محمد عباس
03-16-2009, 09:31 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
من أصول أهل السنة والجماعة
توقير العلماء واحترامهم والتأدب معهم
إن من الـميزات العظيمة التى يتميز بها أصحاب المنهج السلفى التوقير الشديد لعلمائهم وأئمتهم، واحترامهم وتبجيلهم وإجلالهم وتعظيمهم بما ينبغى لهم، وذلك منهم امتثالٌ وتطبيق لما جاء فى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
فقد نبهنا الله على علو مكانتهم ورفعة مقامهم فقال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
وعن عبادة بن الصامت ط قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من لم يُـجِلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه»([1] (http://www.albaidha.net/vb/newthread.php?do=newthread&f=27#_ftn1)).
قال المناوى ::
«ومعرفة حق العالم هو حق العلم بأن يعرف قدره بما رفع الله من قدره، فإنه قال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ فيعرف له درجته التى رفع الله له بما آتاه من العلم»(1).
وهذا هو الذى عليه أئمة الدين حتى قال الطحاوى:فى عقيدته:
«وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل»([2] (http://www.albaidha.net/vb/newthread.php?do=newthread&f=27#_ftn2)).
قال ابن أبى العز الحنفى ::
«فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن، خصوصًا الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بها فى ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول ﷺ من أمته، والمحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقًا يقينًا على وجوب اتباع الرسول ﷺ...»([3] (http://www.albaidha.net/vb/newthread.php?do=newthread&f=27#_ftn3)).
وقال فضيلة الشيخ صالح آل الشيخ فى شرحه على الطحاوية:
«هذه الجملة من هذه العقيدة المباركة قرر فيها الطحاوى منهج أهل السنة والجماعة فى التعامل مع أهل العلم من أهل الأثر وأهل الفقه فإنهم كما قال «لا يذكرون إلا بالجميل» لأنهم نقلة الشريعة، ولأنهم المفتون فى مسائل الشريعة، ولأنهم المبينون للناس معنى كلام الله عز وجل فى كتابه ومعنى حديث النبى ﷺ، وهم الذين يدفعون عن الدين ويذبون عنه بتثبيت العقيدة الصحيحة وتثبيت سنة النبى ﷺ، ورد الموضوعات والأحاديث المنكرة والباطلة التى أضيفت للنبى ﷺ، فهم إذن حماة الشريعة الحماية العلمية، ولهذا كان العلماء ورثة الأنبياء؛ لأن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، والذين حمَوُا العلم هم الصحابة رضوان الله عليهم، وهم التابعون من علماء السلف وعلماء تابعى التابعين من أهل الحديث ومن أهل الفقه. فهؤلاء منهج أهل السنة والجماعة أن يذكر الجميع بالجميل وألا نقع فى عالم من العلماء لا من أهل الحديث ولا من أهل الفقه بل يذكرون بالجميل ولا يذكرون بسوء، وإنما يرجى لهم فيما أخطئوا فيه أنهم إنما اجتهدوا ورجوا الأجر والثواب، والخطأ لا يتابع عليه صاحبه.... وسيأتى فى مسألة مستقلة إن شاء الله- أن القدح فيهم يرجع فى الحقيقة عند العامة إلى قدح فى حملة الشريعة ونقلة الشريعة، وبالتالى فيضعف فى النفوس محبة الشرع؛ لأن أهل العلم حينئذ فى النفوس ليسوا على مقام رفيع وليسوا على منزلة رفيعة فى النفوس، فحينئذ يشك فيما ينقلونه من الدين وفيما يحفظون به الشريعة، فتؤول الأمور حينئذ إلى الأهواء والآراء فلا يكون ثمَّ مرجعية إلى أهل العلم فيما أشكل على الناس فتنفصم عرى الإيمان.
لهذا كان ذكر العلماء بسوء هو من جنس ذكر الصحابة بسوء، ولهذا أتبع الطحاوى ذكر الصحابة بذكر العلماء، يعنى لما فرغ من ذكر الصحابة ذكر العلماء؛ لأن القدح فى الصحابة والقدح فى العلماء منشؤه واحد ونهايته واحدة، فإن القدح فى الصحابة طعن فى الدين، والقدح فى العلماء المستقيمين والعلماء الربانيين فيما أخطئوا أو فيما اجتهدوا فيه، هذا أيضًا يرجع إلى القدح فى الدين، فالباب باب واحد»([4] (http://www.albaidha.net/vb/newthread.php?do=newthread&f=27#_ftn4)).
قلت: ولما كان العلماء الربانيون هم السد المنيع أمام انتشار البدع والأهواء، كان أهل البدع دائما يحبون تنقص العلماء وتسفيههم وتجهيلهم تصريحًا أو تلميحًا، وذلك ليظهر لأتباعه أنه الأعلم والأفضل فلا يرجعوا إلى أهل العلم فيما أشكل عليهم، وإنما يرجعون له هو لما ترسخ فى عقولهم أنه أفقه منهم وأعلم، وهذا أسلوب خسيس مشين، وأخبثه وأشده دهاءً من يظهر للناس تعظيم العلماء ثم هو من طرف خفى يقع فيهم ويقدح ويرميهم باتهامات خطيرة تجعل المبتدئ يبتعد عنهم خوفًا على نفسه منهم، عندئذٍ لا يجد أمامه إلا هذا المبتدع ليتخذه إمامًا مع المدح له والتعظيم والتبجيل معتقدًا أن الله حباه بما لم يعطه لغيره.
ومن هؤلاء الذين وقعوا فى العلماء بأسلوب خفى ذلك الدعى ياسر برهامى، ومن ذلك:
1- طعنه الشديد فى العلماء الذين حملوا حديث حذيفة فى اعتزال الفرق على اعتزال الجماعات وقالوا: إن هذه الجماعات فرق شتت الأمة. وهؤلاء العلماء هم أكابر أهل العلم فى هذا الزمان الشيخ الألبانى والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ مقبل والشيخ الفوزان وغيرهم، وقد نقلنا فتاويهم فى أثناء البحث فقال فى «فقه الخلاف» (ص4):
«مما دفع بالبعض فى محاولة لعلاج قضية الخلاف إلى نبذ العمل الإسلامى الجماعى جملة للتخلص من خلافات الجماعات الإسلامية» اهـ. وكما هو معلوم أنه فى الآونة الأخيرة يسمى «الجماعة» بالتعاون على البر والتقوى. ولذلك فهو يقول فى هذا الحديث فى كتابه «فى مواجهة الفتن» (ص27- 29):
«ما أكثر من يجهل هذا الحديث مع كونه من أخطر ما يكون، وفهمه من أعظم ما نحتاج إليه؛ لأننا بالفعل فى زمن الدعاة على أبواب جهنم.... فليس المقصود بلا شك من اعتزال الفرق اعتزال أهل الإسلام أو عدم التعاون على البر والتقوى، كما يزعم البعض كذبا وزورًا أن هذا هو معنى الحديث».
فتأمل كلامه تجد أنه فى فقه الخلاف بيـَّن أن البعض وهم العلماء حملوا الحديث على الجماعات الإسلامية، وأما فى مواجهة الفتن فقد صرح بأن المراد باعتزال الفرق أى فرق الضلال لا كما يقول البعض، أى العلماء كذبا وزورًا أن معنى الحديث عدم التعاون عن البر والتقوى، أى اعتزال الجماعات وإلا فليأتنا بعالم واحد قال فى هذا الحديث أن المراد منه عدم التعاون على البر والتقوى بالمفهوم الشرعى المجمع عليه.
وأنا أسألكم بالله: أى إهانة أعظم لأهل العلم من اتهامهم بالكذب والزور؟! فهل الألبانى كذاب ومزور؟ وهل ابن باز كذاب ومزور؟ وهل ابن عثيمين كذاب ومزور؟ وغيرهم من العلماء كذلك لما صرحوا بما يعتقدون فى معنى الحديث؛ لأنه لم يوافق ما يعتقد ويقول من البدعة، إنا لله وإنا إليه راجعون.
بل إنه يزداد فى ذلك حين يتهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى بأنهم لا يفقهون الواقع ولا يملكون الرؤية الصحيحة لمستقبل العمل الإسلامى، إلى آخر هذه التهم عندما يقول فى«فقه الخلاف» (ص93):
«وأراح البعض نفسه بأن أقنع نفسه وغيره بإنكار التجمع مطلقًا معللا ذلك بالعيوب الناشئة عن الجماعات... وآثر العمل الفردى وظهرت التجمعات حول أشخاص الدعاة دون وجود أى نظام للعمل على استكمال العمل الإسلامى والقيام بفروض الكفايات إلا نظام الشيخ والتلميذ وما قد يقتنع به البعض من أعمال الخير، ولا يخفى أن هذه النظرة تفقد الرؤية الصحيحة لمستقبل العمل الإسلامى، ولا تحدد خطوات محددة لتطور العمل...».
ويـزداد اعتداؤه على أهـل العلم القائلين باعتزال هذه الجـمـاعات، فيقدح فى إخلاصهم ويتهمهم بأنهم سبب البلاء الذى تعيش فيه الأمة والمحن التى تمر بها، فيقول فى «آلام المسلمين» (ص29) وهو يتحدث عن المنهج الذى يراه صحيحًا:
«نتجمع عليه ونتآلف ونتكاتف وننسى حظوظ أنفسنا وما نريده لها فى هذه الدنيا من وجاهة وسط الناس، ومن أن يقال: فلان عالم، وفلان قارئ، وفلان داعية، وفلان كبير، وفلان عظيم، فلننس ذلك؛ لأنه السبب فى هذا البلاء وهذه المحن».
إلى غير ذلك من هذه الاتهامات والاعتداءات والإساءات التى ستظهر لك فى هذا الكتاب، فأين أحمد بن أبى العينين الذى يدعى أنه ينصر الأئمة الكبار؟ لماذا لم يرد على شيخه وينتصر للأئمة؟ وأين الدكتور محمد بن إسماعيل الذى غار للدكتور ياسر لما وصفته فى «فتح المنان» بما يستحق من أنه مبتدع ضال وقال: هذا سوء أدب. فماذا تقولون الآن أم أن الكيل بمكيالين؟
إن الصحيح فى ياسر برهامى وأمثاله أن يعاملوا بما يستحقون من الإهانة جزاء إهانتهم لأهل العلم، فالجزاء من جنس العمل.
قال ابن عساكر ::
«إنما نحترمك ما احترمت الأئمة...» ([5] (http://www.albaidha.net/vb/newthread.php?do=newthread&f=27#_ftn5)).
فإن وجدت منى شدة فى هذا الكتاب على هذه الجماعة وقائدها برهامى، فاعلم أنها غضبة لله. ونصرة للعقيدة ونصرة للمنهج السلفى ونصرة لأهل العلم الكبار ونصرة للحق. والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
* * *
([1]) رواه أحمد وحسنه الألبانى : فى صحيح الجامع (5443)، وحسنه الهيثمى والسيوطى، والمناوى فى فيض القدير (5/471).
([2]) شرح الطحاوية (2/1259).
([3]) شرح الطحاوية (2/1259).
([4]) شرح الطحاوية (2/1258- 1260).
([5]) سير أعلام النبلاء (19/581).
من أصول أهل السنة والجماعة
توقير العلماء واحترامهم والتأدب معهم
إن من الـميزات العظيمة التى يتميز بها أصحاب المنهج السلفى التوقير الشديد لعلمائهم وأئمتهم، واحترامهم وتبجيلهم وإجلالهم وتعظيمهم بما ينبغى لهم، وذلك منهم امتثالٌ وتطبيق لما جاء فى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
فقد نبهنا الله على علو مكانتهم ورفعة مقامهم فقال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
وعن عبادة بن الصامت ط قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منا من لم يُـجِلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه»([1] (http://www.albaidha.net/vb/newthread.php?do=newthread&f=27#_ftn1)).
قال المناوى ::
«ومعرفة حق العالم هو حق العلم بأن يعرف قدره بما رفع الله من قدره، فإنه قال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ فيعرف له درجته التى رفع الله له بما آتاه من العلم»(1).
وهذا هو الذى عليه أئمة الدين حتى قال الطحاوى:فى عقيدته:
«وعلماء السلف من السابقين ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل»([2] (http://www.albaidha.net/vb/newthread.php?do=newthread&f=27#_ftn2)).
قال ابن أبى العز الحنفى ::
«فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين كما نطق به القرآن، خصوصًا الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم يهتدى بها فى ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها إلا المسلمين فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول ﷺ من أمته، والمحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقًا يقينًا على وجوب اتباع الرسول ﷺ...»([3] (http://www.albaidha.net/vb/newthread.php?do=newthread&f=27#_ftn3)).
وقال فضيلة الشيخ صالح آل الشيخ فى شرحه على الطحاوية:
«هذه الجملة من هذه العقيدة المباركة قرر فيها الطحاوى منهج أهل السنة والجماعة فى التعامل مع أهل العلم من أهل الأثر وأهل الفقه فإنهم كما قال «لا يذكرون إلا بالجميل» لأنهم نقلة الشريعة، ولأنهم المفتون فى مسائل الشريعة، ولأنهم المبينون للناس معنى كلام الله عز وجل فى كتابه ومعنى حديث النبى ﷺ، وهم الذين يدفعون عن الدين ويذبون عنه بتثبيت العقيدة الصحيحة وتثبيت سنة النبى ﷺ، ورد الموضوعات والأحاديث المنكرة والباطلة التى أضيفت للنبى ﷺ، فهم إذن حماة الشريعة الحماية العلمية، ولهذا كان العلماء ورثة الأنبياء؛ لأن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، والذين حمَوُا العلم هم الصحابة رضوان الله عليهم، وهم التابعون من علماء السلف وعلماء تابعى التابعين من أهل الحديث ومن أهل الفقه. فهؤلاء منهج أهل السنة والجماعة أن يذكر الجميع بالجميل وألا نقع فى عالم من العلماء لا من أهل الحديث ولا من أهل الفقه بل يذكرون بالجميل ولا يذكرون بسوء، وإنما يرجى لهم فيما أخطئوا فيه أنهم إنما اجتهدوا ورجوا الأجر والثواب، والخطأ لا يتابع عليه صاحبه.... وسيأتى فى مسألة مستقلة إن شاء الله- أن القدح فيهم يرجع فى الحقيقة عند العامة إلى قدح فى حملة الشريعة ونقلة الشريعة، وبالتالى فيضعف فى النفوس محبة الشرع؛ لأن أهل العلم حينئذ فى النفوس ليسوا على مقام رفيع وليسوا على منزلة رفيعة فى النفوس، فحينئذ يشك فيما ينقلونه من الدين وفيما يحفظون به الشريعة، فتؤول الأمور حينئذ إلى الأهواء والآراء فلا يكون ثمَّ مرجعية إلى أهل العلم فيما أشكل على الناس فتنفصم عرى الإيمان.
لهذا كان ذكر العلماء بسوء هو من جنس ذكر الصحابة بسوء، ولهذا أتبع الطحاوى ذكر الصحابة بذكر العلماء، يعنى لما فرغ من ذكر الصحابة ذكر العلماء؛ لأن القدح فى الصحابة والقدح فى العلماء منشؤه واحد ونهايته واحدة، فإن القدح فى الصحابة طعن فى الدين، والقدح فى العلماء المستقيمين والعلماء الربانيين فيما أخطئوا أو فيما اجتهدوا فيه، هذا أيضًا يرجع إلى القدح فى الدين، فالباب باب واحد»([4] (http://www.albaidha.net/vb/newthread.php?do=newthread&f=27#_ftn4)).
قلت: ولما كان العلماء الربانيون هم السد المنيع أمام انتشار البدع والأهواء، كان أهل البدع دائما يحبون تنقص العلماء وتسفيههم وتجهيلهم تصريحًا أو تلميحًا، وذلك ليظهر لأتباعه أنه الأعلم والأفضل فلا يرجعوا إلى أهل العلم فيما أشكل عليهم، وإنما يرجعون له هو لما ترسخ فى عقولهم أنه أفقه منهم وأعلم، وهذا أسلوب خسيس مشين، وأخبثه وأشده دهاءً من يظهر للناس تعظيم العلماء ثم هو من طرف خفى يقع فيهم ويقدح ويرميهم باتهامات خطيرة تجعل المبتدئ يبتعد عنهم خوفًا على نفسه منهم، عندئذٍ لا يجد أمامه إلا هذا المبتدع ليتخذه إمامًا مع المدح له والتعظيم والتبجيل معتقدًا أن الله حباه بما لم يعطه لغيره.
ومن هؤلاء الذين وقعوا فى العلماء بأسلوب خفى ذلك الدعى ياسر برهامى، ومن ذلك:
1- طعنه الشديد فى العلماء الذين حملوا حديث حذيفة فى اعتزال الفرق على اعتزال الجماعات وقالوا: إن هذه الجماعات فرق شتت الأمة. وهؤلاء العلماء هم أكابر أهل العلم فى هذا الزمان الشيخ الألبانى والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ مقبل والشيخ الفوزان وغيرهم، وقد نقلنا فتاويهم فى أثناء البحث فقال فى «فقه الخلاف» (ص4):
«مما دفع بالبعض فى محاولة لعلاج قضية الخلاف إلى نبذ العمل الإسلامى الجماعى جملة للتخلص من خلافات الجماعات الإسلامية» اهـ. وكما هو معلوم أنه فى الآونة الأخيرة يسمى «الجماعة» بالتعاون على البر والتقوى. ولذلك فهو يقول فى هذا الحديث فى كتابه «فى مواجهة الفتن» (ص27- 29):
«ما أكثر من يجهل هذا الحديث مع كونه من أخطر ما يكون، وفهمه من أعظم ما نحتاج إليه؛ لأننا بالفعل فى زمن الدعاة على أبواب جهنم.... فليس المقصود بلا شك من اعتزال الفرق اعتزال أهل الإسلام أو عدم التعاون على البر والتقوى، كما يزعم البعض كذبا وزورًا أن هذا هو معنى الحديث».
فتأمل كلامه تجد أنه فى فقه الخلاف بيـَّن أن البعض وهم العلماء حملوا الحديث على الجماعات الإسلامية، وأما فى مواجهة الفتن فقد صرح بأن المراد باعتزال الفرق أى فرق الضلال لا كما يقول البعض، أى العلماء كذبا وزورًا أن معنى الحديث عدم التعاون عن البر والتقوى، أى اعتزال الجماعات وإلا فليأتنا بعالم واحد قال فى هذا الحديث أن المراد منه عدم التعاون على البر والتقوى بالمفهوم الشرعى المجمع عليه.
وأنا أسألكم بالله: أى إهانة أعظم لأهل العلم من اتهامهم بالكذب والزور؟! فهل الألبانى كذاب ومزور؟ وهل ابن باز كذاب ومزور؟ وهل ابن عثيمين كذاب ومزور؟ وغيرهم من العلماء كذلك لما صرحوا بما يعتقدون فى معنى الحديث؛ لأنه لم يوافق ما يعتقد ويقول من البدعة، إنا لله وإنا إليه راجعون.
بل إنه يزداد فى ذلك حين يتهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى بأنهم لا يفقهون الواقع ولا يملكون الرؤية الصحيحة لمستقبل العمل الإسلامى، إلى آخر هذه التهم عندما يقول فى«فقه الخلاف» (ص93):
«وأراح البعض نفسه بأن أقنع نفسه وغيره بإنكار التجمع مطلقًا معللا ذلك بالعيوب الناشئة عن الجماعات... وآثر العمل الفردى وظهرت التجمعات حول أشخاص الدعاة دون وجود أى نظام للعمل على استكمال العمل الإسلامى والقيام بفروض الكفايات إلا نظام الشيخ والتلميذ وما قد يقتنع به البعض من أعمال الخير، ولا يخفى أن هذه النظرة تفقد الرؤية الصحيحة لمستقبل العمل الإسلامى، ولا تحدد خطوات محددة لتطور العمل...».
ويـزداد اعتداؤه على أهـل العلم القائلين باعتزال هذه الجـمـاعات، فيقدح فى إخلاصهم ويتهمهم بأنهم سبب البلاء الذى تعيش فيه الأمة والمحن التى تمر بها، فيقول فى «آلام المسلمين» (ص29) وهو يتحدث عن المنهج الذى يراه صحيحًا:
«نتجمع عليه ونتآلف ونتكاتف وننسى حظوظ أنفسنا وما نريده لها فى هذه الدنيا من وجاهة وسط الناس، ومن أن يقال: فلان عالم، وفلان قارئ، وفلان داعية، وفلان كبير، وفلان عظيم، فلننس ذلك؛ لأنه السبب فى هذا البلاء وهذه المحن».
إلى غير ذلك من هذه الاتهامات والاعتداءات والإساءات التى ستظهر لك فى هذا الكتاب، فأين أحمد بن أبى العينين الذى يدعى أنه ينصر الأئمة الكبار؟ لماذا لم يرد على شيخه وينتصر للأئمة؟ وأين الدكتور محمد بن إسماعيل الذى غار للدكتور ياسر لما وصفته فى «فتح المنان» بما يستحق من أنه مبتدع ضال وقال: هذا سوء أدب. فماذا تقولون الآن أم أن الكيل بمكيالين؟
إن الصحيح فى ياسر برهامى وأمثاله أن يعاملوا بما يستحقون من الإهانة جزاء إهانتهم لأهل العلم، فالجزاء من جنس العمل.
قال ابن عساكر ::
«إنما نحترمك ما احترمت الأئمة...» ([5] (http://www.albaidha.net/vb/newthread.php?do=newthread&f=27#_ftn5)).
فإن وجدت منى شدة فى هذا الكتاب على هذه الجماعة وقائدها برهامى، فاعلم أنها غضبة لله. ونصرة للعقيدة ونصرة للمنهج السلفى ونصرة لأهل العلم الكبار ونصرة للحق. والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
* * *
([1]) رواه أحمد وحسنه الألبانى : فى صحيح الجامع (5443)، وحسنه الهيثمى والسيوطى، والمناوى فى فيض القدير (5/471).
([2]) شرح الطحاوية (2/1259).
([3]) شرح الطحاوية (2/1259).
([4]) شرح الطحاوية (2/1258- 1260).
([5]) سير أعلام النبلاء (19/581).