المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصبر



سعد بن فتحي الزعتري
05-16-2009, 11:26 AM
الصبر
أهميته، عظم أجره، أقسامه، والأسباب المعينة عليه في ضوء الكتاب والسنة

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد :
فالصبر عبادة عظيمة أمرنا بها ربنا عز وجل في كتابه العزيز، قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [آل عمران : 200] قال الحسن البصري: أي أُمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم". انظر تفسير ابن كثير.
وقال تعالى" وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ" [البقرة : 45] فالاستعانة بالصبر سبب نجاح العبد في دينه ودنياه حيث يكون الله معه وينصره ويؤيده، فإذا استغنى عن الصبر حرم النصر والتأييد. وتأمل ما حصل لأصحاب طالوت عندما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً، فاستعانوا بالله أن يلهمهم الصبر حتى فازوا بالنجاح، وهزيمة الأعداء. ولأن المؤمنين عرفوا أهمية الصبر اتخذوه سلاحاً يقاومون به كل من أراد الكيد بهم وتشتيت كلمتهم، فبه سلموا من كيد الكائدين. قال تعالى: " وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ" [آل عمران : 120]. وبه أمدهم الله بمدد من السماء قال تعالى: " بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ" [آل عمران : 125] وبه يحصل الأمن والتمكين من بعد الضعف، وسيطرة الظالمين قال تعالى:" وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ" [الأعراف : 137].
وهو أمن وحماية من الوقوع في الحزبية والتفرقة قال تعالى:" وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" [الأنفال : 46]. وبه يُحفظ الأجر من الضياع، قال تعالى:" وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [هود : 115] وهو عون على تحمل البلاء، قال تعالى:" وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف : 18]. بل هو الذي يقودك إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال تعالى:" سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ" [الرعد : 24] وقال " وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" [فصلت : 35].
فيجب على المؤمن أن يصبر على ما يجد في هذه الحياة من التضييق والتشريد وتغيير العقيدة والإبعاد عن الدين، فكل هذا يجب أن يكون لله ولأجل الله تبارك وتعالى. قال تعالى:" وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ [النحل : 127].
نعم ما أجمل الصبر! إذا كان من أجل الله، فلا نحزن عليهم ولا يصيبنا غم مما يمكرون، ومما يجهدون أنفسهم في عداوة أهل الحق، وإيصال الشر إليهم، فإن الله كافيهم، وناصرنا ومؤيدنا ومظهرنا ومظفرنا عليهم بإذن الله تعالى، وكل هذا إذا صبرنا على شرورهم من أجل وجهه الكريم.
والصبر فضله عظيم من أخذه أخذ بحظ وافر، فهو رزق يرزقه الله لعباده الصادقين الذين اجتهدوا في طلبه، قال النبي صلى الله عليه وسلم:" ومن يتصبر يصبره الله، وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرا وأوسع من الصبر" رواه البخاري ومسلم. والصبر في آخر الزمان فضله عظيم يكون أجره بقدر تمسك صاحبه به، قال صلى الله عليه وسلم:" إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله"صحيح الترغيب والترهيب(3172).
فصبر المؤمن يدل على صفاء قلبه وذهاب ما فيه من ظلمة، وامتلائه باليقين والنور والضياء كما في الحديث:" والصبر ضياء" رواه مسلم.
والصبر له أقسام عدة ذكرها العلماء في مصنفاتهم، قال الإمام ابن القيم: ينقسم الصبر باعتبار تعلق الأحكام الخمسة به إلى واجب ومندوب ومحظور ومكروه ومباح:
فالصبر الواجب ثلاثة أنواع: أحدها الصبر عن المحرمات ( مثل الزنا وشرب الخمر). والثاني الصبر على أداء الواجبات (مثل الصلاة والصيام والحج) والثالث الصبر على المصائب التي لا صنع للعبد فيها كالأمراض والفقر وغيرها.
وأما الصبر المندوب فهو الصبر عن المكروهات ( كأكل البصل أو الثوم عند إتيان المساجد).
وأما المحظور فأنواع: أحدها الصبر عن الطعام والشراب حتى يموت، وكذلك الصبر عن الميتة والدم ولحم الخنزير عند المخمصة حرام إذا خاف بتركه الموت، ومنه صبر الإنسان على ما يقصد هلاكه من سبع أو حريق أو كافر مقاتل.
وأما الصبر المكروه: فصبره عن فعل المستحب، ( كالزواج، ومخالطة الناس والصبر على أذاهم).
وأما الصبر المباح فهو الصبر عن كل فعل مستوي الطرفين، خُير بين فعله وتركه والصبر عليه( كبناء البيت من الطين أو الحجارة).
ثم قال: وبالجملة فالصبر على الواجب واجب، وعن الواجب حرام. والصبر عن الحرام واجب، وعليه حرام. والصبر على المستحب مستحب، وعنه مكروه. والصبر عن المكروه مستحب، وعليه مكروه. والصبر عن المباح مباح. والله أعلم. انظرعدة الصابرين لابن القيم( بتصرف).ص22
ولا شك أن من أراد أن يصل إلى مرتبة الصبر الحقيقي المزيل للهموم، والواقي من الشرور، والحامي من الفتن، والموصل إلى جنة عدن، فله ذلك إن اتخذ الأسباب التي تحمله على التخلق بهذا الخلق العظيم، والتقرب إلى الله بهذه العبادة الجليلة.
فمن الأسباب المعينة على الصبر: وجود الإيمان الذي وقر في القلب ونطق به اللسان وعملت به الجوارح، فلا صبر بدون إيمان يعين عليه. ويتعلق به أيضاً: العمل الصالح وذلك بفعل الأوامر، واجتناب النواهي، ومن أسبابه أيضاً ـ وهو متعلق بالسابق ـ الدعوة إلى الله عز وجل، فالداعي سيلقى من يصده عن الدعوة، فيكون عندها العمل بهذا الخلق وهذه العبادة، وكل هذا أخبر الله به في سورة العصر قال تعالى:" وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ". فالصبر لا يكون إلا بعد الإيمان والعمل والدعوة. ومن الأسباب أيضاً: إقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى ـ حاكياً عن لقمان ـ:" يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان : 17].
ومن الأسباب المعينة على الصبر التمسك بالسنة وترك البدعة، فبهما ينجو المؤمن من الفتن والوقوع في أوحال أهل البدع والمحن. فما ترى من أحد قد فقد الصبر ووقع في البدعة إلا بسبب عدم التمسك بالسنة وطلبها، وبسبب البعد عن أهل العلم الربانيين وترك مجالسهم.
ومنها الإخلاص في القول والعمل، والبعد عن الدنيا وطلبها، ومجالسة الصالحين، والاقتداء بسيد ولد آدم أجمعين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فكم صبر على أعباء الدعوة.
وفي هذا المقام أوصي نفسي وإخواني بهذه العبادة العظيمة التي سار عليها الأنبياء وأتباعهم، صبروا على أذى الأعداء، صبروا على البلاء، صبروا على بعد الأوطان وقلة الخلان. صبروا على وحشة الزمان. صبروا على ضرب السيوف. فليكن هؤلاء لك قدوة وأسوة على أن تصبر فلا تجزع، فأنت محتاج إليه مفتقر له، قال العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ:" فالصبر هو المعونة العظيمة على كل أمر، فلا سبيل لغير الصابر أن يدرك مطلوبه، خصوصاً الطاعات الشاقة المستمرة فإنها مفتقرة أشد الافتقار إلى تحمل الصبر، وتجرع المرارة الشاقة، فإذا لازم صاحبها الصبر فاز بالنجاح، وإن رده المكروه والشر والملازمة عليها، لم يدرك شيئاً وحصل الحرمان" إلى أن قال:" فعلمت أن الصبر محتاج إليه العبد، بل مضطر إليه في كل حالة من أحواله، فلهذا أمر الله به، وأخبر أنه مع الصابرين: أي مع من كان الصبر لهم خلقاً وصفة، ومَلكة، بمعونته وتوفيقه وتسديده، فهانت عليهم بذاك المشاق والمكاره، وسهل عليهم كل عظيم، وزالت عنهم كل صعوبة، وهذه معية خاصة تقتضي محبتَه ومعونتَه، ونصرِه وقربه، وهذه منقبة عظيمة للصابرين، فلو لم يكن للصايرين فضيلة إلا أنهم فازوا بهذه المعية من الله لكفى به فضلاً وشرفاً". انظر تفسير السعدي عند آية (153) من سورة البقرة.

غالب عارف نصيرات
05-16-2009, 12:06 PM
الصبر زاد الأولياء والأصفياء برغم قلة السالكين وكثرة الهالكين ، وخير ما وصّى به المتقدمين والمتأخرين من رام السبيل والدار الاخرة
فالنصر صبر ساعة
فمن لم يُصبِّر نفسه على تنكر القريب قبل البعيد فما فهم الدعوة السلفية وحقيقتها
فلسنا بأعز عند الله من الامام احمد المجلود ولا ابن تيمية وتلميذه ابن القيم -رحم الله الجميع-
فمن ظن الدعوة السلفية( وسادة من حرير) فهو مخطأ وشواهد الامتحان ستفضحه عاجلاً ام آجلاً
الدعوة السلفية تحتاج الى الرجال الرجال الصابرين في المحن والابتلاءات
فاللهم صبرنا واجعلنا من عبادك الصابرين
ولك كل تحية وحب وتقدير أخي الحبيب الصابر-ان شاء الله- سعد الزعتري

رضا عثمان الهاشمي
05-16-2009, 06:10 PM
جزاك الله خيرا الشيخ سعد بن فتحي و بارك الله في الأخ غالب على هذه الكلمات الطيب

بشير بن نزار بشير المقدسي
05-17-2009, 04:17 AM
رضا عثمان الهاشمي

جزاكم الله خيرا وبارك الله عزّ و جلّ فيكم الشيخ سعد بن فتحي و الأخ غالب على هذه الكلمات الطيبة

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته - نسأل الله عزّ وجلّ أن يجعلنا من الصابرين و الشاكرين على نعمه الكثيرة التي لا تُحصى ، سائلين مولانا تبارك و تعالى أن يزيدنا هُدى ومحبةً للراسخون في العلم ، أئمة أصحاب الحديث ومن إعتز وسار في ركابهم وسلك مسلكهم الطيب : ناصرين و منتصرين لله ولرسوله وللمؤمنين ؛ مبغضين و متبرئين من سبيل المجرمين أعداء السُنّة وأهلها .
قال الإمام إبن القيّم رحمه الله عزّ و جلّ : إنّ للصابرين ثلاثة أمور لم يجمعها لغيرهم وهي الصلاة منه عليهم ورحمته لهم و هدايته إياهم - وبشر الصابرين 155 الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون 156 أُولئك عليهم صلوات من ربهم و رحمة وأُولئك هم المهتدون 157 البقرة

ابو صخر بن هدوبه
05-19-2009, 05:23 PM
جزاك الله خيراً يا شيخ سعد وبارك الله فيك...

ان الله مع الصابرين
اللهم اجعلنا من عبادك الصابرين وانزل علينا الحكمة والحلم يا ارحم الراحمين .

قال الحسن:

(الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده).

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:

(ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعوضه مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه).

هاني عبدالحميد مرعي
05-22-2009, 01:12 AM
بارك الله في شيخنا سعد الزعتري وحفظة الله من كل سوء .