المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكم تعدد الجماعة في المسجد الواحد


حسني فرحات
04-17-2009, 11:58 PM
ما حكم تفريق جماعة المسلمين في المسجد الواحد؟
الجواب: الظاهر أن تفريق جماعة المسلمين في المساجد ـ التي تقوم فيها الجماعة الكبرى، ويصلي الإمام بالمؤتمين، وواحد لا يرغب في تكاثر الثواب وتعاظم الأجر يأتي ويقيم مع واحدٍ أو اثنين جماعة في جانب من جوانب المسجد، وهذه الجماعة بناءً على رغبة عن عمل الآخرة إلى اشتغال بالدنيا، أو بسبب التثاقل في الطاعة، والزهد، والأجر العظيم، والرغبة عن هدي النبي  والعمل المستمر أيام النبوة، والخلفاء الراشدين ـ لا يجوز لعدة أسباب:
الأول: أنه لم يُسمع أيام النبوة أن أحدًا ترك الجماعة الكبرى التي تقوم في المسجد، وبادر إلى إقامة جماعة قبل قيام الجماعة الكبرى، ولا يمكن لأحد قط ادعاء هذا المعنى.
الثاني: أن أدلة الكتاب والسنة للنهي عن التفريق على العموم وصلت إلى الصحة، وتفريق الجماعة هذا من هذا الباب، بل أقبح أنواعه.
الثالث: أنه صحّ وثبت أن النبي  أراد إحراق البيوت بالنار على المتخلفين عن الجماعة الكبرى، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من طرق، ولا يختلف عن هؤلاء من يسبقون الجماعة الكبرى ويقيمون الجماعة ثم ينصرفون من المسجد إلى بيوتهم، وهؤلاء بالنسبة للمتخلفين عن المسجد الذين يصلون بدون حضور الجماعة أشد تفريقًا في المسلمين، وإعراضًا عن جماعة المؤمنين، وأعظم مواحشةً بين أهل الإيمان، وإيغالاً لصدور أولي الإسلام، ومخالفةً في قلوب المسلمين.
الرابع: أن النبي  أنكر على من لم يدخل الجماعة، واعتذر لأداء الصلاة في رحله، وأمره بدخول جماعة المسلمين، كما ثبت في حديث يزيد بن الأسود() وأبي ذر وعبادة، وكان هذا الحكم لمن لا يتظهر بمخالفة المسلمين بعدم دخوله في جماعتهم، وهذا الذي يصلي في المسجد قبل قيام الجماعة الكبرى أشد تظهرًا بمخالفة المسلمين، وأعظم ابتداعًا.
الخامس: أنه ثبت النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان، وهذا النهي بسبب أن في الخروج المذكور مخالفةً للمسلمين، وتفريقًا لجماعتهم، وإعراضًا عن الطاعة، وهذا الذي يسبق الجماعة الكبرى، ويقيم الجماعة معتزلاً عن الآخرين أشدّ مخالفةً، وأعظم تظهرًا بما هو خلاف أعظم مقاصد الشارع.
السادس: أنه كان النبي  يأمر بتسوية الصفوف، ويقول: ((استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)) ، وهذا في الصحيح، فاعتبر اختلاف التساوي في الصف علة اختلاف القلوب، والظاهر أنه يتسبب اختلاف القلوب عن فعل هذا الذي يصلي قبل قيام الجماعة الكبرى، وهذا الاختلاف أشد من الاختلاف في الاصطفاف.
السابع: أنه ثبت عن النبي  نهى المنتظرين للصلاة عن القيام قبل رؤية ، وهذا في الصحيحينوغيرهما فضلاً عمن يقوم وحده، أو مع واحد أو اثنين أو أكثر بجماعة مستقلة.
الثامن: أن النبي  قال: ((أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يحول الله صورته صورة حمار)) وهذا في الصحيحين وغيرهما، وسبب هذا القول هو مخالفة الإمام، فكيف بمن يعتزل المسلمين ويصلي في مسجدهم منفردًا أو جماعةً قبل قيام جماعة المسلمين.
التاسع: أنه ثبت أن صلاة الرجل مع رجل آخر أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع اثنين أزكى من صلاته مع واحد,ثم كذلك ما كثرت الجماعة، وهذا الذي يصلي وحده، أو مع واحد أو اثنين قبل قيام الجماعة الكبرى يحرم نفسه ورفقاءه من الأجر العظيم، والثواب الأكبر، وهذا الحرمان علاوةً على إثم الابتداع، وإثم تفريق جماعة المسلمين.
العاشر: أنه ثبت عن النبي  قال: (( إن منتظر الصلاة في صلاةٍ)) ، وهذا الذي يصلي منفردًا أو جماعةً قبل قيام الجماعة الكبرى يفوته الأجر العظيم، ويحرم رفقاءه الذين كانوا في انتظار قيام الجماعة من الأجر العظيم، وجعل نفسه والآخرين بهذا التفريق مبتدعين، فبينما هم في طاعة لها حكم الصلاة في الأجر؛ إذ صاروا في بدعة استحقوا بسببها الوزر.
الحادي عشر: أنه صح عن النبي  النهي عن مخالفة الأئمة، وهذا سبب اختلاف الصورة والقلوب، كما ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما، ولاشك في أن لهذا الاعتزال عن الجماعة الكبرى قبل قيامها تأثيرًا أشدّ في اختلاف القلوب، وإيغار الصدور، والمواحشة بين المسلمين من المخالفة المذكورة في الحديث.
الثاني عشر: أنه ثبت عن النبي  أنه نهى من ركع قبل الوصول إلى الصف وقال: ((زادك الله حرصًا ولا تعد)) سبب هذا النهي مخالفة الجماعة والانفراد عنهم صورةً، وفي هذه الصورة نوع من التخالف الذي نُهِيَ عنه، ولاشك أن ما في الانفراد بالجماعة المستقلة قبل قيام الجماعة الكبرى في المسجد من الاختلاف، والتفريق، والمواحشة بين جماعة المسملين، وتكدير خواطرهم، وتنكيد صدور المؤمنين لا يخفى على الفطن.
الحاصل: أن جمع القلوب، والتأليف بين المسلمين وقطع ذرائع التفريق والتخالف مقصد عظيم من مقاصد الشارع، وأصل كبير من أصول الدين، وهذا المعنى يعرفه جيدًا العارف بالهدي النبوي، والعالم بأدلة القرآن والسنة، وما رأى النبي  مدخلاً من مداخل الاختلاف، وبابًا من الأبواب الموصلة إلى التفريق والتخالف إلا قطع ذريعته، وبتك وسيلته، وسدّ ذلك الباب، وردمَ ذلك المدخل، ولا يشك في هذا شاكّ ولا يمتري فيه ممترٍ، حتى كان ذلك ديدنه وهِجِّيراه في جميع شئونه.
انظر أنه صح عن النبي  أنه خرج إلى الصحابة رضي الله عنهم وكانوا يختلفون في القرآن، فقال: ((اقرؤوا فكل حسن)) ، وفي المواطن الأخرى أمر بالقراءة ما دامت القلوب مؤتلفة غير مختلفة، وبالجملة لو تعرضت بجمع الأدلة الدالة على أن الاختلاف من أعظم المنكرات في جميع الحالات، وعلى جميع التقديرات لانْجرَّ ذيل هذا الجواب إلى الغاية، وابتعد الوصول إلى النهاية؛ لذا اقتصرت على ما ورد من قطع ذرائع الاختلاف في الصلاة.
الثالث عشر: أنه ثبت عن النبي  أنه خرج إلى الصحابة ورآهم جلسوا متفرقين في عدّة حلقات، فقال: ((مالي أراكم عزين))، أي متفرقين ـ بكسر الزاي وتخفيفها ـ جمع عزة، وهي الجماعة المتفرقة، أخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
وفي هذا الحديث لمن لديه قلب سليم، وأذن سميع، وأدنى بصيرة وأقل فهم للحق، وحصل له الرجوع إلى الصواب والإقلاع عن الباطل؛ إذ أنكر النبي  عليهم مجرد التفرق في المسجد، وجلوس كل طائفة على حدة عن طائفة أخرى مع أنهم كادوا أن يجتمعوا وراء إمام واحد في جماعة الصلاة، فكيف إذا كان التفرق حيث تصلي كل طائفة وحدها معتزلة عن الجماعة الكبرى، وهذا أعظم تسبّب لاختلاف القلوب، والتفرق في الدين، والمواحشة بين المسلمين، ولا يشك في هذا من لديه أدنى معرفة بالمقاصد الشرعية، وأقل بصيرة لفهم مدلولات الكلمات النبوية، نعم من طُبِعَ قلبه بطابع التعصب، وران على صدره فهو بعيد عن الانقياد للحق، والإذعان للصواب. وهذا الاستفهام من النبي  كان استفهام استنكار وتوبيخ وتقريع يتضمن النهي البليغ عن الكون على هذه الحالة المرئية.
وهذا هو جواب لسائل عن مجرد إقامة البعض الجماعةَ قبل قيام الجماعة الكبرى، ولو انفردوا بإقامة جماعة حالَ قيام الجماعة الكبرى فذلك أشد منكرًا، وأعظم ابتداعًا، وأكبر إثمًا، وكل من يعرف هذا الأمر أو يشاهد بعينه هذا المنكر يحق عليه أن ينزل عليهم سوط العقوبة، ويعزرهم تعزيرًا شرعيًا.
وتأدية الناس صلاة العصر بعد الفراغ من صلاة الجمعة في مسجد الجمعة قبل دخول وقت العصر منكر لا يحتاج إلى الاستدلال، وهذه الصلاة بسبب وقوعها قبل دخول وقتها غير مجزئة، ومن يدعو العامة إلى القيام بهذه الصلاة في ذلك الوقت يستحق عقوبة بالغةً، وهذا الأمر حرام منكر أجمع المسلمون على إنكاره، لم يختلف فيه أحد من هذه الأمة؛ إذ جواز جمع التقديم للمسافر مع ضعف أدلة هذا الجمع واحتماله، والحق الحقيق بالقبول وصح في جمع المسافر هو جمع التأخير لا جمع التقديم، والمقيم ما أجازه أحد من أهل العلم أن يجمع بين الصلاتين إلا أن يكون لديه عذر مثل المرض ونحوه، وهنا تفصيل لا يتسع المقام بسطه، وإقامة الجماعة على هذه الصفة في جامع من جوامع المسلمين بعد الفراغ من الصلاة الأولى سواءً أكانت صلاة الجمعة أو غيرها لغير المعذورين بالأعذار الشرعية مما لم يقل به أحد من العلماء.
قال الشوكاني: وقد جمعنا في هذا رسالة مطولة في أيام قديمة دفعنا بها قول من قال بجواز الجمع مستدلاً على ذلك بجمعه  من غير سفر ولا مرض، وأوضحنا أن رواة الحديث فسّروه بالجمع الصوري لا بهذا الجمع الذي فهمه من لم يرسخ قدمه في علم الشريعة على أنه لم يعمل به أحد من علماء الشريعة، كما حكاه الترمذي في آخر سننه قال: إن جميع ما في كتابه معمول به إلا حديثين؛ أحدهما هذا.
وقال الإمام المهدي في "البحر الزخار": ويحرم الجمع لغير عذر، قيل: إجماعًا، انتهى. وقال أيضًا في "إرشاد السائل": ومن أعظمها خطرًا وأشدها على الإسلام ما يقع الآن في الحرم الشريف من تفرق الجماعات، ووقوف كل طائفة في مقام من هذه المقامات، كأنهم أهل أديان مختلفة، وشرائع غير مؤتلفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قال: والعمائر المستحدثة في الحرم الشريف كالمقامات والمنارات، وكذلك التعلية في البيوت زيادة على الحاجة بدعة بإجماع المسلمين، أحدثها أشر ملوك الجراكسة فرج بن برقوق في أوائل المائة التاسعة من الهجرة، وأنكر ذلك أهل العلم في ذلك العصر، ووضعوا فيه مؤلفات، وقد بيّنت ذلك في غير هذا الموضع.
ويالله العجب من بدعة يحدثها من هو شر ملوك المسلمين في خير بقاع الأرض، كيف لم يغضب لها من جاء بعده من الملوك المائلين إلى الخير، لاسيما وقد صارت هذه المقامات سببًا من أسباب تفريق الجماعات، وقد كان الصادق المصدوق ينهى عن الاختلاف والفرقة، ويرشد إلى الاجتماع والألفة، كما في الأحاديث الصحيحة، بل نهى عن تفريق الجماعات في الصلاة.
وبالجملة فكل عاقل متشرع يعلم أنه حدثت بسبب هذه المذاهب التي فرّقها الإسلام فرق مفسدة أصيب بها الدين وأهله، وأما رفع المنارات فأصل وضعها لمقاصد حسنة، وهي إسماع البعيد عن محل الأذان، وهذه مصلحة مسوغة إذ لم تعارضها مفسدة، فإن عارضتها مفسدة من المفاسد المخالفة للشريعة فدفع المفاسد مقدم على جلب المصالح كما تقرر ذلك في الأصول، انتهى كلام الشوكاني. وفي هذا المقدار كفاية لمن كان له هداية، والله أعلم.صديق حسن خان -رحمه الله-