المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفقر فقران



محمد أسعد التميمي
04-13-2009, 04:21 PM
قال الإمام ابن القيّم رحمه الله في كتابه "طريق الهجرتين وباب السعادتين": "..إذا عرف هذا فالفقر فقران: فقر اضطراريّ، وهو فقر عامّ لا خروج لبرّ ولا فاجر عنه.
وهذا الفقر لا يقتضي مدحًا ولا ذمًّا ولا ثوابًا ولا عقابًا بل هو بمنزلة كون المخلوق مخلوقًا ومصنوعًا.
والفقر الثاني فقر اختياريّّ هو نتيجة علمين شريفين: أحدهما: معرفة العبد بربّه، والثاني: معرفته بنفسه.
فمتى حصلت له هاتان المعرفتان؛ أنتجتا فقرا هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته.
وتفاوت الناس في هذا الفقر بحسب تفاوتهم في هاتين المعرفتين.
فمن عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق.
ومن عرف ربه بالقدرة التامة عرف نفسه بالعجز التامّ.

ومن عرف ربه بالعز التام عرف نفسه بالمسكنة التامة.
ومن عرف ربه بالعلم التام والحكمة عرف نفسه بالجهل.
فالله سبحانه أخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئًا ولا يقدر على شيء ولا يملك شيئا ولا يقدر على عطاء ولا منع ولا ضر ولا نفع ولا شيء ألبتة.
فكان فقره في تلك الحال إلى ما به كماله أمرًا مشهودًا محسوسًا لكلّ أحد.
ومعلوم أنّ هذا له من لوازم ذاته، وما بالذات دائم بدوامها، وهو لم ينتقل من هذه الرتبة إلى رتبة الربوبية والغنى، بل لم يزل عبدا فقيرًا بذاته إلى بارئه وفاطره فلمّا أسبغ عليه نعمته وأفاض عليه رحمته وساق إليه أسباب كمال وجوده ظاهرا وباطنا وخلع عليه ملابس إنعامه وجعل له السمع والبصر والفؤاد وعلمه وأقدره وصرفه وحركه ومكنه من استخدام بني جنسه وسخر له الخيل والإبل وسلطه على دواب الماء واستنزال الطير من الهواء وقهر الوحش العادية وحفر الأنهار وغرس الأشجار وشقّ الأرض وتعلية البناء والتحليل على مصالحه والتحرز والتحفظ لما يؤذيه ظن المسكين أن له نصيبا من الملك وادعى لنفسه ملكا مع الله سبحانه ورأى نفسه بغير تلك العين الأولى ونسي ما كان فيه من حالة الإعدام والفقر والحاجة حتى كأنه لم يكن هو ذلك الفقير المحتاج بل كأن ذلك شخصا آخر غيره كما روى الإمام أحمد في مسنده من حديث بسر بن جحاش القرشي أن رسول الله بصق يوما في كفه فوضع عليها إصبعه ثم قال قال الله تعالى يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة ومن ههنا خذل من خذل ووفق من وفق فحجب المخذول عن حقيقته ونسي نفسه فنسي فقره وحاجته وضرورته إلى ربه فطغى وعتا فحقت عليه الشقوة قال تعالى كلا إن الأنسان ليطغى أن رءاه استغنى وقال فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى فأكمل الخلق أكملهم عبودية وأعظمهم شهودا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين ولهذا كان من دعائه أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك وكان يدعو: يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك يعلم أن قلبه بيد الرحمن عز وجل لا يملك منه شيئا وأن الله سبحانه يصرفه كما يشاء كيف وهو يتلو قوله تعالى ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا فضرورته إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به وحسب قربه منه ومنزلته عنده وهذا أمر إنما بدا منه لمن بعده ما يرشح من ظاهر الوعاء ولهذا كان أقرب الخلق إلى الله وسيلة وأعظمهم عنده جاها وأرفعهم عنده منزلة لتكميله مقام العبودية والفقر إلى ربه وكان يقول لهم أيها الناس ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي إنما أنا عبد وكان يقول لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبدالله ورسوله
وذكره الله سبحانه بسمة العبودية في أشرف مقاماته مقام الإسراء ومقام الدعوة ومقام التحدي فقال: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا.
وقال: وأنه لما قام عبدالله يدعوه.
وقال: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا.
وفي حديث الشفاعة: أنّ المسيح يقول لهم اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فنال ذلك المقام بكمال عبوديته لله وبكماله مغفرة الله له فتأمل قوله تعالى في الآية أنتم الفقراء إلى الله باسم الله دون اسم الربوبية ليؤذن بنوعي الفقر فإنه كما تقدم نوعان فقر إلى ربوبيته وهو فقر المخلوقات بأسرها وفقر إلى ألوهيته وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده الصالحين وهذا هو الفقر النافع...".

رائد المقدسي
04-16-2009, 10:20 PM
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

في حديث الشفاعة: أنّ المسيح يقول لهم اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فنال ذلك المقام بكمال عبوديته لله وبكماله مغفرة الله له فتأمل قوله تعالى في الآية أنتم الفقراء إلى الله باسم الله دون اسم الربوبية ليؤذن بنوعي الفقر فإنه كما تقدم نوعان فقر إلى ربوبيته وهو فقر المخلوقات بأسرها وفقر إلى ألوهيته وهو فقر أنبيائه ورسله وعباده الصالحين وهذا هو الفقر النافع...".

جزاك الله خير الجزاء أخانا أبا يسري و نفع الله بك .

محمد أسعد التميمي
04-18-2009, 06:54 PM
قال العلّامة ابن القيّم في "اجتماع الجيوش الإسلاميّة" (1/3): "..والنعمة نعمتان : نعمة مطلقة ونعمة مقيدة .

1 فالنعمة المطلقة : هي المتصلة بسعادة الأبد وهي نعمة الإسلام والسنة وهي النعمة التي أمرنا الله سبحانه أن نسأله في صلاتنا أن يهدينا صراط أهلها ومن خصهم بها وجعلهم أهل الرفيق الأعلى حيث يقول تعالى : ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (http://vb.alaqsasalafi.com/#docu)) .

فهؤلاء الأصناف الأربعة ، هم أهل هذه النعمة المطلقة ، وأصحابها أيضا هم المعنيون بقوله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (http://vb.alaqsasalafi.com/#docu)فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم (http://vb.alaqsasalafi.com/#docu). . . ) ، فأضاف الدين إليهم ; إذ هم المختصون بهذا الدين القيم دون سائر الأمم ، والدين تارة يضاف إلى العبد ، وتارة يضاف إلى الرب ، فيقال الإسلام دين الله ( الذي ) لا يقبل من أحد دينا سواه [ ص: 34 ] ولهذا يقال في الدعاء : ( اللهم انصر دينك الذي أنزلته من السماء ) ونسب الكمال إلى الدين والتمام إلى النعمة مع إضافتها إليه ; لأنه هو وليها ومسديها إليهم ، وهم محل محض لنعمه قابلين لها ، ولهذا يقال في الدعاء المأثور للمسلمين ( واجعلهم مثنين بها عليك قابليها وأتممها عليهم ) .

وأما الدين فلما كانوا هم القائمين به الفاعلين له بتوفيق ربهم نسبه إليهم ، فقال : ( أكملت لكم دينكم (http://vb.alaqsasalafi.com/#docu)) ، وكان الكمال في جانب الدين والتمام في جانب النعمة واللفظتان وإن تقاربتا وتوازنتا فبينهما فرق لطيف يظهر عند التأمل فإن الكمال أخص بالصفات والمعاني ويطلق على الأعيان والذوات وذلك باعتبار صفاتها وخواصها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، وخديجة [ ص: 35 ] بنت خويلد (http://vb.alaqsasalafi.com/#docu)) . وقال عمر بن عبد العزيز (http://vb.alaqsasalafi.com/showalam.php?ids=16673): " إن للإيمان حدودا وفرائض وسننا وشرائع فمن استكملها فقد استكمل الإيمان " ، وأما التمام فيكون في الأعيان والمعاني ، ونعمة الله أعيان وأوصاف ومعان .

وأما دينه فهو شرعه المتضمن لأمره ونهيه ومحابه فكانت نسبة الكمال إلى الدين والتمام إلى النعمة أحسن كما كانت إضافة الدين إليهم والنعمة إليه أحسن ، والمقصود [ ص: 36 ] أن هذه النعمة هي النعمة المطلقة ، وهي التي اختصت بالمؤمنين ، وإذا قيل : ليس لله على الكافر نعمة بهذا الاعتبار فهو صحيح .

- 2 النعمة المقيدة :

والنعمة الثانية : النعمة المقيدة كنعمة الصحة ، والغنى ، وعافية الجسد ، وبسط الجاه ، وكثرة الولد ، والزوجة الحسنة ، وأمثال هذه ، فهذه النعمة مشتركة بين البر والفاجر والمؤمن والكافر ، وإذا قيل : لله على الكافر نعمة بهذا الاعتبار فهو حق ، فلا يصح إطلاقا السلب والإيجاب إلا على وجه واحد ; وهو أن النعم المقيدة ، لما كانت استدراجا للكافر ومآلها إلى العذاب والشقاء فكأنها لم تكن نعمة وإنما كانت بلية كما سماها الله تعالى في كتابه كذلك ، فقال تعالى : ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمني (http://vb.alaqsasalafi.com/#docu)وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانني كلا (http://vb.alaqsasalafi.com/#docu). . . ) الآية أي : ليس كل من أكرمته في الدنيا ونعمته فيها [ ص: 37 ] فقد أنعمت عليه وإنما كان ذلك ابتلاء مني له ، واختبارا ، ولا كل من قدرت عليه رزقه فجعلته بقدر حاجته من غير فضل أكون قد أهنته ، بل أبتلي عبدي بالنعم كما أبتليه بالمصائب .