المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصادقون واهل الغفلة



أحمد محمد التميمي
08-23-2008, 04:33 PM
الصادقون واهل الغفلة


أمر الله سبحانه وتعالى أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين ، وخص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقال تعالى : "يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " وقال تعالى :" ومن يطع الله والرسول فأولائك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين " ، فهم الرفيق الأعلى "وحسن أولائك رفيقا " ، ولا يزال الله يمدهم بأنعمه وألطافه ومزيده إحسانا منه وتوفيقا، ولهم مرتبة المعية مع الله فان الله مع الصادقين ،ولهم منزلة القرب منه إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيين .....
وأخبر تعالى عن أهل البر وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم من الإيمان ، والإسلام ، والصدقة , والصبر , بأنهم أهل الصدق فقال : "ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ، والسائلين، وفي الرقاب ، وأقام الصلاة واتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولائك الذين صدقوا وأولائك هم المتقون " ......
وهذا صريح في أن الصدق بالأعمال الظاهرة والباطنة وأن الصدق هو مقام الإسلام والإيمان ......
وقسم الله سبحانه الناس إلى صادق ومنافق فقال :" ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء الله أو يتوب عليهم " ، والإيمان أساس الصدق ، والنفاق أساس الكذب ، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر ، وأخبر سبحانه أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه قال تعالى "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ، ذلك الفوز العظيم " ......وقال تعالى " والذي جاء بالصدق وصدق به أولائك هم المتقون " ، فالذي جاء بالصدق هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله ......
وأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية ، وهي كمال الإنقياد للرسول صلى الله عليه وسلم مع كمال الإخلاص للمرسل ،وقد نال هذه المرتبة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ......
والصادق حقيقة هو الذي انجذبت قوى روحه كلها إلى إرادة الله وطلبه ، والسير إليه والاستعداد للقائه ، ولا يحتمل سببا يدعوه إلى نقض عهده مع الله بوجه ،وكذلك لا يصبر على صحبة الضد وهم أهل الغفلة وقطاع طريق القلب إلى الله ، وأضر شيء على الصادق صحبتهم ، بل لا تصبر نفسه على ذلك أبدا إلا جمع ضرورة ،وكلما استحكمت الغفلة في الضد كلما استحكم الصدق في الصادق أحست روحه بالأجنبية بينه وبينهم بالمضادة واشتدت النفرة بينه وبينهم ،وإن نطق هذا الضد بشيء أحس قلب الصادق أنه نطق بلسان الغفلة ، والرياء ،والكبر ، وطلب الجاه ولو كان قارئا أو ذاكرا أو مصليا أو حاجا فنفر قلبه منه ، وقلب الصادق قوي الإحساس فيجد الغيرية والأجنبية من الضد ، ويشم القلب القلب كما يشم الرائحة الخبيثة . فيزوي وجهه لذلك ويعتريه العبوس ولا يأنس به إلا تكلفا ، ولا يصاحبه إلا ضرورة ......
والصدق يقود صاحبه للحق والعبودية لله والتقرب إليه لا لشهوات الدنيا وبهرجها كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " لولا ثلاث لما أحببت البقاء ، لولا أن أحل على جياد الخيل في سبيل الله ومكابدة الليل، ومجالسة لقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب الثمر " ، يريد رضي الله عنه الجهاد والصلاة والعلم النافع ، وهذه أعلى وأفضل الدرجات .......
ومن هاهنا يفارق الصادق أكثر الناس ، بل يستوحش في طريقه وذلك لقلة سالكيها ، فان أكثر الناس سائرون على طرق أذواقهم ، وتجريد أنفاسهم لنفوسهم ، فالصادق في واد وأهل الغفلة في واد آخر ....
وقال معاذ رضي الله عنه عند موته : اللهم انك تعلم أني لم أكن أحب البقاء لجري الأنهار ، ولا لغرس الأشجار ، ولا لنكح الأزواج ، ولكن لظمأ الهواجر ، ومكابدة الليل ، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر .