غالب عارف نصيرات
09-01-2008, 10:16 PM
دعوتنا السلفية منصورة لأنها ظاهرة على الحق
إعداد: هشام بن فهمي العارف
تاريخ 01/09/1429 الموافق 01/09/2008
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد ؛
دعوتنا السلفية منصورة بنص الكتاب والسنة، منصورة لأنها دعوة الأنبياء والرسل، ودعوة الصحابة؛ السلف الصالح، ودعوة الحق، ودعوة أهل الحديث. وفضّلها الله على غيرها من الدعوات وكتب لها البقاء لأنها دعوته فأيَّدها وجعلها مستمرة قائمة بالحجة على عباده. وضمَّ إليها من خلقه أولياءه ـ صفوة الناس ـ الذين تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، فهي باقية على الرغم من تعاظم الفتن ونزول الجهل.
قال الحرالي:
(1) "والنصر لا يكون إلا لمحق، وإنما يكون لغير المحق الظفر والانتقام". ["نظم الدرر" للبقاعي (2/1)]
ومن المهم أن يتذكر الإنسان نعم الله ـ تعالى ـ، وأغلى هذه النعم الدعوة السلفية التي دعا إليها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال ـ تعالى ـ في سورة البقرة:
(2) (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(151).
فحذر الله ـ تعالى ـ قريشاً أن تسلك مسلك المغضوب عليهم والضالين، فيكفرون نعمة الله ـ تعالى ـ، فقدَّم هذا التحذير على هذا الامتنان بقوله عن أهل الكتاب:
(3) (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ(147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(148).
قال العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ:
(4) "فالعالم عليه إظهار الحق، وتبيينه وتزيينه، بكل ما يقدر عليه من عبارة وبرهان ومثال، وغير ذلك، وإبطال الباطل وتمييزه عن الحق، وتشيينه وتقبيحه للنفوس بكل طريق مؤد لذلك، فهؤلاء الكاتمون عكسوا الأمر فانعكست أحوالهم".
فالدعوة السلفية ـ بارك الله فيكم ـ وعصمكم من الزلل؛ منصورة لأن أهلها القائمون عليها يثبتون على الحق عند الابتلاء فلم يختلفوا ولم يتغيروا، فلثباتهم على الحق وظهورهم عليه بقوا في دائرة أهل الحديث، ونجوا من الانحراف فلم يدخلوا في درب أهل البدع ولم يضربوا عن السنة، فإن السير في ركب أهل البدع والأهواء مخرج من دائرة أهل الحديث، ومورث للهزيمة، وممهد لتأوّل الكتاب على غير ما بيَّنت السنة قال ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ:
(5) "أهل البدع أجمع أضربوا عن السنَّة، وتأولوا الكتاب على غير ما بيَّنت السنَّة، فضلوا وأضلوا، ونعوذ بالله من الخذلان، ونسأله التوفيق والعصمة ".[جامع بيان العلم وفضله]
لذا كان تخوف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتحذيره من منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن، بسبب حرمانه النعمة الكبرى؛ نعمة الدعوة السلفية، فقد أخرج الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب مرفوعاً :
(6) "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان". ["الصحيحة" (1013)] وأخرجه البزار ـ بلفظ ـ:
(7) "حذرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: كل منافق عليم اللسان".
وعن عمران بن حصين مرفوعاً:
(8) "أخوف ما أخاف عليكم جدال المنافق عليم اللسان".[ "أخرجه ابن حبان ـ واللفظ له ـ، والطبراني في "الكبير"، والبزار]
وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر:
(9) "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال يهدمه: زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين". [رواه الدرامي، وهو في "مشكاة المصابيح" (269)]
فعلى المسلم أن يحذر أمثال هؤلاء المبتدعة أصحاب الأهواء الذين يصفون سعي الطائفة المنصورة بالغلو والتشدد.
والشقاق الذي افتعله من استطعموا النعمة بعد انتسابهم للدعوة السلفية، وخرجوا عن الجماعة؛ جماعة المسلمين، التي وصفها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله:
(10) "هي ما أنا عليه وأصحابي". [راجع "الصحيحة"(203)]
منذر لهم بالعقاب الوخيم، ومنذر لهم بالهزيمة والخزي والعذاب لأن الله ـ تعالى ـ قال:
(11) (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)[النساء/115]
قال شيخنا الإمام الألباني ـ رحمه الله ـ:
(12) "هذه الآية أرجو أن تكون ثابتة في ألبابكم، وفي قلوبكم، ولا تذهب عنكم، لأنها الحق، (مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)، وبذلك تنجون عن أن تنحرفوا يميناً أو يساراً، وعن أن تكونوا ـ ولو في جزئية واحدة، أو مسألة واحدة ـ من فرقة من الفرق غير الناجية، إن لم نقل: من الفرق الضالة، [قلت: بل هي بالتأكيد فرق ضالة لأنها غير ناجية من العذاب] لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في الحديث المعروف، واقتصر منه ـ الآن ـ على الشاهد منه:
(13) "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلَها في النار إلا واحدة".
قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال:
(14) "هي الجماعة".["الصحيحة" (204و1492)]
وقال الشيخ ـ رحمه الله ـ معرّفاً:
(15) "الجماعة: هي سبيل المؤمنين؛ فالحديث إن لم يكن وحياً مباشراً من الله على قلب نبيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وإلا فهو اقتباس من الآية السابقة: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ). فإذا كان من يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين؛ قد أوعد بالنار؛ فالعكس بالعكس: من اتبع سبيل المؤمنين؛ فهو موعود بالجنة ـ ولا شك ولا ريب ـ".[محاضرة ألقاها الشيخ الإمام في مدينة المفرق ـ الأردن]
لقد قرن الله ـ تعالى ـ اتّباع الهوى بالتكذيب لخطورته وعظم مردوده على الفاعل، فقال في سورة القمر (37/نزول):
(16) (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)
إن اتّباع الهوى جد خطير، لذلك سمي أهل البدع أهل الأهواء، لأنهم تركوا إتباع الحق والسنة فلم يأخذوا بالأدلة الشرعية، بل قدَّموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم واجتهاداتهم، ومعلوم أن اتباع الهوى سبب مهم من أسباب الاختلاف، قال ـ تعالى ـ في سورة القصص (49/نزول):
(17) (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50).
ومدافعة الهوى عند مجيء العلم مهم جداً، ويزداد جهاده كلما ظهرت البيِّنات، فإذا جاء العلم وجاءت البيِّنات وجاء الضبط والنقد الصحيح لمسائل الدين، دفع ذلك بأهل الهوى إلى التكذيب، أو التشكيك، بدل الرجوع إلى الحق، والتمسك بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، مما يوسع دائرة الاختلاف والافتراق، وقد يفضي ببعض هؤلاء المبتدعة إلى التحاسد حتى يكون البغي، وقد وقع وشاهدناه وشاهدنا للأسف آثاره، فإن الانحرافات التي تقع في طلاب العلم في عصرنا غالبها التباغض والتحاسد، حتى يكون البغي.
وقد حدَّث النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بحديث هو من أعلام نبوته:
(18) "سيصيب أمتي داء الأمم. فقالوا يا رسول الله وما داء الأمم؟ قال: الأشر والبطر، والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتى يكون البغي". ["الصحيحة" (680)]
وفي رواية عن أبن الزبير ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
(19) "دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، أما إني لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين". ["صحيح الترغيب والترهيب" (2888)]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
(20) "فسماه داء، كما سمى البخل داء في قوله:
(21) "وأي داء أدوى من البخل". ["صحيح الأدب المفرد" (296)]
فعلم أن هذا مرض، وقد جاء في حديث آخر:
(22) "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء". ["صحيح الجامع"(1298)]
فعطف الأدواء على الأخلاق والأهواء. ثم قال ـ رحمه الله ـ: وقرن في الحديث الأول الحسد بالبغضاء، لأن الحاسد يكره أولاً فضل الله على ذلك الغير، ثم ينتقل إلى بغضه، فإن بغض اللازم يقتضي بغض الملزوم. فإن نعمة الله إذا كانت لازمة وهو يحب زوالها، وهي لا تزول إلا بزواله أبغضه وأحب عدمه، والحسد يوجب البغي، كما أخبر الله ـ تعالى ـ عمَّن قبلنا: أنهم اختلفوا من بعد أن جاءهم العلم بغياً بينهم، فلم يكن اختلافهم لعدم العلم، بل علموا الحق ولكن بغى بعضهم على بعض، كما يبغي الحاسد على المحسود".["مجموع الفتاوى" (10/126-127)]
وقال ـ رحمه الله ـ:
(23) "ولهذا يقرن الحسد بالحقد والغضب". ["مجموع الفتاوى" (10/129)]
والابتلاء في مسألة اتباع الهدى أو اتباع الهوى أمر ليس بالسهل، وما السبب في البعد عن الهدى في غالبه إلا اتباع الهوى، والاختلاف سنة سنها الله ـ تعالى ـ في الحياة الدنيا فهو ـ سبحانه ـ إن أرادها كوناً لحكم بالغة على رأسها معرفته وتوحيده والإيمان به وعبادته، لكنه في مسائل عبادته والإيمان به وهي محل شرعه وشريعته لا يحبها ولا يرضاها قال ـ تعالى ـ في سورة هود (52/نزول):
(24) (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118)إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(119).
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
(25) "وبالجملة فافتراق أهـل الكتاب، وافتراق هذه الأمة، على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل".["أعلام الموقعين" (4/317)]
وقال ابن أبي العز الحنفي ـ رحمه الله ـ:
(26) "وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد؟".["شرح العقيدة الطحاوية" (ص189)]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
(27) "وإذا تأمل اللبيب الفاضل هذه الأمور تبين له أن مذهب السلف والأئمة في غـاية الاستقامة والسداد، والصحة والاطراد، وأنه مقتضى المعقول الصريح، والمنقول الصحيح، وأن من خالفه كان مع تناقض قوله المختلف، الذي يؤفك عنه من أفك، خارجاً عن موجب العقل والسمع، مخالفاً للفطرة والسمع".["مجموع الفتاوى" (5/212-213)]
لذا جاء في سورة الشورى (62/نزول) قوله ـ تعالى ـ
(28) (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(15).
فعلى السلفيين جميعاً أن يعلموا أنه لا يمكن لهم الحصول على التمكين والنصر إلا إذا حققوا الوصف الذي يستحقون وهو ثباتهم على الحق الذي نطق به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وطبقه خير الناس ـ الصحابة رضوان الله عنهم ـ فالتمكين للسلفيين في الأرض يستلزم القيام بعبادة الله وحده لا شريك الله، والدعوة إليه، وكسر الشرك والمشركين، وتوحيد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المتابعة، وكسر البدع والمبتدعه، وعليهم أن يأمروا بالمعروف وينهون عن المنكر لا يخشون في الله لومة لائم، وعليهم أن يتخلقوا بأخلاق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن يجتهدوا أن يكونوا في عافية من داء الحسد والبخل والنفاق والهوى، ويجتهدوا أن تكون نفوسهم زكية غنية، وليعلموا أن عاقبة الأمور لله فهو القادر سبحانه على التغيير حسب ما تقتضيه حكمته.
إعداد: هشام بن فهمي العارف
تاريخ 01/09/1429 الموافق 01/09/2008
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أما بعد ؛
دعوتنا السلفية منصورة بنص الكتاب والسنة، منصورة لأنها دعوة الأنبياء والرسل، ودعوة الصحابة؛ السلف الصالح، ودعوة الحق، ودعوة أهل الحديث. وفضّلها الله على غيرها من الدعوات وكتب لها البقاء لأنها دعوته فأيَّدها وجعلها مستمرة قائمة بالحجة على عباده. وضمَّ إليها من خلقه أولياءه ـ صفوة الناس ـ الذين تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، فهي باقية على الرغم من تعاظم الفتن ونزول الجهل.
قال الحرالي:
(1) "والنصر لا يكون إلا لمحق، وإنما يكون لغير المحق الظفر والانتقام". ["نظم الدرر" للبقاعي (2/1)]
ومن المهم أن يتذكر الإنسان نعم الله ـ تعالى ـ، وأغلى هذه النعم الدعوة السلفية التي دعا إليها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، قال ـ تعالى ـ في سورة البقرة:
(2) (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ(151).
فحذر الله ـ تعالى ـ قريشاً أن تسلك مسلك المغضوب عليهم والضالين، فيكفرون نعمة الله ـ تعالى ـ، فقدَّم هذا التحذير على هذا الامتنان بقوله عن أهل الكتاب:
(3) (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُمْتَرِينَ(147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(148).
قال العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ:
(4) "فالعالم عليه إظهار الحق، وتبيينه وتزيينه، بكل ما يقدر عليه من عبارة وبرهان ومثال، وغير ذلك، وإبطال الباطل وتمييزه عن الحق، وتشيينه وتقبيحه للنفوس بكل طريق مؤد لذلك، فهؤلاء الكاتمون عكسوا الأمر فانعكست أحوالهم".
فالدعوة السلفية ـ بارك الله فيكم ـ وعصمكم من الزلل؛ منصورة لأن أهلها القائمون عليها يثبتون على الحق عند الابتلاء فلم يختلفوا ولم يتغيروا، فلثباتهم على الحق وظهورهم عليه بقوا في دائرة أهل الحديث، ونجوا من الانحراف فلم يدخلوا في درب أهل البدع ولم يضربوا عن السنة، فإن السير في ركب أهل البدع والأهواء مخرج من دائرة أهل الحديث، ومورث للهزيمة، وممهد لتأوّل الكتاب على غير ما بيَّنت السنة قال ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ:
(5) "أهل البدع أجمع أضربوا عن السنَّة، وتأولوا الكتاب على غير ما بيَّنت السنَّة، فضلوا وأضلوا، ونعوذ بالله من الخذلان، ونسأله التوفيق والعصمة ".[جامع بيان العلم وفضله]
لذا كان تخوف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتحذيره من منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن، بسبب حرمانه النعمة الكبرى؛ نعمة الدعوة السلفية، فقد أخرج الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب مرفوعاً :
(6) "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان". ["الصحيحة" (1013)] وأخرجه البزار ـ بلفظ ـ:
(7) "حذرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: كل منافق عليم اللسان".
وعن عمران بن حصين مرفوعاً:
(8) "أخوف ما أخاف عليكم جدال المنافق عليم اللسان".[ "أخرجه ابن حبان ـ واللفظ له ـ، والطبراني في "الكبير"، والبزار]
وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر:
(9) "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال يهدمه: زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين". [رواه الدرامي، وهو في "مشكاة المصابيح" (269)]
فعلى المسلم أن يحذر أمثال هؤلاء المبتدعة أصحاب الأهواء الذين يصفون سعي الطائفة المنصورة بالغلو والتشدد.
والشقاق الذي افتعله من استطعموا النعمة بعد انتسابهم للدعوة السلفية، وخرجوا عن الجماعة؛ جماعة المسلمين، التي وصفها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله:
(10) "هي ما أنا عليه وأصحابي". [راجع "الصحيحة"(203)]
منذر لهم بالعقاب الوخيم، ومنذر لهم بالهزيمة والخزي والعذاب لأن الله ـ تعالى ـ قال:
(11) (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)[النساء/115]
قال شيخنا الإمام الألباني ـ رحمه الله ـ:
(12) "هذه الآية أرجو أن تكون ثابتة في ألبابكم، وفي قلوبكم، ولا تذهب عنكم، لأنها الحق، (مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)، وبذلك تنجون عن أن تنحرفوا يميناً أو يساراً، وعن أن تكونوا ـ ولو في جزئية واحدة، أو مسألة واحدة ـ من فرقة من الفرق غير الناجية، إن لم نقل: من الفرق الضالة، [قلت: بل هي بالتأكيد فرق ضالة لأنها غير ناجية من العذاب] لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في الحديث المعروف، واقتصر منه ـ الآن ـ على الشاهد منه:
(13) "وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلَها في النار إلا واحدة".
قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال:
(14) "هي الجماعة".["الصحيحة" (204و1492)]
وقال الشيخ ـ رحمه الله ـ معرّفاً:
(15) "الجماعة: هي سبيل المؤمنين؛ فالحديث إن لم يكن وحياً مباشراً من الله على قلب نبيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، وإلا فهو اقتباس من الآية السابقة: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ). فإذا كان من يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين؛ قد أوعد بالنار؛ فالعكس بالعكس: من اتبع سبيل المؤمنين؛ فهو موعود بالجنة ـ ولا شك ولا ريب ـ".[محاضرة ألقاها الشيخ الإمام في مدينة المفرق ـ الأردن]
لقد قرن الله ـ تعالى ـ اتّباع الهوى بالتكذيب لخطورته وعظم مردوده على الفاعل، فقال في سورة القمر (37/نزول):
(16) (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)
إن اتّباع الهوى جد خطير، لذلك سمي أهل البدع أهل الأهواء، لأنهم تركوا إتباع الحق والسنة فلم يأخذوا بالأدلة الشرعية، بل قدَّموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم واجتهاداتهم، ومعلوم أن اتباع الهوى سبب مهم من أسباب الاختلاف، قال ـ تعالى ـ في سورة القصص (49/نزول):
(17) (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(50).
ومدافعة الهوى عند مجيء العلم مهم جداً، ويزداد جهاده كلما ظهرت البيِّنات، فإذا جاء العلم وجاءت البيِّنات وجاء الضبط والنقد الصحيح لمسائل الدين، دفع ذلك بأهل الهوى إلى التكذيب، أو التشكيك، بدل الرجوع إلى الحق، والتمسك بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، مما يوسع دائرة الاختلاف والافتراق، وقد يفضي ببعض هؤلاء المبتدعة إلى التحاسد حتى يكون البغي، وقد وقع وشاهدناه وشاهدنا للأسف آثاره، فإن الانحرافات التي تقع في طلاب العلم في عصرنا غالبها التباغض والتحاسد، حتى يكون البغي.
وقد حدَّث النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بحديث هو من أعلام نبوته:
(18) "سيصيب أمتي داء الأمم. فقالوا يا رسول الله وما داء الأمم؟ قال: الأشر والبطر، والتكاثر والتناجش في الدنيا، والتباغض والتحاسد، حتى يكون البغي". ["الصحيحة" (680)]
وفي رواية عن أبن الزبير ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:
(19) "دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، أما إني لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين". ["صحيح الترغيب والترهيب" (2888)]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
(20) "فسماه داء، كما سمى البخل داء في قوله:
(21) "وأي داء أدوى من البخل". ["صحيح الأدب المفرد" (296)]
فعلم أن هذا مرض، وقد جاء في حديث آخر:
(22) "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء". ["صحيح الجامع"(1298)]
فعطف الأدواء على الأخلاق والأهواء. ثم قال ـ رحمه الله ـ: وقرن في الحديث الأول الحسد بالبغضاء، لأن الحاسد يكره أولاً فضل الله على ذلك الغير، ثم ينتقل إلى بغضه، فإن بغض اللازم يقتضي بغض الملزوم. فإن نعمة الله إذا كانت لازمة وهو يحب زوالها، وهي لا تزول إلا بزواله أبغضه وأحب عدمه، والحسد يوجب البغي، كما أخبر الله ـ تعالى ـ عمَّن قبلنا: أنهم اختلفوا من بعد أن جاءهم العلم بغياً بينهم، فلم يكن اختلافهم لعدم العلم، بل علموا الحق ولكن بغى بعضهم على بعض، كما يبغي الحاسد على المحسود".["مجموع الفتاوى" (10/126-127)]
وقال ـ رحمه الله ـ:
(23) "ولهذا يقرن الحسد بالحقد والغضب". ["مجموع الفتاوى" (10/129)]
والابتلاء في مسألة اتباع الهدى أو اتباع الهوى أمر ليس بالسهل، وما السبب في البعد عن الهدى في غالبه إلا اتباع الهوى، والاختلاف سنة سنها الله ـ تعالى ـ في الحياة الدنيا فهو ـ سبحانه ـ إن أرادها كوناً لحكم بالغة على رأسها معرفته وتوحيده والإيمان به وعبادته، لكنه في مسائل عبادته والإيمان به وهي محل شرعه وشريعته لا يحبها ولا يرضاها قال ـ تعالى ـ في سورة هود (52/نزول):
(24) (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118)إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(119).
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
(25) "وبالجملة فافتراق أهـل الكتاب، وافتراق هذه الأمة، على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل".["أعلام الموقعين" (4/317)]
وقال ابن أبي العز الحنفي ـ رحمه الله ـ:
(26) "وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إلا بالتأويل الفاسد؟".["شرح العقيدة الطحاوية" (ص189)]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
(27) "وإذا تأمل اللبيب الفاضل هذه الأمور تبين له أن مذهب السلف والأئمة في غـاية الاستقامة والسداد، والصحة والاطراد، وأنه مقتضى المعقول الصريح، والمنقول الصحيح، وأن من خالفه كان مع تناقض قوله المختلف، الذي يؤفك عنه من أفك، خارجاً عن موجب العقل والسمع، مخالفاً للفطرة والسمع".["مجموع الفتاوى" (5/212-213)]
لذا جاء في سورة الشورى (62/نزول) قوله ـ تعالى ـ
(28) (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ(15).
فعلى السلفيين جميعاً أن يعلموا أنه لا يمكن لهم الحصول على التمكين والنصر إلا إذا حققوا الوصف الذي يستحقون وهو ثباتهم على الحق الذي نطق به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وطبقه خير الناس ـ الصحابة رضوان الله عنهم ـ فالتمكين للسلفيين في الأرض يستلزم القيام بعبادة الله وحده لا شريك الله، والدعوة إليه، وكسر الشرك والمشركين، وتوحيد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المتابعة، وكسر البدع والمبتدعه، وعليهم أن يأمروا بالمعروف وينهون عن المنكر لا يخشون في الله لومة لائم، وعليهم أن يتخلقوا بأخلاق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأن يجتهدوا أن يكونوا في عافية من داء الحسد والبخل والنفاق والهوى، ويجتهدوا أن تكون نفوسهم زكية غنية، وليعلموا أن عاقبة الأمور لله فهو القادر سبحانه على التغيير حسب ما تقتضيه حكمته.