المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : خطورة التصدر للدعوة قبل التأهُّل بالعلم النافع



رائد بن عبد الجبار المهداوي
08-08-2008, 12:12 AM
خطورةُ التصدُّرِ للدعوةِ قبلَ التأهُّلِ بالعلمِ النافعِ
أَعدَّه: أبو عبد الرحمن رائد بن عبد الجبار المهداوي

إن الدعوةَ إلى الله من أجلّ القُربات، ومن أفضل الطاعات، بشرط أن تكونَ على بصيرة، وهدىً، ونورٍ من الله، وإلاَّ حصل البلاء، وعمت الفتنة.
وفي التنزيل يقول ـ سبحانه وتعالى ـ: " قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " (يوسف : 108)
والبصيرة : اليقين والحقُّ ، والبرهان والعلمُ .
وقال ـ تعالى ـ: " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " (الأعراف : 33)
وتأمل كيف قرن الله ـ عز وجل ـ القولَ عليه بغير علم بالفواحش، والإثم، والبغي، والشرك.
وقال الإمام البخاريُّ في كتاب العلم (3) من "صحيحه": (10)بابٌ : العلم قبل القول والعمل، لقول الله ـ تعالى ـ: " فاعلم أنه لا إله إلا الله" فبدأ بالعلم، ...
وفي الصحيحين عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: "من علم فليَقُل، ومن لم يعلم فليَقُل: الله أعلم، فإنَّ منَ العلم أن يقولَ لما لا يعلمُ: الله أعلمُ ".
وأخرج مسلمٌ في مقدمة صحيحه عن بشر بن الحكم العبدي قال: سمعتُ سفيان بن عينية، عن أبي عقيلٍ صاحب بهية، أن أبناءً لعبد الله بن عمرَ سأَلوه عن شيء لم يكن عنده فيه علمٌ ، فقال له يحيى بن سعيد : والله إني لأُعظمُ أن يكون مثلكُ وأنت ابنُ إماميْ الهدى ـ يعني عمر وابن عمر ـ تُسألُ عن أمرٍ ليس عندك فيه علمٌ ، فقالَ : أعظمُ من ذلك ـ والله ـ عند الله، وعندَ من عَقِلَ عن الله أن أقولَ بغير علم، أو أُخبرَ عن غير ثقةٍ .
وأخرج أبو نُعيم في الحلية (6/343) عن عبد الله بن وهب قال: " لو شئتُ أن أملأ ألواحي من قول مالك بن أنس لا أدري ، فَعَلْتُ ".
فـ "سبحانَ من مَنَّ على الخلق بالعلماء الفقهاء ، الذين فهموا مقصود الأمر ومُراد الشارع ، فهم حفظةُ الشريعة فأحسنَ الله جزاءَهُم .
وإنَّ الشيطان ليتجافاهم خوفاً منهم، فإنهم يقدرون على أذاهُ ، وهو لا يقدر على أذاهم ولقد تلاعب بأهل الجهل والقليلي الفهم، وكان من أعجب تلاعبه أن حَسَّن لأقوام ٍ تركَ العلم، ثم لم يقنعوا بهذا حتى قدحوا في المتشاغلين به، وهذا لو فهموه قدحٌ في الشريعة فإن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقولُ: " بلِّغوا عني" وقد قال له ربه ـ عز وجل ـ " بَلِّغْ "، فإذا لم يَتَشاغَلْ بالعلم فكيف يُبَلِّغُ الشريعةَ إلى الخلقِ ؟ " "صيد الخاطر" ص(184).
والعلم النافع هو ما كان قائماً على "ضبط نصوص الكتاب والسنة، وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد، والرقائق، والمعارف، وغير ذلك، والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولاً، ثم الاجتهاد على الوقوف في معانيه وتفهمه ثانياً ... ومن وقف على هذا، وأخلص القصد فيه لوجه الله ـ عز وجل ـ، واستعان عليه، أعانه، وهداه، ووفقه، وسدده، وفهَّمه، وألهمه، وحينئذ يثمر له هذا العلم ثمرته الخاصة به وهي: خشية الله كما قال ـ عز وجل ـ: "إِنَّما يَخشى اللَهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ". قال ابن مسعود وغيره: كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار بالله جهلاً، وقال بعض السلف: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية. وقال بعضهم: من خشي اللهَ فهو عالم، ومن عصاه فهو جاهل،.... وسبب ذلك أن هذا العلم النافع يدل على أمرين: أحدهما: على معرفة الله، وما يستحقه من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الباهرة، وذلك يستلزم إجلاله، وإعظامه، وخشيته، ومهابته، ومحبته، ورجاءه، والتوكل عليه، والرِّضى بقضائه، والصبر على بلائه.
والأمر الثاني: المعرفة بما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويسخطه، من الاعتقادات، والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال، فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما فيه محبة الله ورضاه، والتباعد عما يكرهه ويسخطه. فإذا أثمر العلم لصاحبه هذا فهو علم نافع، فمتى كان العلم نافعاً ووقر في القلب فقد خشع القلب للَّه، وانكسر له، وذلَّ؛ هيبةً، وإجلالاً، وخشيةً، ومحبةً، وتعظيماً. ومتى خشع القلب للَّه وذل وانكسر له قنعت النفس بيسير الحلال من الدنيا، وشبعت به، فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا ..." "بيان فضل علم السلف على علم الخلف" ص(72ـ74 بتصرف يسير).
وفي هذا الزمان نبتت نابتةٌ ازدرت العلمَ ، وعزفت عنه ، وهوّنت من شأنه، وأقصت العلماء ، وصدّرت العامة الدهماء ، فصار الكلامُ في الدين ـ عندهم ـ خبطَ عشواء ، فما أعظم أثرَهمُ السيء على الأمة . ومن بدعهُم المعاصرةُ ـ التي هي من تلعُّب الشيطان بهم ـ تفريقهم بين العالم والداعية، على وجه الغمز والنبز والانتقاص، فيقولون : هذا عالمٌ قد اقتصر نَفْعهُ على نفسه وعلى القليل ممن يجلس إليه أو يسألُه، فهو كالبئر إن لم تتكبد المشقة في الوصول إليه لم تشرب ماءه ، أما الداعية فهو كالسحاب أينما وقع نَفَع.
وإنَّ هذا زَيْفٌ من القول ِ، فالعلماء هم الدعاةُ وحملة الشريعة، وخير الدعاة هم الرسل ثم ورثتهم وهم العلماءُ، وقد بيّن لنا النبي ـ صلى الله عليه وسلمَ ـ أن قبضَ العلم، وفشوَّ الجهل، وتصدُّرَ العامة، وترؤُّسَ الجهلة ِ، فتنةٌ تؤدي إلى الضلال والإضلال، وهي من علامات الساعة.
ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: " إنَّ الله لا يقبضُ العلمَ انتزاعاً من العباد، ولكن يقبضُ العلمَ بقبضِ العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهّالاً، فسُئلوا، فأفتوْا بغير علم، فضلّوا وأضلَّوا ".
إنه لمن الضروري أن يُعرَّفَ الناس بعلمائهم الربانيين ومنهجهم كي يلزموا قولهم وحكمهم، وخصوصاً في المسائل النازلة، والمستجدات، والقضايا الكبار التي لا ينبغي أن يُسمع فيها إلا للكبار، وحَريٌّ أن يُفرَّقَ بين هؤلاء العلماءِ وبين من قد يشتبهُ بهم أو يلتبسُ على الناس فيهم أمْرَهم من أمثال : الخطباء والوعّاظ، والمفكرين والمثقفين، والعقلانيين والعصريين، والصَّحفيين، وأهل الكلام، والهذر، والتهويش، ممن كثر سَقَطهُ وهفوهُ، وتتابع زلَلُهُ وزيغُهُ. وقد قيلَ : من تكلمَ بغير فنه أتى بالعجائب .
ولا يعني بحالٍ من الأحوال تهافتُ الناس على أشباه العلماء!!، وازدحام الألوف بين أيديهم أنهم علماءُ، أو يُسَوَّغُ لأحد العمل بمقتضى أحكامهم، ورحم الله ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ إذ قال: "إنكم في زمانٍ كثيرٍ علماؤه ، قليلٍ خطباؤه ، وإن بعدكُم زماناَ كثيرٌ خطباؤه والعلماء فيه قليل " أَخرجَه البخاريُّ في "الأدبِ المفردِ"(789)، وأَبو خَيْثَمَةَ في"العلمِ"(ص109)،والطبرانيُّ في "المعجمِ الكبيرِ"(18566)، وينظر:"السلسلة الصحيحة" للإمام الألبانيِّ ـ رحمه الله ـ (2510).
والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

عبدالله محمد الصانع
10-19-2008, 02:34 PM
جزاك الله خير الجزاء شيخنا على التنبيه على هذه الطامه الذي اصبح يعاني منها الكثير.وعافانا الله منها(التصدر قبل التاهل)انا وجميع اخواني في الله.....امين......امين

سليم الطوري
10-20-2008, 11:21 AM
بارك الله فيك شيخنا وحفظك الله على هذا البيان الجلي الذي منه نستفيد ونفيد وجعله الله في ميزان حسناتك وأسال الله ان نكون ممن يدعون الى الله على بصيره وثبتك الله وصبرك الله جلا وعلا ويثبت الله الجميع على منهج السلف الصالح

نزال محمد ابو زايد
10-20-2008, 12:25 PM
بارك الله فيك شيخ رائد على هذا البيان المهم جدا جدا
ورضي الله عن ابن مسعود حين قال :
سيأتي على الناس زمان كثير خطباؤه، قليل علماؤه