المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا


هشام بن فهمي بن موسى العارف
08-30-2008, 03:42 PM
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ
إعداد: هشام بن فهمي العارف
تاريخ 29/08/1429 الموافق 30/08/2008
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد؛
"ثمرة الصبر تحتاج إلى عزيمة صادقة وقوية، والصبر نعمة يفوز بها أولياء الله ـ تعالى ـ، ولزوم الحق في منهج الحق يحتاج إلى صدق وصبر، وهذا لا يطيقه السفهاء، ولا طلاّب الدنيا، لذا أمر الله ـ تعالى ـ نبيه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سورة الأحقاف (66/نزول) بالصبر وعدم الاستعجال للضلاّل بالعذاب فقال:
(1) (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ...(35).
قال الطبري ـ رحمه الله ـ:
(2) "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ـ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ـ، مثبته على المضيّ لما قلَّده من عبْء الرسالة، وثقل أحمال النبوّة ـ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم ـ، وآمره بالائتساء في العزم على النفوذ لذلك بأولي العزم من قبله من رسله الذين صبروا على عظيم ما لَقُوا فيه من قومهم من المكاره، ونالهم فيه منهم من الأذى والشدائد (فَاصْبِرْ) يا محمد على ما أصابك في الله من أذى مكذّبيك من قومك الذين أرسلناك إليهم بالإنذار (كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) على القيام بأمر الله، والانتهاء إلى طاعته من رسله الذين لم ينههم عن النفوذ لأمره، ما نالهم فيه من شدّة. وقيل: إن أولي العزم منهم، كانوا الذين امتُحِنوا في ذات الله في الدنيا بِالمحَن، فلم تزدهم المحن إلا جدّا في أمر الله، كنوح وإبراهيم وموسى ومن أشبههم".
والله ـ تعالى ـ نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن استعجال العذاب للمشركين، لأن الاستعجال ينافي العزم، ولأن في تأخير العذاب تطويلاً للصبر الذي يكسب العزيمة قوة.
ولا محالة أن لكل نبي ورسول عزماً وصبراً، فعن عبد الله بن مسعود، قال: قسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قسماً، فقال رجل: إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله، قال: فأتيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فساررته، فغضب من ذلك غضباً شديداً، واحمر وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له، قال: ثم قال:
(3) "قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر". ["صحيح الجامع" (3500) وهو في "الصحيحين"]
وقال الشيخ العلامة السعدي ـ رحمه الله ـ:
(4) "ثم أمر ـ تعالى ـ رسوله أن يصبر على أذية المكذبين المعادين له، وأن لا يزال داعياً لهم إلى الله، وأن يقتدي بصبر أولي العزم من المرسلين سادات الخلق أولي العزائم والهمم العالية الذين عظم صبرهم، وتم يقينهم، فهم أحق الخلق بالأسوة بهم والقفو لآثارهم والاهتداء بمنارهم.
فامتثل ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمر ربه فصبر صبراً لم يصبره نبي قبله حتى رماه المعادون له عن قوس واحدة، وقاموا جميعاً بصدِّه عن الدعوة إلى الله، وفعلوا ما يمكنهم من المعاداة والمحاربة، وهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يزل صادعاً بأمر الله، مقيماً على جهاد أعداء الله، صابراً على ما يناله من الأذى، حتى مكَّن الله له في الأرض، وأظهر دينه على سائر الأديان، وأمته على الأمم، فصلى الله عليه وسلم تسليماً".
ومعلوم أنه لا يمكّن للعبد المؤمن بربه إلا بعد الابتلاء، لأن الابتلاء سنّة لرب العالمين في عباده الصادقين، لذلك فعلينا ألا نستعجل العذاب فيمن خالفنا في منهجنا، وطعن بنا، وسبَّ علينا، ووصفنا بأوصاف شنيعة.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن طلب تعجيل العذاب لهم جاء موضحاً في آيات أخر كقوله ـ تعالى ـ في سورة المزمل (3/نزول):
(5) (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً(10)
فربنا ـ عز وجل ـ أمرنا أن نقوم بواجب الدعوة، وان نصبر على مقالة أهل الباطل الذين يعلمون أن الحق يهدد مصالحهم، وينسف أحلامهم، ويكشف زيفهم وزيغهم، وإني أطلب من الطلبة الغيورين الذين بقوا معنا في الحق على منهاج السلف وصدقوا ربهم ـ عز وجل ـ وقد تجاوز بهم رب العالمين المحنة ـ لعبة الشركاء وفتنة السفهاء ـ ووفقوا إلى الصواب بفضل من الله أن يصبروا، وأن يعدّوا أنفسهم لتحمل أعباء الدعوة ليكونوا في المستقبل القريب ـ إن شاء الله ـ أهلاً لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، والله ـ تعالى ـ قادر على إنزال العذاب فوراً بالمكذبين الضالين عن هدي السلف، والذين يسعون إلى التلبيس على الناس بكافة النشاطات التي تفتقر إلى الأخلاق السليمة والدين الحنيف، لكنه لحكمته ـ عز وجل ـ وحتى يفلح الفالحون وتنكسر شوكة الضالين المكذبين، يؤخر إنزال عذابه بهم ويمهلهم كما قال في السورة:
(6) (وَذَرْنِي والمكذبين أُوْلِي النعمة وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً(11).
موضح لمعنى قوله (وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ) لأنهم معذبون، لا محالة عند انتهاء المدة المحددة للإمهال.
ثم نزل في سورة السجدة (75/نزول) قوله ـ تعالى ـ:
(7) (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24).
قال ابن كثير:
(8) "أي: لما كانوا صابرين على أوامر الله وترك نواهيه وزواجره، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. ثم لما بدَّلوا وحَرَّفوا وأوَّلوا، سُلبوا ذلك المقام، وصارت قلوبهم قاسية، يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا عمل صالحًا، ولا اعتقاد صحيحًا".
وهذا الذي نراه فيمن كانوا على الجادة وفتنوا، كانوا على الحق فأيَّدناهم وأحببناهم، وكنّا نقبِّلهم على رؤوسهم، ونحترمهم، وندافع عنهم، لأنه الدين والعقيدة والمنهج، لكنهم لمَّا بدَّلوا وحرَّفوا وأوَّلوا سُلبوا ذلك المقام فانعكس حالهم وصارت قلوبهم قاسية، وألسنتهم قذرة، ومقاماتهم منحطة، يتكلمون بكلام الجهلاء، ويدافعون عن رؤوس المبتدعة، ويزكّون الضلاّل، ويقعِّدون قواعد معاصرة للجرح والتعديل ـ بزعمهم ـ الجهول، انتصاراً لأهوائهم، وقد أفلست حججهم العلمية، يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا عمل صالحاً، ولا اعتقاد صحيحاً، كل ذلك من أجل دنيا فانية، فباع كل واحد منهم دينه بعرض من الدنيا قليل. فإلى الله المشتكى من هجمتهم الشرسة على أهل الحق وأعوانه.
ولزوم الحق يحتاج الثبات عليه إلى الصبر؛ الصبر على التكاليف الشرعية، والصبر عن الدنيا. لذا نقل ابن كثير عن قتادة وسفيان في تفسيرهم الآية:
(9) "لما صبروا عن الدنيا".
وكذلك قال الحسن بن صالح. وقال سفيان:
(10) "هكذا كان هؤلاء، ولا ينبغي للرجل أن يكون إماماً يُقتَدى به حتى يتحامى عن الدنيا".
ولزوم الحق والثبات عليه يحتاج إلى العلم، وطلب العلم يحتاج إلى الصبر قال وكيع: قال سفيان:
(11) "لا بد للدين من العلم، كما لا بد للجسد من الخبز".
إن الإمامة في الدين لا تتم إلا بتأييد قوي من الله، فلا بدَّ من جهاد الكفار والمنافقين، ولا بدَّ من جهاد المحتالين على شرع الله المزيفين الملبسين. قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
(12) "ولهذا كان الصبر واليقين ـ اللذين هما أصل التوكل ـ يوجبان الإمامة في الدين، كما دل عليه قوله ـ تعالى ـ: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ) ولهذا كان الجهاد موجباً للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم كما دل عليه قوله ـ تعالى ـ (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله ـ تعالى ـ ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وغيرهما:
(13) "إذا اختلف الناس فى شىء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم لأن الله يقول:
(14) (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) [العنكبوت/69] [/]

غالب عارف نصيرات
08-30-2008, 06:30 PM
جزى الله خيرا لفضيلة شيخنا الوالد هشام بن فهمي العارف الواقف في وجه من تُسوِّل له نفسه إستخدام السلفية مطية لتحقيق أهداف ورغبات ومصالح شخصية،ولذا قام من قام ضده لأنه يهدد مصالحهم وأطماعهم الدنيئة
فحمداً لك اللهم أن وفقتنا للثبات على منهجنا وخلف شيخنا الوالد الحبيب

محمد جميل حمامي
08-30-2008, 06:51 PM
فربنا ـ عز وجل ـ أمرنا أن نقوم بواجب الدعوة، وان نصبر على مقالة أهل الباطل الذين يعلمون أن الحق يهدد مصالحهم، وينسف أحلامهم، ويكشف زيفهم وزيغهم، وإني أطلب من الطلبة الغيورين الذين بقوا معنا في الحق على منهاج السلف وصدقوا ربهم ـ عز وجل ـ وقد تجاوز بهم رب العالمين المحنة ـ لعبة الشركاء وفتنة السفهاء ـ ووفقوا إلى الصواب بفضل من الله أن يصبروا، وأن يعدّوا أنفسهم لتحمل أعباء الدعوة


بارك الله فيك شيخنا الفاضل ..

هاني عبدالحميد مرعي
09-01-2008, 12:15 AM
بارك الله فيك شيخنا الفاضل ,وأدامك الله ناصر للحق والسنة .