلين قال -سبحانه-: [ولقد نادانا نوحٌ فَلَنِعْمِ المجيبون، ونجّيناه وأهلَه من الكرب العظيم، وجعلنا ذرّيّته هم الباقين]، فهذا قول الله –تعالى- ومن أصدق من الله قيلًا.
وأجمعوا مع ذلك أنّ العقب من نوح –عليه السلام- انحصر في أولاده الثلاثة وهم سام وحام ويافث، وأنّ العرب بأسرها من ولد سام بن نوح -عليه السلام-.
واتّفق علماء النسب على أنّ العرب من ولد يعرب بن قحطان، وأنّ العرب قسمان؛ القسم الأوّل: العرب العاربة، وهم العرب العرباء، وأرادوا المبالغة في العربيّة، وكانوا في الزمن الغابر والدهر القديم، فطالت مددهم في الحياة، وامتدّت مملكتهم في جميع المعمور من الأرض، وبنوا مدينة الإسكندريّة، وهَرَمَيْ مصر، وسمرقند، وإفريقية، وعدّة مدائن بالمشرق والمغرب وعمّروا آلافًا كثيرة من السنين، وعظمت خلقتهم كما ذكرت ذلك في كتاب [الخبر عن البشر]، وهو المدخل إلى كتاب [إمتاع الأسماع بما للرسول –صلّى الله عليه وسلّم- من الأنباء والأحوال والحفدة والمتاع].
والقسم الثاني العرب المستعربة؛ وهم بنو إسماعيل بن إبراهيم الخليل –عليه السلام-.
واتّفقوا مع ذلك على أنّ العرب ترجع بأسرها إلى قحطان وعدنان، فيقال لسائر قحطان: يمن، ويقال لسائر بني عدنان: المضريّة والنزاريّة، وهي قيس. فإذا العرب قيس ويمن.
واتّفقوا أيضًا على أنّ العرب ستٌّ /2/ طبقات: شعب [بفتح الشين المعجمة]، وقبيلة، وعمارة [بفتح العين المهملة]، وبطن، وفخذ، وفصيلة، وما بينهما من الآباء يعرفها أهلها كما قد بيّنته بيانًا شافيًا في كتاب [المدخل]، وفي كتاب [عقد جواهر الأسفاط من أخبار مدينة الفسطاط].
وإذا تقرر ذلك فاعلم أنّ يعرب بن قحطان بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح -عليه السلام- على خلاف في نسب قحطان تشعّبت منه بطون حمير و كهلان ابنا سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وانفرد بنو حمير بالملك فكان منهم التبابعة أهل الدول المشهورة، وفي حمير عدّة بطون قد ذكرناها بحمد الله ذكرًا شافيًا فيما تقدّم ذكره.
وتداول بنو كهلان الملك في أوّل أمرهم ثمّ النفرد بنو حمير به دونهم وبقيت بطون بني كهلان تحت مملكتهم باليمن فلمّا ذهب ريح حمير بقيت الرئاسة على العرب البادية لبني كهلان فلم يرأس ولا تأمّر في العرب إلّا من كان منهم كما بينّاه هناك.
واعلم أنّ شعوب كهلان بأسرها انشعبت من زيد بن كهلان في مالك وعريب ابني زيد بن كهلان.
فمن مالك بن زيد بن كهلان: بطن همدان [بإسكان الميم] بن مالك بن زيد بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان وهم أعظم قبائل اليمن.
ومن مالك أيضًا: الأزد وهو دَرْأُ بن الغوث بن نبت بن مالك.
ومنه: خثعم وبجيلة، ابنا أنمار بن إراش أخي الأزد بن الغوث.
فالأزد بطن عظيم متّسع ذو شعوب كثيرة.
وخثعم وبجيلة بطون عديدة أيضًا.
ومن عريب بن زيد بن كهلان: طيّ والأشعريّون ومذحج وبنو مرّة، وأربعتهم بنو أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان.
ومن بطون مذحج، واسمه مالك بن أدد بن عنس [بالنون]: مراد، واسمه نخابر بن مذحج، وسعد العشيرة بن مذحج، وهو بطن عظيم لهم شعوب كثيرة، منهم جعفى بن سعد العشيرة وزبيد بن صعب بن سعد العشيرة.
ومن بطون مذحج: النخع ورها ومَسْلَيَة وبنو الحرث بن كعب.
فأمّا النخع فهو ابن عمرو بن عُلَة بن جَلْد بن مذحج.
فأمّا مَسْلَيَة فهو ابن عامر بن عمر بن علة بن جلد بن مذحج/3/.
وأمّا رُها فهو ابن مُنْيَة بن حرب بن علة بن مذحج.
وأمّا بنو الحرث فأبوهم الحرث بن كعب بن علة المذكور.
فقد ذكرنا فيما تقدّم من الكتابين هذه البطون كلّها، والغرض هنا إنّما هو ذكر بني مرّة بن أدد إخوة طيء ومذحج الأشعريّين، فإنّهم أصل لخم، وهم عدّة بطون كلّها تنتهي إلى الحرث بن مرّة، وهم خولان والمعافر ولخم وجذام وعليلة وكندة.
فالمعافر بنو يعفر بن مالك بن الحرث بن مرّة.
وخولان اسمه إفْكل بن عمرو بن مالك.
فعمرو هو أخو يعفر، وهم وهمدان في زماننا أعظم قبائل اليمن، ولهم الغلب والكثرة.
وأمّا لخم فاسمه مالك بن عدي بن الحرث بن مرّة بن أدد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان، وقيل: لخم بن عدي بن مرّة بن أدد بن مهسع بن عمرو بن عريب بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبا، وهو بطن كبير متّسع ذو شعوب وقبائل، منهم الدار بن هاني بن حبيب بن نمارة بن لخم.
منهم تميم بن أوس بن خارجة بن سود، ويقال سواد، وسواد أصحّ، ابن حذيفة بن ذَراع [بفتح الذال المعجمة] بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم بن عدي ، أبو رقيّة الداريّ.
رقيّة هنا بضمّ الراء المهملة، وفتح القاف، وتشديد الياء -آخر الحروف- الصحابيّ -رضي الله عنه-، روى عنه النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- حديث الجسّاسة، وروى عنه عبد الله بن عبّاس، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وعبد الله بن وهب، وقبيصة بن ذؤيب -على ما قيل-، وسُلِيْم بن عامر، وشُرحبيل بن مسلم، وعبد الرحمن بن غنم، وعطاء بن زيد الليثيّ، وروح بن زنباع، وكثير بن ضمرة، ووبرة بن عبد الرحمن، وزرارة بن أوفى، والأزهر/4/ بن عبد الله، –رضي الله عنهم- وطائفة كثيرة، وخرّج له مسلم في صحيحه وأبو داوود والترمذيّ والنسائيّ وابن ماجه.
وأمّا حديث الجسّاسة فخرّجه الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجّاج القشيريّ –رحمه الله- من طريق الحسين بن ذكوان قال [حدّثنا] ابن بريدة قال حدثني عامر بن [شراحيل] الشعبيّ شعب هَمْدان، أنّه سأل فاطمة بنت قيس أخت الضحّاك بن قيس، وكانت من المهاجرات الأُوَلِ. فقال: حدّثيني حديثًا سمعتِيهِ من رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- لا تسنديه إلى أحد غيره، فقالت: لئن شئتَ لأفعلنّ، فقال لها: أجل حدّثيني، فقالت: نكحت ابن المغيرة وهو من خيار شباب قريش يومئذ، فأصيب في أوّل الجهاد مع رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فلمّا تأيّمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم - وخطبني رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم على مولاه أسامة بن زيد وكنت قد حدّثتُ أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قال: من أحبّني فليحبّ أسامة فلمّا كلّمني رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قلت: أمري بيدك فأنكحني من شئت، فقال: انتقلي إلى أمّ شريك وأمّ شريك امرأة غنيّة من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها الضيفان، فقلت: سأفعل، فقال: لا تفعلي إنّ أمّ شريك امرأة كثيرة الضيفان فإنّي أكره أن يسقط عنك خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين ولكن انتقلي إلى ابن عمّك عبد الله بن عمرو بن أمّ مكتوم وهو رجل من بني فهر فهر قريش وهو من البطن الّذي هي منه فانتقلت إليه فلمّا انقضت عدّتي سمعت نداء المنادي منادي رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فصلّيت مع رسول الله فكنت في صفّ النساء الّتي تلي ظهور القوم فلمّا قضى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-/5/ صلاته جلس على المنبر وهو يضحك فقال: ليلزم كلّ إنسانٍ مصلّاه، ثمّ قال: أتدرون لِمَ جمعتكم؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال: إنّي واللهِ ما جمعتُكم لرغبةٍ ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأنّ تميمًا الداريّ كان رجلًا نصرانيًّا فجاء فبايع وأسلم وحدّثني حديثًا وافق الّذي كنت أحدّثكم عن مسيح الدجّال، حدّثني أنّه ركب في سفينةٍ بحريّةٍ مع ثلاثين رجلًا من لَخْم وجُذَام فلعب بهم الموج شهرًا في البحر ثمّ أرفأوا إلى جزيرة في البحر حتّى مغرب الشمس فجلسوا في أقرُب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابّة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قُبُلُه مِنْ دُبُرِهِ من كثرة الشعر. فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت : الجسّاسة، قالوا: وما الجسّاسة؟ قالت: أيّها القوم! انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق، قال: لمّا سمّت لنا رجلًا فَرِقْنا منها أن تكون شيطانة، [قال] : فانطلقنا سراعًا حتّى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأينا قطّ خلقًا، وأشدّه وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد ، قلنا: ويلك، ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني، ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا بسفينة بحريّة، فصادفنا البحر حين اغتلم ، فلعب بنا الموج شهرًا، ثمّ أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها ، فدخلنا الجزيرة، فلقيتنا دابّة أهلب، كثير الشعر، لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجسّاسة، قلنا: وما الجسّاسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق، فاقبلنا إليك سراعًا، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانةً. فقال :أخبروني عن نخل بيسان، قلنا: عن أيّ شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها، هل يثمر؟ فقلنا له: نعم. قال: أما انّه يوشك ألّا تثمر، قال: أخبروني عن بحيرة الطبريّة ، قلنا: عن أيّ شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، قال: أما أنّ ماءها يوشك/6/ أن يذهب، قال: أخبروني عن عين زغر ، قالوا: عن أيّ شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها، قال: أخبروني عن نبيّ الأمّيّين، ما فعل؟ قالوا:[قد] خرج من مكّة ونزل يثرب، قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنّه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم، قال: أما إنّ ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإنّي مخبركم عنّي، إنّي أنا المسيح، وإنّي أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض فلا ادع قريةً إلّا هبطتها في أربعين ليلة غير مكّة وطيبة فهما محرّمتان عليّ كلتاهما كلّما أردت أن أدخل واحدةً أو واحدًا منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتًا يصدّني عنها، وإنّ على كلّ نقب منها ملائكة يحرسونها. قالت: قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، -وطعن بمخصرته في المنبر-: هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة ، –يعني المدينة- ألا هل كنت حدّثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم، قال: فإنّه أعجبني حديث تميم أنّه وافق الّذي كنت أحدّثكم عنه وعن المدينة ومكّة، ألا إنّه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هذا من رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- .
وقد خرّج مسلم هذا الحديث من طرق، وهو معدود في مناقب تميم الداريّ -رضي الله عنه- لأنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- روى عنه هذه القصّة، وهي من باب رواية الفاضل عن المفضول، والمتبوع عن تابعه.
وفيها دليل على قبول خبر الواحد.
والجسّاسة -بفتح الجيم وتشديد السين المهملة الأولى- سمّيت بذلك لأنّها تتجسّس الأخبار للدجّال/7/.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنه- أنّها دابّة الأرض المذكورة في القرآن.
وفاطمة ابنة قيس من خالد الأكبر بن وهب بن ثعلبة بن واثلة بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر القرشيّة الفهريّة إحدى المهاجرات الأُوَلِ الجميلات العاقلات النبيلات كانت عند أبي عمرو بن حفص بن المغيرة ويقال: أبو عمرو بن حفص بن عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزوميّ القرشيّ واسمه عبد الحميد وقيل: [أبو] أحمد كنيته، فطلّقها لمّا بعثه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- مع عليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه- حين وجّهه-صلّى الله عليه وسلّم- أميرًا على اليمن وبعث إليها تطليقةً وهي بقيّة طلاقها، ثمّ مات هنالك مع عليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه- فتأيّمت –أي صارت أيّمًا، وهي الّتي لا زوج لها- فخطبها معاوية وأبو جهم بن حذيفة، فاستشارت النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فيهما، فأشار عليها بأسامة بن زيد فتزوّجته. وذكر البخاريّ في [التأريخ] له أنّه عاش إلى خلافة عمر –رضي الله عنه-.
وقولها: (فأصيب) ليس معناه أنّه قتل في الجهاد مع النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وتأيّمت بذلك، بل إنّما تأيّمت بطلاقه البائن، ويكون معنى”فأصيب": بجراحه، أو أصيب في ماله، أو نحو ذلك، وأرادت عدّ فضائله فابتدأت بكونه خير شباب قريش، ثمّ ذكرت الباقي.
وقوله: (وأمّ شريك من الأنصار): أنكر هذا بعضهم، وقوله: إنّما هي قرشيّة من بني عامر بن لؤيّ واسمها غزيّة، وقيل: غزيلة وذهب آخرون إلى أنّهما ثنتان: قرشيّة وأنصاريّة، فالقرشيّة العامريّة هي أمّ شريك غزيّة بنت دودان بن عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة بن ضباب بن حجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤيّ.
وهي الّتي وهبت نفسها للنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- على خلاف في ذلك قد ذكرته في كتاب [إمتاع الأسماع بما للرسول -صلّى الله عليه وسلّم- من الأنباء والأحوال والحفدة والمتاع]، عند ذكر أزواج رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-.
وأمّا أمّ شريك الأنصاريّة فمن بني النجّار ولم/8/ يذكرها ابن عبد البرّ وإنّما روى الحاكم في [المستدرك] من طريق محمّد بن إسحق ثنا أبو الأشعث ثنا زهير بن العلاء ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: تزوّج رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أمّ شريك الأنصاريّة من بني النجّار، قال: إنّي أحب أن أتزوّج في الأنصار، ثمّ قال: إنّي أكره غيرتهنّ، فلم يدخل بها.
وقوله: (انتقلي إلى ابن عمّك عبد الله بن عمرو بن أمّ مكتوم) وهو رجل من بني فهر فهر قريش وهو من البطن الّذي هي منه، (ابن أمّ مكتوم) صفة لعبد الله لا لعمرو، فإنّه عبد الله بن أمّ مكتوم، وهي أمّه، فينسب تارّة إلى أبيه عمر، وتارّة ينسب إلى أمّه أمّ مكتوم، فينبغي أنّه يكتب في قولنا: ابن أمّ مكتوم بألف في ابن.
وفي قولنا هذا إشكال، فإنّ ابن أم مكتوم من بني عامر بن لؤيّ، [و] فاطمة بنت قيس من بني محارب بن فهر فكيف يكون ابن عمّها وأنّها من البطن الّذي هو [منه] دون القبيلة، والمراد أنّه ابن عمّها مجازًا لكونه من قبيلتها، وفيه نظر.
وقوله: (ثمّ أرفؤا إلى جزيرة) هو بالهمزة، يقال: رفأ السفينة بالهمزة يرفؤها رفءً أدناها من الشطّ وهو المرفأ.
وقوله: (وجلسوا في أقرُب السفينة): هو بضمّ الراء المهملة فقد اختلف فيه فقيل: المراد بأقرب قارب وهي السفينة الصغيرة الّتي تكون مع الكبيرة يتصرّف فيها ركّاب السفينة لقضاء حوائجهم الجمع قوارب والواحد قارب بكسر الراء وفتحها وجاء هنا أقرُب وهو صحيح لكنّه خلاف القياس وقيل: المراد بأقرُب السفينة: أخرياتها وما قرب منها للنزول.
وقوله: [دابّة أهلب]: كثير الشعر، الأهلب غليظ الشعر مع الكثرة.
قوله: (من قبل المشرق ما هو) ما هنا زائدة صلة للكلام وليست بنافية والمراد أنّه من جهة المشرق والله أعلم.
وقال محمّد بن سعد في”الطبقات": أخبرنا محمّد بن عمرو، يعني الواقديّ قال: حدّثني محمّد بن عبد الله عن الزهريّ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال وأنبأنا هشام/9/ ابن محمّد الكلبيّ ثنا عبيد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذاميّ عن أبيه قال: (قدم وفد الداريّين على رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- منصرفة من تبوك وهم عشرة نفر منهم تميم ونعيم ابنا أوس بن خارجة بن سوادة بن جذيمة بن ذراع بن عديّ بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم ويزيد بن قيس بن خارجة والفاكه بن النعمان بن جبلة بن صفارة قال الواقديّ صفارة وقال هشام صفار بن ربيعة بن ذراع بن عديّ بن الدار وجبلة بن مالك بن صفارة وأبو هند والطيّب ابنا بر وهو عبد الله بن رزين بن يميت بن ربيعة بن ذراع وهانئ بن حبيب وعزيز ومرّة ابنا مالك بن سوادة بن جذيمة فأسلموا وسمّى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- الطيّب عبد الله، وسمّى عزيز عبد الرحمن، وأهدى هانئ بن حبيب لرسول الله راوية خمر، وأفراسًا، وقباءً مخوّصًا بالذهب، فقبل الأفراس والقباء، وأعطاه العبّاس بن عبد المطّلب، فقال: ما أصنع به؟ قال: تنزع الذهب، فتحلّيه نساءك أو تستنفقه، ثمّ تبيع الديباج، فتأخذ ثمنه، فباعه العبّاس –رضي الله عنه- من رجل من يهود، بثمانية آلاف درهم.وقال تميم: لنا جيرة من الروم لهم قريتان، يقال لإحداها حبرى، والأخرى بيت عينون، فإن فتح الله عليك الشام، فهبهما لي، قال: فهما لك، فلمّا قام أبو بكر –رضي الله عنه- أعطاه ذلك وكتب له به كتابًا وأقام وفد الداريّين حتّى توفّي رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- وأوصى لهم بجادّ مئة وسق).
قوله (فلمّا قام أبو بكر –رضي الله عنه- أعطاه ذلك وكتب له به كتابًا) هذا الكتاب يأتي ذكره -إن شاء الله -تعالى--، ويحمل الإعطاء من أبي بكر على الإمضاء، فإنّ عمر هو الّذي أعطى ذلك تميمًا على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، فأطلق الراوي عليه عطيّة كما سيظهر لك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
قال ابن سعد في الطبقة الرابعة من لخم: (وهو مالك بن عدي بن الحرث بن مرّة/10/ ابن أدد بن يشجب بن عريب: تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة بن ذراع بن عديّ بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم وفد على النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ومعه أخوه نعيم بن أوس وعدّة من الداريّين).
وقال أيضًا في الطبقة الرابعة: (تميم بن أوس الداريّ بطن من لخم ويكنى أبا رقيّة لم يزل بالمدينة حتّى تحوّل إلى الشام بعد ما قتل عثمان –رضي الله عنه-).
وذكر البيهقيّ وغيره من طريق يعقوب ابن سفين أخبرني أبو محمّد الرمليّ قال: (لم يكن لتميم ذكر، إنّما كانت له ابنة تسمّى رقيّة يكنى بها).
وقال أبو سعيد بن يونس في [تأريخ الغرباء]: (تميم بن أوس الداريّ كان ينزل دمشق يقال: قدم إلى مصر حدّث عنه من أهل مصر عليّ بن رباح بحديث واحد).
وقال في [تأريخ مصر]: (تميم بن أوس الداريّ يكنى أبا رقيّة قدم مصر، وقيل أنّ قدومه كان لغزو البحر روى عنه من أهل مصر عليّ بن رباح وموسى بن نصير)، ثمّ ذكر من طريق ابن وهب: (ثنا ابن لهيعة عن موسى بن عليّ بن رباح عن أبيه أنّ تميمًا الداريّ قال: (أتيت النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فحيّيته تحيّة أهل الجاهليّة فقال: إنّما تحيّتنا السلام)).
وقال أبو عبد الله بن مندة: (تميم بن أوس روى عنه النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- حديث الجسّاسة نزل فلسطين وأقطعه -صلّى الله عليه وسلّم- بها أرضًا).
وخرّج الطبرانيّ في [المعجم الكبير]، وأبو نعيم في [معرفة الصحابة]، وابن عساكر في [تأريخ دمشق]؛ على ما نقلته من طريق سعيد بن زياد بن فائد بن زياد ابن أبي هند الداريّ عن أبيه عن جدّه عن أبي هند الداريّ قال: (قدمنا على رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بمكّة ونحن ستّة نفر تميم بن أوس ونعيم أخوه ويزيد بن قيس وأبو هند بن عبد الله وأخوه الطيّب بن عبد الله فسمّاه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- عبد الرحمن وفاكه بن النعمان فأسلمنا وسألناه أن يعطينا أرضًا من أرض الشام فقال: سلوا حيث شئتم، فقال تميم: أرى أن نسأله بيت المقدس وكورتها، فقال له أبو هند: لا تفعل، فإنّي أخاف أن لا يتمّ لنا هذا، قال تميم: فنسأله بيت/11/ جبرين وكورتها، فقال له أبو هند: هذا أكبر وأكبر، قال: فأين ترى أن نسأله؟ فقال: أرى أن نسأله القرى الّتي تصنع فيها حصرنا مع آثار إبراهيم، فقال تميم: أصبت ووفّقت، قال: فقال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- لتميم: أتحبّ أن تخبرني بما كنتم فيه أو أخبرك؟ فقال تميم: بل تخبرنا يا رسول الله نزداد إيمانًا، فقال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أردتم أمرًا فأراد هذا غيره، فنعم الرأي رأيه. قال: فدعا رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بقطعة جلد من أدم فكتب فيها كتابًا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما وهب محمّد رسول الله الداريّين إن أعطاه الله الأرض؛ وهب لهم بيت عين وحبرون وبيت إبراهيم بما فيهنّ لهم أبدًا شهد عبّاس بن عبد المطّلب وجهم بن قيس وشرحبيل بن حسنة وكتب، قال: ثمّ دخل بالكتاب إلى منزله وغشّاه بشيء لا نعرفه وعقده من خارج الرقعة بسيرٍ عقدين وخرج إلينا به مطويًّا وهو يقول: إنّ أولى الناس بإبراهيم للّذين اتّبعوه وهذا النبيّ والّذين آمنوا والله وليّ المؤمنين ثمّ قال: انصرفوا حتّى تسمعوا بي قد هاجرت. قال أبو هند: فانصرفنا، فلمّا هاجر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- إلى المدينة قدمنا عليه فسألناه أن يجدّد لنا كتابًا فكتب لنا كتابًا نسخته: هذا ما أنطى محمّد رسول الله لتميم الداريّ وأصحابه أن أنطيتكم بيت عين وحبرون وبيت إبراهيم بذمّتهم وجميع ما فيهم نطيّة بتّ نفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم من بعدهم أبد الأبد فمن آذاهم/12/ فيها آذاه الله، شهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان وعليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وكتب. فلما قبض رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وولي أبو بكر رضي الله عنه ووجه الجنود إلى الشام كتب لنا كتابًا نسخته: (بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر الصديق إلى عبيدة ابن الجراح سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أمّا بعد؛ امنع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، من الفساد في قرى الداريّين، وإن كان أهلها قد جلوا عنها وأراد الداريّون أن يزرعوها فليزرعوها، فإذا رجع أهلها إليها فهي لهم وأحق بهم، والسلام عليك).
هذا سياقه [عند ] ابن عساكر، وهو حديث منكر؛ لأن قوله إن ذلك وقع مرتين مرة بمكة ومرة في المدينة لا يعرف في شيء من الآثار، وقدوم تميم على النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف كان بالمدينة، والأكثر أنه كان في سنة تسع، وقيل سنة ثمان. ومع هذه النكرة فإن سنده ضعيف، وقد ذكر سعيد بن زياد المذكور أبو حاتم بن حبّان وقال: حديثه باطل، ولا أدري البلاء منه أو من أبيه أو جدّه، وقال أبو الفتح الأزديّ في الضعفاء: سعيد بن زياد متروك.
وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال :”ثنا حجّاج بن محمّد عن ابن جريج عن عكرمة قال: (لمّا أسلم تميم الداريّ قال: يا رسول الله إنّ الله مظهرك على الأرض كلّها فهب لي قريتي من بيت لحم، قال: هي لك، فكتب له بها، فلمّا استخلف عمر -رضي الله عنه- وظهر على الشام جاءه تميم بكتاب رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- فقال عمر: أنا شاهد ذلك فأعطاه إيّاه).
قال مؤلّفه: وفي هذا الخبر مع إرساله انقطاع لأنّ ابن جريج لم يسمع من عكرمة وقد خالف في تسمية الأرض وبيت لحم في القدس لا في بلد الخليل، ويمكن أن يقال: لعلّ بلد الخليل كان من جملة كورة بيت لحم، ويؤيّده قوله: قريتي من بيت لحم أي كورة بيت لحم.
قال أبو عبيد : وحدّثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد: (أنّ عمر -رضي الله عنه- لمّا أمضى ذلك لتميم، قال له: ليس لك أن تبيع)، قال: (فهي في أيدي أهل بيته إلى اليوم)./13/.
قال :”وحدّثني سعيد بن عفير عن ضمرة بن ربيعة عن سماعة: (أنّ تميمًا الداريّ سأل [رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-] أن يقطعه قريات بالشام: عينون وفلانة والموضع الّذي فيه قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب –عليهم السلام- وكان بها ركحه وركنه فأعجب ذلك رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- فقال: إذا صلّيت فسلني ذلك ففعل فأقطعه إيّاهن بما فيهنّ فلمّا كان زمن عمر -رضي الله عنه- وفتح الله [-تبارك وتعالى- عليه] الشام أمضى له ذلك). قال أبو عبيد: الركح الناحية والجمع: أركاح، قال: وأهل المدينة إذا اشتروا الدار قالوا بجميع أركاحها.
قال مؤلّفه: هذا السند معضل، والسند الأوّل مرسل أو معضل، لكن يستفاد منه صحّة أصل هذه القصّة عند الليث بن سعد –رحمه الله- وشهادته بأنّ ذلك لم يزل في أيدي آل تميم فإنّ ذلك يقتضي أنّ عصر الصحابة من لدن عمر -رضي الله عنه- ثمّ عصر التابعين ثمّ عصر من بعدهم مضى على ذلك من غير إنكار.
وخرّج ابن عساكر من طريق حميد بن زنجوية في كتاب الأموال قال: حدّثنا الهيثم بن عديّ قال: أنبأني يونس عن الزهري وثور بن يزيد عن راشد بن سعد قال: (قام تميم الداريّ وهو تميم بن أوس رجل من لخم فقال: يا رسول الله! إنّ لي جيرة من الروم بفلسطين لهم قرية يقال لها: حبرى وأخرى يقال لها: بيت عينون، فإن فتح الله عليك الشام فهبهما لي، قال: هما لك، قال: فاكتب لي بذلك كتابًا فكتب له: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمّد رسول الله لتميم بن أوس الداريّ أنّ له قرية حبرى وبيت عينون كلّها سهلها وجبلها وماؤها وحرثها وأنباطها ولعقبه من بعده لا يحاقه ولا يلجها عليهم أحد بظلم فمن ظلمهم أو أخذ منهم شيئًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وكتب عليّ). فلمّا ولي أبو بكر -رضي الله عنه- كتب لهم كتابًا/14/ نسخته: (هذا كتاب من أبي بكر الّذي استخلف في الأرض بعد كتبه للداريّين ألّا تفسد عليهم مأثرتهم قرية حبرى وبيت عينون لمن كان يسمع ويطيع فلا يفسد منهما شيئًا، وليقم عمرو بن العاص عليهما فليمنعهما من الفاسدين). فهذا الكتاب من أبي بكر -رضي الله عنه- هو وجه قوله في الخبر الماضي: أعطاه ذلك أي أمضاه.
وأمّا تخبير العطاء فإنّما وقع في عهد عمر –رضي الله عنه- كما مضى في الخبر الأوّل لأنّ فتح فلسطين وما حوله لم يفتح إلّا في خلافة عمر –رضي الله عنه-.
وإلى الدعاء الّذي في هذا الأثر يشير ما أخرجه أبو عبيد البكريّ في كتاب [معجم ما استعجم] أنّ سليمان بن عبد الملك بن مروان آخر خلائف بني أميّة، كان إذا مرّ بقريتي تميم يعرج عنهما ويقول: أخاف أن تصيبني دعوة رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-، وجاء الدعاء المذكور من طريق أخرى حسنة المخرج.
قال ابن سعد في كتاب الطبقات: حدّثنا إسماعيل بن عبد الله، هو ابن أبي أويس: ثنا إسماعيل بن عبد الله بن سعيد بن أبي مريم، مولى بني جدعان: عن أبيه: عن جدّه: أنّ كتاب رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- لتميم الداريّ: (هذا كتاب محمّد رسول الله لتميم بن أوس؛ أنّ عينون قريتها كلّها؛ سهلها وجبلها، وماؤها وحرثها، وكرمها وأنباطها، وثمرها؛ له ولعقبه من بعده، لا يحاقهم فيها أحد، ولا يدخل عليهم بظلم، فمن أراد ظلمهم، أو أخذه منهم؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).
وقال ابن سعد أيضًا: (قالوا: وكتب رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- لنعيم بن أوس أخي تميم الداريّ: (أنّ له حبرى وعينون بالشام قريتها كلّها سهلها وجبلها وماؤها وحرثها وأنباطها وبقرها ولعقبه من بعده لا يحاقّه فيه أحد ولا يلجه عليهم بظلم، من ظلمهم وأخذ منهم شيئًا فإنّ عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وكتب: عليّ).
ذكره من طريق الهيثم بن عدي وأبي/15/ دلهمة بن صالح وأبي بكر الهذليّ عن عبد بن بريدة الحصيب وثنا محمّد بن اسحاق عن يزيد بن رومان والزهريّ وثنا الحسن بن عمارة عن فراس.
وأخرجه الحافظ أبو عليّ بن السكن وأبو حفص بن شاهين في كتابيهما في الصحابة في ترجمة تميم الداريّ من طريق إسماعيل بن عبد الله بن خالد بن سعيد بن ابي مريم ورجاله موثوقون إسماعيل بن أبي أويس من شيوخ صاحبي الصحيح وإسماعيل بن عبد الله ثقة مشهور وأبوه وثّقه أحمد بن صالح المصريّ وذكره ابن حبّان في الثقات، وهو تابعيّ صغير، وكأنّه وقف على الكتاب المذكور فحكاه، فهو يقوى على ما تقدّم ويعضده.
وخرّج الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبرانيّ من حديث أحمد بن بهرام الإيذجيّ ثنا عليّ بن الحسين الدرهميّ ثنا الفضل بن العلاء عن الاشعث بن سوار عن محمّد بن سيرين عن تميم الداريّ قال: (استقطعت النبيّ أرضًا بالشام قبل أن تفتح فأعطانيها ففتحها عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- في زمانه فأتيته فقلت: إنّ رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- أعطاني أرضًا من كذا إلى كذا فجعل عمر -رضي الله عنه- ثلثها لابن السبيل وثلثها لعمارتها وثلثها لنا). هكذا أخرجه الطبرانيّ في [معجمه الكبير]، وأورده الحافظ ضياء الدين المقدسيّ في كتاب [الأحاديث المختارة ممّا لم يخرّج في الصحيحين] ورجاله أخرج لهم مسلم من أشعث فصاعدًا، إلّا أنّ في أشعث بن سوار مقالًا.
وابن سيرين لم يسمع من تميم الداريّ، فإنّ مولد محمّد بن سيرين لسنتين بقيتا من خلافة عثمان –رضي الله عنه-، وكان مقتل عثمان في ذي الحجّة سنة خمس وثلاثين، وتميم الداريّ –رضي الله عنه- مات سنة أربعين، ويقال: قبلها، وكان ابن سيرين مع أبويه في المدينة، ثمّ خرجوا إلى البصرة فكان إذ ذاك صغيرًا، وتميم مع ذلك كان بالمدينة ثمّ سكن الشام، وكان انتقاله إلى الشام يوم قتل عثمان –رضي الله عنه-، فهذه علّة خفيّة، تقتضي القدح في صحّة هذا الحديث، لوجود الانقطاع في سنده، ولم يبيّن اسم الأرض المذكورة في هذا الطريق، وجاء بيانها فيما أخرجه أبو عبيد/16/ وغيره كما تقدّم.
وقال محمّد بن سعد: قال محمّد بن عمر –يعني الواقدي-: (وليس لرسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- قطيعة غير حبرى وبيت عينون أقطعهما رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- تميمًا ونعيمًا ابنا أوس وغزا تميم مع رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-، وروى عنه، ولم يزل بالمدينة حتّى تحوّل إلى الشام بعد مقتل عثمان –رضي الله عنه- وكان تميم يكنّى أبا رقيّة.
وقال محمّد بن الربيع في كتاب من دخل مصر من الصحابة وتميم الداريّ شهد فتح مصر فيما أخبرني يحيى بن عثمان ولأهل مصر عنه عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- حديث واحد، فذكر من طريق ابن وهب عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: أخبرني ابن لهيعة عن موسى بن عُلَيّ عن أبيه، أنّ تميم الداريّ كان يبتغي الدين، فأتى اليهود فقالوا: إنّا مغضوب علينا ثمّ أتى النصارى فدلّوه على راهب فأتاه فقال: إنّه خرج من بيت إبراهيم نبيّ، قال تميم: فأتيت النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- فحيّيته تحيّة أهل الجاهليّة، فقال:”إنّما تحيّتنا السلام"؛ فرآني أنظر إليه وحدّثته بأمر الراهب وسألته، فقال:”ائتني بما استطعت من قومك وبالراهب ولن تدركه فإنّه بقيّة القسّيسين الّذين ذكرهم الله في القرآن"، فانصرف فأتاه بنفر من قومه، وفتح الله الشام، فأتى بكتابه إلى أبي بكر -رضي الله عنه- فأمضى له القريتين، فلمّا كان عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- كلّمه أهل القريتين، فأتاه بكتابه، فقال عمر لتميم: هما قريتان من الشام ليس لك أن تستخدم أهلها ولا تبيع، ولكن خراجهما لك؛ فلم يزل ذلك لهم. فلمّا كان عبد الملك بن مروان أراد أن يعرض لهم فأتوا بكتابهم فتركهما، ثمّ كان سليمان بن عبد الملك فأراد أن يعرض لهم فأتوا بكتابهم فخلّى عنهم، قال ابن لهيعة: هي لهم إلى اليوم.
قال ابن الربيع: ولهم عن تميم حكايات فذكر من طريق ابن وهب قال أخبرني ابن لهيعة عن الحرث بن يزيد عن يزيد بن مسروق عن موسى بن نصير قال: كان/17/ تميم الداريّ في البحر غازيا فكان يرسل إليّ لأرسل له بالأسارى من الروم فيتصدّق عليهم ويأمر بهم فيغسلوا ويدهنوا ويمشطوا ومن طريق الوليد بن مسلم عن ابن لهيعة عن الحرث بن يزيد عن موسى بن نصير قال كنّا في غزاة مع تميم الداريّ في البحر فكان يأمرنا بمشط رؤوس الأسارى ودهنهم.
وأخرج البخاري تعليقًا فقال: وقال لي علي بن عبد الله بن يحيى بن آدم ثنا ابن أبي زائدة عن محمّد بن أبي القاسم عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عبّاس -رضي الله عنه- قال:”خرج رجل من بني سهم مع تميم الداريّ وعدي بن بدّآء فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم فلمّا قدما بتركته فقدوا جامًا من فضّة مخوّص من ذهب فأحلفهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمّ وجد الجام بمكّة وقالوا ابتعناه من تميم وعديّ فقام رجلان من أوليائه فحلفا لشهادتنا أحقّ من شهادتهما وإنّ الجام لصاحبهم قال: وفيهم نزلت هذه الآية يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت"، وأخرجه أبو داود فقال: حدّثنا الحسن بن عليّ قال حدّثنا يحيى بن آدم بهذا الإسناد مثله غير أنّه قال جام فضّة مخوّصًا بالذهب وقال فقام رجلان من أولياء السهميّ ذكره البخاريّ في آخر كتاب الوصايا والوقوف وترجم عليه باب قول الله تعالى يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت وأخرجه الترمذيّ أيضًا من حديث يحيى بن آدم قال أبو عبد الله محمدّ بن نصر الحميديّ وليس لعبد الملك في هذا المسند غير هذا الحديث.
وأخرج الترمذيّ من حديث محمّد بن إسحق عن أبي النصر عن باذان مولى أمّ/18/ هانئ عن ابن عبّاس عن تميم الداريّ في هذه الآية يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت قال: برئ منها الناس غيري وغير عدي بن بدّاء وكانا نصرانيّين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام فأتيا الشام لتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني هاشم يقال له:”بزيل بن أبي مريم" بتجارة ومعه جام من فضّة يريد به الملك وهو عظم تجارته فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله قال تميم فلمّا مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثمّ اقتسمناه أنا وعدي بن بدّاء فلمّا قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره قال تميم فلمّا أسلمت بعد قدوم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة تأثّمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأدّيت إليهم خمسمئة درهم فأخبرتهم أنّ عند صاحبي مثلها فأتوا به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فسألهم البيّنة فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه بما يقطع به على أهل دينه فحلف.
فأنزل الله –تعالى-: “يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت.."، إلى قوله:”ويخافون أن تردّ أيمان بعد أيمانهم"؛ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر، فحلفا، فنزعت الخمسمئة درهم من عديّ بن بدّاء.
قال أبو عيسى: هذا الحديث غريب وليس إسناده بصحيح وأبو النضر الّذي روى عنه محمّد بن إسحق هذا الحديث هو عندي محمّد بن السائب الكلبيّ يكنّى أبا النضر، قال أبو عيسى: ولا نعرف لسالم أبي النضر المدنيّ رواية عن أبي صالح مولى أمّ هانئ وقد روي عن ابن عبّاس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه.
ثنا سنين بن وكيع: ثنا يحيى بن آدم: عن ابن أبي زائدة: عن محمّد [أبي] أبي القاسم: عن عبد الملك بن سعيد بن جبير: عن أبيه: عن ابن عبّاس رضي الله عنه: قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداريّ وعدي بن بداء فمات السهميّ بأرض ليس بها مسلم فلمّا/19/ قدما بتركته فقدوا جامًا من فضّة مخوصًا بالذهب فأحلفهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمّ وجد الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم وعدي فقام رجلان من أولياء السهميّ فحلفا بالله لشهادتنا أحقّ من شهادتهما وأنّ الجام لصاحبهم قال وفيهم نزلت يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب من حديث ابن أبي زائدة.
وقال ابن عساكر: وذكر مقاتل بن سليمان المفسّر في تفسيره منقطعًا وقال مولى لبني سهم إلّا أنّه قال ابن أبي مارية بدلًا من أبي مريم قال مقاتل في قوله تعالى يا أيها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت نزلت في بُزَيْل بن أبي مارية مولى العاصي بن وائل السهميّ كان خرج مسافرًا في البحر إلى أرض النجاشيّ ومعه رجلان نصرانيّان أحدهما يسمّى تميم بن أوس الداريّ وكان من لخم وعديّ بن بدّآء فمات بزيل وهم في السفينة في البحر قال حين الوصيّة وذلك أنّه كتب وصيّته ثمّ جعله في متاعه ثمّ دفعه إلى تميم وصاحبه وقال لهما بلّغا هذا المتاع أهلي فجاءا ببعض المتاع وحبسا جامًا من فضّة مموّهًا بالذهب فنزلت يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصيّة يقول عند الوصيّة: شهد وصيّته اثنان ذوا عدل منكم يعني من المسلمين [أو] آخران من غيركم يعني من غير أهل دينكم يعني النصرانيّين تميم الداريّ وعديّ بن بداء إن أنتم يا معشر المسلمين ضربتم في الأرض للتجارة فأصابتكم مصيبة الموت يعني بزيل بن أبي مارية حين انطلق تاجرًا في البحر وانطلق معه تميم وعديّ صاحباه فحضره الموت فكتب في وصيّته ثمّ جعله في المتاع فقال أبلغا هذا المتاع أهلي فلمّا مات بزيل قبضا المال فأخذا منه ما أعجبهما وكان فيما أخذا إناء من فضّة فيه ثلثمائة مثقال منقوشًا مموّهًا بالذهب.
فلمّا رجعا من تجارتهما ودفعا بقيّة المال إلى ورثته ففقدوا بعض متاعه فنظروا إلى الوصيّة فوجدوا المال فيها تامًّا لم يُبعْ منه ولم يُهَبْ فكلّموا تميمًا وصاحبه فسألوهما هل باع صاحبنا شيئًا أو اشترى فخسر أو طال مرضه فأنفق على نفسه/20/ قالا: لا! [قالوا] : فإنّا قد فقدنا بعض ما أبدى به صاحبنا! قال: ما لنا علم بما أبدى ولا بما كان في وصيّته ولكنّه دفع إلينا هذا المال فبلّغناه كما آتاه فرفعوا أمرهما إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فنزلت يا أيّها الّذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت يعني بزيل بن أبي مارية اثنان ذوا عدل منكم من المسلمين عبد الله بن عمرو بن العاص والمطّلب بن أبي وداعة السهميّان أو آخران من غيركم من أهل دينكم يعني النصرانيّين إن أنتم يا معشر المسلمين ضربتم في الأرض تجّارًا فأصابتكم مصيبة الموت يعني بزيل بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهميّ تحبسونهما يعني النصرانيّين تقيمونهما من بعد الصلاة يعني صلاة العصر فيقسمان بالله يقول فيحلفان بالله إن ارتبتم يعني إن شككتم أنّ المال كان أكثر من هذا الّذي آتيناكم به لا نشتري به ثمنًا يقول لا نشتري بإيماننا عوضًا من الدنيا ولو كان ذا قربى يقول ولو كان الميّت ذا قرابة منّا ولا نكتم شهادة الله إنّا إذًا لمن الآثمين.
فحلّفهما النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عند المنبر بعد صلاة العصر فحلفا أنّهما لم يخونا شيئًا من المتاع فخلّى سبيلهما فلمّا كان بعد ذلك وجدوا الإناء الّذي فقدوه عند تميم الداريّ قالوا هذا كان من آنية صاحبنا الّذي كان أبداها وقد زعمتما أنّه لم يبع ولم يشتر ولم ينفق على نفسه فقالا قد كنّا اشتريناه منه فنسينا أن نخبركم به فرفعوهما إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الثانية فقالوا يا نبيّ الله إنّا وجدنا مع هذين إناء من فضّة من متاع صاحبنا فأنزل الله تعالى فإن عثر على أنّهما يقول فإن اطّلع على أنّهما يعني النصرانيّين كتما شيئًا من المال أو خانا فآخران من أولياء الميّت وهما عبد الله بن عمرو بن العاص والمطّلب بن أبي وداعة السهميّان يقومان مقامهما يعني مقام النصرانيّين من الّذين استحقّ عليهم الأوليان أي استحقّ عليهم الإثم فيقسمان بالله يعني فيحلفان بالله في دبر صلاة العصر أنّ الّذي قال في وصيّة صاحبنا حقّ وأنّ المال كان أكثر من الّذي أتيتمانا به وأنّ هذا الإناء لمن متاع صاحبنا الّذي خرج به وكتبه في وصيّته وانّكما خنتما/21/ فذلك قوله تعالى لشهادتنا يعني عبد الله بن عمرو بن العاص والمطّلب بن أبي وداعة أحقّ من شهادتهما يعني النصرانيّين وما اعتدينا في الشهادة عليكما يعني النصرانيّين بشهادة المسلمين من أولياء الميّت إنّا إذًا لمن الظالمين ذلك أدنى يعني أجدر أن يأتوا يعني النصرانيّين بشهادة على وجهها كما كانت ولا تكتما شيئًا أو يخافوا أن تردّ أيمان بعد أيمانهم يقول أو يخافوا أن يطّلع على خيانتهما فتردّ شهادتهما بشهادة الرجلين المسلمين من أولياء الميّت فحلف عبد الله والمطّلب كلاهما أنّ الّذي في وصيّة الميّت حقّ وأنّ هذه الآنية من متاع صاحبنا فأخذوا تميم بن أوس الداريّ وعدي بن بداء النصرانيّين بتمام ما وجدوا في وصيّة الميّت حين اطّلع الله على خيانتهما في الإناء ثمّ وعظ الله المؤمنين أن يفعلوا مثل هذا أو يشهدوا بما لم يروا ولم يعاينوا فقال يحذّرهم نقمته واتّقوا الله واسمعوا مواعظه والله لا يهدي القوم الفاسقين.
ثمّ إنّ تميم بن أوس الداريّ اعترف بالخيانة فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويحك يا تميم أسلم يتجاوز الله عنك ما كان في شركك فأسلم تميم الداريّ وحسن إسلامه ومات عديّ بن بداء نصرانيًّا. انتهى.
وقد ذكر أبو جعفر محمّد بن جرير الطبريّ عن قتادة وابن سيرين وعن عكرمة وابن زيد ومقاتل بن حبّان هذه القصّة يعني ما تقدّم.
وقال ابن سعد ثنا محمّد بن عمرو حدّثني العطاف بن خالد عن خالد بن سعيد قال: قال تميم الداريّ: كنت بالشام حين بُعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فخرجت إلى بعض حاجتي وأدركني الليل فقلت أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة قال: فلمّا أخذت مضجعي إذا مناد ينادي لا أراه: عُذ بالله! فإنّ الجنّ لا تجير أحدًا على الله. فقلت: أيم تقول؟ فقال: قد خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصلّينا خلفه بالحجون وأسلمنا واتّبعناه وذهب كيد الجنّ ورميت بالشهب فانطلق إلى محمّد وأسلم فلمّا أصبحت ذهبت إلى دير أيّوب فسألت راهبًا به وأخبرته الخبر فقال قد صدقوك تجد يخرج من/22/ الحرم ومهاجره الحرم وهو آخر الأنبياء فلا تُسبَقْ إليه. فتكلّفتُ الشخوص حتّى جئتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأسلمت.
وقال عبد الرزّاق: ثنا معمر عن قتادة في قوله تعالى ومن عنده علم الكتاب قال منهم عبد الله بن سلام وسلمان الفارس وتميم الداريّ وقال محمّد بن سعد أنا مسلم بن إبراهيم ثنا قرّة بن خالد ثنا محمّد بن سيرين قال: جمع القرآن على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أُبيّ بن كعب وزيد بن ثابت وعثمان بن عفّان وتميم الداريّ رضي الله عنهم وقال سليمان بن حرب ثنا حمّاد عن أيّوب وهشام عن محمّد قال: جمع القرآن على عهد رسوا الله صلّى الله عليه وسلّم أربعة لا تختلف فيهم معاذ بن جبل وأبيّ بن كعب وزيد وأبو زيد واختلفوا في رجلين من ثلاثة قالوا عثمان وأبو الدرداء وقالوا عثمان وتميم الداريّ وقال ابن سعد ثنا هودة بن خليفة ثنا عوف بن محمّد قال قُبض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولم يجمع القرآن من أصحابه غير أربعة نفر كلّهم من الأنصار والخامس مختلف فيه والنفر الّذين جمعوه من الأنصار زيد بن ثابت وأبو زيد ومعاذ بن جبل وأبيّ بن كعب والّذي يختلف فيه تميم الداريّ.
ثنا عفّان بن مسلم ثنا وهي ثنا أيّوب عن أبي قلابة عن أبي المهلّب عن أبيّ بن كعب أنّه كان يختم القرآن في ثمان ليال وكان تميم الداريّ يختمه في سبع وقال ابن المبارك ثنا عاصم بن سليمان عن ابن سيرين أنّ تميمًا الداريّ كان يقرأ القرآن في ركعة وعن عاصم الأحول عن ابن سيرين عن تميم الداريّ أنّه قرأ القرآن في ركعة.
وقال ابن سعد ثنا عفّان بن مسلم ثنا وهيب ثنا محمّد بن أبي بكر عن أبيه قال زارتنا عمرة فباتت عندنا فقمت من الليل فلم أرفع صوتي بالقراءة فقالت يا ابن أخي ما منعك أن ترفع صوتك بالقراءة فما كان يوقظنا إلّا صوت معاذ القارئ وتميم الداريّ وقال خارجة بن مصعب ختم القرآن في ركعة واحدة أربعة من الأئمّة عثمان بن عفّان وتميم الداريّ وسعيد بن جبير وأبو حنيفة رضي الله عنهم./23/
وقال أبو الضحى عن مسروق قال لي رجل من أهل مكّة هذا مقام أخيك تميم الداريّ صلّى ليلة حتّى كرب أن يصبح يقرأ آية يردّدها ويبكي أم حسب الّذين اجترحوا السيّئات أن نجعلهم كالّذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون وفي رواية عن مسروق أنّ تميم الداريّ ردّد هذه الآية حتّى أصبح إن تعذّبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم وعن منكدر بن محمّد عن أبيه أنّ تميم الداريّ نام ليلة لم يقم يتهجّد فيها حتّى أصبح فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للّذي صنع.
وروى الجزريّ عن أبي العلاء بن الشخّير عن معاوية بن حرمل أنّ تميمًا الداريّ أضافه وأنّ نارًا خرجت بالحرّة فجاء عمر بن الخطّاب إلى تميم رضي الله عنهما فقال له قم إلى هذه النار فقال من أنا فما زال به حتّى قام معه فتبعتهما فانطلقا إلى النار معًا فجعل تميم يحوشها بيده حتّى دخلت الشعب فدخل خلفها فجعل عمر رضي الله عنه يقول ليس من رأى كمن لم ير.
وقال قتادة عن أنس رضي الله عنه أنّ تميم الداريّ اشترى حلّة بألف درهم فخرج فيها وقال السائب بن يزيد أوّل من قصّ تميم الداريّ استأذن عمر رضي الله عنه فأذن له فقصّ قائمًا. وعن تميم الداريّ أنّه قال لَثلاث ركعات نافلة أحبّ إليّ من أن أقرأ القرآن في ليلة ثمّ أصبح فأقول قرأت القرآن الليلة. وعن أبي سعيد قال: أوّل من أسرج في المساجد تميم الداريّ رواه ابن ماجه ووجد على نصب قبر تميم أنّه توفّي في سنة أربعين رضي الله عنه.

فصل
قال القاضي أبو بكر محمّد بن العربي في شرح الموطّأ لمّا تكلّم في البيوع على حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال هي صحيفة صحيحة وإنّما تركها من تركها لقوله أنّها غير مسموعة وهذا لا يمنع من الاحتجاج وقد كان عند أولاد/24/ تميم الداريّ كتاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في قطعة أديم بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أنطى محمّد رسول الله تميمًا الداريّ أقطعه قريتي حبرى وبيت عينون بلد الخليل فبقي ذلك في يده وفي يد أهله إلى أن غلب الفرنج على القدس والخليل سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة.
قال: وقد اعترض بعض الولاة على آل تميم أيّام كنت بالشام وأراد انتزاعها منهم فحضر القاضي حامد الهروي الحنفي واحتجّ الداريّون بالكتاب فقال القاضي: هذا الكتاب ليس بلازم لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أقطع تميمًا ما لم يملك فاستفتى الوالي الفقهاء وكان الطوسيّ يعني الشيخ أبا حامد الغزاليّ حينئذ ببيت المقدس فقال هذا القاضي كافر فإنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: زويت لي الأرض كلّها وكان يقطع الجنّة فيقول: قصر كذا لفلان فوعده صدق وعطاؤه حقّ قال: فخزي القاضي الموالي وبقي آل تميم على ما بأيديهم.
وقد ذكر القاضي أبو بكر بن العربيّ رحمه الله هذه القصّة في كتاب”قانون التأويل"، وهو كتابٌ جمعه من فوائد الشيخ أبي حامد الغزاليّ رحمه الله ونصّه:”ما قوله -أدام الله علوّه- فيما أقطع رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- تميمًا الداريّ من الشام، قبل أن يملكه أهل الإسلام. ما وجه صحّته، مع أنّه جرى قبل الملك، ولم يتّصل به القبض، ولم يجر تحديد محلّ الإقطاع. هل يجوز للإمام أن ينزع ذلك من يد آل تميم؟ ومتى يحصل الملك للمُقطَع؟ فأجاب: ذلك الإقطاع صحيح لتميم، ومنتقل إلى أعقابه. ووقت حصول الملك عند تسليم الإمام المستولي على تلك الأرض له. ذلك ووجه صحّته أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- كان مختصًّا بالصفايا من المغنم، حتّى كان يختار من المغنم ما يريد، ويدفع ملك المسلمين عنه بعد استيلائهم عليه. فكذلك كان له أن يستثني بقعة من ديار الكفر عن ملك المسلمين ويعيّنها لبعض المسلمين فتصير ملكًا له ويكون سبب الملك تسليم الإمام/25/ بأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهي من التخصيصات قبل الاستيلاء وليس ذلك لغيره من الأئمّة فإنّه صلّى الله عليه وسلّم كان مطّلعًا بالوحي على ما سيملك في المستقبل وعلى وجه المصلحة في التخصيص والاستثناء وغير ذلك ولا يطّلع غيره عليه وأمّا قول من قال لا يصحّ إقطاعه لأنّه قبل الملك فهو كفر محض لأنّه يقال له: هل حلّ لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما فعل؟ أو كان ظالمًا بتصرّفه ذلك؟ فإن جعله ظالمًا كفر، وإن قال: أنّه علم لكن علم أنّه لا يحصل قيل له: فلا يبقى إلّا أنّه أقدم عليه مع علمه ببطلانه، فطيّب قلب من سأله بما لا يحصل له، وهذا محض الخداع والتلبيس، ومن نسبه إلى ذلك فقد كفر.
وأمّا قوله أنّ القبض لم يحصل فهو مردود من وجهين أحدهما أنّ أفعاله صلّى الله عليه وسلّم حجّة فهو كما لو وهب امرأة رجل لرجل آخر فإنّها تحرم على الأوّل وتحمل على أنّه أوحي إليه أنّها حرمت عليه وحلّت للآخر بل الإقطاع المذكور نظير ما لو اقتطع الإمام شخصًا من موات الأرض شيئًا فإنّ الإقطاع يصحّ ولا يملكه المقطَع في الحال بل إنّما يملكه بالإحياء والقبض ليس بشرط في صحّة هذا التخصيص وأمّا الحدّ فليس شرطًا للصحّة ولا سيّما في الأمور العامّة وإنّما يشترط التسليم وللإمام عند التسليم أن يعوّل فيه على الشهرة وله أن يتسامح فيما يقع منه في محلّ الاشتباه فإنّ مبنى هذه الأمور على المساهلة بخلاف التصرّفات الجزئيّة" انتهى.
ففي كلام الغزاليّ هذا أنّه يرى أنّ عطاء ذلك لتميم الداريّ من الخصائص النبويّة. ويجعله من الصفايا المختصّة به –صلّى الله عليه وسلّم- فلا يكون لأحد من الأئمّة بعد النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- أن يقطع أحدًا من الرعيّة شيئًا لم يدخل في ملك المسلمين. وطريقة أبي الحسن الماورديّ على ما ذكر في”الأحكام السلطانيّة" يرى جواز ذلك عمومًا، وهي أقوى؛ لأنّ الأصل التأسّي، والخصائص لا تثبت بالاحتمال. وفي كلام الغزاليّ أيضًا ما يشير إلى أنّ ذلك من جملة وعوده -صلّى الله عليه وسلّم-. ولم يعدّ أحدٌ هذا من الخصائص سواه، وعدّ أبو عبيد/26/ القاسم بن سلام في كتاب”الأموال" ذلك من باب النفل، وأنّ للإمام بعده أن ينفّل من يرى تنفيله من المقاتلة ما يرى فيه المصلحة. لكن هل يختصّ ذلك بالمنقولات؟ أو يدخل فيه العقار؟ وهل يكون ذلك بعد الظفر وقبل القسمة؟ أو قبل الظفر؟ هذا محلّ نظر.
وفي الجملة فقد وُجد النقل عن أئمّة السلف وأئمّة المذاهب بتصحيح الصورة المسؤول عنها بخصوصها. وقال الشيخ تقيّ الدين السبكيّ في (إحياء الموات) من”شرح المنهاج": إقطاعات النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- كانت في الموات". قال الماورديّ:”إلّا ما كان من شأن تميم الداريّ وأبي ثعلبة الخشنيّ فيحتمل أن يكون أقطعهما إقطاعَ تقليد لا إقطاعَ تمليك ويجوز أن يكونا مخصوصَيْن بذلك لتعلّقه بتصديق خبر وتحقّق إعجاز وأمّا الأئمّة بعده فأبو بكر وعمر رضي الله عنهما لم يقطعا إلّا مواتًا إلّا أنّ عمر اصطفى من أموال كسرى من أرض السواد فكان يغلّ شيئًا يصرفه في مصالح المسلمين ولم يقطع منها شيئًا ثمّ إنّ عثمان -رضي الله عنه- أقطعهما إقطاع إجارة أو أمرهم أن يؤجّروها بأجرة معلومة لينتفعوا بها مع بقاء الرقبة" انتهى.
فيستفاد من هذا أنّ الماورديّ تردّد في مأخذ الإقطاع الذي وقع لتميم وجواز أن يكون من الخصائص بعد أن حكى الخلاف هل لغير النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- أن يفعل ذلك والله أعلم.

فصل
في مسائل
الأولى: على صحّة دعوى الداريّين العطيّة المذكورة والجواي أنّ يدهم ثابتة ومستندها الآثار المتقدّمة فإنّ مجموعها يدلّ على أنّ لذلك أصلًا مع ما انضمّ إلى ذلك من شهادة الليث بن سعد أحد فقهاء الأمصار كما تقدّم النقل عنه وعن غيره بأصل العطيّة وإن وقع التغاير في صفتها.
الثانية: هل كانت على جهة الوقفيّة أو الهبة أو غيرها؟
والجواب: أنّه ليس في شيء من الآثار التصريح بالوقفيّة إلّا ما في الأثر السابق عن عمر –رضي الله عنه- أنّه شرط عليه أن لا يبيع وأن يخرج ثلثًا/27/ في العمارة وثلثًا لابناء السبيل والّذي يتحرّر أنّ ذلك كان إرصادًا له ولذرّيّته إلى آخر الدهر فامتثل الأئمّة ذلك إلى اليوم.
الثالثة: هل يختصّ ذلك بتميم وذرّيّته؟ وإذا اختصّ هل يعمّ ذكورهم وإناثهم؟ وإذا لم يختصّ بذرّيّته هل يدخل فيه أقاربه؟
والجواب: أنّه يختصّ بعد تميم بذرّيّته سواءً كانوا ذكورًا أو إناثًا لأنّ أهل النسب متّفقون على أنّ تميمًا لم يعقّب سوى ابنته رقيّة وبها كان يكنّى وأمّا أقاربه فوقع في بعض الآثار المتقدّمة أنّ لهم مدخلًا في ذلك فإن ثبت ذلك دخلوا وكانوا في الاستحقاق سواءً.
الرابعة: هل يثبت كونهم أقارب تميم بمجرّد قولهم وهل تكفي شهادة بعضهم لبعض؟
والجواب: أنّ من كان بيده شيء كفاه وضع يده ومن رام الدخول لم يكفه مجرّد دعواه ويكفي في ثبوت كونه منهم وجود الشهرة لمن يدّعي ذلك فإنّ النسب ممّا يثبت بالاستفاضة إلّا إن ثبت ما يخالفه وتقبل شهادة بعضهم لبعض.
الخامسة: إذا ثبت كونه من أقارب تميم بالشهرة هل يكون ذلك أقوى من عموم تصرّف الإمام في أراضي بيت المال؟
والجواب: أنّ الشهرة قد صحبها العمل المستمرّ مع ترك النكير من عهد الفتوح إلى الآن وقد نازع في ذلك قوم أحيانًا وخصموا واستمرّ ذلك بأيدي المذكورين فخصّ ذلك من عموم تصرّف الإمام إلّا أنّه لا يرتفع إلّا بالنسبة لنقل ذلك عنهم إلى غيرهم وأمّا مع إبقائه عليهم فلا.
السادسة: هل تقبل دعواهم أنّ البلدتين المذكورتين الموجودتين الآن هما المراد بما في العطيّة المذكورة؟
والجواب: أن مهما كان بأيديهم فإنّه يحمل على أنّه من العطيّة ومهما كان ليس بأيديهم لم يقبل أنّه داخل في العطيّة إلّا ببيّنة لأنّه يطرقه احتمال حدوث إحياء فيما يجوز فيه الإحياء ممّا كان خارج البلد مثلًا ثمّ اتّصل بها فلا تنزع ممّن هو بيده بمجرّد دعواهم أنّ ذلك داخل في عموم عطيّة البلدين فمهما ثبت أنّه كان مبنيًّا أو مغروسًا أو مسكونًا في وقت العطيّة فإنّها تشمله وما لا بدّ منه من إقامة البيّنة ومهما تعذّرت فيه البيّنة أقرّ على من هو بيده.
السابعة: هل يستحقّون حكر جميع البلدتين حتّى المغارة؟
والجواب: أنّ الأصل/28/ استحقاقهم لذلك جميعه إلّا أنّه يستثنى ما كان فيهما من مساجد ومقابر المسلمين فإنّها لا تدخل في العطيّة وكذلك من وجد بيده شيء غير ذلك لا ينزه منه إلّا بعد ثبوت أنّه ممّا دخل في العطيّةوأمّا المغارة الّتي فيها قبور الأنبياء عليهم السلام فلا يحلّ لأحد أن يطالب بحكرها فإنّها لم تدخل في العطيّة لكون الخليل عليه السلام اشتراها لدفن أهله فإنّ العطيّة إنّما وقعت على ما لا ملك فيه لمسلم ولا اختصاص فكيف إذا كان لنبيّ من أنبياء الله تعالى.
الثامنة: هل لهم المطالبة بأكثر من أجرة المثل وهل لهم إلزام أحد بقلع بنائه أو غراسه قبل العلم بأنه وضع بغير حق؟
والجواب أنّهم في استحقاق أجرة الأرض والبناء كغيرهم فمهما كان في أيديهم على ما تقدّم تقريره ووضع أحد عليه يده بغير حقّ وجب انتزاعه منه فإن بنى في أرضهم بغير حقّ وجب إزالته إلّا إن ظهر أنّ الأحظّ لهم إبقاؤه بأجرة المثل فيجوز تبقيته وإن وجد بناء وضع بحقّ كأن استؤجر ليُبنى واستوفيت شروط ذلك وانقضت مدّة الإجارة فإنّ اللازم بعد ذلك أجرة المثل وإن جهل هل وضع بحقّ أو لا لم ينزع إلّا إن يثبت أنّه وضع بغير حقّ وليس لهم أن يطالبوا من ثبت لهم عليه أجرة إذا لم يكن بيده إجارة صحيحة بأكثر من أجرة المثل.

التاسعة: هل للإمام أن يولي على هذا المُرصَد ناظرًا يوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه وإذا كان له ذلك هل يقتصر على ناظر واحد أو يجوز تعدّد النظّار أو يولي كلّ واحد النظر على ما يستحقّه؟
والجواب: أنّ له جميع ذلك لكن الأولى اجتماع الكلمة في واحد ولا سيما عند وقوع التنازع.
العاشرة: إذا ساغ للإمام إقامة ناظر عليهم فهل يشترط أن يكون الناظر منهم أو يجوز أن يكون من غيرهم وهل يجوز أن يقرّر للناظر عليهم أجرة؟
والجواب:/29/ يجوز أن يكون الناظر عليهم منهم فإن لم يكن منهم متأهّل فيتعيّن أن يكون من غيرهم وأمّا الأجرة فلا يقرّرها إلّا إن لم يجد متبرّعًا فيقرّر حينئذٍ أجرة المثل من غير زيادة فإن وجد من يعمل بدونها تعّين وإن وجد متبرّعًا تعين أيضًا.
تنبيه الذي استيفض في الأخبار أنّ القريتين ما زالتا منذ فتحت البلاد في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب –رضي الله عنه- بيد الداريّين إلى أن استولى الفرنج على القدس والخليل وفلسطين فلمّا استولوا على تلك الديار خلت من جميع المسلمين لأنّهم قتلوا بها من كان من المسلمين وفرّ من بقي منهم إلى أمصار أهل الإسلام كالعراق والشام ومصر والمغرب والحجاز واليمن فلمّا أعاد الله تعالى البلاد إلى الإسلام بعد إقامتها بأيدي الفرنج نحو مائة سنة لم يتبيّن لي إلى الآن كيف وضع الداريّون أيديهم على القريتين فإنّه لم يتأخّر بتلك البلاد ممّن كان قبل أخذ النصارى أحد من الداريّين إلى أن استردّها المسلمون فيحتاج إلى كيف وضع من عاد منهم إلى بلاده يده بطريق شرعيّ أم لا والله أعلم.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم
وكتب هذه النسخة فقير رحمة ربّه الفتّاح عليّ بن محمّد الملّاح غفر الله ذنوبه وستر عيوبه بمحمّد وآله أمين من نسخة مصحّحة بخطّ مؤلّفها وهذه وما قبلها كتبها الفقير خمس مرّات وذلك في ثماني جمادى الأوّل سنة ثمانية عشر وألف.