المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل هي رغبة المشاحن والعاصي ؟ حديث: هَلاكُ أُمَّتِي فِي الْكِتَابِ وَاللَّبَنِا



محمد أسعد التميمي
09-06-2008, 08:13 PM
من مقالات شيخنا هشام العارف –حفظه الله-

(1) هل هي رغبة المشاحن والعاصي ؟ حديث: هَلاكُ أُمَّتِي فِي الْكِتَابِ وَاللَّبَنِ:
أخرج الإمام أحمد، وأبو القاسم في "فتوح مصر وأخبارها"، والفسوي في "المعرفة والتاريخ"، وأبو يعلى في "مسنده"، والطبراني في "الكبير"، والهروي في "ذم الكلام وأهله" (206)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" وترجم له بقوله: باب فيمن تأول القرآن أو تدبره وهو جاهل بالسنة، وابن بطة في "الإبانة والرد على الجهمية"، والطبري في "التفسير" عند قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ)، والحاكم في "المستدرك"، وأورده شيخنا الألباني في "الصحيحة" (2778) تحت عنوان: "هلاك من يفسر القرآن بغير السنة، ومن يؤثر الدنيا على الآخرة".
عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ:
"هَلاكُ أُمَّتِي فِي الْكِتَابِ وَاللَّبَنِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكِتَابُ وَاللَّبَنُ؟ قَـالَ: يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ فَيَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ـ عَزَّ وَجَلّ ـ، وَيُحِبُّونَ اللَّبَنَ فَيَدَعُونَ الْجَمَاعَاتِ وَالْجُمَعَ وَيَبْدُونَ".
ومعنى يبدون: يسكنون البادية .
وفي رواية: "إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْكِتَابَ وَاللَّبَنَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بَالُ الْكِتَابِ ؟ قَالَ: يَتَعَلَّمُهُ الْمُنَافِقُونَ ثُمَّ يُجَادِلُونَ بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا . فَقِيلَ وَمَا بَالُ اللَّبَنِ؟ قَالَ أُنَاسٌ يُحِبُّونَ اللَّبَنَ ( وفي رواية: فينتجعه أقوام لحبه ) فَيَخْرُجُونَ مِنْ الْجَمَاعَاتِ وَيَتْرُكُونَ الْجُمُعَاتِ".
وفي رواية: "إِنِّي أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي اثْنَتَيْنِ: الْقُرْآنَ وَاللَّبَنَ، أَمَّا اللَّبَنُ فَيَبْتَغُونَ الرِّيفَ وَيَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ وَيَتْرُكُونَ الصَّلَوَاتِ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَيَتَعَلَّمُهُ الْمُنَافِقُونَ فَيُجَادِلُونَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ".
قال ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ بعد أن بوب لهذا الحديث بقوله: الباب السابع والستون: فيمن تأول القرآن وتدبره وهو جاهل بالسنة:
"أهل البدع أجمع أضربوا عن السنة، وتأولوا الكتاب على غير ما بينت السنة، فضلوا وأضلوا، ونعوذ بالله من الخذلان، ونسأله التوفيق والعصمة".
قال شيخنا ـ رحمه الله ـ: ومن ضلالهم تغافلهم عن قوله ـ تعالى ـ في كتابه موجهاً إلى نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ). أ .هـ
وهلاك أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ باللبن يعني من أجل تعلقهم بالدنيا فيتبعون الشهوات ويتركون الصلوات .
فتبين من حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المتقدم أن هلاك الأمة وتفتتها راجع إلى:
أولاً: رغبة المشاحن ـ وهي أخطر ـ
بسبب التأويلات الفاسدة، ومصدرها أهل البدع والأهواء، الذين بآرائهم الكلامية يفرقون الأمة، ويثنونها عن الكتاب والسنة، فهم يفسدون ولا يصلحون . فهم ببدعهم وآرائهم الفاسدة، وتحريفاتهم الضالة يضللون العوام، ويسيئون إلى فطرتهم، ويتركونهم في حيرة فينصرف الكثير منهم إلى الدنيا لا إلى التدين بدين الله الحق، فراراً مما تولد عندهم من تفرق كلـمة الحق .
لذلك كان تخوف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن . فقد أخرج الإمام أحمد ـ واللفظ له ـ، والبزار، وابن بطة في "الإبانة"، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ". ولفظه عند البزار (305): "حذرنا رسول الله ـ صلـى الله عليه وسلم ـ: كل منافق عليم اللسان". والحديث أخرجه ابن حبان، والطبراني في "الكبير"، والبزار، عن عمران بن حصين، ولفظه عند ابن حبان: "أخوف ما أخاف عليكم جدال المنافق عليم اللسان". ورمز له شيخنا بالصحة في "الترغيب والترهيب" (128).
وهذا عثمان بن حاضر فيما أخرجه الهروي في "ذم الكلام وأهله" (163) ؛ يسأل حبر الأمة ابن عباس عن شيء فيرد عليه ابن عباس قائلاً: "عليك بالاستقامة، واتباع الأثر، وإياك والبدع" فيحذره ـ رضي الله عنه ـ مـن البـدع، ويوصيه بالاستقامة واتباع الأثر .
وأخرج الهروي في "ذم الكلام" (164)، وابن عبد البر في "بيان العلم وفضله" عن ميمون بن مهران قال:
"إن هذا القرآن خَلِقَ في صدور كثير من الناس والتمسوا ما سواه من الأحاديث، وإن ممن يتبع هذا العلم من يتخذه بضاعة يريد بها الدنيا، ومنهم من يريد أن يشار إليه، ومنهم من يماري به، وخيرهم الذي يتعلمه ليطيع الله به".
فأشار ـ رحمه الله ـ إلى أن هذا القرآن بلي في صدور كثير منهم لكنهم للأسف طلبوه لا من السنة، بل من آرائهم وموجوداتهم وأهوائهم وكلامهم الذي يشبهون به على الناس .
وقسَّم ـ رحمه الله ـ طلاب القرآن إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: طلبوه بضاعة يستأكلون به يريدون به الدنيا .
القسم الثاني: طلبوه رياء وسمعة .
القسم الثالث: طلبوه ليجادلوا به، ويبتدعوا من خلاله من المحدثات ما أنزل الله بها من سلطان، سواء كانت هذه المحدثات محدثات عقدية ؛ في العلوم الشرعية، أو في التطبيق العملي للعبادات الشرعية، ومعلوم أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة .
والقسم الرابع: هم أهل الطاعة أتباع منهاج النبوة والسلف الصالح، الذين طلبوا القرآن طاعة لله ـ تعالى ـ، وهؤلاء هم خيارهم، ونحث طلابنا أن يكونوا على الحق ومن أهل هذه الطائفة .
ثانياً: رغبة العاصي
بسبب التعلق بالدنيا: ويكون بإتباع الشهوات، وارتكاب المعاصي وعمل المحرمات .